الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(من أحكام الذبائح)
131 -
(4) قوله جَلَّ ثناؤه: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 145].
* أقول: ظاهرُ هذه الآيةِ تقْتَضي أن كلَّ ما عدا المذكورَ المَحْصورَ فيها حلالٌ، وليسَ بحرام.
وقد وردتِ السُّنَّةُ المُتَّفَقُ عليها بتحريمِ أشياءَ ليستْ مذكورةً فيها؛ كالسِّباعِ، والحُمُرِ الأَهْلِيَّة، فاختلفَ الناسُ لذلك.
فأخذَ قومٌ بظاهرِ الآية، ورأوا أن السنةَ لا تنسخُ الكتابَ، ولا تُقاوِمُهُ، ولفظُ الكتابِ ليسَ بعامٍّ فيُخصُّ، ولا بمُطْلَقِ فَيُقَيَّدُ، بل هو نَصٌّ صريحٌ في الحَصْرِ، فَحَلَّلوا ما عدا المذكورَ في الآية، وبهذا قالَ مالكٌ في إحدى الروايات عنه (1).
(1) هذا قول لبعض المالكية، وليس هو مذهب الإمام مالك. انظر:"الموطأ" للإمام مالك (2/ 496)، و"التمهيد" لابن عبد البر (1/ 143)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (7/ 118)، و"بداية المجتهد" لابن رشد (1/ 343).
وهذا القولُ ضعيفٌ جِدًّا؛ لما فيه من تركِ السُّنَّةِ المتفَقِ عليها، مع تأخُّرِها وحدوثِها.
ولمَّا رأى أكثرُ السَّلَفِ ذلكَ، ورأَوا أنه لا سبيلَ إلى تركِ السنَّةِ، اختلفوا على مَسْلَكَيْنِ:
فقال قومٌ: الآيةُ منسوخَةٌ بالسنَّةِ (1)، فالآيةُ مَكِّيَّةٌ، والنَّهيُ عن الحُمُرِ الإنْسِيَّةِ كانَ بِخَيْبَرَ، رواهُ جابرُ بنُ عبدِ الله (2)، والنَّهْيُ عن كلِّ ذي نابٍ من السِّباعِ وذي مِخْلَبٍ من الطيرِ رواهُ أبو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ وأبو هريرةَ (3)، وهو متأخِّرُ الإسلام (4).
وقال قومٌ: الآيةُ محكَمةٌ، ويضمُّ إليها بالسنَّةِ ما فيها من المُحَرَّمات، وبهذا المَسْلَكِ أخذَ جمهورُ أهلِ العلم (5).
فإن قلتَ: فكيفَ تُضَمُّ السنَّةُ إلى الكِتاب معَ هذا التَّعارُضِ الصَّريحِ؟
قلنا (6): لا تعارُضَ بينَهُما؛ لأنَّ الآيةَ جاءَ سياقُها لقَصْدِ الرَّدِّ على المُشركين في تَحْليلِهم وتحريمِهم أشياءَ بِجَهْلِهِم، ولم يردْ لحَصرِ المُحَرَّماتِ.
فإن قلتَ: فما دليلُك على هذا؟
قلتُ: قرأتُ من قبلهِ أربعَ آياتٍ، ونظرتُ كيفَ عاتَبَ اللهُ المشركينَ
(1) انظر: "المصفى بأكف أهل الرسوخ"(ص: 34 - 35).
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
انظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس (ص: 432).
(5)
انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (1/ 145)، و"نواسخ القرآن" لابن الجوزي (ص:160).
(6)
في "ب": "قلت".
على فِعْلِهم من التحليلِ والتحريمِ، وبهذه الطريقِ أخذَ أبو عبدِ اللهِ الشافعي رحمه الله (1) - فهؤلاءِ قومٌ لم يَنْبذوا الكِتاب ولا السنَّةَ وراءَ ظُهورهم، ولم يَنْسَخوا الكتابَ بما هو أضعفُ منه.
فإن قلت: فهذا ابنُ عباسِ -رضي الله تعالى عنهما- البحرُ الحَبْرُ التَّرْجُمانُ يقولُ بتحليل الحُمُرِ الإنسية، قال عَمْرُو بنُ دينارِ: قلت لجابرِ بن زيد: إنهم يزعُمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نَهى عن لُحومِ الحُمُرِ الأهليةِ، قال: قد كانَ يقولُ ذلكَ الحَكَمُ بن عمرِو الغِفاريِّ عندَنا بالبَصْرَة، ولكن أبى ذلك الحَبْرُ، يعني: ابن عباس، وقرأ:{قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} [الأنعام: 145] الآية (2).
وهذه أيضًا عائشةُ ذهبَتْ إلى تحليلِ الحُمُرِ الأهليةِ (3)، وقَرَأَتِ الآيةَ كما قرأها ابنُ عباسِ -رضي الله تعالى عنهما (4).
قلت: إنما لم يحرماها؛ لأنهما تردَّدا في النَهْي هل هو على البَتِّ، أو لِعِلَّةٍ، وقدْ زالت العِلَّةُ (5)؟ فقد خَرَّجَ مسلم في "صحيحه" عن ابن عباسِ: أنه قال: لا أدري نَهى عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من أجلِ أَنَّه كانَ حَمولةَ الناسِ، فكرهَ أن تذهبَ حَمولَتُهم (6).
(1) انظر: "اختلاف الحديث" للإمام الشافعي (ص: 458).
(2)
رواه البخاري (5209). ورواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار"(4/ 205).
(3)
في "ب": "الإنسية".
(4)
انظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس (ص: 432)، و "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 293).
(5)
"العلة": ليس في "أ".
(6)
رواه البخاري (3987)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر، ومسلم (1939)، كتاب: الصيد والذبائح، باب: تحريم أكل لحم الحمر الإنسية.
وأمّا قراءَتُهما للآيةِ، فقرأاها استدلالاً وتنبيهًا على أن أصلَ الأشياءِ الحِلُّ، لا التحريمُ حتى يردَ كتابٌ أو سُنَّةٌ صحيحةٌ صريحةٌ، ولو كانَ منهما اعتقاداً للحصر، وتقديماً للآيةِ على السنَّةِ، لأَباحا كُلَّ ذي نابٍ من السِّباع، وذي مِخْلَبٍ من الطير، ولم يفعلا ذلك (1).
ويدلُّ على ما قلتُه ما روى عَمْرُو بنُ دينارٍ عن أبي الشَّعثاءِ عنِ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنه- قال: كان أهلُ الجاهليةِ يأكلونَ أشياءَ، فبعث اللهُ نبيَّه صلى الله عليه وسلم، وأنزل كتابَهُ، وأَحَلَّ حلالَه، وحَرَّمَ حَرامَهُ، فما أَحَلَّ فهو حَلالٌ، وما حَرَّمَ فهو حَرامٌ، وما سكتَ عنه فهوَ عَفْوٌ (2)، وتَلا هذهِ الآية (3).
وقد قدَّمْتُ في "سورةِ البقرةِ" جُمَلاً نافِعَةً -إن شاء الله تعالى-.
* وقوله تعالى: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145].
والرِّجسُ: يقع على القبيح المستقذر؛ كقوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [الحج: 30].
ويقع على العذابِ؛ كقوله تعالى: {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [يونس: 100].
ويقع على النَّجِس؛ كقولهِ صلى الله عليه وسلم لمَّا أُتِي بِحَجَرَيْنِ ورَوْثَةٍ، فأخذَ
(1) وروي أن السيدة عائشة رضي الله عنها سئلت عن أكل كل ناب من السباع، فتلت:{لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} . رواه عبد الرزاق في "المصنف"(8708)، والطبري في "التفسير"(8/ 71)، وابن أبي حاتم في "التفسير"(5/ 1407).
(2)
في "ب": "معفو".
(3)
رواه أبو داود (3800)، كتاب: الأطعمة، باب: ما لم يذكر تحريمه، والحاكم في "المستدرك"(7113)، والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة"(504).
الحجرينِ، وألقى الروثةَ، وقال:"إنها رِكْسٌ"(1) أي: رَجيعٌ نَجِسٌ.
والرِّكْسُ والنَّجِسُ بمعنًى.
وهو يحتملُ هنا أن يُرادَ به القبيحُ المستقذر، فلا يدلُّ على نجاسةِ الخنزيرِ؛ كما ذهبَ إليه مالِكٌ في أحد قوليه (2).
ويحتمل أن يرادَ بهِ النَّجِسُ، فيدلُّ على نَجاسَةِ الخِنْزيرِ؛ كما ذهب إليه الشافعي وغيرُه (3).
ويحتملُ أن يُرادَ بهِ العقابُ؛ فإنه سببُ العِقاب.
وقد يكونُ من بابِ تسميةِ السَّبَبِ بالمُسَبّب.
وبقيةُ الآيةِ قد تقدمَ الكلامُ عليه.
(1) رواه البخاري (155)، كتاب: الوضوء، باب: الاستنجاء بالحجارة، عن ابن مسعود.
(2)
لم أره هكذا فيما بين يدي من كتب المالكية، وإنما نقله عنهم غيرهم من المذاهب، والله أعلم.
وإنما فسر بعضم الرجس في قوله تعالى: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} : أن معناه في اللغة القذر؛ فكما أن العذرة لا تقبل التطهير فكذلك الخنزير؛ لأنه سوى بينه وبين الدم ولحم الميتة، وهما لا يقبلان التطهير فكذلك هو.
قلت: وهذا الكلام أبلغ من القول بنجاسة الخنزير.
وإنما الخلاف عند المالكية في سؤر الخنزير، هل هو طاهر أو نجس أو مكروه؟
أقوال في المذهب.
انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (1/ 245)، و"بداية المجتهد" لابن رشد (1/ 20)، و"الذخيرة" للقرافي (1/ 165)، و "مواهب الجليل" للحطاب (1/ 176).
(3)
وهو مذهب الحنفية. انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (1/ 316)، و "المبسوط" للسرخسي (1/ 48).
132 -
الآية أحكامُها ظاهرة معلومَةٌ منَ الدينِ ضَرورةً، وهي من المُحْكَماتِ أُمَّهاتِ الكتاب.
* * *