المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌(من أحكام الصلاة)

- ‌(من أحكام النكاح)

- ‌(من أحكام الشهادات)

- ‌(من أحكام المواريث)

- ‌سُورَةُ المَائِدَةِ

- ‌(من أحكام المعاملات)

- ‌(من أحكام الأطعمة)

- ‌(من أحكام المعاملات)

- ‌(من أحكام الحج)

- ‌(من أحكام الصيد والذبائح)

- ‌(من أحكام الطهارة)

- ‌(من أحكام الحدود)

- ‌(الحرابة)

- ‌(السرقة)

- ‌(من أحكام أهل الكتاب)

- ‌(من أحكام الصلاة)

- ‌(من أحكام الأيمان)

- ‌(من أحكام الأشربة)

- ‌(من أحكام الهدي)

- ‌(من أحكام الشهادات)

- ‌سُورَةُ الأَنْعَامِ

- ‌(من أحكام الذبائح)

- ‌(من أحكام الزكاة)

- ‌(من أحكام الذبائح)

- ‌(من أحكام اليتامى)

- ‌سُورَةُ الأَعْرَافِ

- ‌(من أحكام اللباس والزينة)

- ‌(من أحكام الصلاة)

- ‌سُورَةُ الأَنفَالِ

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(من أحكام الهجرة)

- ‌سُورَةُ التَّوْبَةِ

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(من أحكام الزكاة)

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(من أحكام الصدقة)

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(من أحكام الصلاة)

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌(من أحكام الزكاة)

- ‌(من أحكام الجهاد)

- ‌سُوْرَةُ يُوسُفَ

- ‌(من أحكام المعاملات)

- ‌سُوْرَةُ النَّحْلِ

- ‌(من أحكام الطهارة)

- ‌(من أحكام الأيمان)

- ‌(من أحكام الصلاة)

- ‌(من أحكام المعاملات)

- ‌سُوْرَةُ الإسْراءِ

- ‌(من أحكام البر والصلة)

- ‌(من أحكام القصاص)

- ‌(من أحكام البيوع)

- ‌(من أحكام الصلاة)

- ‌سُوْرَةُ الأَنْبيَاءِ

- ‌(من أحكام المعاملات)

الفصل: ‌(من أحكام الأيمان)

(من أحكام الأيمان)

118 -

119) (15 - 16) قوله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} [المائدة: 87 - 88].

* قالَ ابنُ عَبّاسٍ وغيرُه منَ المُفَسِّرينَ: نزلَتْ في قومٍ منْ أصحابِ النبيِّ أرادوا أن يَرْفُضوا الدنيا، ويُحَرِّموا على أَنْفُسِهِمُ المَطاعمَ الطَّيِّبَةَ والمَشارب اللَّذيذَةَ، وأن يَصوموا النَّهارَ، ويَقوموا اللَّيْل، ويُخْصوا أَنْفُسَهم، فأنزلَ اللهُ سبحانَه هذه الآيَة (1).

وروى البخاريُّ نحوَهُ (2).

(1) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (3/ 140).

(2)

روى البخاري (4776) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم، قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال:"أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني".

ص: 167

* ونهى (1) اللهُ سبحانَه بهذهِ الآيةِ عَبْدَهُ المؤمنَ أن يُحَرِّمَ على نفِسه ما أَحَلَّهُ له.

فإنْ فعلَ ذلكَ تشريعاً، فهو كُفْرٌ (2).

وإن فَعَلَهُ تزَهُّداً كَفِعْلِ الصحابَةِ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم - فهو مكروهٌ (3)؛ وفاقاً للشيخِ أبي حامدٍ (4)، والجُمهورِ من الشافعيةِ (5)، وخلافاً للقاضي أبي الطَّيِّبِ.

وإن حَرَّمَهُ بلسانهِ دونَ اعتقادِه، فهو كَذِبٌ حَرامٌ يستغفرُ اللهَ سبحانَه منه، ولا يحرمُ عليهِ، ولا يجبُ عليه شيءٌ من الكَفَّارةِ.

وقال أبو حَنيفةَ: هو يمينٌ تجبُ بهِ الكفَّارةُ، فهو كما لو قالَ: واللهِ لا فَعَلْتُ كَذا (6).

* وهذا مُتَفَرِّعٌ عن مسألة أخرى، وهي هل اليمينُ تُحَرِّمُ فِعْلَ المَحْلوفِ عليهِ، أو لا؟

فقال الشافعيُّ ومالِكٌ: اليمينُ لا تُحَرِّمُ (7).

(1) في "ب": "فنهى".

(2)

انظر: "المحلى" لابن حزم (7/ 429).

(3)

مَنْ خالف منهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأرادوا أن يحرموا على أنفسهم الطيبات، كما مرَّ في التعليق السابق من حديث أنس رضي الله عنه.

(4)

انظر: "إحياء علوم الدين" للغزالي (3/ 96).

(5)

وهو قول عامة أهل العلم. انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (4/ 110)، و"الاعتصام" للشاطبي (1/ 340)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (6/ 262).

(6)

انظر: "شرح فتح القدير" لابن الهمام (5/ 77)، و"بدائع الصنائع" للكاساني (3/ 168).

(7)

انظر: "شرح البخاري" لابن بطال (6/ 123)، و"التمهيد" لابن عبد البر =

ص: 168

وقال أبو حَنيفةَ: اليمينُ تُحَرِّمُ (1).

واختارَهُ ابنُ العَرِبيِّ المالِكِيُّ (2)، قال: لأنَّ الحالِفَ إذا قالَ: واللهِ لا دَخَلْتُ الدَّارَ، فإنَّ هذا القولَ قَدْ مَنَعَهُ منَ الدُّخولِ حتى يُكَفِّرَ، فإنْ أقدمَ على الفعلِ قبلَ الكفارةِ، لزمَهُ أداؤها، والامتناعُ هو التحريمُ بعينهِ، والباري تَعالى هو المُحَرِّمُ، وهو المُحَلِّلُ، ولكنَّ تحريمَهُ قد يكونُ ابتداءً كمحرَّماتِ الشريعَةِ، وقد يكونُ بأسبابٍ يُعَلِّقُها بأفعالِ المُكَلَّفينِ؛ كتعليقِ التَّحريمِ بالطَّلاقِ، والتَّحريمِ باليَمين، ويرفعُ هذا التحريمَ الكفّارَةُ والنِّكاحُ بِحَسَبِ ما رَتَّبَ سبحانَه منَ الأحكامِ (3).

ولكنه ضَعَّفَ إلحاقَ أبي حنيفةَ قولَه: حَرَّمْتُ على نَفْسي كذا بقولِه: واللهِ لا فَعَلْتُ كذا، قال: لأنهُ باليَمين حَرَّمَ، وأَكَّدَ التَّحريمَ بذكرِ اللهِ تعالى، وبغيرِ اليمينِ حَرَّمَهُ وحدَهُ دونَ ذكرِ الله تعالى، وكيفَ يُلْحَقُ ما لم يُقْرَنْ به ذكرُ اللهِ تعالى بما قُرِنَ بهِ ذكرُ اللهِ تعالى؟ ثم قال: وهذا الإلحاقُ لا يَخْفى تَهاتُرُهُ (4) على أحدٍ (5)(6).

والذي أراهُ أنَّ الإلحاقَ صَحيحٌ؛ لأن اللهَ سبحانَه سَمَّى تحريَم المرأةِ على نَفْسِها يميناً، وأوجَبَ فيه الكَفَّارَةَ، وقال تعالى في سورة التحريم:

= (21/ 246)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (6/ 265).

(1)

انظر: "المبسوط" للسرخسي (8/ 134)، و"العناية شرح الهداية" للبابرتي (6/ 485).

(2)

"المالكي" ليس في "أ".

(3)

انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 152).

(4)

تهاتره: التهاتُر: الشهادات التي يكذِّب بعضها بعضاً. "القاموس"(مادة: هتر)(ص: 446).

(5)

انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 148 - 149).

(6)

انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 152).

ص: 169

{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: 1]، ثم قال:{قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2].

وإنَّما استثنى مالِكٌ والشافِعيُّ من تحريمِ الرجلِ على نفسِه ما خَلا الزَّوْجَةَ، فلم يُوجِبا فيها الكَفَّارَةَ، وسيأتي الكلامُ على هذا في "سورةِ التحريمِ" -إن شاء الله تعالى-.

* * *

120 -

(17) قوله تبارك وتعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 89] الآية.

* ذكر اللهُ سبحانَهُ اليمينَ في آيتينِ من كتابهِ العزيز، وقَسمها إلى لَغْوٍ وغَيْرِه.

- فأما اللَّغْوُ، فقد ذكرتُ اختلافَ العلماءِ فيه.

وأما حقيقَتُه، فهو ما كانَ باطلاً وما لا يُعْتَدُّ بهِ منَ القول، ومنه قيلَ لولد الناقَةِ الذي لا يُعْتَدُّ بهِ في الدِّيَةِ: لَغْوٌ.

وحقيقةُ هذا الاسمِ واقعةٌ على الأقوالِ جميعِها، إما وَضْعاً، وإمّا شَرْعاً، لكنه فيما اختارَهُ الشافِعيُّ أَظْهَرُ وقوعاً.

- وأما غيرُ اللَّغْوِ، فذكرَها اللهُ سبحانَهُ بِوَصْفَيْنِ في الآيتينِ، فقال في إِحداهُما:{وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225]، وكَسْبُ القلب هو قَصْدُه للشيءِ، وعَزْمُهُ عليه، وبهذا أخذَ الشافعيُّ، وجعلَ الكَسْبَ مُفَسِّراً للوَصْفِ الآخَرِ الذي هُو العَقْدُ.

ص: 170

وقال في الأُخْرى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [المائدة: 89].

والعَقْدُ هو ربطُ الشيءِ بشيءٍ، وهو (1) هاهنا رَبْطُكَ القَصْدَ القائِمَ بالقَلْبِ بالمَقْصود بواسِطَةِ القَسَمِ، وهذه الحقيقةُ موضوعةٌ لما تُصُوِّرَ حَلُّه.

* وقد وصفَ اللهُ سبحانه رَفْعَ اليمينِ بالحِلِّ، فقالَ تعالى:{قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2]، وهذا المعنى يَقْتضي أن يكونَ اليمينُ على ظَنِّ شَيْءٍ، والحقيقةُ بخلافِه لَغْوٌ؛ لأنه ليسَ بعقدٍ يُتَصَوَّرُ حَلُّه.

وبهذا المعنى أخذَ مالكٌ، وأبو حنيفةَ، وسفيانُ، وأحمدُ، وجعلوا العَقْدَ المذكور هنا مفسِّراً للكَسْب المَذْكور في سورة البقرة (2).

وقال الشافعيُّ: لا إِثْمَ فيه، وعليهِ الكَفَّارَةُ؛ لأنها يَمينٌ مُكْتَسَبَةٌ بالقَصْدِ إليها (3).

* ومن أجل هذا أيضاً اختلَفوا في وجوبِ الكَفّارَةِ في اليَمينِ الغَموسِ، وهي اليمينُ على شيءٍ ماضٍ أَنَّهُ ما كان، وهو قَدْ كانَ، وتعمَّدَ الكذبَ على ذلك.

فقال مالكٌ، والأوزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ، والثوريُّ، وأحمدُ، وإسْحاقُ (4):

(1) في "ب": "فهو".

(2)

انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 147)، و"التمهيد" لابن عبد البر (21/ 250)، و"بدائع الصنائع" للكاساني (3/ 4)، و"المغني" لابن قدامة (9/ 388)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (6/ 266).

(3)

انظر: "الأم" للإمام الشافعي (7/ 63)، و"الحاوي الكبير" للماوردي (15/ 266)، و"الإشراف على مذاهب العلماء" لابن المنذر (7/ 126).

(4)

انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (4/ 112)، و"المحلى" لابن حزم (8/ 36)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (5/ 191)، و"المبسوط" للسرخسي (8/ 127)، و"المغني" لابن قدامة (9/ 392).

ص: 171

لا كفَّارةَ لها (1)؛ لأنها ليستْ بمُنْعَقِدَةٍ؛ لعدمِ تصوُّرِ حَلِّها، وإنما هيَ مَكْرٌ وخديعة، واختارَهُ ابنُ المنذرِ (2).

واحتجُّوا من السنَّةِ بقولهِ صلى الله عليه وسلم: "من حَلَفَ على يمينٍ يقْتَطعُ بها مالَ امْرِئً مُسْلِمٍ، وهو فيها فاجِرٌ، لقيَ الله وهوَ عليهِ غَضْبانُ"(3).

وقال الشافعيُّ تجبُ الكفارةُ؛ لأنها مُكْتَسَبَةٌ بالقلبِ (4).

وأجيبَ عن الحديثِ بأنه صلى الله عليه وسلم علَّقَ ذلكَ باليمينِ، وباقتطاعِ مالِ المسلمِ، والكفارةُ لا تهدمُ ظلمَ المُسلمِ، ولو كان حُجَّةً، لوجبَ أن تكونَ الكفارةُ في اليمينِ الغَموس التي لا اقْتِطاع فيها لمالِ مسلمٍ، وهم لا يقولون بذلك.

وهذا الجوابُ ضعيف، فإن الظاهرَ أن التقييدَ بمالِ المُسلمِ للتَّعريفِ والتَّعظيمِ، لا للتَّقييدِ، بدليلِ قوله:"وهو فيها فاجر".

فإن قلتَ: فما حقيقةُ اليمينِ التي عُلَّقَتْ بها هذهِ الأحكامُ؟

قلنا: هو تعليقُ القسمِ بالشيءِ العظيمِ على تركِ شيءٍ أو فعلِه.

وسُمِّيَتِ اليمينُ يَميناً؛ لأن العربَ كانتْ إذا أعطتْ مواثيقَها، مَدَّتْ أَيْمانَها؛ تأكيداً للمواثيق، فأطلق لفظُ اليمينِ على القولِ المصاحِبِ

(1)"لها" ليس في "أ".

(2)

انظر: "شرح البخاري" لابن بطال (6/ 131)، و"المغني" لابن قدامة (9/ 393)، و"فتح الباري" لابن حجر (11/ 557).

(3)

رواه البخاري (2229)، كتاب: المساقاة، باب: الخصومة في البئر والقضاء فيها، ومسلم (138)، كتاب: الإيمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار، عن عبد الله بن مسعود.

(4)

انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (15/ 267)، و"روضة الطالبين" للنووي (11/ 3).

ص: 172

لذلكَ تجَوُّزاً حتى صارَ حَقيقَةً فيه (1).

وقد كانتِ العربُ تُعَظّمُ أشياءَ في الجاهِلِيَّةِ، وتقسِمُ بها، أبطلَها الشرعُ، وبقيت العظمةُ لله جل جلاله، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تَخلفِوا بالطَّواغي، ولا بِآبائِكم، فَمَنْ كانَ حالِفاً، فَلْيَخلِفْ باللهِ، أو لِيَصُمْت"(2).

* وقد اتفقَ أهلُ العلمِ على تحريمِ الحَلِفِ بالطَّواغي كاللَّاتِ والعُزَّى، فإن قصدَ تعظيمَها، فهو كافرٌ، وإن لم يقصدْ تعظيمَها، فليسَ بكافرْ (3)، وربَّما قالَ بعضُهم بكفرِه؛ لإِطْلاقِ الأحاديثِ في ذلك، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ حَلَفَ منكُم، فقالَ في حلفه: باللاّتِ والعُزَّى، فليقلْ: لا إلهَ إلا اللهُ"(4).

* واتفقوا أيضاً على مَنْعِ الحلفِ بالآباءِ والمُلوك وغيرِهم منَ العُلماءِ والصّالحين، واختلفوا هل ذلكَ على التَّحريم، أو التَّنزيهِ؟ والخِلافُ موجودٌ عند المالكيّة والشافعيَّةِ جَميعاً (5).

(1) انظر: "التعريفات" للجرجاني (1/ 332)، و"لسان العرب"(13/ 462) مادة (يمن).

(2)

رواه مسلم (1648)، كتاب: الأيمان، باب: من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله، عن عبد الرحمن بن سمرة، بلفظ:"لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم". ورواه البخاري (5757)، كتاب: الأدب، باب: من لم ير إكفار من قال ذلك متأولاً أو جاهلاً، ومسلم (1646)، كتاب: الأيمان، باب: النهي عن الحلف بغير الله تعالى، عن عبد الله بن عمر بلفظ:"إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا، فليحلف بالله، وإلا فليصمت".

(3)

انظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 385)، و"شرح مسلم" للنووي (11/ 106).

(4)

رواه البخاري (6274)، كتاب الأيمان والنذور، باب: لا يحلف باللات والعزى ولا بالطواغيت، ومسلم (1647)، كتاب: الأيمان، باب: من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله، عن أبي هريرة.

(5)

انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (14/ 367)، و"فتح الباري" لابن حجر (11/ 534).

ص: 173

* واتفقوا على صِحَّةِ اليمينِ باللهِ جل جلاله، وبأسمائِهِ.

* واختلفوا في الحَلِفِ بصِفاتِ الله، وجَوَّزَهُ الجُمهورُ، وخالفَ فيه أبو حَنيفةَ (1).

* واختلفوا بالحلفِ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم خاصَّةً منَ الأنبياءِ -صلواتُ اللهِ عليهم وسلامُه-

فمنعَهُ الجُمهورُ (2)، وجَوَّزَهُ أحمدُ، وعَقَدَ بهِ اليمينَ؛ لأنهُ لا يَتِمُّ الإيمانُ إلا به، ولكن هذا ينتقضُ بسائرِ الأنبياءِ -صلواتُ اللهِ عليهم أجمعين-؛ فإنه لا يتم الإيمانُ إلا بهم.

* واختلفوا في الحَلِفِ بما أَقْسَمَ به اللهُ تعالى وعَظمَهُ، فجوَّزَهُ قومٌ، ومنعه آخرون، وبَسْطُ ذلكَ يطولُ (3).

* فإن قلتَ: فما حكمُ الألفاظِ التي ليستْ بصِيَغِ القَسَمِ، وإنما تخرجُ مَخْرَجَ الإلزام المُعَلَّقِ بالشروطِ، مثل أن يقولَ: إن فعلتُ كذا فَعَلَيَّ صومُ يومٍ، وامرأتي طالِق، وغلامي حُرٌّ، هل هي أَيمان يلزمُه بها ما التزَمَهُ، ويجبُ بمخالَفَتِها الكَفارَةُ؛ لما فيها من الحَثِّ والامْتِناع أو لا؟

(1) انظر: "شرح البخاري"(6/ 117)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (5/ 206)، و"المغني" لابن قدامة (9/ 395)، و "الشرح الكبير" للرافعي (11/ 171).

(2)

انظر: "رد المحتار" لابن عابدين (3/ 713)، و"بدائع الصنائع" للكاساني (3/ 8)، و "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 150)، و "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (6/ 270).

(3)

انظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 386)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (5/ 4).

ص: 174

قلت (1): ليست بأَيْمانٍ (2) في عُرفِ اللغة، وأما في عُرْفِ الشَّرعِ، فاختلفوا:

فقال الشافعيُّ وأحمدُ: ليست بأيمانٍ تجبُ بها الكفارةُ؛ وإنما هي نذورٌ يجبُ بها ما التزمَه (3).

ويروى هذا عن عائشة -رضي الله تعالى عنها (4) -.

وقال أبو ثَوْرٍ: يجبُ الكفارة في التعليقِ بالعتق وحدَه (5).

وقال مالكٌ: هي أيمان تجبُ بها الكفارةُ (6)؛ لقوله تعالى: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: 1]، مع قوله:{قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2]، فسماها الشرع يميناً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"كفارةُ النذرِ كفارةُ يمينٍ"(7)، حتى قال بعض المالكيةِ: النذرُ يمينٌ حقيقةً.

وقال أهلُ الظاهرِ: ليست بأيمانٍ يلزمُ منها الإثمُ والكَفّارةُ، ولا بِنُذورٍ يلزم بها ما التَزَمَهُ، وإنما يجبُ بذلك ما أَلْزَمَهُ الشرعُ؛ كالطلاقِ، والعتق (8).

وسيأتي الكلامُ على ذلك في النذر -إن شاء الله تعالى-.

(1) في "ب": "قلنا".

(2)

في "ب": "أيماناً".

(3)

انظر: "المجموع" للنووي (8/ 344)، و"المغني" لابن قدامة (9/ 415).

(4)

رواه الدارقطني في "السنن"(4/ 159)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 65).

(5)

انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (5/ 181).

(6)

انظر: "بداية المجتهد" لابن رشد (1/ 300)، و"الذخيرة" للقرافي (4/ 95).

(7)

رواه مسلم (1645)، كتاب: النذر، باب: في كفارة النذر، عن عقبة بن عامر.

(8)

انظر: "المحلى" لابن حزم (8/ 12).

ص: 175

* ثم ذكرَ اللهُ سبحانه وتعالى بعدَ اليمينِ الكَفارَةَ مُفَضَلَةً مُبَيَّنَةً، فخيَّرَ في أَوَّلِها، ورتَّبَ في آخرِها، فخيَّرَ بينَ الإطعامِ والكُسوةِ والتَّحريرِ.

وعلى هذا اتفقَ العُلَماءُ من الخَلَفِ والسَّلَفِ (1)، إلا ما رُويَ عنِ ابنِ عُمَرَ -رضي اللهُ تعالى عنهما-: أنه كانَ إذا أَكَّدَ اليمينَ، أعتقَ، أو كَسا، وإذا لم يُؤَكِّدْها، أَطْعَمَ (2).

قيلَ لنافعٍ: ما التأكيد؟ قال: أن يحلفَ على الشَّيْءِ مِراراً.

ولو أرادَ الحالِفُ أن يطعمَ خَمْسَةَ مساكينَ، ويكسوَ خمسةً؛ لم يجزُ؛ لأن الله سبحانَهُ خَيَّرَ بينَ الأنواعِ، ولم يخيرَّ في تنويعِ الأنواعِ (3).

ومطلقُ الخطابِ يقتضي وجودَ التكفيرِ بحصولِ الإطعام للمساكين في أيِّ صورةٍ كانت، فلو غَداهُم وعَشّاهُم، جاز، وبه قال أبو حنيفة (4).

وقال مالكٌ والشافعيُّ: لا يُجزئ إلا التمليكُ التامُّ؛ قياساً على الفِطْرَةِ، فقيد هذا الإطلاق بالقياس (5).

(1) انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (4/ 115)، و "الحاوي الكبير" للماوردي (15/ 299)، و "الاستذكار" لابن عبد البر (5/ 200).

(2)

انظر: "المحلى" لابن حزم (8/ 53)، و "بداية المجتهد" لابن رشد (1/ 305).

(3)

وهذا مذهب مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: يجوز بشروط. انظر: "المدونة الكبرى"(3/ 126)، و"الحاوي الكبير" للماوردي (15/ 306)، و"المجموع" للنووي (6/ 108)، و"المبسوط" للسرخسي (8/ 151).

(4)

وهو رواية عن مالك. انظر: "المبسوط" للسرخسي (8/ 149)، و "شرح فتح القدير" لابن الهمام (5/ 81)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (5/ 201)، "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 158).

(5)

وهو الراجح من مذهب أحمد. انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (10/ 523)، و "المغني" لابن قدامة (8/ 26)، و"أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 158)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (6/ 276).

ص: 176

* وإضافةُ الإطعامِ إلى العشرةِ المساكينِ يوجبُ التَّخْصيصَ بهم، والملكَ لهم، ولا يصحُّ العدولُ عنهم.

وبهذا قال الشافعيُّ ومالكٌ (1).

وقال أبو حنيفةَ: إذا دفعَها إلى مسكينٍ واحدٍ في دَفَعاتٍ، جازَ، وجعلَ العددَ المذكورَ للتقدير، لا للتمليك له، وتقديرُ الخطابِ عنده: فإطعامُ طعامِ عشرةِ مساكينَ (2).

وهذا ضعيفٌ؛ لِما فيه من الإضمارِ والتجويزِ، ولما فيه من حذفِ المفَعول، ولما فيه من تركِ البيان لمنْ تُصرَفُ إليه هذه الصدقةُ، والحقيقةُ خير من المَجازِ، والذكرُ خير من الإضمارِ، والبيانُ خير من الإجْمال، واتباعُ الظاهرِ أَوْلى من التأويلِ.

* ثم بيَّنَ اللهُ سبحانه صِفَةَ هذا الطَّعامِ، فقال:{مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} [المائدة: 89]، والوسط يقع على الخيارِ، ويقع على الوَسَطِ بينَ الطَّرَفَيْن، وهو المقصودُ هنا بالاتفاق (3).

قال ابنُ عَبّاسٍ -رضي الله تعالى عنهما- كان الرجلِ يقوتُ أهله قوتاً فيه سَعَة، وكانَ الرجلُ يقوتُ أهلَه قوتًا وَسَطاً، وقوتاً دُون ذلك (4)، فالواجبُ

(1) وهو مذهب أحمد. انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (15/ 305)، و"المغني" لابن قدامة (10/ 7)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (6/ 278).

(2)

انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (4/ 118)، و"الهداية شرح البداية" للمرغيناني (2/ 22).

(3)

انظر: "تفسير الطبري"(7/ 21)، و"أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 157).

(4)

رواه ابن ماجه (2113)، كتاب: الكفارات، باب: من أوسط ما تطعمون أهليكم، وابن أبي حاتم في "تفسيره"(4/ 1193)، وابن حزم في "المحلى"(8/ 74)، والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة"(168).

ص: 177

على الرجُلِ أن يُخْرِجَ من القوت الذي يُطْعِمُهُ أَهْلَه.

فهل المُرادُ بالذي نطعمُه أهلَنا أهلَ المُكَفِّرِ خاصَّةً حتى يجبَ عليه أن يخرجَ من قوَّتِه، أو أهلِ الجميعِ منّا، حتى يجبَ غالبُ قوتِ أهل البلد؟ فيه احتمال.

وقد اختلفَ في ذلكَ القولُ عندَ الشافعيةِ والمالكيةِ (1).

* والوسطُ الذي ذكرهُ اللهُ سبحانه، وقَيَّدَ به إطلاقَ الإطعامِ مُطْلَقٌ غيرُ مُقَدَّرٍ.

فقدَّرَهُ الشافعيُّ بالمُدِّ (2)؛ لأنه أقلُّ ما وُجِدَ، كَما في كَفارة المُفْطِرِ في شَهْرِ رَمَضانَ، وأخذ في تقديرِه بقولِ ابنِ عَبّاسٍ وزيِد بنِ ثابت -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم (3) -.

وَقدَّرَهُ أبو حنيفةَ بِنِصْفِ صالح من حِنْطَةٍ، أو صاعٍ من تَمْرٍ أو شعيرٍ؛ كما قال في زكاةِ الفِطْر (4).

ومالِكٌ -رحمه اللهُ تعالى- قَيَّدَ هذا الإطلاقَ بالعادَةِ؛ كما هو أصلُه (5)، فقال: يُعطي المِسكينَ مُدًّا منَ الحنطةِ إذا كانَ في المدينة؛ لضيقِ مَعاشِهم،

(1) انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 158)، و"بداية المجتهد" لابن رشد (1/ 306)، و"الحاوي الكبير" للماوردي (11/ 426).

(2)

وهو مذهب أحمد. انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (15/ 300)، و"المغني" لابن قدامة (3/ 274).

(3)

انظر: "المحلى" لابن حزم (8/ 73)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (5/ 200).

(4)

انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (4/ 117)، و"شرح فتح القدير" لابن الهمام (5/ 81).

(5)

انظر: "بداية المجتهد" لابن رشد (1/ 305)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (6/ 277).

ص: 178

وأما سائُر المُدُنِ، فيعطونَ الوسَطَ من نفقتهم.

* هذا في الإطْعامِ، وأما الكُسْوَةُ، فإن الله سبحانه أَطْلَقَها، ولم يقيّدها بالوَسَطِ.

فمن أهلِ العلمِ من أخذَ بإطلاقِه، فقال: يُجْزِئُ أقلُّ ما يقعُ عليه الاسمُ؛ من إزارٍ، أو قميص، أو سراويلَ، أو عِمامة.

وإليه ذهبَ الشافعيُّ وأبو حنيفة (1).

وقال مالكٌ: أقلُّ ما يُجزئ فيه الصلاة (2)، فإن كانَ المسكينُ رَجُلاً، كَساهُ ثوباً يسترُ العَوْرَةَ، وإن كانَتِ امرأةً، كساها دِرعاً (3) وخِماراً، فأوجبَ أقلَّ ما يقعُ عليه المعنى الشرعيُّ.

* وأطلق اللهُ سبحانَهُ الرَّقبةَ هنا.

فقال أبو حنيفةَ بإطلاقِها، فجوَّزَ الرقبةَ الكافرَة (4).

وذهبَ مالِكٌ والشافعيُّ إلى تقييدِها بالإيمان؛ قياساً على كَفّارةِ القَتْل (5).

(1) انظر: "المهذب" للشيرازي (2/ 141)، و"المجموع" للنووي (18/ 119).

(2)

وهو مذهب أحمد. انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 160)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (6/ 279)، و"المغني" لابن قدامة (10/ 8).

(3)

درعاً: الدِّرعُ من المرأةِ: قميصُها، وهو مُذَكّر. "القاموس" (مادة: درع) (ص: 643).

(4)

انظر: "المبسوط" لمحمد بن الحسن (3/ 198)، و"أحكام القرآن" للجصاص (5/ 312).

(5)

وهو مذهب أحمد. انظر: "الأم" للإمام الشافعي (7/ 65)، و"بداية المجتهد" لابن رشد (2/ 83)، و"المغني" لابن قدامة (8/ 18)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (7/ 344).

ص: 179

وهذا الخِلافُ مُتَشَعِّبٌ من اختلافِهم في القضايا المُتَّفِقَةِ في الأحكام، المُخْتَلِفَةِ في الأسبابِ، هل يُحْمَلُ مُطْلَقُها على مُقَيدِها، أو لا؟ وموضعُ ذلكَ علمُ الأصولِ (1).

* وقد اتفق فقهاءُ الأمصارِ على تقييدِ الرقبةِ بالسَّلامةِ من العُيوب (2)، إلا أهلَ الظاهرِ، فإنهم تمسَّكوا بظاهرِ الإطلاق (3).

وقد ذكرتُ في مقدمةِ كتابي المَغنى المُوجِبَ للتقييد.

* ثم فرضَ اللهُ سبحانه وتعالى صوم ثلاثةَ أَيام لمنْ لم يجدْ، وعلى هذا أجمعَ المُسلمون.

* ثم اختلفَ المسلمون في وجُوبِ التتابُع.

فأوجبه أبو حنيفةَ والشافعيُّ في أحدِ قوليه (4).

واستحبهُ مالِكٌ والشافعيُّ في القولِ الآخرِ، ولم يوجباه (5).

(1) انظر: "الفصول في الأصول" للرازي (2/ 315)، و"اللمع في أصول الفقه" للشيرازي (ص:43)، و"التلخيص في أصول الفقه" للجويني (2/ 168)، و"قواطع الأدلة" للسمعاني (1/ 230)، و "أصول السرخسي"(1/ 159)، و"المستصفى" للغزالي (ص: 262)، و "الإحكام" للآمدي (3/ 5).

(2)

انظر: "بداية المجتهد" لابن رشد (2/ 84)، و"المغني" لابن قدامة (8/ 18).

(3)

انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي (10/ 491).

(4)

وهو الراجح من مذهب أحمد. انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (4/ 121)، و "الهداية شرح البداية" للمرغيناني (2/ 74)، و "الحاوي الكبير" للماوردي (15/ 329)، و"الكافي" لابن قدامة (4/ 386).

(5)

انظر: "الموطأ" للإمام مالك (1/ 305)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (3/ 350)، و"الحاوي الكبير" للماوردي (15/ 330).

ص: 180

والخلافُ متشعبٌ من اختلافِهم في العملِ بالقِراءة الشاذَّةِ، وذلك أَنَّ ابنَ مسعودٍ وأُبَيًّا -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- كانا يقرأان:(ثلاثةَ أيامٍ مُتَتابِعات)(1).

* فإن قيل: فما حَدُّ العَجْزِ المُبيحِ للصَّوْم في هذِه الكَفَّارَة المُخَيِّرةِ، وفي غيرِها من الكفاراتِ المُرَتّبِة؟

قلنا: يختلفُ باختلافِ الخِصال الثَّلاثٍ:

- أما العجزُ عن الرقبةِ.

فقالَ الشافعيُّ: كلُّ مَنْ جازَ له أَخْذُ الزَّكاةِ، فهو عاجز عنِ العتقِ، وإن كانَ له بيثٌ يسكنُه، وصنعةٌ يعيشُ منها، وعبدٌ يخدُمُه، وهو من ذَوي الأقدارِ، ولا يُكَلَّفُ بيعَ ذلكَ، ولا عتقَ الرَّقَبَةِ (2).

وقالتِ المالكيةُ: إن لم يملكْ إلا رقبةً أو داراً، الأفضلُ فيهِ لم يُجْزهِ إلا العِتْقُ (3).

- وأما العَجْزُ عن الكُسْوة والإطعامِ.

فقال الشافعيُّ: إذا كانَ عندَهُ قوتُه وقوتُ عِيالِه يَوْمَهُ ولَيْلَتَهُ، ومعهُ من الفَضْلِ ما يُطْعِمَ عَشَرَةَ مساكينَ، أو يكسوهُم، لَزِمَتْهُ الكَفّارَةُ بالإطعامِ والكُسْوَةِ، وإن لم يكنْ عنده هذا القدرُ، فله الصِّيامُ (4).

(1) تقدم ذكر القراءة وتخريجها.

(2)

وهو مذهب الحنابلة. انظر: "الأم" للإمام الشافعي (7/ 65)، و"المغني" لابن قدامة (10/ 19).

(3)

انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 162).

(4)

انظر: "الأم" للإمام الشافعي (5/ 283)، و"الإشراف على مذاهب العلماء" لابن المنذر (7/ 139)، و"الحاوي الكبير" للماوردي (16/ 63).

ص: 181

وهو قولُ مالِكٍ وأصحابِه، وأحمدَ (1)، وإسحاقَ، واختارَهُ محمدُ بنُ جريرٍ الطبَرِيُّ (2).

وقال أبو عُبيدٍ: إذا كانَ عندَهُ قوتُ يومهِ وليلتِه وعِياله، وكسوةٌ تكونُ لِكفايتهم، فإن كانَ قادراً على الكفارة، فهو عندَنا واجِدٌ، وإلَّا فليسَ بواجِدٍ، وهو كقولِ الجَماعةِ، واستحسَنَهُ ابنُ المنذرِ (3).

وقالَ أبو حَنيفة: إذا لم يكنْ عندَهُ نِصابٌ، فهو غيرُ واجِدٍ (4).

وقال بعضُ أهلِ العلمِ: مَنْ لم يكنْ عندَهُ فَضْلٌ غير (5) رأسِ مالِه الذي يقومُ به، فهو عاجزٌ.

* ولما أتم اللهُ سبحانه ذِكْرَ الكفارة، قال:{ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: 89]، فعلقَ وُجوبَ الكفارةِ على وقوع الحلفِ، علمنا أنه هو السبب للكفارة.

وقد اتفقَ العلماءُ على أن الحلفَ سببٌ للكفارة.

واختلفَ الشافعيَّةُ، هل هو بِمُجَرَّدهٍ سببٌ لوجوبِها، والحِنْثُ شرطٌ لتحققِ وُجوبِها، أو الحلفُ سببٌ، والحِنْثُ سَببٌ آخر؟

وبهذا قالَ جُمهورُهم، وبالأولِ قالَ الباقون (6).

(1) انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 162)، و"المغني" لابن قدامة (10/ 18).

(2)

انظر: "تفسير الطبري"(7/ 29).

(3)

انظر: "الإشراف على مذاهب العلماء" لابن المنذر (7/ 140).

(4)

عند الحنفية خلف في هذه المسألة. انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (5/ 312)، و "البحر الرائق" لابن نجيم (4/ 315).

(5)

في "أ": "على".

(6)

انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 162)، و"فتح الباري" لابن حجر (11/ 610).

ص: 182

ولهم من الدليلِ أنَّ الحِنْثَ قد يكونُ بغيرِ فِغلِ الحالِفِ، كما لو قالَ: واللهِ لا دَخَلَ زَيدٌ الدارَ.

وبظاهرِ الآيةِ تمسَّكَ مَنْ جَوَّزَ تقديمَ الكَفّارَةِ على الحِنْثِ، وهمُ الجمهورُ، ومنهمُ الشافعيّ ومالكٌ في أَحَدِ قولَيْه (1)، ويُروى عن أَرْبَعَةَ عَشَرَ صحابِيًّا (2).

وقالَ المُخالفونَ لهم: معناهُ: إذا حَلَفْتُم وحَنِثْتُم؛ لأن الكفارةَ شُرِعَتْ لِدَفْعِ الإثمِ، ومعَ عَدَمِ الحِنْثِ لا إثْمَ، فَلا تكفير (3).

وقدِ اختلفَتْ رواياتُ الحَديثِ في ذلك، فروي أنه صلى الله عليه وسلم قال:"إني واللهِ -إن شاءَ اللهُ- لا أَخلِفُ على يَمينٍ، ثُمَّ أَرى خَيْراً مِنْها، إلَّا كَفّرتُ عن يَميني، وأتيتَ الذي هُوَ خَيْرٌ"(4)، وقال:"مَنْ حَلَفَ على يَمينٍ، فرأى غيرَها خَيْراً منها، فَلْيَأتِ الذي هُو خَيْرٌ، ولْيُكَفّرْ عن يَمينِه"(5).

والأخذُ بتقديمِ الحِنْثِ أَحْوَطُ، وبِتَقديمِ الكَفّارَةِ أحسَنُ؛ للعملٍ بالحديثين، وتركِ الإبطالِ لأَحَدِهِما؛ فإنَّ مَنْ جَوَّزَ تقديمَ الكّفارةِ، جَوَّز تأخيرَها، بل يَسْتَحِبُّهُ أيضاً، ومن أَوْجَبَ تأخيرَها، لا يُجَوِّزُ تقديمَها.

(1) انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 162)، و"الحاوي الكبير" للماوردي (15/ 291).

(2)

انظر: "تفسر القرطبي"(6/ 257)، و"شرح مسلم" للنووي (11/ 109).

(3)

انظر: "الهداية شرح البداية" للمرغيناني (2/ 75)، و"شرح فتح القدير" لابن الهمام (5/ 83).

(4)

رواه البخاري (2964)، كتاب: الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، ومسلم (1649)، كتاب: الأيمان، باب: ندب من حلف يميناً فرأى غيرها خيراً منها، عن أبي موسى الأشعري.

(5)

رواه مسلم (1650)، كتاب: الأيمان، باب: ندب من حلف يميناً فرأى غيرها خيراً منها، عن أبي هريرة.

ص: 183

* فإن قال: فهلِ الأفضلُ الحِنْثُ والتَّكفيرُ، أو البِرُّ بِمُقْتَضى اليمين؟

قلنا: في ذلك تفصيلٌ:

فإن كانَ الحِلْفُ على فعلِ واجب، أو تركِ معصية، فالبرُّ واجبٌ، والحِنْثُ حَرامٌ، وعَكْسُهُ لا يَخْفى.

وإن كان الحَلْفُ على فعلِ مُباح (1)، أو تركِ مكروهٍ، فالِبرّ مستحبّ، والحِنْثُ مكروهٌ، وعكسُه لا يَخْفى (2).

وإن كانَ الحلفُ على فعلِ مباحٍ أو تركِه، فثلاثةُ أَوْجُهٍ للشافعيَّةِ، أصحُّها: البرُّ أفضلُ؛ لقوله تعالى: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} [المائدة: 89]، وقيل: عَكْسُه، وقيل: هُما سواء، هكذا فَصَّلوه (3).

وقال بعضُ الفقهاءِ في المُباح: يجبُ النظرُ إليه، فإن كانَ فيه ضَرَرٌ وجبَ الحِنْثُ عليه، وحَرُمَ عليه البرّ، وإن كانَ فيه نفع استُحِبَّ له الحِنْثُ، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم:"لأَنْ يلج أَحَدُكُمْ بيمينه في أهله، آثمُ له عِندَ اللهِ منْ أنْ يُعطِيَ كَفارَتَهُ التي فَرَضَ الله"(4)، وهذا عندَ التحقيقِ راجعٌ إلى قسمِ الواجِبِ المستحَب، والله أعلم.

* ثم أمر اللهُ سبحانَهُ أن نحفَظَ أَيْماننا.

فيحتمل أن يكونَ أرادَ الكَفَّ عن كثْرَةِ اليمينِ، حتى لا يعرضها للحِنْثِ.

(1) في "أ": "مستحب".

(2)

انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 155)، و"فتح الباري" لابن حجر (11/ 520).

(3)

انظر: "المغني" لابن قدامة (9/ 388)، و "فتح الباري" لابن حجر (11/ 521).

(4)

رواه البخاري (6250)، كتاب: الأيمان والنذور، في أوله، ومسلم (1655)، كتاب: الأيمان، باب: النهي عن الإصرار على اليمين، عن أبي هريرة.

ص: 184

ويحتملُ أن يكونَ أرادَ البِرَّ وعَدَمَ الحِنْثِ، وهذانِ القَوْلان ظاهِران، وهما مَحْمودانِ عندَ العُقلاءِ والأُدَباء، قال الشاعرُ (1):[البحر الطويل]

قَليلُ الأَلايا حافِظٌ لِيَمينِه

وإن نَدَرَتْ مِنْهُ الأَلِيَّةُ بَرَّتِ

ويحتملُ أن يريدَ حِفْظَها عندَ الحِنْثِ، وذلكَ بالمبادَرَةِ إلى تَكْفيرِها، وهذا خِلافُ الظاهرِ من الخِطاب (2).

(1) هو كثير عزة، انظر:"ديوانه"، البيت (11)، من قصيدة:

أأطلال دار بالنِّياع فحُمَّتِ

سألتُ فلما استعجَمتْ ثم صُمَّتِ

(2)

انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (4/ 116)، و "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 163).

ص: 185