الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الكناية عن العدد
يكنى عن العدد (بكم) و (كأين)، و (كذا)، أما (كم) فاسم خلافًا لمن ادعى حرفيته، للتكثير في مقابلة رب للتقليل بسيط، خلافًا للكسائي، والفراء زعما أنها مركبة من كاف التشبيه (وما) الاستفهامية، حذفت ألفها كما تحذف مع سائر حروف الجر، وكثر الاستعمال لها فأسكنت الميم، وهي لعدد مبهم، فقيل؛ قليله وكثيره، ولذلك يقع الجواب بالأقل، حكى الأخفش عن العرب: كم ملكت عبد الله أيومًا أم يومين، خلافًا لمن زعم أنها في الاستفهام للتكثير، وهي لا تدل على جنس العدد، فتحتاج إلى ذكر جنسه ليتميز به العدد.
ويجوز أن يحذف التمييز مطلقًا لدليل، خلافًا لمن منع حذف تمييز الخبرية، وممن نص على إجازة حذفه ابن عصفور، وصاحب البسيط، ونص على
منع حذفه بعض شيوخنا، وصاحب كتاب نظم الفرائد، وينبغي أن يقال: إن قدر تمييز الخبرية منصوبًا، أو مجرورًا بمن جاز حذفه أو بالإضافة فلا يجوز، وقيل: يقبح حذفه إلا إن قدر منصوبًا.
وتمييز الاستفهامية منصوب، والأحسن أن لا يفصل بينه وبينها، ويجوز الفصل فتقول: كم مالك درهمًا، والفصل بالظرف والمجرور أكثر، وقد يفصل بالخبر، وبالجملة العاملة فتقول: كم مالك درهمًا، وكم ضربت رجلا، ويجوز أن تميز (كم) بمثلك أو غيرك، وأفعل من فتقول: كم مثله لك، وكم غيره لك، وكم خيرًا منه، قال سيبويه: لأنه يجوز بعد عشرين فيما زعم يونس، ومنع الفراء عنده عشرون مثله، وعشرون غيره.
وحكى ابن أصبغ: أن سيبويه أجاز كم غيره، وكم مثله، وحكاه عن يونس قال: ومنعه غيرهما، ولم ينص على المانع من هو؟ وهو مقتضى مذهب الفراء؛ إذ منع ذلك نص منه في العشرين، وقال سيبويه: كم غيره مثله لك انتصب (غير)(بكم) وانتصب المثل لأنه صفة له، انتهى.
وإذا دخل على (كم) حرف جر، فالأجود والأكثر نصب التمييز، ويجوز جره بمن في مذهب الخليل وسيبويه، والفراء، والجمهور فتقول: على كم جذع بيتك جعل حرف الجر عوضًا من (من) المقدر دخولها على التمييز، ولذلك لا يجتمعان لا تقول: على كم من جذع بيتك، ولم يذكر سيبويه خفضه إلا إذا دخل على (كم) حرف الجر، وذكر الفراء، والزجاج، وابن السراج وجماعة خفضه في كل موضع، كالنصب في الخبرية، وحمل عليه أكثرهم.
كم عمة لك يا جرير وخالة
…
.............
وذهب الزجاج إلى أن الجر على الإضافة، ومن النحويين من منع حمل تمييز الاستفهامية على تمييز الخبرية مطلقًا فصارت المذاهب ثلاثة: منع الخفض مطلقًا، وإجازته مطلقًا، وإجازته بشرط أن يدخل على (كم) حرف الجر.
وتمييزها مفرد لا جمع خلافًا للكوفيين؛ إذ يجيزون أن يكون جمعًا فنقول: كم غلمانًا لك، كما جاز في تمييز الخبرية، وخلافًا للأخفش إذ أجاز ذلك إذا أردت بالجمع أصنافًا تقول: كم غلمانا لك تريد كم عندك من هذه الأصناف، وإلى هذا جنح بعض أصحابنا، قال:(كم) الاستفهامية لا تفسر بالجمع، إنما يكون ذلك بشرط أن يكون السؤال بها عن عدد الأشخاص، فأما أن يكون السؤال عن الجماعات، فيسوغ تمييزها بالجمع فتقول: كم رجالاً عندك، تريد: كم جمعًا من الرجال، وكم بطًا عندك تريد: كم صنفًا من البط عندك، ووجدت بخط بعض أصحابنا ما نصه: ويجوز في الباب: كم ثلاثة لك، وأعشرون ثلاثة لك، وأأربعون عشرين لك تجريها مجرى المفرد على قول أبي الحسن، انتهى.
(وكم) الاستفهامية تقتضي جوابًا تقول: كم درهمًا مالك؟ فتقول: ثلاثون أو أربعون، وإذا أبدل منها أعيد مع البدل همزة الاستفهام نحو: كم درهمًا مالك أثلاثون أم أربعون؟، وإذا دخلت (إلا) في خبرها كان إعراب ما دخلت عليه على حد إعراب (كم)، وأفادت معنى التحقير والتقليل نحو: كم مالك إلا عشرون، ولا يعطف عليها (بلا) بخلاف (كم) الخبرية. وتقول: كم ضربت رجلاً، فيجوز أن يكون رجلاً تمييزًا، ويجوز أن يكون مفعولاً بضربت، والتمييز محذوف، فلو دخلت (من) على رجل لزم أن يكون تمييزًا، وقد ترفع النكرة بعدها، ويحذف التمييز ويقدر بما يحتمله الكلام، فإذا قلت: كم رجل جاءك تقدر كم مرة أو يومًا، ورجل مبتدأ وما بعده الخبر، ولا يتعدد الرجل بل فعلاته أو زمانه أو ما يناسب.
وتمييز (كم) الخبرية مجرور، ويكون مفردًأ وهو أكثر وأفصح، وجمعًا وزعم بعضهم أن الجمع شاذ، وقيل الجمع على معنى الواحد، فكم رجال على معنى (كم) جماعة من الرجال، وكونها يراد بها العدد الكثير هو مذهب المبرد ومن بعده من النحاة إلا أبا بكر بن طاهر، وتلميذه ابن خروف، فإنهما زعما أنها تقع
على القليل والكثير، وزعما أنه مذهب سيبويه، والكسائي واستدل له ابن عصفور، وجر تمييزها بالإضافة خلافًا للفراء، وقيل للكوفيين، إذ زعم أنه مجرور بمن محذوفة، وإن فصل بين كم الخبرية وتمييزها نصب نحو:
كم نالني منهم فضلا على عدم
…
*
والنصب بلا فصل لغة تميمة، وذكرها سيبويه عن بعض العرب، وهي لغة قليلة، وإذا انتصب بفصل أو بلا فصل، جاز أن يكون مفردًا وجمعًا كما كان نص على هذه اللغة حالة خفضه السيرافي، قيل وفي كتاب سيبويه ما يدل على
ذلك، وهو ظاهر كلام المبرد، والفارسي وزعم الأستاذ أبو علي أنه لا يكون في هذه اللغة إلا مفردًا لا جمعًا، وتبعه ابن هشام، وقد جاء مجرورًا، وقد فصل بينهما بظرف أو مجرور وفيه مذاهب.
أحدها: أنه يجوز في الكلام وهو مذهب الكوفيين، وقال صاحب البسيط هو رأي يونس.
الثاني: أنه لا يجوز إلا في الشعر وهو مذهب جمهور البصريين، وسواء كان الظرف، أو المجرور تامًا أو ناقصًا.
الثالث: إن كان بتام لم يجز، وإن كان بناقص جاز وهو مذهب يونس فيجيز كم بك مأخوذًا أتاني، وكم اليوم جائع جاءني، فإن كان الفصل بجملة، فمذهب الكوفيين جوازه في الكلام، وظاهر كلام المبرد، أنه يجيز ذلك في الشعر، ومذهب سيبويه المنع في الكلام، وفي الشعر.
فإن فصلت بجملة، وظرف، أو جار ومجرور لم يجز، ويجوز دخول (من) على تمييزها، ويكثر اتصال تمييز الخبرية بها نحو قوله تعالى:[وكم من ملك][وكم من قرية]، ولا يكثر في الفصل كثرته إذا اتصل ولا يجوز أن يكون منفيًا لا في الخبرية، ولا في الاستفهامية، ولو قلت: كم لا رجل ولا رجلين صحبت، أو كم لا رجلا ولا رجلين جاءك لمي جز كما لا يجوز ذلك في عشرين، نص على ذلك سيبويه، وأجاز بعض النحاة: كم لا رجلاً ولا امرأة عندك، وعندي عشرون لا رجلاً ولا امرأة، فتردد في كلام هذا المخبر بعض أصحابنا، فقال: إن أراد أنه نفس التمييز لم يجز، وإن جعله نعتًا لمحذوف هو التمييز وكان التقدير: كم عندك بهيمة غير رجل وامرأة، أو على أن يكون التمييز محذوفًا وعطف هذا عليه جاز.
ويجوز أن يعطف على كم الخبرية بالنفي تقول: كم رجل أتاني لا رجل ولا رجلان، وكم فرس ركبت لا فرسًا، ولا فرسين أي كثير أتاني لا رجل، ولا رجلان وكثيرًا من الأفراس ركبت، لا قليلاً، وقال خطاب: كم رجل جاءك لا ثلاثة، ولا أربعة معطوفة ثلاثة على كم عند بعضهم، والأحسن أن يكون لا ثلاثة ولا أربعة من نعت كم.
ولزمت (كم) التصدير، إلا إذا جرت بإضافة، أو بحرف أو كانت
استفهامًا، وعطفت في الاستثبات أو كانت خبرية في اللغة المشهورة نحو: غلام كم رجلاً ضربت، وعلم كم فاضل حصلت، وبكم درهم اشتريت هذا، وبكم فاضل اقتديت وقبضت عشرين وكم، إذا استثبت من قال: قبضت عشرين وكذا وكذا، وكم فاضل صحبت، وأما اللغة الأخرى فحكاها الأخفش، وهي جواز أن لا تتصدر فتقول: فككت كم عان، وملكت كم غلام، لأنها بمعنى كثير، كما جاز فككت كثيرًا من العناة، وملكت كثيرًا من الغلمان، واضطرب في القياس على هذه اللغة، فقيل هي من القلة بحيث لا يقاس عليها، والصحيح أنه يجوز القياس عليها لأنها لغة، وكم في حالتيها تقع مبتدأ فمن ذلك: كم رجل أفضل منك برفع أفضل، ولما كان تمييزها مبهمًا، كان الأحسن في خبرها أن يكون فيه إبهام، بأن يكون فعلاً، أو اسمًا نكرة نحو قولك: كم رجل قائم، وكم رجل ذهب، وكم رجال قاموا، وكم رجال ذاهبون، ويقبح أن يكون خبرها اسمًا معرفة نحو: كم رجال قومك، وكم غلمان غلمانك. تريد قومًا معهودين أو غلمانًا معهودين. فإن أردت على معنى كم رجال هم قومك، وكم غلمان هم غلمانك، جاز ذلك، وكذلك أيضًا لا يحسن أن يخبر عنها بالظرف، ولا بالمجرور، لأن ذلك ضرب من التخصيص، وكذلك لا يجوز الإخبار عنها بالوقت نحو: كم رجل عشرون، وكم امرأة ثلاثون، وإذا قلت: كم رجل جاءني، فكم مبتدأ وجاءني خبره، وأجاز العبدي أن يكون: جاءني صفة لرجل، ويحذف الخبر، ويقدر بما
يليق بالمعنى، وقال أيضًا لا يحتاج إلى خبر، وأغنت عنه الصفة كما في: أقل رجل يقول ذلك إلا زيدًا، وإذا كانت كم مبتدأ فلا يعمل فيها من النواسخ إلا ما يعمل فيما قبله نحو: كأن تقول: كم كان إخوتك، وظننت نحو: كم ظننت إخوتك، وكم عبدًا علمت ملكًا لزيد، ولا تعمل فيها إن وأخواتها، وذكر أبو علي إعمال الظن فيها وإلغاؤه فقال: كم ترى الحرورية رجلاً بنصب الحرورية على الإعمال ورفعها على الإلغاء، وتقدير بنائها للمتعدى إلى ثلاثة، وإن لم يستعمل ذلك ولا بد من تقديره.
وتقع مفعولاً بها تعدى الفعل بنفسه أو بحرف جر نحو: كم غلامًا اشتريت، وكم غلام اشتريت وعلى كم مسلمين تصدقت أو تصدقت، ومضافًا إليها نحو: غلام كم رجل ضربت، ورقبة كم أسير فككت، وقال بعض أصحابنا وذلك بشرط أن يكون الاسم المضاف إليها معمولاً لما بعدها.
وهذا يقتضي أن لا يجوز غلام كم رجل أقام أو أتاك، ولا غلام كم رجلاً دخل في ملكك، ولا أرى هذا إلا جائزًا، ولا فرق بين كم والمضاف إليها وظرفًا: كم ميلاً سرت، وكم يوم صمت، ومصدرًا نحو: كم ضربة ضربت وخبرًا لمبتدأ نحو: كم دراهمك، في أحد الوجهين: فيجوز أن يكون كم مبتدأ ودراهمك خبرًا ويجوز العكس، وهو أحسن الوجهين، وأن يكون خبرًا لكان وأخواتها
المتصرفة في معمولها نحو: كم غلامًا كان غلمانك، وكم كريم كان قومك، ومجرورة بحرف جر بشرط أن يكون ذلك الحرف متعلقًا بالفعل بعدها نحو: بكم درهم اشتريت ثوبك، ومن قاس على اللغة التي حكاها الأخفش أجاز، تمتعت بكم جارية، ويوجد في كلام سيبويه، وأبى علي: أنها تكون فاعلاً ويعني به من حيث المعنى نحو: كم رجل جاءك، لأنها فاعلة في الصناعة النحوية، وزعم ابن هشام: أنها تكون مفعولاً له نحو: لكم إكرام لك وصلت، قال: ولا بد من حرف العلة لأنه لا يحذف إلا في لفظ المصدر، وتوقف أبو عبد الله محمد بن عبد الجبار بن محمد الرعيني التونسي من نحاة تونس في إجازة ذلك، ولا نعلم أحدًا نص على إجازة ذلك غير ابن هشام قال: ولا تكون مفعولاً معه؛ لأنه لا يتقدم، وكم لفظها مفرد ومعناها الجمع واللفظ تيبع تمييزها في التذكير والتأنيث تقول: كم رجل لقيته، وكم امرأة رأيتها، ويتبع المعنى فيكون العائد جمعًا نحو: كم رجل رأيتهم، وكم امرأة رأيتها، ويتبع المعنى فيكون العائد جمعًا نحو: كم رجل رأيتهم، وكم امرأة رأيتهن قال تعالى:[وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم] والحمل على اللفظ هو الأقيس، وإن كان التمييز جمعًأ فلا يعود إلا ضمير جمع نحو:
كم ملوك باد جمعهم
…
ولا يعود مفردًا لا تقول: كم رجال باد، وإذا حملت تارة على اللفظ وتارة على المعنى، وسبق الحمل على اللفظ فلا خلاف في جوازه وحسنه وكثرته نحو:
..........
…
وعان فككت الغل عنه ففداني
فإن كان بالعكس وكانا في كلام متصل مرتبط جاز نحو: كم مسكين أطعمتهم ودعالي، أو منفصل، فقد منع ذلك قوم، والصحيح جواز ذلك نحو: كم مسكين تصدقت عليهم، وأما الصدقة عليه فأرجو فيه الثواب. وإذا عطفت على التمييز فقلت: كم رجلاً رأيت ونسائه أو نسائهم جاز، فإن قلت: وامرأته فأجازه الجمهور، ومنعها الفراء، ولا تستعمل كم ورب إلا في الماضي أو المستقبل المتحقق لا تقول: كم غلام سألقاه، ولا رب غلام سألقاه.
(تقييد في إعراب كم):
إن تقدم عليها حرف جر، فهي مجرورة به، وإلا فإن كانت كناية عن
مصدر أو ظرف زمان، أو ظرف مكان، فهي في موضع نصب على المصدر أو الظرف، وإن لم تكن كناية عن ذلك، وليس بعدها فعل أو كان بعدها لازمًا أو متعديًا، مسندًا إلى ضمير كم أو إلى سببها، فكم في موضع رفع على الابتداء، أو مسندًا لغيرهما، ولم يأخذ معموله، أو أخذه فيجوز فيه الرفع على الابتداء، والنصب على الاشتغال، وجواب (كم) الاستفهامية يجوز أن يكون مرفوعًا، وإن اختلف موضع (كم) من الرفع والنصب والجر، ويجوز أن يكون على حسب موضعها إن رفعًا فرفع وإن نصبًا فنصب وإن جرًا فجر، وهذا هو الأولى والأجود، فإذا قلت: كم عبدًا دخل في ملكك، وكم عبدًا اشتريت، وبكم عبدًا استغنيت، فيجوز في جواب هذه كلها أن تقول: عشرون عبدًا، ويجوز أن تقول: في المثال الأول عشرون، وفي الثاني: عشرين، وفي الثالث بعشرين، وإذا كانت مما يسوغ فيه الاشتغال نحو: كم عبدًا اشتريته يكون في الجواب الرفع والنصب.