المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌(من أحكام الصلاة)

- ‌(من أحكام النكاح)

- ‌(من أحكام الشهادات)

- ‌(من أحكام المواريث)

- ‌سُورَةُ المَائِدَةِ

- ‌(من أحكام المعاملات)

- ‌(من أحكام الأطعمة)

- ‌(من أحكام المعاملات)

- ‌(من أحكام الحج)

- ‌(من أحكام الصيد والذبائح)

- ‌(من أحكام الطهارة)

- ‌(من أحكام الحدود)

- ‌(الحرابة)

- ‌(السرقة)

- ‌(من أحكام أهل الكتاب)

- ‌(من أحكام الصلاة)

- ‌(من أحكام الأيمان)

- ‌(من أحكام الأشربة)

- ‌(من أحكام الهدي)

- ‌(من أحكام الشهادات)

- ‌سُورَةُ الأَنْعَامِ

- ‌(من أحكام الذبائح)

- ‌(من أحكام الزكاة)

- ‌(من أحكام الذبائح)

- ‌(من أحكام اليتامى)

- ‌سُورَةُ الأَعْرَافِ

- ‌(من أحكام اللباس والزينة)

- ‌(من أحكام الصلاة)

- ‌سُورَةُ الأَنفَالِ

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(من أحكام الهجرة)

- ‌سُورَةُ التَّوْبَةِ

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(من أحكام الزكاة)

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(من أحكام الصدقة)

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(من أحكام الصلاة)

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(من أحكام الزكاة)

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌سُوْرَةُ يُوسُفَ

- ‌(من أحكام المعاملات)

- ‌سُوْرَةُ النَّحْلِ

- ‌(من أحكام الطهارة)

- ‌(من أحكام الأيمان)

- ‌(من أحكام الصلاة)

- ‌(من أحكام المعاملات)

- ‌سُوْرَةُ الإسْراءِ

- ‌(من أحكام البر والصلة)

- ‌(من أحكام القصاص)

- ‌(من أحكام البيوع)

- ‌(من أحكام الصلاة)

- ‌سُوْرَةُ الأَنْبيَاءِ

- ‌(من أحكام المعاملات)

الفصل: ‌(من أحكام الزكاة)

(من أحكام الزكاة)

130 -

(3) قوله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141)} [الأنعام: 141].

أنشأ: أَبْدَعَ على غيرِ مِثال يُحْتَذَى. مَعْروشاتٍ: مَرْفوعاتٍ على الأعواد.

* ذكر الله سبحانه في هذه الآية أنواعاً من المَطْعومات التي أنعم بها على عِباده وهي تُطْعَمُ قوتاً وتَفَكهاً وتَداوِياً، ويُنتفعُ بها قوتاً وتَفَكهاً واستِصْباحاً، ثم أمرنا بأكلِها، وإيتاءِ حَقِّها.

* واتفق العلماءُ على أن الأمرَ بالأكل للإباحَةِ، أو للامْتِنان، وبالإيتاء وجوب، ولكن الحَق مُجْمَل، وقد بَيَّنَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقال:"فيما سَقَتِ السَّماءُ العُشْرُ، وفيما سُقِيَ بِنَضْحٍ أو دالِيَةٍ نِصْفُ العُشْرِ"(1).

* وقد اختلفَ الناسُ في هذهِ الآيةِ اختلافاً كثيراً، وسببُ اختلافِهم هو اتفاقُهم على أن سورة الأنعامِ نزلَتْ بمكَّةَ، وأنَّ الزكاةَ فُرِضَتْ بالمدينةِ، وعلى أَنَّهُ لا حَق في المالِ غيرُ الزكاةِ.

(1) تقدم تخريجه من حديث عبد الله بن عمر.

ص: 236

روى ابنُ وَهْبٍ وابنُ القاسِمِ عن مالكٍ: أنه قال: إن الزَّكاةَ والصومَ فُرِضا في المدينة، فكيف نقولُ: إن قولَه تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} إن المرادَ بها الزكاة، والأنعامُ مَكِّيّةٌ؟.

فذهبَ قومٌ إلى أنها منسوخة بآية الزكاة (1).

ويروى عن عِكْرِمَةَ، والضحّاك، والنَّخَعِيِّ، وسعيدِ بنِ جُبَير (2)، قال سُفْيانُ: سألتُ السُّدِّيَّ عن هذه الآيةِ، فقالَ: نسخَها العُشْرُ، وَنصفُ العُشْرِ، فقلتُ عَمَّنْ؟ قال: عن العلماء (3).

وذهبَ الجُمهور إلى أنها مُحْكَمَةٌ.

ثم اختلفَ هؤلاءِ.

فقال قومٌ: ليس المرادُ بالحَق الزكاةَ، وإنما المرادُ به تركَ شيءٍ للمساكين غيرِ الزكاة، وبه قالَ مجاهدٌ، والحَكَمُ، ومحمدُ بنُ كَعْبٍ، وأبو عُبيدَةَ (4).

قال مُجاهدٌ: إذا حَصدْتَ، فَحَضَرَكَ المساكينُ، فاطْرَحْ لهِم من السُّنْبُلِ، فإذا جَذَذْت، فألقِ لهم منَ الشَّماريخ (5)، فإذا دستَهُ (6) وذرَّيْتَهُ،

(1) انظر "المصفى بأكف أهل الرسوخ"(ص: 34).

(2)

انظر: "تفسير الطبري"(8/ 58).

(3)

رواه ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر في "تفاسيرهم"، وأبو داود في "ناسخه" كما نسب ذلك السيوطي في "الدر المنثور"(3/ 367).

(4)

انظر: "مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 407)، و"تفسير الطبري"(8/ 55).

(5)

الشماريخ: مفردُه: الشِّمْراخ والشِّمْروخ: وهو العِذقُ الذي عليه البُسْر، وأصلُه في العِذْق، وقد يكون في العنب.

"اللسان"(مادة: شمرخ)(3/ 31).

(6)

دُسْته: داسَ الناسُ الحبَّ وأداسوه: دَرَسوه.=

ص: 237

فاطرَحْ لهم منه، وإذا عرفْتَ كَيْلَهُ، فأخرجْ زكاتَهُ لهم (1)(2).

وذهبَ الجُمهور إلى أن المرادَ بالحَقِّ الزكاةُ، أمر الثهُ سبحانه بِها أمراً مُجْمَلاً، ثم بيَنَهُ النبي صلى الله عليه وسلم، كما قَدَّمْتُ ذلك أَوَّلاً، وبه قالَ أنسٌ، وابنُ عَبّاسٍ، وطاوسٌ، والحسنُ، وابنُ المُسَيِّبِ، وعطاءٌ، وغيرهم (3).

واعتُرِض على هذا بأن فرضَ الزكاةِ كانَ بالمدينةِ، والسورةُ مَكّيَّةٌ، وهذا مُتناقِضٌ كما قَدَّمْتُ ذلكَ عن مالِكٍ من روايةِ ابنِ وَهْبِ وابنِ القاسمِ.

فمن المتأخِّرين مَنْ قالَ على طريقِ التَّنَزُّلِ: يجوزُ أن يُوجِبَ اللهُ سبحانهُ الزكاةَ بمكَّة بهذهِ الآيةِ إيجاباً مُجْمَلًا، فأوجبَ بمكَّةَ فرضَ اعتقادِ وُجوبِها، ووقفَ العملَ بها على بيانِ الجنسِ والقدرِ والوقتِ، فلم يُمْكِنِ الامتثالُ بِمَكَّةَ حتى تَمَهَّدَ الإسلامُ بالمدينة، فوقع البيانُ وتَعَيَّنَ الامتثالُ.

ثم قال: وهذا لا يَفْقَهُهُ إلا العلماءُ بالأصول (4).

وما قاله هذا القائلُ حَسَنٌ، إلا أنه غَفَلَ عن التحقيقِ، فقولُه غيرُ مستقيمٍ لأنَّ اللهَ سبحانه لم يفرضْ وُجوبَ الزكاةِ وحَدَّهُ، بل فرضَ أداءَ حَقِّ المالِ يومَ الحَصاد، وتأخيرُ البيانِ حينئذٍ لا يجوزُ؛ لأنه وقتُ الحاجَة، إلا أن يُقَدَّرَ أَنَّ نزولَ الآية كانَ قبلَ أن يَيْنَعَ في آخرِ عامٍ هاجرَ فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ولا يَخْفى ما في هذا من البُعْدِ.

= "اللسان"(مادة: دوس)(6/ 90). ومعنى الكلام: أن يُسْتخرَج الحبُّ أو الثمرُ من الشماريخ أو السنابل.

(1)

"لهم" ليس في "أ".

(2)

رواه سعيد بن منصور في "السنن"(5/ 95)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(2/ 407).

(3)

انظر: "تفسير الطبري"(8/ 53)، و "التمهيد" لابن عبد البر (20/ 154).

(4)

انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 286).

ص: 238

والأحسنُ عندي أن يقالَ: الآيةُ بخُصوصِها مدنيةٌ -كما قالَ الزَّجَّاجُ-: قيل فيها: إنها نزلَتْ بالمدينةِ، وإن كانتِ السورةُ مكية (1).

فليس ثَمَّ دليل سمعي على تعيينِ نُزولِ هذه الآيةِ بمكَّةَ، وقد يطلقون ذلكَ على جُمْلَةِ السورةِ، وقد عُلِم أن بَعْضَها غيرُ داخلٍ في ذلك الإطلاق، ألا تراهم يقولون: المائدةُ مدنية، وقد نزلَ قوله تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] بِعَرَفَةَ؟

فإن قلت: لو أسمعتني دليلاً على ما قلتَ كانَ أوقعَ لقولكَ عندي، وإن كانَ الدليلُ على كون الآيةِ بخُصوصها مكيةً على غيرِك لا عليكَ.

قلت: روى الكلبيُّ عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أن ثابتَ بنَ قيسٍ عَمَدَ فَصَرَمَ خَمْسَ مِئَةِ نخلةٍ، فَقَسَمها في يومٍ واحدٍ، ولم يتركْ لأهلهِ شيئاً، فكره اللهُ له ذلك، فأنزل:{وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (2)(3)[الأعراف: 31].

ونحوُ هذا رُوي عنِ ابنِ جُبير (4).

(1) انظر: "المحرر الوجير" لابن عطية (2/ 353)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (7/ 99) لم أجده عن ابن جبير، لكن روي نحوه عن ابن جريج وانظر:"تفسير الطبري "(8/ 61)، و"تفسير ابن كثير"(2/ 183).

وروى ابن جريج عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: أنه جذ نخله فلم يزل يتصدق من ثمره حتى لم يبق منه شيء، فنزلت:{وَلَا تُسْرِفُوا} .

(2)

انظر: "تفسير الثوري"(1/ 110)، وابن كثير في "تفسيره"(2/ 183)، و"الدر المنثور" للسيوطي (3/ 369).

(3)

انظر: "معالم التنزيل" للبغوي (2/ 136)، و"زاد المسير" لابن الجوزي (3/ 136).

(4)

رواه عبد الرزاق في "المصنف"(4/ 145)، وابن أبي حاتم في "التفسير"(5/ 1399).

ص: 239

والظاهرُ نُزولُ الآيةِ جملةً واحدةً، وإن كان بعضُها قد ينزلُ دونَ بعضٍ كما بينتُه في كتابي هذا، والله أعلم.

* وأوجبَ اللهُ سبحانه إيتاء الحَقِّ يومَ الحَصاد، وجَعَلَهُ وقتَ الإيتاءِ، لا وقتَ لهُ غيره.

فإن قلتَ: فهل وقتُ الإيتاءِ وقتٌ لتعلُّقِ هذا الوجوب، أو يتقدَّمُ الوجوبُ عليه؟

قلنا: قالَ محمدُ بنُ مَسْلَمَةَ المالِكيُّ: وقتُ وجوبِ الإيتاءِ وقتُ وجُوب التَّعَلُّقِ؛ لقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141].

وحكاه صاحبُ "التقريب"(1) قولًا للشافعيِّ؛ لأنه لو وَجَبَ، لما جازَ تأخيرُه.

ومذهبُ الشافعيّ ومالِكٍ وسائرِ المالكيةِ أنَّ وقتَ وجُوبِ التَّعَلُّقِ عندَ بُدُوِّ الصَّلاحِ (2)؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَخْرُصُ النَّخْلَ حينَ يَبْدو صلاحُها، ويُضَمِّنُها أربابَها (3)، ولأنه وقتُ اقْتياتِهِ الذي مَنَّ الله بهِ علينا، فهو واجِبٌ مُوَسَّعٌ كالصلاة، والإيتاءُ يومَ الحصادِ بيانٌ لما قد وَجَبَ يومَ الحَصاد.

(1) انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 287)، و "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (7/ 104)، و "الذخيرة" للقرافي (3/ 85) 27. هو الإمام أبو الحسن القاسم بن محمد بن علي القفال الشاشي. انظر:"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (2/ 553).

(2)

انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (3/ 217)، و"الشرح الكبير" للرافعي (5/ 581)، و"أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 288)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (7/ 104).

(3)

سيأتي تخريج حديث النبي صلى الله عليه وسلم في هذا.

ص: 240

* إذا تمَّ هذا، فقدْ تَمَسَّكَ الحَنَفِيَّةُ بهذهِ الآيةِ في وُجوبِ الزكاةِ في كُلِّ ما أخرجتْهُ الأرضُ، ما خلا الحشيشَ والحَطَب والقَصَبَ (1)؛ لأن اللهَ سبحانه ذكرَ الزَّيتون والرُّمّانَ، ثم قال:{وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141].

ولا دليلَ لهمْ في الآيةِ؛ لأن اللهَ سبحانه وتعالى قال: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]، والحصادُ مختصّ بالزرعِ، وفي معناه الجُذاذُ في النَّخْلِ، بل هذا يدلُّ على أن الزيتونَ والرمانَ غيرُ مُرادَيْنِ بالإيتاء.

فإن قالوا: أصلُ الحَصادِ ذَهابُ الشيءِ عن مَوْضِعِهِ الذي هو فيه، بدليلِ قوله:{مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ} [هود: 100]، وقوله:{فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ} [يونس: 24]، وقوله:{حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ} [الأنبياء: 15]، وذلك غير مُخْتَصٍّ بالزرع.

قلنا: عرفُ اللسانِ (2) قاضٍ باخْتِصاص الزرع به، ولهذا يقال: حصَادُ الزرع، وجُدادُ النخلِ -بالدال المُهْمَلَة-، وجُذاذُ البقل -بالمُعْجَمَة- فتخصيصُه بالزرعِ حقيقةٌ عرفيةٌ، وتعميمُه حقيقةٌ لغويةٌ، والعرفيةُ أولى من اللغوية.

ثم تمسَّكوا أيضاً بعموم قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة: 267].

وهذا لا دليلَ فيه أيضاً، فعمومُه مخصوصٌ بتركِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الأخذَ من بعضِه؛ كالقِثَّاءِ والبِطِّيخِ، وكانَ بالمدينة، وبسكوته عن الأمرِ في الزَّيتونِ

(1) انظر: "المبسوط" للسرخسي (3/ 2)، و"الهداية شرح البداية" للمراغيناني (1/ 109).

(2)

في "ب": "الشرع".

ص: 241

والرُّمّان، وكان بغيرِ المدينة، ولو كان زَكاتِيًّا، لأخذَ مِمَّا كانَ بالمدينة، وأمرَ بالأخذِ مِمّا كانَ في غيرِها؛ كما أخذَ في الإبِلِ والغنمِ، وأَمَرَ في البَقَرِ، ولو أخذَ هو أو أَحَدٌ من الخُلُفاءِ، لنقِلَ إلينا كما نُقِلَ أَخْذهُمْ مِنَ الدُّخْنِ (1) والسُّلْتِ (2) والعَلَسِ (3) والأَرُزّ، فلما لم يُنْقَلْ عنهم، عَلِمْنا أنهُ لا زكاةَ فيه، كما لم يُنقلْ عنهم أخذُ الزكاةِ في الياقوتِ واللُّؤلُؤِ، واستدلَلْنا على أن العِلَّةَ فيها هوَ القوتُ الذي تقومُ بهِ الأبدانُ؛ كما أن العِلَّةَ في النَّقْدَيْنِ كونُهما الثَّمَنِيَّةَ التي تُقَوَّمُ بها الأشياءُ.

فإن قيل: لا حاجةَ إلى نقلِه؛ فإن القرآنَ يكفي عن النقل.

قلنا: لا بدَّ من نقلِه ليتمَّ بيانُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لِما أنزلَ اللهُ عليه، ولمّا لم يأمرْ بالأخذِ منها، ولم يأخذْ مع وجودِ الظاهرِ، علمْنا أنه واجبٌ فيها كسائرِ المتروكات.

واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "فيما سَقَتِ السماءُ العُشْرُ، وفيما سُقِيَ بِنَضْحٍ أو

(1) الدُّخن: الدُّخْنُ: هو حَبُّ الجاوَرْس، أملسُ جدًا، باردٌ يابس، حابسٌ للطبع. "القاموس" (مادة: دخن) (ص: 1077).

(2)

السُّلْتُ: ضربٌ من الشعير، وقيل: هو الشعير بعينه، وقيل: هو الشعير الحامض، وقال الليثُ: السُّلْتُ: شعيرٌ لا قشرَ له أجردُ، وزاد الجوهري: كأنه الحنطة.

"اللسان"(مادة: سلت)(2/ 45).

(3)

العَلَسُ: حَبٌّ يؤكل، وقيل: هو ضربٌ من الحنطة، وقال أبو حنيفة: العَلَسُ: ضربٌ من البُرِّ جيد، غير أنه عسيرُ الاستنقاء، وقيل: هو ضرب من القمح يكون في الكمام منه حبتان، يكون بناحية اليمن، وهو طعام أهل صنعاء. قال ابن الأعراب: العَدَس يقال له العَلَس.

"اللسان"(مادة: علس)(6/ 46).

ص: 242

دالِيَةٍ نِصْفُ العُشْرِ" (1)، واعتقدوا عمومَهُ.

قلنا: هذا كلامٌ جاء سياقُه من الشارعِ لبيانِ مقدارِ الحَقِّ الذي أمرَ اللهُ سبحانَه بإيتائه، لا لبيان الشيء الذي يجبُ فيه، وليس فيه من قُوَّةِ الدلالَةِ ما في قوله صلى الله عليه وسلم:"ليس فيما دونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ منْ حَبٍّ أو تَمْرٍ صَدَقَةٌ"(2)؛ لما في هذه الآية من الاعتناء بذكرِ المقدارِ الذي يجبُ فيه، والجنسِ الذي يجبُ فيه، وهو من أحسنِ أدلَّةِ الشافعيَّةِ في اعتبارِ النِّصابِ، واعتبار المُقْتاتِ.

* * *

(1) تقدم تخريجه.

(2)

رواه البخاري (1390)، كتاب: الزكاة، باب: ليس فيما دون خمس ذود صدقة، ومسلم (979) في أول كتاب: الزكاة. عن أبي سعيد الخدري، دون قوله:"حب".

ص: 243