المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌(من أحكام الصلاة)

- ‌(من أحكام النكاح)

- ‌(من أحكام الشهادات)

- ‌(من أحكام المواريث)

- ‌سُورَةُ المَائِدَةِ

- ‌(من أحكام المعاملات)

- ‌(من أحكام الأطعمة)

- ‌(من أحكام المعاملات)

- ‌(من أحكام الحج)

- ‌(من أحكام الصيد والذبائح)

- ‌(من أحكام الطهارة)

- ‌(من أحكام الحدود)

- ‌(الحرابة)

- ‌(السرقة)

- ‌(من أحكام أهل الكتاب)

- ‌(من أحكام الصلاة)

- ‌(من أحكام الأيمان)

- ‌(من أحكام الأشربة)

- ‌(من أحكام الهدي)

- ‌(من أحكام الشهادات)

- ‌سُورَةُ الأَنْعَامِ

- ‌(من أحكام الذبائح)

- ‌(من أحكام الزكاة)

- ‌(من أحكام الذبائح)

- ‌(من أحكام اليتامى)

- ‌سُورَةُ الأَعْرَافِ

- ‌(من أحكام اللباس والزينة)

- ‌(من أحكام الصلاة)

- ‌سُورَةُ الأَنفَالِ

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(من أحكام الهجرة)

- ‌سُورَةُ التَّوْبَةِ

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(من أحكام الزكاة)

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(من أحكام الصدقة)

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(من أحكام الصلاة)

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(من أحكام الزكاة)

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌سُوْرَةُ يُوسُفَ

- ‌(من أحكام المعاملات)

- ‌سُوْرَةُ النَّحْلِ

- ‌(من أحكام الطهارة)

- ‌(من أحكام الأيمان)

- ‌(من أحكام الصلاة)

- ‌(من أحكام المعاملات)

- ‌سُوْرَةُ الإسْراءِ

- ‌(من أحكام البر والصلة)

- ‌(من أحكام القصاص)

- ‌(من أحكام البيوع)

- ‌(من أحكام الصلاة)

- ‌سُوْرَةُ الأَنْبيَاءِ

- ‌(من أحكام المعاملات)

الفصل: ‌(من أحكام الصلاة)

(من أحكام الصلاة)

(الأذان)

117 -

(14) قوله عز وجل: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} [المائدة: 58].

أقول:

قد أَعْلَمَنا اللهُ سبحانَه أنَّ النِّداءَ إلى الصَّلاةِ من شعارِ هذا الدينِ، وعملِ المؤمنين، فقال تعالى:{وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا} [المائدة: 58]، وقال في "سورةِ الجُمُعَةِ":{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9].

وقد علمنا من هذا الخطاب أيضًا أن المرادَ بالصَّلاةِ المَكْتوبةُ؛ لأنه ليسَ ثَمَّ صلاةٌ يجبُ السَّعْيُ إليها إلا فَريضَةَ الجُمعةِ.

قال أبو عبدِ اللهِ الشافعيُّ بعدَ أن ذكرَ الآيتين: وكانَ بيِّناً (1) -والله أعلم- أنهُ أرادَ المكتوبةَ بالآيتينِ معاً، قال: وشرعَ (2) رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الأَذانَ للمكتوباتَ، ولم يَحْفَظْ عنه أحدٌ علمتُه أنه أمرَ بالأذان لغيرِ صلاة مكتوبة، بل حفظَ الزُّهريُّ عنه أنه كانَ يأمرُ في العيدين المؤذِّنَ يقولَ: الصلاةَ جامِعَةً (3).

(1)"بيِّناً": ليس في "أ".

(2)

في "ب": "وسنّ".

(3)

انظر: "الأم" للإمام الشافعي (1/ 82).

ص: 155

* وعلى مشروعيةِ الأذانِ أجمعَ المُسلمون، وتميز به المؤمنون، فكانَ (1) النبيَّ صلى الله عليه وسلم إذا غَزا قَوْماً، فإنْ سمعَ نِداءً، لم يَغزُ، وإن لم يسمعْ، أغارَ (2)، وفعلَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وأمرَ بهِ، حَضَراً وسَفَراً، فقال لمالِكِ بنِ الحُوَيْرِثِ ولصاحبه:"إذا كُنْتُما في سَفَرٍ، فَأَذِّنا، وأقيما، ولْيَؤُمَّكُما أَكْبَرُكُما"(3).

* ثم اختلفوا في هذهِ المشروعية، هل هي على الوجوب، أو على الندب؟

فذهبَ الشافعيُّ وأبو حنيفةَ إلى أنه سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ للجماعة والمُنْفَرِدِ، وهو في حَقِّ الجَماعةِ آكَدُ؛ لأنه لم يكنْ في صدرِ الإسلامِ، وإنما شَرَعَهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لجمعِ الناسِ للصَّلاةِ، وإعلامِهم بها (4).

وذهبُ (5) مالِكٌ وبعضُ الشافعيةِ إلى أنه فرضُ عَيْنٍ في مَساجدِ الجَماعاتِ، ولم يَرَهُ على المنفردِ فَرْضاً ولا سُنَّةً (6).

(1) في "ب": "وكان".

(2)

تقدم تخريجه.

(3)

رواه البخاري (2693)، كتاب: الجهاد، باب: سفر الاثنين، ومسلم (674)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: من أحق بالإمامة، بلفظ:"أذنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما".

(4)

انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (2/ 41)، و"الهداية شرح البداية" للمرغيناني (1/ 41).

(5)

في "أ": "ومذهب".

(6)

ذكر ابن عبد البر قولين للمالكية في المسألة: الأول: أن الأذان واجب، والثاني: أنه سنة مؤكدة، وكذا حكي القولان عند الحنابلة. انظر:"التمهيد" لابن عبد البر (13/ 277)، و"المغني" لابن قدامة (1/ 250).

ص: 156

وذهبَ بعضُ أهلِ الظاهرِ إلى أنه واجبٌ على الأعيانِ (1).

وقال بعضُهم: بل على الجَماعة (2).

وقال بعضُهم: في السَّفَرِ خاصَّةً، واستدلُّوا بفعل النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأمرِه ودوامِه عليه (3).

* إذا تقررَ هذا، فقد فَهِمْنا من الآية أن النِّداءَ للصَّلاة لا يكونُ إلا بعدَ دخُولِ وَقْتِها؛ لأنه لا يُنادى لفعلِ شَيْءٍ قبلَ جَوازِ فِعْلِه، وعلى هذا أجمعَ أهلُ العلمِ في جميعِ الصَّلَواتِ، إلا صلاةَ الصُّبْحِ.

فذهبَ مالِكٌ والشافعيُّ إلى جَوازه قبلَ الفَجْرِ (4)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن بِلالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلوا واشربوا حتى تَسْمعوا أَذانَ ابنِ أُمِّ مَكْتومٍ"(5).

قال الشافعيُّ في كتابِه القديمِ: أخبرنا بعضُ أصحابِنا عن الأعرج عن إبِراهيمَ بنِ محمدِ بنِ عمارةَ عن أبيهِ عن جَدِّهِ عنْ سعد القُرظيّ قال: أَذَّنَّا في زمانِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وفي زَمَنِ عُمَرَ بالمدينة، فكان أذانُنا للصبحِ لوقتٍ واحدٍ في الشتاءِ لِسُبُعٍ ونصْفٍ يَبْقى، وفي الصَّيْفِ لِسُبُعٍ يبقى (6).

قال: وأخبرَنا ابنُ أبي الحباب الخزاعيُّ، وكانَ قد زادَ على الثمانين،

(1) انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (1/ 400).

(2)

وهو قول ابن حزم. انظر: "المحلى" لابن حزم (3/ 122).

(3)

انظر: "المدونة الكبرى"(1/ 61)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (1/ 400).

(4)

وهو مذهب أحمد. انظر: "الموطأ" للإمام مالك (1/ 71)، و"الأم" للإمام الشافعي (1/ 83)، و"المغني" لابن قدامة (1/ 246).

(5)

تقدم تخريجه.

(6)

في "ب": "يبقى منه". والحديث باطل كما قال ابن الصلاح والنووي وابن الملقن والبدر العيني وغيرهم. وانظر: "خلاصة البدر المنير"(1/ 89)، و"تلخيص الحبير"(1/ 179)، و"عمدة القاري"(5/ 135).

ص: 157

أو راهَقَها، قال: أدركْتُ منذُ كنتُ آلَ أبي مَحْذوَرَة يُؤَذِّنونَ قَبْلَ الفَجْرِ بِلَيْلٍ، وسمعتُ منهم مَنْ يحكي ذلك عن آبائه (1).

وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يؤذَنُ لها إلا بعدَ الفَجْرِ؛ كسائرِ الصَّلَوات (2).

واستدلَّ بما رُوي أنَّ بلالاً أذَّنَ قبلَ الفَجْرِ، فأمره النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يرجع ينادي: ألا إنَّ العبدَ قَدْ نام (3).

وأجاب الشافعيُّ فقال: قد سمعتَ تلكَ الرِّوايةَ، فرأينا أهلَ الحَديثِ منْ أَهْلِ ناحِيَتِكَ لا يُثْبِتونَها، يزعُمون أنها ضعيفةٌ، ولا تقومُ بمثلِها حُجَّةٌ على الانفِراد.

واحتجَّ أيضاً في القديم بفِعْل أهلِ الحَرَمينِ، وساقَ الكلامَ فيه، إلى أن قال: هذا منَ الأُمور الظاهِرَةِ، ولا شَكَّ أنَّ أهلَ المَسْجِدَيْنِ، والمُؤَذِّنينَ والأَئِمَّةَ الذين أَقَرُّوهُمْ لم يُقيموا من هذا على غَلَطٍ، ولا أَقَرُّوه، ولا احتاجوا فيه إلى عِلْمِ غيرِهم، ولا لغيرِهم الدخولُ بهذا عليهم (4).

وذهب قومٌ إلى أنه لا بُدَّ من أَذانَيْن: أذانٍ قبلَ الفَجْرِ، وأذانٍ بعدَه اتبِّاعاً لما كانَ في عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.

(1) انظر: "معرفة السنن والآثار" للبيهقي (1/ 412).

(2)

انظر: "شرح فتح القدير" لابن الهمام (1/ 253)، و"الهداية شرح البداية" للمرغيناني (1/ 43).

(3)

رواه أبو داود (532)، كتاب: الصلاة، باب: في الأذان قبل دخول الوقت، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(1/ 139)، عن عبد الله بن عمر.

(4)

انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (2/ 54)، و"معرفة السنن والآثار" للبيهقي (1/ 415).

ص: 158

وبه قال محمدُ بنُ حزمٍ، إلا أنه يكونَ قبلَ الفجرِ بزمنٍ (1) يَسيرٍ بقَدْرِ ما يهبطُ هذا، ويصعَدُ هذا، فيجوز (2).

* فإن قلت: فبيِّنْ لنا صفةَ النِّداءِ الذي ذكرَهُ اللهُ سبحانَه، وصفةَ الإقامَةِ التي سَنَّها النبيُّ صلى الله عليه وسلم.

قلنا: اختلفَتِ الرِّواياتُ في ذلك.

أما الأذانُ:

1 -

فقالَ الشافعيُّ: أنبأنا (3) مسلمُ بنُ خالدٍ، عن ابنِ جُريجٍ قال: أخبرني عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أبي مَحْذورَةَ: أنَّ عبدَ الله بْنَ مُحَيْريزٍ أخبرَهُ، وكان يتيماً في حِجْر أبي مَحْذورَةَ حينَ جَهَّزَهُ إلى الشامِ، فقلتِ لأبي مَحْذورة: أيْ عَمِّ! إِنِّي خارجٌ إلى (4) الشامَ، وأنِّي أخشى أن أُسألَ عن تأذينِك، فأخبرْني أبا مَحْذورَةَ، قال: نعم، خرجْتُ في نَفَرٍ، فكنّا ببعضِ طريقِ حُنَيْنٍ، فَقَفَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من حنينٍ (5)، فلقينا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في بعضِ الطريق، فَأَذَّنَ مؤذِّنُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بالصَّلاةِ عندَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فسمِعْنا صوتَ المُؤَذِّنِ ونحنُ مُتَّكِئون، فصرخنا نَحْكيهِ ونستهزئُ به، فسمعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فأرسلَ إلينا إلى أن وَقَفْنا بينَ يديه، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"أَيُّكُمُ الَّذي سَمِعْتُ صَوْتَهَ قدِ ارتَفَعَ؟ "، فأشارَ القومُ كُلُّهم إليَّ، فصدَقوا، فأرسلَ كُلَّهُمْ وحَبَسني، فقال:"قمْ فأَذِّنْ بالصَّلاة"، فقمت، ولا شيءَ أكرهُ إليَّ منْ

(1) في "ب": "بشيء".

(2)

انظر: "المحلى" لابن حزم (3/ 117)، و"شرح مسلم" للنووي (7/ 202).

(3)

في "ب": "أخبرنا".

(4)

"إلى" ليس في "أ".

(5)

"من حنين" ليس في "أ".

ص: 159

رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ولا مِمَّا يأمرُني به، فقمتُ بينَ يَدَيْ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فألقى على رسولُ الله صلى الله عليه وسلم التَّأْذينَ هُوَ نَفْسُهُ فقال: قُل: "اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، أشهدُ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، أشهدُ أنَّ مُحَمَّداً رسولُ الله، أشهدُ أن مُحَمَّداً رسولُ الله"، ثم قال:"ارجعْ وامدُدْ منْ صوتك، ثم قُلْ: أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، أشهدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسولُ الله، أشهدُ أنَّ مُحَمَّداً رسولُ اللهِ، حَيَّ على الصَّلاةِ، حَيَّ على الصَّلاةِ، حَيَّ على الفَلاحِ، حَيَّ على الفَلاحِ، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، لا إلهَ إلا اللهُ" ثم قضيتُ التأذين، ثم دعاني وأعطاني صُرَّةً فيها شيءٌ من فِضَّةٍ، ثم وضَعَ يدَه على ناصِيَتِه (1)، ثم أَمَرَّها على وَجْهِهِ، ثُمَّ منْ بينِ يَدَيهِ إلى كَبدِهِ، ثم بَلَغَتْ يَدُهُ إلى سُرَّةِ أبي مَحْذورَةَ، ثم قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بارَكَ الله فيكَ، وبارَكَ عليكَ" فقلت: يا رسول الله! مُرْني بالتأذينِ بِمَكَّةَ، فقالَ:"قدْ أمرتُكَ بهِ"، وذهب كُلُّ شيءٍ كانَ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم من كَراهِيَةٍ، وعادَ ذلكَ كُلُّهُ مَحَبَّةً لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَدِمْتُ على عَتَّابِ بْنِ أسيدٍ عامِلِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَذَّنْتُ بالصَّلاةِ عنْ أمرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.

قال ابنُ جُرَيْجٍ: وأخبرني بذلك مَنْ أَدْرَكْتُ منْ آلِ أبي مَحْذورةَ على نحوِ ما أخبرَني ابنُ مُحَيْريزٍ.

قال الشافعيُّ: وأَدْرَكْتُ إبراهيمَ بنَ عبدِ العزيزِ بنِ عبدِ الملكِ بنِ أبي مَحْذورَةَ يؤذِّنُ كما حكى (2) ابنُ مُحَيْريزٍ، وسمعتُه يُحَدِّثُ عن أبيهِ، عنِ ابنِ مُحَيْريزٍ، عنْ أبي مَحْذورَةَ، عنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَعْنى ما حَكى ابنُ جُرَيْج.

قال: وسمعتهُ يقيمُ فيقولُ (3): اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، أشهدُ أن لا إله

(1) في "ب": "ناصية أبي محذورة".

(2)

في "ب": "ذكر".

(3)

في "أ": "يقول".

ص: 160

إلا الله، أشهدُ أن مُحَمَّداً رسولُ الله، حَيَّ على الصَّلاةِ، حَيَّ على الفَلاحِ، قدْ قامَتِ الصَّلاةُ، قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، لا إلهَ إلَّا الله.

قال الشافعيُّ: وحَسِبْتُني سَمِعْتُه يَحْكي الإقامَةَ خَبَراً كما حَكى الأذانَ (1).

وعلى هذا عَمَلُ أهلِ مَكَّةَ، وإيّاهُ اعتمَدَ الشافِعِيُّ -رحمه الله تعالى (2) - فَرَبَّعَ التكبيرَ، ثم رَجَّعَ بالشَّهادَتَينِ، وأَوْتَرَ الإقامة، إلا لفظَ الإقامة؛ لما سَمِعَهُ من آلِ أبي محذورة.

ولما رَوى أنسُ بنُ مالِكٍ -رضيَ الله تعالى عنه - أَنَّ بِلالاً أُمِرَ أَنْ يَشْفَعَ الأَذان، ويُوترَ الإقامةَ، إِلَّا لَفْظَ الإقامَةِ (3).

ولما روى عبدُ اللهِ بنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما - قال: كان الأذانُ على عهدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مَثْنى مَثْنى، والإقامَةُ مَرَّةً مَرَّةً، غيرَ أنَّ المؤذِّنَ إذا قال: قد قامَتِ الصَّلاةُ، قال مَرَّتينِ (4).

(1) رواه الإمام الشافعي في "مسنده"(30، 31)، والنسائي (632)، كتاب: الأذان، باب: كيف الأذان، والإمام أحمد في "المسند"(3/ 409)، وابن حبان في "صحيحه"(1680)، والطبراني في "المعجم الكبير"(6731)، والدارقطني في "سننه"(1/ 233)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 393).

(2)

وهو مذهب الإمام أحمد. انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (2/ 42)، و"الكافي" لابن قدامة (1/ 101)، و"شرح مسلم" للنووي (4/ 81).

(3)

رواه البخاري (578)، كتاب: الأذان، باب: بدء الأذان، ومسلم (378)، كتاب: الصلاة، باب: الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة.

(4)

رواه أبو داود (510)، كتاب: الصلاة، باب: في الإقامة، والنسائي (628)، كتاب: الأذان، باب: تثنية الأذان، وأبو داود الطيالسي في "مسنده"(1923)، والدارمي في "سننه"(1193)، والدارقطني في "سننه"(1/ 239)، والحاكم في "المستدرك"(709)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 413).

ص: 161

2 -

وذهب مالِكٌ إلى ما عليهِ عَمَلُ أهلِ المدينة (1)، فَثَنَّى التكبيرَ، ورَبَعَّ الشهادتينِ، ولم يُرَجِّعْ، ثم باقي الأَذان مَثْنى.

وقد رُوِيَ تَثْنِيَةُ التكبير في أَوَّلِ الأذانِ عنْ عبدِ اللهِ بنِ زَيْدٍ، وأبي مَحْذورةَ أيضاً.

كما روي عنه التربيع في التكبير، وأوتر الإقامةَ كالشافعيِّ، إلا كلمةَ الإقامَةِ، فإنَّهُ لم يُثَنِّها.

ويدلُّ لهُ ما رَوى أنسُ بنُ مالِكٍ - رضىَ اللهُ تعالى عنه - أَنَّ بِلالاً أُمِرَ أنْ يَشْفَعَ الأذانَ، ويُوتِرَ الإقامَةَ.

ولم يرهُ الشافِعيُّ مخالِفاً تقَدَّمَ عن أنسٍ أيضاً، فقال: هذا ثابتٌ، وبه نقولُ، فنجعلُ الإقامَةَ وِتْراً، إلا في مَوْضِعَيْنِ: اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، في أولِ الأذان، وقَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، فإنَّهما (2) شَفْعٌ (3).

وحملَ المُطْلَقَ في روايةِ أنسٍ على المُقَيَّدِ.

وهو جوابٌ حَسَنٌ، لكنَّ مالِكاً لم يعتَمِدْ إلا على عَمَلِ أهلِ المدينة.

قال مالِكٌ: لم يَبْلُغْني في النِّداءِ والإقامَةِ إلَّا ما أَدْرَكُتْ الناسَ عليه، فأَمَّا الإقامَةُ، فإنَّها لا تُثَنَّى، وذلكَ الذي لم يَزَلْ عليهِ أهلُ العِلْمِ ببلدِنا (4).

وهو معتمدٌ قويٌّ لأنَّ هذا شيءٌ طريقُه النقلُ، ولو كانَ حصلَ فيه نقصٌ أو زيادةٌ أو تغييرٌ، لَعُلِمَ عندَهم، بل ما عُلِم إلا أنهُ كانَ على هذا، فروى مالِكٌ عن عَمِّهِ أبي سُهَيْلِ بنِ مالِكٍ عن أبيهِ: أنه قال: ما أعرفُ شيئاً ممّا

(1) انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (24/ 28)، و"الذخيرة" للقرافي (2/ 44).

(2)

في "أ": "فإنها".

(3)

انظر: "معرفة السنن والآثار" للبيهقي (1/ 439).

(4)

انظر: "الموطأ" للإمام مالك (1/ 71).

ص: 162

أدركْتُ عليهِ الناسَ إلا النِّداءَ بالصلاةِ (1).

3 -

وذهبَ أبو حنيفةَ إلى ما عليهِ أهلُ الكوفةِ، فربَّعَ التَّكبيرَ، وثَنَّى بقيةَ الأذانِ، ولم يرجِّعْ (2).

واحتجُّوا بحديثِ ابنِ أبي ليلى، وفيه أَنَّ عبدَ اللهِ بنَ زيدٍ رأى في النَّوْمِ رَجُلاً، فأقامَ على جِذْمِ (3) حائِطٍ، وعليه رِداءان أَخْضَرانِ، فَأَذَّنَ مَثْنى، وأقامَ مَثْنى، وأنه أخبرَ بذلكَ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقامَ بلالٌ فأذَّنَ مَثْنى، وأقامَ مَثْنى (4).

وأجابَ عنهُ الشافعيُّ فقال: لا يُعْلَمُ عبدُ الرَّحْمنِ بنُ أبي ليلى رأى بِلالاً قَطُّ، عبدُ الرحمنِ بالكوفةِ، وبلالٌ بالشام، وبعضُهم يُدخِلُ بينَه وبينَ عبدِ الرحمنِ رجلاً لا نعرفهُ، وليسَ يقبلُه أهلُ الحديث (5)(6).

(1) رواه الإمام مالك في "الموطأ"(1/ 72).

(2)

انظر: "شرح معاني الآثار" للطحاوي (1/ 130)، و"المبسوط" للسرخسي (1/ 128)، و"الهداية شرح البداية" للمرغيناني (1/ 41).

(3)

جذم: الجِذْمُ: الأصل، وأراد هنا بقيَّةَ حائط، أو قطعة من حائط. "اللسان" (مادة: جذم) 88/ 12 (12/ 88).

(4)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(5/ 232)، وابن خزيمة في "صحيحه"(381)، والدارقطني في "سننه"(1/ 242)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 420).

ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(2118)، وابن خزيمة في "صحيحه"(379)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(1/ 131)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 420)، وابن عبد البر في "التمهيد"(24/ 27)، وابن حزم في "المحلى"، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أن عبد الله بن زيد

الحديث. ورواه ابن خزيمة في "صحيحه"(380)، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن زيد.

(5)

ذكره عن الإِمام الشافعي أبو زرعة العراقي في "تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل"(205).

(6)

انظر: "معرفة السنن والآثار" للبيهقي (1/ 162).

ص: 163

قال البَيْهَقِيُّ: وهو (1) حديثٌ مُخْتَلَفٌ فيه على عبدِ الرحمنِ، فرُوي عنهُ عن عبدِ الله بنِ زيد، ورُوي عنه قال: حدثنا أصحاب مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم: أن عبدَ اللهِ بنَ زيد.

ورُوي عنه عن معاذِ بنِ جبلٍ في قصةِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ.

ثم قال: قال محمدُ بنُ إسْحاقَ بنِ خُزَيْمَةَ: عبدُ الرحمنِ بنُ أبي ليلى لم يَسْمَعْ من مُعاذِ بنِ جَبَلٍ، ولا منْ عبدِ اللهِ بنِ زَيْدٍ صاحِبِ الأذانِ، ثم قال: وكذلكَ لم يسمعْ من بِلال (2).

وقد ذهبَ إلى إفرادِ الإقامَةِ من العراقِيِّينَ الحسنُ البَصْري، وابنُ سيرينَ (3).

4 -

وذهب أحمدُ بنْ حَنبَلٍ وداودُ إلى أنَّ العملَ بهذهِ الرواياتِ على التَّخْييرِ، لا على الحَتْمِ كما قالَ في صَلاةِ الخَوْفِ (4).

* ثم اختلفوا في التَّثْويبِ، وهو قولُ المؤذنِ في صَلاةِ الصُّبْحِ: الصلاةُ خيرٌ من النَّوْمِ، هل يُشْرَعُ أو لا؟

فذهبَ الجُمهورُ إلى مَشْروعِيَّتِهِ، وبه قالَ الشافِعِيُّ في القديم (5).

(1) في "ب": "وهذا".

(2)

انظر: "السنن الكبرى" للبيهقي (1/ 420).

(3)

وإليه ذهب سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزهري ومكحول وعمر بن عبد العزيز وغيرهم.

انظر: "السنن الكبرى" للبيهقي (1/ 419)، و"المجموع" للنووي (3/ 102).

(4)

وهو قول الجصاص. انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 253)، و"المحلى" لابن حزم (3/ 151)، و"بداية المجتهد" لابن رشد (1/ 77).

(5)

انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (2/ 55)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (1/ 398)، والمبسوط" للسرخسي (1/ 130).

ص: 164

وأباهُ آخَرون، وبه قالَ الشافِعيُّ في الجَديد؛ لكونِهِ لم يردْ في الحديث المُتَّصِلِ الثابِتِ عنِ ابنِ مُحَيريزٍ عنْ أبي مَحْذورة (1).

ولكنه قد ثَبَتَ اتِّصالُهُ عن محمدِ بنِ عبدِ الملكِ بنِ أبي مَحْذورَةَ عن أبيهِ عن جَدِّهِ قال: قلت: يا رسولَ الله! عَلِّمْني سُنَّةَ الأَذانِ، فعلَّمَهُ إياها، وقال:"وإن كانَ صلاةُ الصبحِ قُلْتَ: الصلاةُ خيرٌ من النومِ، الصَّلاةُ خيرٌ من النوم، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، لا إله إلا اللهَ"(2).

* إذا تمَّ هذا، فالنداءُ هو رَفْعُ الصَّوْتِ بالقول، وإذا لم يُرْفَعِ الصوتُ، فليسَ بنداءٍ.

فحينئذٍ يُسْتَنْبَطُ من الآيةِ الكَريمَةِ أَنَّ من شَرْطِ الأذانِ رَفْعَ الصَّوْتِ، ولا تتَأَدَّى سُنَّتُه بأنْ تُفْعَلَ سِرًّا، ولهذا لم يُشْرَعْ للنِّساءِ أذانٌ، وكذا للمنفردِ عندَ مالِكٍ، وهو قولٌ للشافعيِّ أيضاً.

ويستنبطُ منه أن المؤذنَ مهما اشتدَّ رَفْعُ صوتهِ، كانَ أفضلَ، ولهذا أمرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عبدَ اللهِ بنَ زيدٍ بالإلْقاءِ على بلالٍ، فقال:"قُمْ مع بِلالٍ، فَأَلْقِ عليهِ ما رأيتَ، فَلْيُؤَذِّنْ؛ فإنَّه أَنْدى صَوْتاً منكَ"(3).

(1) انظر: "الأم" للإمام الشافعي (1/ 85)، و"معرفة السنن والآثار" للبيهقي (1/ 447).

(2)

رواه أبو داود (500)، كتاب: الصلاة، باب: كيف الأذان، والإمام أحمد في "المسند"(3/ 408)، وابن حبان في "صحيحه"(1682)، وابن عدي في "الكامل في الضعفاء"(2/ 189)، والطبراني في "المعجم الكبير"(6735)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 394).

(3)

رواه أبو داود (499)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في بدء الأذان، والإمام أحمد في "المسند"(4/ 43)، والدارمي في "سننه"(1187)، وابن خزيمة في "صحيحه"(370)، وابن حبان في "صحيحه"(1679)، والدارقطني في "سننه" =

ص: 165

وَرَغَّبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في رَفْعِ الصوتِ بالأذان، فقالَ أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ:"فإنه لا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا إنسٌ ولا شيءٌ إلا شَهِدَ لهُ يومَ القِيامة"، قال أبو سعيدٍ: سمعتهُ مِنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم (1).

= (1/ 241)، وابن الجارود في "المنتقى"(158)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 399).

(1)

رواه البخاري (584)، كتاب: الأذان، باب: رفع الصوت بالنداء.

ص: 166