الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(من أحكام الجهاد)
140 -
(1) قوله تبارك وتعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1].
الأنفالُ جَمْعُ نَفْلٍ -بالتحريكِ، والتسكين-، وهو في أصلِ الوَضْعِ الزيادةُ (1)، ومنهُ سُمِّيَتْ صَلاةُ التَّطَوُّعِ، وولَدُ الولدِ: نافلة.
ويطلقُ ويراد به معنيان:
أحدهما: جملةُ الغَنيمةِ؛ لأنها زائدةٌ على ما بأيدي الغانِمين منَ المال، قال الشاعر (2):[البحر الكامل]
إنَّا إذا احْمَرَّ الوَغَى نَرْوي القَنا
…
ونَعَفُّ عِنْدَ مَقاسِمِ الأَنْفالِ
ومنه قولُ ابنِ عُمَرَ -رضي الله تعالى عنهما-: إن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَسَمَ في النَّفَلِ للفرسِ سَهْمَيْنِ، وللرَّاجِلِ سَهْمًا (3).
(1) انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (2/ 20)، و"لسان العرب"(11/ 670 - 671) مادة (نفل).
(2)
هو عنترة بن شداد انظر: "ديوانه"(بيت: 28) من قصيدة:
عفت الديارَ وباقيَ الأطلالِ
…
ريحُ الصبا وتقلبُ الأحوالِ
(3)
رواه البخاري (2708)، كتاب: الجهاد، باب: سهام الفرس، ومسلم=
والدليلُ على أنه المرادُ بالآية ما رواهُ مُصْعَبُ بنُ سَعْدٍ، عن أبيه: أنه قال: لَمَّا كانَ يومُ بَدْرِ، جئتُ بسيفٍ، فقلتُ: يا رسول الله! إن اللهَ قد شَفى صَدْري منَ المشركين، أو نحوَ هذا، هَبْ لي هذا السيفَ، فقالَ:"ليسَ هذا السيفُ لكَ ولا لي"، فقلتُ: عسى أن يعطى هذا من لا يُبْلي كبلائي (1)، فجاءني الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال:"إنكَ سألتَني، وليستْ لي، وقد صارَتْ لي، فهو لك"، فنزلت:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} [الأنفال:1] الآية.
قال الترمذيُّ: هو صحيحٌ (2).
ورواهُ قريبًا من ذلك مُسْلِمٌ في "صحيحه"(3).
وفي بعضِ الألفاظِ أنه أخذَهُ من الغَنيمةِ، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"رُدَّهُ من حَيْثُ أَخَذْتَهُ"(4)، فعلى هذا المعنى تكونُ كلمة (عن) صِلَةَ، كما قرأ عبد الله:(يسألونك الأنفالَ)(5).
والمعنى الثاني، وعليه عُرْفُ الفقهاءِ: أنه ما يُرَغّبُ بهِ الإمامُ بعضَ
= (1762)، كتاب: الجهاد والسير، باب: كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين.
(1)
في "ب": "بلائي".
(2)
رواه أبو داود (2740)، كتاب: الجهاد، باب: في النفل، والترمذي (3079)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الأنفال، وأبو يعلى الموصلي في "مسنده"(735).
(3)
رواه مسلم (1748)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الأنفال.
(4)
انظر تخريج الحديث السابق.
(5)
قرأ بها ابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي الباقر، وزيد بن علي، وجعفر الصادق، وطلحة بن مصرف، وعكرمة، وعطاء، والضحاك. انظر:"إعراب القرآن" للنحاس (1/ 664)، و"تفسير الطبري"(13/ 377)، و"الكشاف" للزمخشري (112/ 2)، و"تفسير الرازي" (4/ 343). وانظر:"معجم القراءات القرآنية"(2/ 437).
الغُزاة على فِعْلٍ يفعلهُ زيادةً عن السهمِ المقسومِ له.
ومنه قولُ ابنِ عُمر -رضي الله تعالى عنهما-: إن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يُنَفِّلُ بعضَ من يبعثُ منَ السَّرايا لأنفُسِهم خاصَّةً، سوى قَسْمِ عامَّةِ الجيشِ (1).
ومنه الآية على ما روي عنِ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ يومَ بدرٍ: "من فعلَ كَذا وكذا، فَلَهُ كذا وكذا"، فتسارع الناسُ إلى ذلكَ، الشُّبَّانُ منهم، وثبتَ الشيوخُ تحتَ الراياتِ، فلما فتحَ الله عليهم، جاؤوا يطلبونَ شَرْطَهُمْ، فقال الشيوخُ: لا تستأثِروا علينا به (2)، كنا رِدْءاً لكم، لو انْهَزَمْتُم، لانْحَزْتُمْ إلينا، وأتى الشبابُ وقالوا قد جَعَلَهُ رسولُ الله لنا، فتنازَعوا، فأنزل اللهُ عز وجل:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ} (3)[الأنفال:1].
وقيل: المرادُ بالأنفال هنا بعضُ مالِ الغنيمةِ، وهو الخُمُسُ، فرويَ عن مجاهِدٍ: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن الخُمُسِ بعدَ الأربعةِ الأَخْماسِ، فقالَ المُهاجرون: لمن ندفعُ هذا الخمس، لمن لا يخرج منا؟ فنزلت:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} (4)[الأنفال: 1].
فإن قلتَ: فهذه الآيةُ يعارضُها قولُه تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ} [الأنفال: 41]،
(1) رواه البخاري (2966)، كتاب: الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، ومسلم (1750)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الأنفال.
(2)
"به" ليس في "أ".
(3)
رواه أبو داود (2737) كتاب: الجهاد، باب: في النفل، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(3/ 232)، والحاكم في "المستدرك"(2594)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(6/ 291).
(4)
رواه الطبري في "التفسير"(9/ 170).
وقد جَعَلَ اللهُ سبحانَه الخُمُسَ لِمَنْ سَمَّى، ومعلومٌ أن الباقيَ للغانِمين، فهو وإن لم يُذْكَرْ صريحاً، فقد ذكر إيماءً؛ كقوله تعالى:{وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} [النساء: 11] وقد علمْنا أن للأبِ الثُّلُثينِ، فهلِ الجَمْعُ بينَهُما ممكِن، أو لا؟
قلت: إن قلْنا بالمَعْنى الثاني؛ كما روي عنِ ابنِ عَبّاسٍ، فظاهرٌ، وهو حكم ثابتٌ كان يفعلهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا، واتفق عليه أهلُ العِلْمِ، إلا مالِكًا؛ فإنه مَنَعَهُ، وقال: قتالٌ على الدنيا، وهو ضعيفٌ؛ لورودِ السنَّةِ بخلافه.
وأما إذا قلنا بالمعنى الأول؛ كما رواهُ سَعْدٌ.
فقد ذهبَ قومٌ إلى عدمِ التَّعارُضِ، وأن هذه الآيةَ حكمُها ثابِتٌ، فالغنيمةُ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك لِمَنْ بعدَهُ من الأَئِمَّةِ، فإن شاءَ قَسَمَها بينَ الغانِمين، وإن شاءَ نفَّلَها مَنْ شاءَ منهم.
قال إبراهيمُ النَّخَعِيُّ في الإمام يَبْعَثُ السَّرِيَّةَ، فيُصيبوا المَغْنَمَ: إنْ شاءَ الإمامُ خَمَّسَهُ، وإن شاءَ نَفلَهُ كُلَّهُ (1).
ورُويَ عن مَكْحولٍ وعَطاءٍ (2)، وبهِ قالَ جماعةٌ منَ المالكيةِ (3)، وأظنه قولَ زُفَرَ.
ولعلَّ تأويلهم: إن الثهَ سبحانه ذَكَرَها كُلَّها للهِ ولرسولهِ في هذهِ الآيةِ،
(1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(33237)، وعبد الرزاق في "المصنف"(9339).
(2)
انظر: "مصنف ابن أبي شيبة"(6/ 495).
(3)
انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (14/ 57)، و"بداية المجتهد" لابن رشد (1/ 288)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (8/ 3).
وذكر في الآيةِ الأخرى خُمُسَها لله ولرسولهِ، ولذي القربى واليتامى والمساكينِ، وسكتَ عن الأربعةِ الأخْماسِ، وإضافَةُ الاغْتِنام إليهم لا تُوجِبُ المُلْكَ في هذا (1).
واحتجّوا بأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم فتحَ مكة عَنْوَةً، ومَنَّ على أهلِها، فردَّها عليهم، ولم يَقْسِمها، ولم يَجْعَلْها فيئًا (2)، وبفعل النبيِّ صلى الله عليه وسلم في غنائِم حُنَيْنٍ حينَ أعطى الأَقْرَعَ بنَ حابِسٍ، وعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، والعَبّاسَ بنَ مِرْداسٍ مئةً مئةً (3).
وذهبَ بعضُهم إلى تأويلٍ فاسدٍ رأيتُ ذِكْرَهُ؛ لكيلا يُغْتَرَّ به، فقالَ: اللامُ في هذهِ الآية ليست للمِلْك، وإنما المعنى قوله تعالى:{قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [الأنفال: 1] ولايةُ قَسْم وبيانُ حكم، لقوله صلى الله عليه وسلم:"ما لي مِمّا أفاءَ اللهُ عليكُمْ إلا الخُمُسَ، والخُمُسُ مَرْدودٌ فيكم"(4)، وهو باطل؛ لما قَدَّمْتُهُ من حديثِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ (5) -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-.
وذهب الجُمهورُ إلى التعارُضِ، وأنَّ آيةَ الأنفالِ مَنْسوخَةٌ بالتي
(1)"هذا" ليس في "ب".
(2)
رواه مسلم (1780)، كتاب: الجهاد والسير، باب: فتح مكة، عن أبي هريرة في حديثه الطويل.
(3)
رواه مسلم (1060)، كتاب: الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، عن رافع بن خديج.
(4)
رواه الإمام مالك في "الموطأ"(2/ 457)، والإمام أحمد في "المسند"(2/ 184)، وأبو داوود (2694)، والنسائي (4139)، والطبراني في "المعجم الأوسط"(1864)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(7/ 17)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
(5)
تقدم تخريجه قريباً.
بعدَها (1)؛ لأنه لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ بالقرآنِ أن آيةَ الغنيمةِ نزلتْ بعدَ آيةِ الأنفال.
ويروى النسخُ عنِ ابنِ عَباسٍ، وعِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ، والشَعْبِيِّ (2)، وبه قالَ الشافِعيُّ (3)، وبه أقولُ.
ويدلُّ على التعارُضِ والنسخ قوله صلى الله عليه وسلم: "ما لي مِمّا أفاءَ الله عليكُم إلا الخمسَ، والخمسَ مردودٌ فيكم"(4).
ويدل له أيضًا: أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لمّا سأله هوازنُ الهِبَةَ لِذرارِيهِمْ، قال لهم:"أَمّا نصيبي ونصيبُ بني عَبْدِ المُطلِبِ، فَلَكُمْ، وأنا مُكَلِّمٌ لَكُمُ الناسَ"، فسأل الناسَ، فأعْطَوْهُ، إلا عيينة بنَ بدرٍ، فقال: لا أتركُ حِصَّتي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أنت على حِصَتِك"، فوقعت في سَهْمِه امرأَةٌ عوراءُ منهم (5).
وأما الجوابُ عَمَّا احتجَّ بهِ الأولون، فإن مكَّةَ فُتِحَتْ صُلْحًا، وإن غنائِمَ حُنينٍ كثيرةٌ، ولعل ذلكَ من سهمهِ صلى الله عليه وسلم؛ بدليلِ ما قَدَّمْتُه، وما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"للهِ خُمُسُها، وأربعةُ أَخْماسِها للجيش" قال: قلت: فما أَحَدٌ أَوْلى
(1) انظر: "ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه"(ص: 34)، و"قلائد المرجان" (ص: 111).
(2)
انظر: "تفسير الطبري"(9/ 165)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(5/ 1653)، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس (ص: 541).
(3)
انظر: "الأم" للإمام الشافعي (7/ 352)، و"الحاوي الكبير" للماوردي (14/ 164).
(4)
تقدام تخريجه.
(5)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 184)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، بسياق نحوه.
بهِ مِنْ أحدٍ؟ قال: "لا، ولا السَّهْمُ تستخرجُه من جَنْبِكَ، لست أنتَ أَحَقُّ بهِ منْ أخيكَ المسلم"(1).
فإن قيل: لو كان من سهمِه، لما عَتَبَ الأنصارُ، ولما قالوا: أتعطي الغنائِمَ قريشاً وتتركُنا، وسيوفُنا تقطُرُ من دمائهم؟ ولما احتاجَ إلى استطابَةِ قُلوبهم بقوله:"أما تَرْضَوْنَ أنْ يذهبَ الناسُ بالشاءِ والبَعير، وتذهبونَ برسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى مَنازِلكم؟ "(2).
قلنا: أجابَ أبو عبدِ الله الشافعيُّ فقال: يجوزُ أن يقولوا: كيفَ تعطيهم خُمُسَ غنائِمِنا، وفينا (3) من يَسْتَحِقُّها؟ (4).
قال: وقد يقولُ القائلُ في خمسِ الغنيمةِ إذا خُصَّ منها: ونحن غنمنا هذا، ويريدون أن سببَ ما ملك ذلك بهم.
وقد أخبرنا بعضُ أصحابِنا عن محمدِ بنِ إسْحاقَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمَرَ: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أعطى الأقرعَ بنَ حابِسٍ وأصحابَهُ من خُمُسِ الخُمُسِ (5).
* فإن قلتَ: فأين مَحَلُّ النَّفَلِ، وكم قَدْرُه؟
(1) رواه البيهقي في "السنن الكبرى"(6/ 324)، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين.
(2)
رواه البخاري (4075)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الطائف، ومسلم (1061)، كتاب: الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، عن عبد الله بن زيد بن عاصم.
(3)
في "أ": "وفيها".
(4)
انظر: "معرفة السنن والآثار" للبيهقي (5/ 164).
(5)
انظر: "الأم" للإمام الشافعي (2/ 84).
قلنا:
أما قدرُه؛ فقد قال قومٌ: لا يزيدُ على الرُّبُعِ والثُّلُثِ؛ لما روى حبيبُ بنُ مسلمةَ: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يُنَفِّلُ الرُّبُعَ للسرايا بعدَ الخُمُسِ في البَدْأَةِ، وينفِّلُهم الثلثَ بعدَ الخُمُسِ في الرِّجْعَةِ (1)، وبه قال أبو حنيفةَ (2).
وقال الشافعيُّ: ليسَ في النفلِ حَدٌّ، بل هو إلى رأيِ الإمام (3).
وأما مَحَلُّه:
فمن عملَ بآية الأنفال، فمحلُّه جميعُ الغنيمةِ، ورويَ (4) عن الحسنِ، والأوزاعيِّ (5)، وأحمدَ (6).
ومن قالَ بنسخِها، فمحلُّه بعضُ الغنيمة.
ثم اختلفوا في ذلكَ البَعْضَ:
فقالَ مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفة في أحد قوليه: محلُّه الخمسُ (7).
والصحيحُ من قوليهِ عندَ أصحابهِ أنَّ مَحلَّه خُمُسُ الخُمُس الواجبُ
(1) رواه أبو داود في "السنن"(2749).
(2)
انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (4/ 222)، و"الهداية شرح البداية" للمرغيناني (2/ 149).
(3)
انظر: "الأم" للإمام الشافعي (4/ 143)، و"الحاوي الكبير" للماوردي (8/ 401).
(4)
في "ب": "ويروى".
(5)
انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (5/ 45)، و"فتح الباري" لابن حجر (6/ 240).
(6)
انظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 185).
(7)
انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (8/ 397)، و"التمهيد" لابن عبد البر (14/ 56)، و"بداية المجتهد" لابن رشد (1/ 289).
للإمام (1)، وهو قولُ ابنِ المُسَيِّب (2)، وروايةٌ عن مالِكٍ أيضاً (3)؛ لما روى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جَدِّهِ: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يُنَفِّلُ قبلَ أَنْ تنزلَ فريضةُ الخُمُسِ من المَغْنَم، فلما نزلتِ الآية:{أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال:41]، تركَ النَّفَلَ الذي كان يُنَفِّلُ، وصارَ ذلك إلى خُمُسِ الخُمُسِ من سَهْمِ الله عز وجل، وسهمِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم (4).
والصحيحُ عندي أن محلَّه الخُمُسُ؛ لما خَرَّجَهُ مسلمٌ عنِ ابنِ عُمَر -رضيَ الله تعالى عنهما- قال: نَفَّلَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سِوى نصيبِنا منَ الخُمُسِ، فأصابني شارِفٌ (5).
ولِما روي عن مالكِ بنِ أوسِ بنِ الحَدثانِ: أنه قال: ما أدركتُ الناسَ يُنَفِّلَونَ إِلَّا منَ الخُمُسِ (6).
قال الشافعيُّ: وأخبرنا مالكٌ عن أبي الزِّنادِ: أنه سمعَ سعيدَ بنَ
(1) انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (4/ 243)، و"العناية شرح البداية" للبابرتي (25/ 8).
(2)
انظر: "مصنف عبد الرزاق"(5/ 191)، و"الأموال" لزنجويه (3/ 21).
(3)
هذا قول شاذ عن مالك والصحيح عنه أنه من الخمس كما تقدم.
(4)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(33284)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(6/ 314).
(5)
رواه مسلم (1750)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الأنفال.
شارف: الشَّارفُ، من الإبلِ: المُسِنُّ والمُسِنّةٌ، والجمعُ شوارف، وشُرَّف، وشُرُفٌ وشُرُوف، وقد شَرُفَتْ وشَرَفَتْ تَشْرُفُ شُرُوفاً.
"اللسان"(مادة: شرف)(9/ 173).
(6)
رواه البيهقي في "السنن الكبرى"(6/ 314)، عن مالك بن أوس بن الحدثان.
المُسَيِّبِ يقول: كانَ الناسُ يُعْطَوْنَ النَّفَلَ منَ الخُمُسِ (1)، قال الشافعيُّ: وقولُ سعيدٍ كما قالَ -إن شاءَ الله تعالى (2) -.
* * *
141 -
(2) قوله تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} [الأنفال: 15].
* أمرَنا اللهُ سبحانه وتعالى أن نَثْبُتَ في قِتال الكفارِ، ولا نُوَلِّيَهُم الأدبارَ، وتواعَدَ على ذلك بالغَضَبِ والنار، نعوذُ باللهِ الكريم منهما، وأباحَ لنا ذلك في حالتينِ:
إحداهما: أن نتحرَّف القتال من مَضيقٍ لِمُتَّسَعٍ (3)، ومنْ وَعْرٍ إلى سَهْلٍ، ومن استقبالِ الشَّمْسِ والريحِ إلى استِدْبارهما، وغيرِ ذلكَ من مكائدِ الحرب.
وثانيهما: أن نَتَحَيَّزَ إلى فِئَةٍ، سواءٌ كانت قريبةً، أو بعيدة.
واشترطَ بعضُ الشافعية قربَ الفئة (4)، وهو غلطٌ؛ لظاهرِ الإطلاقِ في الآية (5).
وهل يُشْتَرَطُ عَوْدُ المُوَلِّي مع الفئة المتحيِّزِ إليها؟
وجهانِ للشافعية.
(1) رواه الإمام الشافعي في "الأم"(4/ 134)، والإمام مالك في "الموطأ"(2/ 456)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(6/ 314).
(2)
انظر: "الأم" للإمام الشافعي (4/ 143).
(3)
في "ب": "إلى متسع".
(4)
في "ب" زيادة: "نستنجد بها".
(5)
انظر: "منهاج الطالبين" للنووي (ص 137)، و"مغني المحتاج" للشربيني (4/ 225).
أصحُّهُما: لا يُشْتَرَطُ العَوْدُ في الانتهاءِ، وإنما يشترطُ العودُ (1) في الابتداء (2).
وذهب جماعةٌ من السلفِ إلى أن الآية مختصَّةٌ بأصحابِ بَدْرٍ، وأن الفرارَ من الزَّحْفِ ليسَ بكبيرةٍ في حَقِّ غيرِهم.
ويحكى عن ابنِ عباسٍ، وأبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، والحَسَنِ، وقَتادةَ، والضَّحاكِ؛ لأن الصحابَةَ وَلَّوْا يومَ أُحُدٍ وحُنَيْنٍ والإشارةُ بقولهِ تعالى:{وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} [الأنفال: 16] إلى يومِ بدرٍ (3).
وأجابَ مخالِفوهم بأنَّ الإشارةَ إلى يومِ الزَّحْفِ، لا يومِ بدرٍ، وذكروا أن نزولَ الآية بعدَ بدرٍ، وأما الفرارُ يومَ حُنينٍ، فيمكنُهم أن يجيبوا بأنهم تَحَيَّزوا إلى فِئَةٍ، وهيَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأواخرُ المسلمين (4).
يدلُّ على ذلك ما خَرَّجَهُ مسلمٌ قال: قال رجلٌ للبَراءِ بنِ عازِبٍ: يا أبا عُمارَةَ! فَرَرْتُمْ يومَ حُنين؟ قال: لا واللهِ ما وَلَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه خَرَجَ بشبان أصحابه وأحفادهم حُسَّراً، ليسَ عليهم سِلاحٌ، أو كثيرُ سلاحٍ، فَلَقُوا قوماً رُماةً، لا يكادُ يسقطُ لهم سَهْمٌ، جَمْعُ هوازنَ وبني نَضْر، فرَشقوهم رَشْقاً، ما كادوا يُخْطِئون، فأقبلوا هناكَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم
(1) في "ب": "العزم".
(2)
انظر: "روضة الطالبين" للنووي (10/ 247)، و"مغني المحتاج" للشربيني (4/ 225).
(3)
انظر: "تفسير الطبري"(9/ 201 - 202)، و "تفسير ابن أبي حاتم"(5/ 1670 - 1672).
(4)
انظر: "تفسير الطبري"(9/ 203)، و "الناسخ والمنسوخ" للنحاس (ص: 461)، و"تفسير الثعلبي"(4/ 337).
على بَغْلَتِه البَيْضاءِ، وأبو سفيانَ بنُ الحارثِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ يقودُ (1) به، فنزل واستَنْصَرَ وقال:"أنا النبيُّ لا كَذِبْ، أنا ابنُ عبدِ المُطَّلِبْ" ثم صَفَّهُمْ (2).
ويدل عليهِ أيضاً ما روى ابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما-: أنه كانَ في سَرِيَّةٍ من سرايا رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فحاص الناسُ حَيْصَةً عظيمةً، وكنتُ فيمَنْ حاصَ، فلما برزنا، قلت: كيفَ نصنعُ وقد فَرَرْنا منَ الزَّحْفِ، وبُؤْنا بغَضَبِ رَبِّنا؟ فجلَسْنا لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم قبلَ صلاةِ الفَجْرِ، فلما خَرَجَ، قُمْنا فقلنا: نَحْنُ الفَرّارونَ، فقال:"لا، بل أنتمُ العَكّارون"(3) فدنونا، فقبَّلْنا يدَهُ، فقال:"إنَّا فِئَةُ المُسْلِمينَ"(4).
وأما يوم أُحُدٍ، فإن الله قد عفا عنهم لما خالفوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بعدَما أراهُمُ اللهُ ما يُحِبُّون.
(1) في "ب": "يقودها".
(2)
رواه البخاري (2772)، كتاب: الجهاد، باب: مَنْ صَفَّ أصحابه عند الهزيمة، ونزل عن دابته واستنصر، ومسلم (1776)، كتاب: الجهاد والسير، باب: في غزوة حنين.
(3)
العكارون: عَكَرَ على الشيء يعكِر عَكْراً، واعتكر: كرَّ وانصرف؛ ورجلٌ عكَّارٌ في الحرب: عطَّافٌ كرَّار، والعَكْرةُ: الكرَّة، ومعنى الحديث: أنتم الكرَّارون إلى الحرب والعطَّافون نحوها، قال ابن الأعرابي: العكَّار: الذي يولّي في الحروب ثم يكرُّ راجعاً.
"اللسان"(مادة: عكر)(4/ 599).
(4)
رواه أبو داود (2647)، كتاب: الجهاد، باب: في التولي يوم الزحف، والترمذي (1716)، كتاب: الجهاد، باب: ما جاء في الفرار من الزحف، والإمام أحمد في "المسند"(2/ 70)، والبخاري في "الأدب المفرد"(972)، وأبو يعلى الموصلي في "مسنده"(5781)، وابن الجارود في "المنتقى"(1050)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(9/ 76).
وبالجملة، فقد عفا اللهُ عن هؤلاء، وتابَ على هؤلاء، وذلك تَضَمَّنَ صُدورَ المَعْصِية.
وقد أجمع المسلمون على قبولِ توبةِ الفارِّ منَ الزحف.
* ثم بين اللهُ سبحانَه ما أطلقَهُ من الأمرِ بقتالِ الكفارِ الذين حَرَّمَ الفِرارَ منهم، بأن الرجلَ مِنّا يُصابِرُ العَشَرَةَ منهم، ثم نَسَخَ ذلك إلى اثنينِ (1) بقوله:{الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} [الأنفال: 66] الآية.
* ودلت الأدلةُ على أن هذهِ الآيةَ لم تُرَدْ بها جُمْلَةُ المؤمنين، وإنما أريدَ بها المؤمنون ذوو الطاقةِ، ما خلا النساءَ والعبيدَ والصِّبيانَ.
* * *
142 -
(3) قوله تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24].
* أمرنا اللهُ سبحانَهُ بالاسْتِجابَةِ للهِ ولِرسوله صلى الله عليه وسلم إذا دعانا لما فيه حياتُنا.
وروى البخاريُّ عن أبي سعيدِ بنِ المُعَلَّى قال: كنت أُصَلِّي، فمرَّ بي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فدعاني، فلم أَجِبْهُ حتى صليتُ، ثم أتيتهُ، فقال:"ما مَنَعَكَ أن تُجيبَني؟ ألم يَقُلِ اللهُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} [الأنفال: 24]؟ -ثم قال:- ألا أُعَلِّمُكَ أعظمَ سورةٍ في القرآنِ قبلَ أنْ أَخْرُجَ؟ "، فذهب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ليخرجَ، فذكرتُ له، فقال: "الحمدُ للهِ ربِّ العالمين،
(1) انظر: "المصفى بأكف أهل الرسوخ"(ص: 37)، و"ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه" (ص: 35)، و"قلائد المرجان" (ص: 113).
هي السبعُ المثاني والقرآنُ العظيمُ الذي أوتيتُهُ" (1).
فاستدل بهذا الشافعيةُ في أن إجابةَ الرسولِ صلى الله عليه وسلم في الصلاة واجبَةٌ، وأنها غيرُ مُبْطِلَةٍ للصلاة (2).
أما الوجوبُ فظاهرٌ.
وأما عدمُ إبطالِها للصلاةِ، فوجهُ الدَّلالَةِ دعاءُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم له، مع علمه بصلاته، ولو كانتْ إجابتُه تبطلُ صلاةَ ابنِ المُعَلَّى، ما رضيَ صلى الله عليه وسلم أن يُفْسِدَ عليهِ صَلاتَه، بل أنكرَ عليهِ عدمَ إجابتِه، واحتجَّ عليهِ بعُمومِ أمرِ اللهِ تعالى، ولم يقلْ له: لا علمَ لي بأنكَ في صَلاة.
وقالت المالكيةُ: الإجابةُ واجبةٌ، ولكنها تبطلُ الصلاة (3).
وهذا مُنابِذٌ لهذا الحديث الثابت، ومباينٌ لوجه القصة (4).
* * *
143 -
(4) قوله تبارك وتعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ} [الأنفال: 38].
* مَنَّ اللهُ عز وجل في هذه الآيةِ وما أشبَهَها على عِبابٍ المُجرمين بقَبولِ إسلامِهم، ثم هَدَمَ جرائِمهمُ العظيمةِ؛ تأليفاً لهم، ورحمة بهم.
* وقد اتفقَ المسلمونَ على إسقاطِ الحُقوقِ المُعلقة بالمشركِ الحَرْبيِّ
(1) رواه البخاري (4426)، كتاب: التفسير، باب:{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} .
(2)
انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (2/ 179)، و "شرح السنة" للبغوي (4/ 448).
(3)
انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (1/ 501)، و "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 389).
(4)
في "ب": "الفقه".
بالإسلام مطلقًا، وإنما اختلفوا في المرتَدِّ إذا رجعَ إلى الإسلام:
فقال أبو حنيفةَ ومالِكٌ: يسقطُ عنهُ كُلُّ حَقٍّ هو للهِ تعالى؛ لعموم الآية، وما كانَ من حقوقِ الآدميين، لا يسقطُ (1).
وقالَ بعضُ المالكيةِ: هو كالكافرِ الأصليِّ يسقطُ عنهُ كلُّ شيء (2).
وقال الشافعيُّ: لا يسقطُ عن المرتدِّ شيءٌ من حقوقِ الله تعالى؛ لالتزامه بها، فهي كحقوقِ الآدميين (3).
وأما المستأمَنُ، فلا يسقطُ عنه بالإسلامِ ما وجبَ من حقوقِ الآدميين من حَدِّ قَذْفٍ، وغُرْمِ مالٍ، وقَطْعٍ في سرقة، وقِصاصٍ في عَمْدٍ (4).
وأما الذِّمِّيُّ، فقالَ ابنُ المنذر: حُكِيَ عن الشافعيِّ إذْ هو بالعراقِ: أنه لا حَدَّ عليه، ولا تَغْريبَ (5)؛ لهذه الآية: قال: وهو موافقٌ لما رُوِيَ عن مالِكٍ (6).
وقال أبو ثَوْرٍ: إذا أقرَّ أنه زَنى، وهو كافرٌ، أقيمَ عليه الحَدُّ (7)
* * *
(1) انظر: "البحر الرائق" لابن نجيم (5/ 138)، و"أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 399)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (7/ 403).
(2)
انظر: "بداية المجتهد" لابن رشد (2/ 344).
(3)
انظر: "الأم" للإمام الشافعي (4/ 251).
(4)
انظر: "الأم" للإمام الشافعي (7/ 358)، و"المبسوط" للسرخسي (9/ 109).
(5)
في المطبوع من "الإشراف": "ولا تعزير" بدل "ولا تغريب".
(6)
انظر: "الإشراف على مذاهب العلماء" لابن المنذر (7/ 267).
(7)
انظر: "الإشراف على مذاهب العلماء" لابن المنذر (7/ 267)، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (7/ 403).
144 -
(5) قوله تبارك وتعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال: 39].
* أمر اللهُ سبحانَه في هذه الآية وما أَشْبَهَها بقتال المشركين الذين أُمر النبي صلى الله عليه وسلم بدعوتهم حتى لا تكون فتنة، أي: شِرْكٌ بالله تَعالى، ويكونَ الدينُ كلُّه لله تعالى.
قال سعيدُ بنُ جُبَيْر: خرجَ علينا، أو إلينا ابنُ عمرَ، فقال رجلٌ: كيفَ ترى في قِتالِ الفِتْنَةِ؟ فقال: وهل تدري ما الفتنةُ؟ كانَ محمدٌ صلى الله عليه وسلم يقاتلُ المشركين، وكان الدخولُ عليهم فتنةً، وليس بقتالِكُم على المُلْكِ، خرجه البخاري (1)، فيجبُ علينا أن نقاتلَهم حتى يُسْلموا، ولا نقبل منهم إلا الإسلامَ، أو السيفَ.
وروى أبو هريرةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "لا أزالُ أُقاتلُ الناسَ حتى يقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ، فإذا قالوها، فقد عَصَموا مني دِماءَهُم وأموالَهم، إلا بِحَقِّها، وحسابُهُمْ على الله"(2).
* فإن قلت: فقد وردَ في كتابِ الله سبحانهَ، وفي سُنَّةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم آيةٌ تُناقِضُ هذهِ الآيةَ، وسُنَّةُ تُناقض هذه السَّنَّةَ.
أما الآيةُ، فقال اللهُ تعالى:{قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 29] الآية.
وأما السنَّةُ فما روى عَلْقَمَةُ بنُ مَرْثَدٍ، عن سُلَيمانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عن أبيه:
(1) رواه البخاري (4374)، كتاب: التفسير، باب:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} .
(2)
تقدم تخريجه.
أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ إذا أَمَّرَ أَميراً على جيشٍ أو سَرِيَّةٍ، أوصاهُ في خاصته (1) بِتَقْوى الله، ومَنْ معهُ منَ المسلمينَ خيراً، ثم قال:"اغزوا باسم الله، في سبيل الله" الحديث (2)، وقد تقدَّم في "سورة البقرة".
قلنا: قد أجابَ زعيمُ الجَماعة وإمامُ هذه الصناعَةِ أبو عبدِ الله الشافعيُّ -رحمه الله تعالى-، فقال: ليسَ واحدةٌ من الآيتين ناسخةً للأخرى (3)، ولا واحدٌ من الحديثينِ ناسخاً للآخر، ولا مخالفاً، لكنَّ أحدَ الحديثين والآيتين من الكلام الذي مخرجُه عامٌّ يُرادُ به الخاصُّ، ومنَ المُجْمَلِ الذي يدلُّ عليه المُفَسَّرُ، فأمرَ اللهُ بقتالِ المشركينَ حتى يؤمنوا، والله أعلم.
أمر بقتالِ المشركين من أهلِ الأوثان، وهم أكثرُ مَنْ قاتلَ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكذلك حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-.
وفرض الله تعالى قتالَ أهلِ الكتابِ حتى يُعطوا الجِزْيَةَ عن يَدٍ وهُمْ صاغرون، إن لم يؤمنوا، وكذلك حديثُ ابن بريدةَ في أهل الكتابِ خاصَّةً، كما كانَ حديثُ أبي هُريرةَ في أهلِ الأوثانِ خاصَّةً.
قال: فالفرضُ في قتالِ من دانَ هو وآباؤه دينَ أهلِ الأوثانِ من المشركين أن يُقاتَلوا إذا قُدِرَ عليهم حتى يُسْلموا، ولا يجوزُ أن نقبلَ منهم جزيةً؛ لكتابِ اللهِ تعالى، وسنةِ نبيِّه صلى الله عليه وسلم.
قال: والفرضُ في أهلِ الكتابِ ومنْ دانَ قبلَ نزولِ الفرقانِ دينَهم أن يُقاتَلوا حتى يُعْطوا الجزيةَ، أو يُسلموا، سواءٌ كانوا عَرَباً، أو عجماً (4)، انتهى!
(1) في "أ": "خصاصة نفسه".
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
انظر: "قلائد المرجان"(ص: 112).
(4)
انظر: "اختلاف الحديث" للإمام الشافعي (509).
فإن قلتَ: حديثُ ابنِ بُرَيْدَةَ كانَ قبلَ الفتح، بدليل قوله:"ثم ادعُهم إلى التَّحَوُّل مِن دارِهِم إلى دارِ المُهاجِرينَ"، وكان المشركون الذين يبعث إليهم السرايا أهلَ أوثانٍ، لا أهلَ كتابٍ يومئذٍ؛ بدليل قوله تعالى:{قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} [التوبة: 123]، والذين يلونَهُم أهلُ أوثانٍ، لا أهلُ كتابٍ، فالقولُ بالنسخِ فيه أقربُ؛ لتقدمه.
قلتُ: هذا سؤالٌ قويٌّ؛ لأنه الظاهرُ يومئذ، ولكنه صلى الله عليه وسلم قد غَزا أهلَ الكِتابِ وقاتَلَهُمْ قبلَ الفتحِ، فَغزا خيبرَ، واستفتَحَ حُصونَها، وغزا جيشُه مُؤْتةَ من أرضِ الشام، وهم أهلُ كتابٍ، ولأنه يحتملُ أن يكون إنما أَمَرَهُم بالتحوُّلِ من دارِهم إلى دارِ المُهاجرينَ دَعْوَةً لهم إلى الجِهاد؛ فإنها كانتْ مَوْطِنَ الإمامِ الأَكْبَرِ الذي يُجَهِّزُ الجيوشَ، ويبعثُ السرايا، ليصيبوا الحُسْنَيَيْن جميعاً، ولهذا أمرَ بإعلامِهم أنهم ليسَ لهم في الفَيْءِ شيءٌ، إلا أن يُجاهدوا معَ المسلمينَ، فيكونُ حديثُ بريدةَ موافقاً لحديثِ أبي هريرةَ في المَعْنى والتاريخ، إذ ليسَ على تقدُّم واحدٍ منهما أو تأخُّرِه دليلٌ صريح، وقد تقدَّم نَحْوُ هذا الكلامِ في "سورة البقرة".
* * *
145 -
* قد قدمتُ ما قيلَ في حقيقةِ النَّفَلِ، ثم أذكرُ الآنَ ما قيلَ في الغَنيمَةِ والفَيْءِ.
فأما الغنيمةُ.
1 -
فذهبَ جمهورُ أهلِ العلمِ إلى أنهُ المأخوذُ من الكُفَّارِ قَهْراً وقَسْراً،
سواءٌ كانَ منقولاً، أو غيرَ منقولٍ، والَفْيءُ: ما أُخِذ بغيرِ قِتالٍ، ولا إيجافِ (1) خَيْلٍ ورِكابٍ (2).
وبه أخذَ الشافعيُّ (3).
وهو مُقْتَضى عُرْفِ اللسانِ.
2 -
وقيل: الفيءُ يقعُ عليهما، والغنيمةُ لا تقع إلا على المأخوذ قَهْراً، وأحدُهما (4) أَخَصُّ من الآخر، وإلى هذا يرشدُ كلامُ الشافعيِّ أيضاً (5).
3 -
وقال قومٌ: الفيءُ والغنيمةُ بمعنًى واحدٍ (6).
4 -
وقال مجاهدٌ: الغنيمةُ تختَصُّ بالأموال المنقولةِ، والفَيْءُ بالأرَضين (7).
وسيأتي الكلامُ على الفيءِ، -إن شاء الله تعالى-.
* ثم أقولُ: إن اللهَ سبحانَهُ كَرَّمَ هذهِ الأُمَّةَ وشَرَّفَها، فَحَلَّلَ لها الغَنائِم،
(1) الإيجاف: سرعة السير، يقال: أو جَفَ فأعجف. ومعنى الآية: {فما أوجفتم عليه
…
}: أي ما أعملتم، يعني: ما أفاء اللهُ على رسوله من أموال بني النضير مما لم يوجف المسلمون عليه خيلاً ولا ركاباً. "اللسان"(مادة: وجف)(9/ 352).
(2)
الرِّكاب، ككِتَاب: الإبلُ، واحدتُها: راحلةٌ.
"القاموس"(مادة: ركب)(ص: 85).
(3)
انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (8/ 386)، و "روضة الطالبين" للنووي (6/ 354).
(4)
في "ب": "فأحدهما".
(5)
انظر: "الأم" للإمام الشافعي (4/ 139 - 140 - 157)، و"اختلاف الحديث" للإمام الشافعي (ص: 505).
(6)
انظر: "تفسير الطبري"(10/ 2)، و"أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 400).
(7)
انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 400).
فقال: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} [الأنفال: 69].
وقد ثبت أنها من خَصائصِ هذه الأمةِ (1).
وتولى الله سُبحانه في هذهِ الآيةِ قِسْمَةَ الغنيمةِ، وَبيّنَ مصارفَها، كما تولّى ذلكَ في المَواريثِ، فأضافَ جُمْلَتَها إلى الغانِمين، واستثنى خُمُسَها، فجعله لهُ جلَّ وعلا، ولرسولهِ صلى الله عليه وسلم، ولذَوي القُرْبى واليَتامى والمساكينِ وابنِ السبيل، فقسمَهُ على ستة أسماء.
* وقد اتفقَ أهلُ العلمِ، أو أكثرُهم، على أن اسمَهُ جل جلاله جاءَ لاسْتِفْتاحِ الكلامِ به تشريفاً وتكريماً؛ كما جاءَ في قوله تعالى:{قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [الأنفال: 1]، فله سبحانه ما في السمواتِ وما في الأرضِ (2)، إلا ما حُكيَ عن أبي العالِيَةِ الرِّياحِيِّ أنه قال: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُؤْتى بالغنيمةِ، فيقسمُها على خَمْسةٍ، يكون أربعةُ أخماسِها لمنْ شَهِدَها، ثم يأخذُ الخُمُسَ، فيضربُ بيدهِ ليأخذَ منه الذي قبض كفُّه فيجعلُهُ للكعبةِ، وهو سهمُ اللهِ تعالى، ثم يقسمُ ما بقيَ على خمسةِ أَسْهُم (3).
* واختلفوا في اسمِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم.
فقيل: هوَ أيضاً استفتاحُ كلامٍ، مثل اسم الله، ليس للهِ ولا لرسولهِ
(1) كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: "أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم
…
" الحديث. رواه البخاري (427)، كتاب الصلاة، أبواب المساجد، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً. ومسلم (520)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة.
(2)
انظر: "تفسير الطبري"(10/ 3)، و "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 401)، و"تفسير ابن كثير"(2/ 312).
(3)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(33298)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(3/ 276)، عن أبي العالية الرياحي.
منه شيءٌ، ويقسمُ الخمسَ على أربعةِ أسهم.
وحُكِي هذا عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما (1) -.
والذي عليه أكثرُ العلماءِ: أنهُ للتقسيمِ، وأنه صلى الله عليه وسلم يملكُ الخُمُسَ (2)، فقد خصَّ اللهُ تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم بذلكَ، وإن لم يَخُضِ الوقيعةَ، ويخصّهُ بالصَّفِيِّ (3) من المَغْنَمِ أيضاً، وقد اصطفى صفيَّة وذا الفقار (4)، (5).
واختلفوا في سَهْمِه، فقال قومٌ: يسقُطُ بموتهِ (6) شَرَّفَهُ اللهُ تعالى بذلكَ، وأبطلَ به ما كانتِ العربُ في الجاهليةِ تَخُصُّ به رئيسَها، فكانوا يجعلونَ له الرُّبُعَ والصَّفِيَّ، ثم يتحكَّمُ بعدَ الصَّفِيِّ في أيِّ شي؛ أرادَ، ويجعلون له ما شذَّ من الغنيمةِ، وما فضلَ من مَتاعٍ، قال شاعرُهم (7):[البحر الوافر]
لَكَ المِرْباعُ منها والصَّفايا * * *
وحَكْمُكَ والنشيطةُ والفُضول
(1) ورجحه ابن جرير الطبري. انظر: "تفسير الطبري"(10/ 8)، و"أحكام القرآن" للجصاص (4/ 244).
(2)
انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (4/ 245)، و"أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 401).
(3)
الصَّفِي: ما يصطفيه الإمام من رأس الغنيمة فرساً أو أمةً أو عبداً أو بعيراً على حسب حال الغنيمة.
(4)
أي: صفية بنت حيي رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وذو الفقار: سيفه صلى الله عليه وسلم الذي تنفله يوم بدر.
(5)
انظر: "مصنف ابن أبي شيبة"(6/ 501)، و"شرح معاني الآثار" للطحاوي (3/ 302).
(6)
انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (5/ 83)، و"أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 406)، و"المغني" لابن قدامة (6/ 316).
(7)
هو عبد الله بن غنمة الضبّي، أحد شعراء المفضليات. انظر:"البيان والتبيين" للجاحظ (1/ 381)، و"خزانة الأدب" للبغدادي (3/ 58).
وعلى هذا استقرَّ الحكمُ في حياتِه صلى الله عليه وسلم بعدَ أن كانَ جملةُ الغنيمةِ له.
وأما بعدَ وفاته: فقد اتفقَ أهلُ العلمِ على أن الصَّفِيَّ ليسَ لأحدٍ بعدَه، إلا أبا ثَوْرٍ، فإنه قالَ: يجري مَجْرى سَهْمِه صلى الله عليه وسلم (1).
ثم اختلفَ هؤلاءِ فقال بعضهم: يُرَدُّ على أصحابِ الخُمُسِ، فيقسَمُ على أربعةِ أَسْهُم (2).
وربما نُسِبَ إلى الشافعيِّ (3).
وقيل: يُقْسَمُ على ثلاثةِ أَسْهُمٍ؛ لأنَّ سَهْمَ ذَوي القُربى عندَ هؤلاءِ يَسْقُطُ بموته أيضاً (4).
واستدَلُّوا بما رَوى محمدُ بنُ السائِب الكَلْبِيُّ عن أبي صالِح عن أُمِّ هانئٍ: أن فاطمةَ -رضي اللهُ تعالى عنها- أتتْ أبا بكرٍ تسأله سهمَ ذوي القربى، فقال لها أبو بكر -رضي الله تعالى عنه-: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "سَهْمُ ذَوي القُزى لهم حَياتي، وليسَ لهمْ بعدَ موتي"(5).
(1) انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (4/ 245)، و "المغني" لابن قدامة (6/ 315).
(2)
انظر: "أحكام القرآن" لابن العرس (2/ 401).
(3)
قال الماوردي: مذهب الشافعي: أن سهمه مصروف في مصالح المسلمين العامة. انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (8/ 441).
(4)
انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (20/ 45)، و"بداية المجتهد" لابن رشد (20/ 45).
(5)
رواه إسحاق بن راهويه في "مسنده"(2128). قال ابن حجر في "المطالب العالية"(9/ 521): "قلت: هذا اللفظ لم يخرجوه، وابن السائب هو الكلبي متروك".
ونسبَ القولُ بهذا إلى أبي حنيفة وبعضِ أصحابهِ (1).
والجمهورُ على عدمِ سقوطِه.
قالوا: والحديثُ باطِلٌ لا أصلَ لهُ، فالكلبيُّ متروكٌ، وأبو صالِحٍ مولى أُمّ هانِئٍ ضعيفٌ، والصحيحُ الثابتُ أنها جاءتْ تطلُبه ميراثَها، فاعتذرَ منها أبو بكرٍ -رضيَ الله تعالى عنه- بقوله صلى الله عليه وسلم:"نحنُ معاشِرَ الأنبياءِ لا نُورثُ ما تركْنا صَدَقَةٌ"(2).
ثم اختلفَ هؤلاءِ في مَصْرِفِهِ.
فقال بعضهم: هو للإمامِ، وسهمُ ذوي القُرْبى لِقَرابةِ الإمامِ؛ لقولِ أبي بكرٍ لفاطمةَ -رضي الله تعالى عنها- لما جاءتْ تطلبُ ميراثَها: سمعْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا أطعمَ اللهُ نبياً طُعْمَةً، فهيَ للخليفةِ بعدَهُ"(3).
وبه قالَ بعضُ الشافعيةِ في الإمامِ وحدَه.
وقال قومٌ: يجعلُ في باقي الخُمُسِ (4).
(1) انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (4/ 245)، "بدائع الصنائع" للكاساني (7/ 125).
(2)
رواه مسلم (1757). ورواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(4578)، وابن عدي في "الكامل في الضعفاء"(2/ 86)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(30/ 311)، والديلمي في "مسند الفردوس"(139).
(3)
رواه أبو داود (2973)، كتاب: الخراج والإمارة والفيء، باب: في صفايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأموال، والإمام أحمد في "المسند"(1/ 4)، والبزار في "مسنده"(54)، وأبو يعلى الموصلي في "مسنده"(37)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(6/ 303)، والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (42). بلفظ: "
…
فهي للذي يقوم من بعده".
(4)
في "ب": "الجيش".
وقال قومٌ: يجعلُ في السلاحِ والعُدَّةِ.
وقال الشافعِيُّ: يضعُه الإمامُ في كل أمرٍ خُصَّ به الإسلامُ وأهلُه؛ من سَدِّ ثغرٍ، وإعْدادِ كُراعٍ أو سِلاحٍ، أو إعطائِه أهلَ البلاءِ في الإسلام نَفَلاً عندَ الحربِ وغيرِ الحرب إعداداً للزيادةِ في تعزيزِ الإسلامِ وأهلِه على ما صنعَ فيهِ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قدْ أعطى المْؤَلَّفَةَ، ونَفَّلَ في الحربِ، وأعطى عامَ خيبرَ نفراً من المُهاجرينَ والأنصار أهل حاجةٍ وفضلٍ، وأكثرُهم أهلُ فاقة، يَرى ذلك -والله أعلم- من سَهْمِه (1).
* إذا علمت هذا:
فقد ذهبَ جمهورُ أهلِ العلم إلى تَخْميس الخُمُس وتقسيمِهِ على ما قَسَّمَهُ اللهُ عز وجل (2).
وقال مالِكٌ: الخمسُ كالفَيْءِ يُجْعَلان في بيتِ المالِ، ويعطي الإمامُ (3) قَرابةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم منها، فهو عندَهُ غيرُ مُخَمَّسٍ (4).
واستدلَّ بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد أعطى جميعَ الخُمُسِ، وأعطى بعضَه، وأعطى منهُ المُؤَلَّفَةَ قلوبُهم يومَ حُنينٍ، وليسوا مِمَّنْ ذكرَ اللهُ تعالى في التقسيم، وأَعْطى الأَقْرَعَ بْنَ حابِسٍ، وعُيَيْنَةَ بنَ حِصْنٍ، والعَبّاسَ بنَ مِرْداسٍ مِئةً من الإبل (5)، وأعطى أشرافَ العربِ، وآثَرَهُم، وردَّ الخمسَ أيضاً على المُهاجرين في بعضِ الأحوالِ، وليسوا مِمَّنْ ذُكر في التقسيم.
(1) انظر: "الأم" للإمام الشافعي (4/ 147)، و"السنن الكبرى" للبيهقي (6/ 339).
(2)
انظر: "الأم" للإمام الشافعي (4/ 153)، و"المغني" لابن قدامة (6/ 314).
(3)
"الإمام" ليس في "أ".
(4)
انظر: "المدونة الكبرى"(3/ 26)، و"التمهيد" لابن عبد البر (14/ 67).
(5)
تقدم تخريجه.
روى ابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما-: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعثَ سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ، فبلغَتْ سُهْمانُهُمُ اثني عَشر بَعيراً، ونُفِّلوا بعيراً بعيراً (1).
وخَرَّجَ مسلمٌ عن الزُّهْرِيِّ، عن سالمٍ، عن أبيهِ قال: نَفَّلَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سِوى نصيبِنا من الخُمُسِ، فأصابَني شارِفٌ (2).
فذكرُ التقسيمِ عندَهُ جاءَ لبيانِ المَصْرِف، لا لبيانِ الاستحقاقِ.
وهذا هو المختارُ عندي -إن شاء الله تعالى- فإنَّ خُمُسَ الخُمُسِ لا يَتَّسِعُ لِلَّذي بذلَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم للأقرعِ بنِ حابسٍ وأصحابِه (3).
وإنْ قالَ قائلٌ: إنه مُتَّسِعٌ؛ كما قالَهُ أبو عبدِ اللهِ الشافعيُّ (4)، رَدَدْناه بحديثِ ابنِ عمرَ -رضي الله تعالى عنه- فإنه إذا أخرجَ السهمُ اثني عَشَرَ بعيراً، كان الخمسُ المضمومُ إلى هذا السهمِ ثلاثةَ أَبْعِرَةٍ، وقد نَفَّلَهُمْ بَعيراً بعيراً، والبعيرُ زائدٌ على نصيبه صلى الله عليه وسلم الذي هو خُمُسُ الخُمُسِ عندَ القائلِ به، فقدْ نَفَّلَهم ثلثَ الخُمسِ، لا خُمس الخمسِ (5).
فإن قيل: يجوزُ أن يكونَ هناك شيءٌ غيرُ الإِبِلِ من العُروضِ؛ بدليلِ ما رُوي في بعضِ طرقِ هذا الحديث: فأصَبْنا إبِلاً وغَنَماً (6).
(1) رواه البخاري (2965)، كتاب: الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، ومسلم (1749)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الأنفال.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (4/ 233).
(4)
انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (14/ 169).
(5)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (6/ 240).
(6)
رواه مسلم (1749)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الأنفال، عن ابن عمر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجد، فخرجت فيها، فاصبنا إبلاً وغنماً، فبلغت سهماننا اثني عشر بعيراً، ونفّلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيراً بعيراً.
قلنا: هذا التأويلُ بعيدٌ مردودٌ بِما سأذكرهُ في الفَيْءِ -إنْ شاءَ الله تعالى-.
وأما ذَوو القُرْبى:
فقال الشافعيُّ، وأحمدُ، وأبو ثَوْرٍ، وأكثرُ العلماءِ: هم بنَو هاشِمٍ، وبنو المُطَّلِبِ (1).
لما روى جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ قال: مشيتُ أنا وعثمانُ بنُ عفانَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقلنا: أعطيتَ بَني المُطِّلِبِ منْ خُمُسِ خيبرَ، وتركتنا، ونحنُ بمنزلةٍ واحدةٍ منك! فقال:"إنما بنو هاشمِ وبنو المُطِّلِبِ شيء واحِدٌ"، وشَبَّكَ بينَ أصابِعِه. قال جُبَيْرٌ: ولم يَقْسمِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم لبني عبدِ شَمْسٍ وبَني نَوْفَلٍ شيئاً، خَرَّجَهُ البُخارِيُّ (2).
وقال قومٌ: هم عامَّةُ قريشٍ؛ لقوله تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} (3)[الشورى: 23].
وقال مالِكٌ: هم بنو هاشم خاصَّة، ويُروى عن الثوريِّ، والأوزاعيِّ (4).
وهذه الأقاويلُ غَلَطٌ مُنابِذَةٌ للحديث الصحيح.
وقد قدمتُ ما قيلَ في بقاءِ سَهْمِهِم وسقوطه، فلا حاجةَ إلى إعادته.
وظاهرُ الآيةِ استحقاقُ ذَوي القربى: ذَكَرِهم وأنثاهم، كبيرِهم وصغيرِهم، وغَنِيِّهم وفقيرِهم، وهو كذلكَ.
(1) انظر: "الأم" للإمام الشافعي (4/ 146)، و "الحاوي الكبير" للماوردي (8/ 435).
(2)
رواه البخاري (3989)، كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر.
(3)
انظر: "زاد المسير" لابن الجوزي (3/ 360)، و "الذخيرة" للقرافي (3/ 432).
(4)
انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (8/ 12).
ولكن هل يستوي الذكرُ والأنثى؛ لظاهر الإطلاقِ، أو يفضلُ الذكرُ على الأنثى، كالميراث؟
فيه خِلافٌ.
وبالأولِ قالَ المزنيُّ (1)، وبالثاني قال الشافعيُّ (2)، وخصصه أبو حنيفة بذوي الفَقْرِ منهم بالقياسِ على اليتامى والمساكين (3).
وبالإطلاقِ قالَ الشافِعيُّ، وهو الأولى؛ لظاهر الآية، ولأنهم أُعْطُوا لِفَضْلِ القرابةِ وشرفِها، ولو كان ذلك بالفقر، لاستُغْنِي عن ذكر ذوي القُرْبى بذكرِ المساكين؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أعطى العباسَ، وكان من أغنياءِ بني هاشم يَعولُ فقراءَ بني المطلبِ، ويتكرمُ على غيرهم.
وعن مالِكٍ قولانِ (4).
وأما اليتامى، فهم أطفالُ المسلمينَ الذين لم يبلغوا الحُلُمَ مِمَّنْ هلكَ أبو ولا مالَ لهُ.
وأما المساكينُ، فهم المُحْتاجون.
(1) انظر: "شرح البخاري" لابن بطال (5/ 308)، و "التمهيد" لابن عبد البر (20/ 46).
(2)
انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (8/ 438)، و"المهذب" للشيرازي (2/ 247).
(3)
انظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (7/ 346)، و"الهداية شرح البداية" للمرغيناني (2/ 148).
وعن أحمد روايتان كالقولين الأولين. انظر: "المغني" لابن قدامة (6/ 317).
(4)
انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (20/ 45)، و "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 403).
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ تَرَكَ مالاً فَلأِهْلِهِ، ومن تَرَكَ دَيْناً أو ضَياعاً فَإِلَيَّ"(1).
وأما ابنُ السبيلِ، فَمَنْ أخذتْهُ الطريق، واحتاجَ في سفرِه إلى مُؤْنَةٍ، فَيُعْطى، وإن كانَ ببلدِهِ غَنِيًّا.
* وأضافَ الله بقيةَ الغنيمةِ إلى الغانِمين، وبينَ الفقهاءِ اختلافٌ في صفاتِ الغانمين، وفي مقدارِ سُهْمانهم، وفي شروطِ استحقاقِهم (2)، فلا نُطَوِّلُ بذكره.
* وفي عُمومِ قولِه تعالى: {مِن شَيْءٍ} ، مع الحصر في قوله تعالى:{أَنَّمَا} دَلالةٌ ظاهرةٌ تقاربُ النَّصَّ في أَنَّ للغانِمين أربعةَ الأَخْماسِ في كُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَهَبٍ أو فِضةٍ أو عَقارٍ، وبهذا أخذَ الشافعيُّ (3).
وقالَ مالِكٌ: لا تُخَمَّسُ الأرضُ (4).
وقال أبو حنيفة: الأمرُ مَنوطٌ باختيارِ الإمام (5).
وسيأتي الكلامُ على هذا في الفَيْءِ -إن شاء الله تعالى-.
(1) رواه مسلم (767)، كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
ورواه البخاري (4503)، ومسلم (1619) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (8/ 388)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (5/ 42)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (8/ 3).
(3)
وهو مذهب الحنابلة. انظر: "الأم" للإمام الشافعي (4/ 139)، و"الحاوي الكبير" للماوردي (8/ 390)، و"المغني" لابن قدامة (6/ 322).
(4)
انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (5/ 72).
(5)
ما ذكر في كتب الحنفية يدل أن الإمام هو الذي يقسم الأربعة أخماس على الغانمين لا أن الأمر منوط به. انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (4/ 230)، و "الهداية شرح البداية" للمرغيناني (2/ 146)، و"شرح فتح القدير" لابن الهمام (5/ 492).
146 -
(7) قوله جَلَّ ثَناؤه: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال: 58].
* أمرَ اللهُ سبحانَهُ نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم إذا عاهَدَ قَوْماً، وخافَ منهمُ الخِيانَةَ، فإنْ ظَهَرَ منهم أماراتُها أن يُعْلِمَهُمْ بِنَبْذِ عَهْدِهِم؛ ليكونوا معهُ على سَواءً عَدْلٍ، واستواءً منَ العلمِ.
وعلى هذا نَصَّ الشافعيُّ، وحُكيَ عنهُ قولٌ شاذٌّ أَنَّهُ لا يَنْبذُهُ لخَوْفِ الخيانةِ حتى يَبْدَؤوا بنقضِه، كما لا يُنْقَضُ عَقْدُ الذمَّةِ لخوفِ الخيانةِ (1).
وهذا لا يَصِحُّ عن أبي عبدِ اللهِ -رحمه اللهُ تعالى-؛ فإن هذا مُصادِمٌ لِنَصِّ كتابِ اللهِ تَعالى، وإنما قالهُ الأَبْهَرِيُّ من المالكية.
وحملُ الخوفِ على العِلْمِ واليقينِ؛ كما في قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} [النساء: 35] فهو خَطَأٌ.
* ومفهومُ هذا الخطابِ أنه إذا لم يخف منهم خيانةً، لا ينبذُ إليهم عهدَه، وهو كذلكَ، وقد بينه اللهُ سبحانه في موضع آخرَ فقال:{إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا} [التوبة: 4] الآية، وقوله:{إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} (2)[التوبة: 7].
* فإن قيل: فكيفَ يجوزُ نبذُ العَهْدِ المُتَيَقَّنِ صِحَّتُهُ بِظَنِّ الخِيانة منهم؟
(1) بل كلام الإمام الشافعي في "الأم" يدل على خلافه. انظر: "الأم" له (4/ 185).
(2)
قال الطبري في تفسير الآية: فإن قال قائل: وكيف يجوز نقض العهد بخوف الخيانة، والخوف ظن لا يقين؟ قيل: إن الأمر بخلاف ما إليه ذهبت، وإنما معناه إذا ظهرَتْ آثار الخيانة من عدوك وخفت وقوعهم بك، فألق إليهم مقاليد السلم وآذنهم بالحرب. انظر:"تفسير الطبري"(10/ 27).
قلنا: جازَ إسقاطُ اليقينِ هنا بالشَّكِّ؛ لئلاّ يوقعَ التمادي معهم في الهَلَكَة؛ لبُعْدِ استحكامِ خيانتَهم، فَيَتَّسعَ الخَرْقُ، ويَشُقَّ على المسلمين التدارُكُ، وأما الوَهْمُ المَحْضُ، فلا اعتبارَ به، نَصَّ عليهِ الشافعيُّ في "الأم"(1)، واحتسبَ هذه الأحكامَ مُتَّفَقاً عليها.
ولكني رأيتُ في "جُزْءٍ" وقع عندي في هذا المَوْضِع منسوبٍ إلى ابن العربي: أنه عَقْدٌ جائزٌ ليسَ بلازم. قال: ويجوزُ للإمامَ أن يبعثَ إليهم، فيقول: نبذتُ إليكم عهدَكُمْ، فَخُذوا مِنِّي حِذْرَكُم، وادَّعى الاتفاقَ على ذلكَ (2).
ودعواهُ الاتفاقَ ممنوعةٌ، بل الاتفاقُ واقعٌ -إن شاءَ الله تعالى- على خلافِه؛ كما هو موافق للكتابِ والسنَّةِ.
فإن كانَ يريدُ أنه عقدٌ جائزٌ عندَ خوفِ الخِيانة، فهو مُتَّفَقٌ عليه كما قال، لكنه قالَ عقبَ هذا الكلام: وهذا عندي إذا كانوا همُ الذينَ طلبوا، فإن طلبَهُ المسلمون لمدَّةٍ، لم يجزْ تركُه فيها بالاتفاق.
ودعواهُ بالاتفاقَ هنا أيضاً ممنوعةٌ، وذكرت هذا لكيلا يغترَّ به.
* هذا في خوفِ الخِيانة، وأما إذا صدرتْ منهمُ الخِيانَةُ، فإن العهدَ يَنْتَقِضُ، لا أعلمُ في ذلكَ خلافاً؛ لقوله تعالى:{وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} إلى قوله: {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} [التوبة: 12 - 13]، ولهذا قصدَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أهلَ مَكَّةَ بالحربِ من غيرِ أن يَنْبِذَ إليهم، ولم يُعْلِمْهم، بل عَمَّى عليهم جِهَةَ غَزْوِهِ.
(1) انظر: "الأم" للإمام الشافعي (4/ 185).
(2)
انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 426).
147 -
(8) قوله جل ثناؤه: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنفال: 61].
أي: إن مالوا إلى المُصالَحَةِ، فَمِلْ إليها.
* أمر اللهُ سبحانَه نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم هنا بقَبول المُسالَمَةِ، وقال في موضع آخر:{فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ} [محمد: 35].
فمن أهلِ العلمِ من رأى الآيتين مُختلفتين، فجعل آيةَ مُحَمَّدٍ ناسخةً (1) لهذه، وحُكي هذا عنِ ابنِ عباس -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-.
وأكثرُ المفسرين على أن هذه الآيةَ منسوخةٌ.
ثم اختلفَ هؤلاءِ في الذي نَسَخَها.
فقال قومٌ: نسخها آيةُ السيفِ؛ قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5].
وقال قومٌ: نسخها قولُه تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: 29].
والصوابُ عدمُ النسخ؛ لفقدان التعارُضِ، وإمكانِ الجمعِ بين الآيات كُلِّها (2)، فليسَ بينَها اختلافٌ، فهذهِ الآيةُ فيما إذا التمسَ المشركونَ مِنَّا الصلحَ، وبآيةِ "محمدٍ" نهانا الله تعالى أن نبتدئهم بالتماسِ الصُّلح، فكل
(1) انظر: "الناسخ والمنسوخ"(ص: 42)، و"الناسخ والمنسوخ" (ص: 27)، و"المصفى بأكف أهل الرسوخ" (ص: 37)، و"قلائد المرجان" (ص: 112).
(2)
ورجَّح عدم النسخ الطبري والزمخشري وابن كثير وغيرهم. انظر: "تفسير الطبري"(10/ 34)، و"الكشاف" للزمخشري (2/ 221)، و"تفسير ابن كثير"(2/ 324).
واحدٍ منهما في حالٍ غيرِ حالِ الأخرى، وآية السيف (1) يُعْمَلُ بها إذا لم يَلْتَمسوا مِنَّا الصلحَ، فإذا التمسوهُ، ورأى الإمامُ فيه المصلحةَ، عَمِلْنا بهذه الآية، وأما آيةُ أهلِ الكتابِ فإنها موافِقَةٌ لهذهِ، ولهذا قالَ مجاهدٌ في تأويلِ هذه الآيةْ المرادُ بها قبولُ جِزْيَةِ أهلِ الذِّمَّةِ (2).
والعجبُ من قائلِ هذا القولِ (3) كيفَ يَدَّعي نَسْخَ الشيءِ بما يُوافِقُهُ، وسيأتي في "سورة محمدٍ" مزيدُ بيانٍ -إن شاء الله تعالى-.
* * *
148 -
* أمر الله سبحانَهُ المؤمنينَ بمُصابرَةِ الواحدِ للعَشَرَةِ، وخرجَ مخرجَ الشرطِ؛ لكي يعلق عليه النَّصْرَ والغَلبةَ عند الصبر.
ثم خفف اللهُ ذلك عنا (4)؛ لِما علمَ مِنْ ضعفِنا، وأوجبَ المُصابَرَةَ للضِّعْفِ، ووَعَدَنا النصرَ على الصَّبْرِ أيضاً، وهذا أدنى مَراتبِ المُصابرةِ؛ فإن الواحدَ قد يَهْجُمُ في كَرَّتهِ على أَحَدِ الاثنينِ، فيقتلُه، أو يُثْخِنُهُ، ويبقى معهُ واحدٌ، فيحصل له النصر، وقد شاهدنا هذا كثيراً.
(1)"السيف": ليس في "أ".
(2)
انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (8/ 40).
(3)
في "ب": "القبول".
(4)
"عنّا": ليس في "أ".
* وعلى مُصابرةِ أهلِ الضعفِ أجمعَ أهلُ العلمِ، ولكن اختلفوا.
فاعتبرَ الشافعيةُ بالعددِ كما هو ظاهرُ القرآنِ (1)(2)، واعتبرَ المالكيةُ بالقُوَّةِ (3)، فجوَّزوا للمسلمِ أن يفرَّ من الكافرِ الواحدِ إذا كان أقوى بَطْشاً، وأشكى سلاحاً، وأعنف جَواداً، وقد تقدم شيءٌ من أحكامِ هذه الآية قريباً.
* * *
149 -
150 (11 - 12) قوله عز وجل: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 67 - 68].
سيأتي بيانُهما في "سورةِ مُحَمَّدٍ" صلى الله عليه وسلم -إن شاء الله تعالى-.
* * *
(1)"القرآن": ليس في "أ".
(2)
انظر: "الرسالة" للإمام الشافعي (ص: 127)، و"الحاوي الكبير" للماوردي (2/ 477).
(3)
انظر: "بداية المجتهد" لابن رشد (1/ 283)، و"الذخيرة" للقرافي (3/ 410).