الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهو طلب الإقبال بحرف نائب مناب أدعو
…
===
وأجيب بأن مراد الشارح عدم صحة مثل قولنا: أتضرب زيدا فهو أخوك على أن تكون الفاء تعليلا للنفى الضمنى، والشاهد بذلك هو الذوق السليم- كما ذكره العلامة السيد فى شرح المفتاح، ولا نقض لذلك بقول أبى تمام لجواز أن تكون الفاء فيه تعليلا للنفى المقدر أى: لا حاجة إلى إرشادك؛ لأن عقلى مرشدى كما ذكروا مثله فى قوله تعالى: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ (1) حيث قالوا: التقدير لا جدوى للتحسر، وقوله: فإن الله يضل من يشاء- تعليل لهذا المقدر، هذا وقد علل السيد فى شرح المفتاح عدم جواز كون الفاء فى قوله تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ (2) للتعليل؛ لأنه ليس بمعنى الماضى فلا يصح أن يعلل به ما هو ماض- وفيه بحث- إذ يكفى فى صحة التعليل استفادة الدوام من الجملة الاسمية التى خبرها صفة مشبهة بمعونة المقام لشموله الماضى على أن القرينة قائمة بأن مصب الإنكار اتخاذ غير الله وليا من غير تقييد بزمان- فتدبر. اه فنرى.
ومن أنواع الطلب: النداء
.
(قوله: وهو طلب الإقبال) أى: طلب المتكلم إقبال المخاطب حسا أو معنى، فالأول: كيا زيد، والثانى نحو: يا جبال، ويا سماء، والمراد الطلب اللفظى؛ لأنه هو الذى من أقسام الإنشاء
(قوله: بحرف) الباء للآلة
(قوله: نائب مناب أدعو) أى: ولكون الحرف نائبا مناب أدعو لا يجزم الفعل بعده جوابا، ولا يقال: إن فيه دلالة على طلب الإقبال، فكأنه قيل: أقبل وحينئذ فيجزم الفعل فى جوابه؛ لأنا نقول: مفاد الحرف ومدلوله أدعو، وأما الإقبال فهو مطلوب باللزوم؛ لأن الإنسان إنما يدعى للإقبال فليس فيه ما هو كالتصريح بالشرط كما فى الطلب السابق بخلاف ما لو صرح بالفعل، فقيل:
أقبل جاز جزم الفعل جوابا بأن يقال مثلا: أعلمك، ومن هذا تعلم أن الشىء الضمنى ليس كالصريح. اه يعقوبى.
(1) فاطر: 8.
(2)
الشورى: 9.
===
ومن هذا يعلم أن جعل النداء من أقسام الطلب لدلالته على طلب الإقبال لزوما تأمل.
واعلم أن الحروف التى يطلب بها الإقبال النائبة مناب أدعو خمسة- منها: أيا وهيا، وهما موضوعان لنداء البعيد، وقد ينزل غير البعيد وهو الحاضر منزلة البعيد لكونه نائما أو ساهيا حقيقة، فيجعل كل واحد من النوم والسهو بمنزلة البعد فى إعلاء الصوت أو لتتريل المنادى منزلة ذى غفلة لعظم الأمر المدعو له حتى كأن المنادى غافل عنه مقصر لم يف بما هو حقه من السعى والاجتهاد الكلى فيستعملان له فتقول مثلا: هيا فلان تهيأ للحرب عند حضوره، ومنها أى والهمزة موضوعان لنداء القريب، وقد ينزل البعيد منزلة القريب ويستعملان فيه تنبيها على أنه حاضر فى القلب لا يغيب عنه أصلا حتى صار كالمشهود الحاضر كقوله:
أسكان نعمان الأراك تيقّنوا
…
بأنّكم فى ربع قلبى سكّان (1)
ومنها: يا، واختلف فيها فقال ابن الحاجب: إنها حقيقة فى القريب والبعيد لاستعمالها فيهما على السواء ودعوى المجاز فى أحدهما خلاف الأصل، وقال الزمخشرى:
إنها حقيقة فى البعيد ولا تستعمل فى القريب إلا مجازا لتتريله منزلة البعيد إما لاستبعاد الداعى نفسه عن مرتبة المنادى أى: تصور نفسه فى مكان بعيد عن تلك الحضرة كقولنا: يا الله مع أنه أقرب إلينا من حبل الوريد أو للتنبيه على عظم الأمر المدعو إليه وعلو شأنه حتى كأن المنادى مقصر فى أمره غافل عنه مع شدة حرصه على الامتثال نحو: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ (2)، أو للحرص على إقبال المنادى أى: الرغبة والرضا بذلك، فصار إقباله كالبعيد؛ لأن النفس إذا اشتد حرصها على الشىء صارت كل ساعة قبل وقوعه فى غاية البعد، فتقول: يا غلام بادر بالماء فأنا عطشان، ونحو: يا مُوسى أَقْبِلْ، أو للتنبيه على بلادة المنادى فكأنه بعيد من التنبيه لا يسمع نحو: تنبيه يأيها الغافل واسمع، أو لانحطاط شأنه، فكأنه بعيد عن مجلس الحضور نحو: من أنت يا هذا
(1) البيت بلا نسبة فى المطول ص 430.
(2)
المائدة: 67.
لفظا أو تقديرا (وقد تستعمل صيغته) أى: صيغة النداء فى غير معناه وهو طلب الإقبال (كالإغراء فى قولك لمن أقبل يتظلم: يا مظلوم) قصدا إلى إغرائه وحثه على زيادة التظلم وبث الشكوى لأن الإقبال حاصل.
(والاختصاص فى قولهم:
…
===
(قوله: لفظا أو تقديرا) أى: حالة كون ذلك الحرف ملفوظا به كيازيد أو مقدرا نحو:
يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا (1)
(قوله: أى صيغة النداء) من إضافة الدال للمدلول
(قوله: فى غير معناه) أى: الأصلى فيكون استعمال صيغته فى ذلك الغير مجازا، واعلم أن بيان حقيقة النداء وظيفة لغوية ومجازاته بيانية ونكات اختيار الحقيقة، أو مجاز من مجازاته وظيفة هذا العلم، وقد خلا عنه هذا المبحث. اه أطول.
(قوله: وهو طلب الإقبال) أى: الطلب المتقدم فالإضافة للعهد وهذا بيان لمعناه الأصلى
(قوله: كالإغراء) هو الحث على لزوم الشىء وهذا بيان لغير معناه
(قوله: لمن أقبل) أى: إليك أو إلى من حضر معك
(قوله: يتظلم) حال من فاعل أقبل أى: مظهرا لظلم أحد له وبث الشكوى به.
(قوله: قصدا) حال من الكاف فى قولك أى: كقولك هذا اللفظ حال كونك قاصدا به إغراءه
(قوله: وحثه على زيادة التظلم) تفسير لإغرائه والتظلم هو الشكاية من الظلم وعبر بالزيادة؛ لأن أصل التظلم حاصل منه
(قوله: الشكوى) يقال شكوت فلانا شكوة وشكوى وشكاية إذا أخبرت عنه بسوء فهو مشكى ومشكو
(قوله: لأن الإقبال حاصل) علة لمحذوف أى:
ولست قاصدا بقولك يا مظلوم طلب إقباله؛ لأن الإقبال حاصل والحاصل لا يحصل، والحاصل أن قولك: يا مظلوم لمن جاء يتظلم ليس المراد به طلب الإقبال لكونه حاصلا، وإنما الغرض به إغراء ذلك المتظلم على زيادة التظلم وبث الشكوى، وحينئذ فاللفظ الموضوع لطلب إقبال المخاطب على المتكلم مستعمل فى طلب إقباله على الأمر الذى يناديه له على جهة المجاز المرسل والعلاقة الإطلاق والتقييد
(قوله: والاختصاص) هو فى الأصل: قصر الشىء على الشىء، وفى الاصطلاح:
تخصيص حكم علق بضمير باسم ظاهر صورته صورة منادى، أو معروف بأل، أو بالإضافة
(1) يوسف: 29.
أنا أفعل كذا أيها الرجل) فقولنا: أيها الرجل
…
===
أو بالعلمية فمثال كون الدال على التخصيص المذكور صورة المنادى قولك: أنا أفعل كذا أيها الرجل، ومثال المعرف بأل قولك: نحن العرب أسخى من بذل، ومثال الإضافة نحو قوله- عليه الصلاة والسلام (1):" نحن معاشر الأنبياء لا نورث"، ومثال العلمية كقوله:
بنا تميما يكشف الضّباب
والدلالة على التخصيص المذكور بذى العلمية نادر فى كلامهم، ثم إن الغرض من الاختصاص إما الافتخار كما إذا تضمن التخصيص بذلك الحكم الترفع كما فى قولك: نحن العرب أقرى الناس للضيف، ونحو: علىّ أيها الجواد يعتمد الفقير، أو المسكنة والتواضع كما فى قولك: أنا أيها المسكين أطلب المعروف، ونحو: إنى أيها العبد فقير إلى الله، أو مجرد تأكيد مدلول الضمير كقولك: أنا أيها الرجل أتكلم فيما يتعلق بمصالحى
(قوله: أنا أفعل كذا أيها الرجل) أنا مبتدأ وجملة: أفعل كذا: خبره، وأى: مبنى على الضم فى محل نصب مفعول لمحذوف وجوبا أى: أخص، والرجل بالرفع نعت، باعتبار لفظها، والجملة فى محل نصب على الحال، واعلم أنك إذا قلت: يأيها الرجل كانت بالطلب الإقبال، وأيها: منادى مبنى على الضم فى محل نصب، والرجل: نعت لأى: وفى الحقيقة هو المنادى وأى: وصلة لندائه ومفيدة لتخصيص المنادى بطلب الإقبال الذى استفيد من يا فإذا قلت: أنا أكرم الضيف أيها الرجل كان معناه: أنا أكرم الضيف فى حال كونى مختصا من بين أفراد الرجال بإكرام الضيف، فقولك: أيها الرجل
(1) الحديث متفق عليه بلفظ" لا نورث ما تركناه صدقة" أما بهذا اللفظ، فقد قال الحافظ ابن حجر فى الفتح (12/ 80)، :" وقد أنكره جماعة من الأئمة، وهو كذلك بالنسبة لخصوص لفظ" نحن"، لكن أخرجه النسائى من طريق ابن عيينة عن أبى الزناد بلفظ: " إنا معشر الأنبياء لا نورث .. " الحديث أخرجه عن محمد بن منصور عن ابن عيينة عنه، وهو كذلك فى مسند الحميدى عن ابن عيينة، وهو من أتقن أصحاب ابن عيينة فيه، وأورده الهيثم بن كليب فى مسنده من حديث أبى بكر الصديق باللفظ المذكور، وأخرجه الطبرانى فى الأوسط بنحو اللفظ المذكور، وأخرجه الدارقطنى فى" العلل" من رواية أم هانئ عن فاطمة عن أبى بكر الصديق بلفظ: " إن الأنبياء لا يورثون".
أصله تخصيص المنادى بطلب إقباله عليك ثم جعل مجردا عن طلب الإقبال، ونقل إلى تخصيص مدلوله من بين أمثاله بما نسب إليه؛ إذ ليس المراد بأى
…
===
أفاد تخصيص مدلول الرجل بالإكرام الذى نسب لمدلول أنا وهو المتكلم، فقولك: أيها الرجل بيان لمدلول أنا، فأصل الرجل كما علمت فى حال النداء تخصيص المنادى بطلب الإقبال، فأطلق عن قيده وهو طلب الإقبال، ثم قيد ذلك التخصيص بما نسب لمدلول الضمير كالإكرام فيكون مجازا مرسلا علاقته الإطلاق والتقييد، وظهر لك أن المجاز فى أيها وأنت خبير بأن هذا خروج عن الموضوع، إذ كلامنا فى استعمال صيغة النداء كيا فى غير معناه مجازا وهنا الذى استعمل فى غير معناه الأصلى: أيها الرجل وهو ليس صيغة النداء كما لا يخفى، وأجيب بأن أيا لما كثر استعمالها مع أدوات النداء نزلت منزلة أدواته كذا قرر شيخنا العدوى- رحمه الله.
(قوله: أصله) أى: الأصل فيه أن يستعمل فى مقام تخصيص المنادى بطلب إلخ أى: ولو كان المنادى هو المتكلم، وذلك عند قصده تجريد منادى من نفسه مبالغة- كما هو الأصل فى هذا المثال.
(قوله: ثم جعل) أى: أيها الرجل مجردا عن طلب الإقبال أى: بنقله لمطلق التخصيص؛ لأن المتكلم لا يطلب إقبال نفسه، فإن هذا الباب يجيء فى المتكلم إما وحده أو مع الغير
(قوله: ونقل) أى: ثم نقل بعد التجريد عن طلب الإقبال إلى تخصيص مدلوله بما نسب إليه، وحينئذ فهو مجاز مرسل علاقته الإطلاق والتقييد، فأيها الرجل خبر مستعمل بصورة النداء تجوزا كما استعمل الأمر بصيغة الخبر نحو: أحسن بزيد، والخبر بصيغة الأمر نحو: والوالدات يرضعن
(قوله: إلى تخصيص مدلوله) أى: مدلول أيها الرجل وهو ذات المتكلم هنا المعبر عنها بالضمير
(قوله: بما نسب إليه) أى: بالحكم الذى نسب إليه وربط به كأفعل كذا فى المثال المذكور والجار والمجرور متعلق بتخصيص، وضمير إليه للمدلول، وإنما كان الحكم الذى هو أفعل كذا منسوبا بالمدلول أى: ومرتبطا به لما علمت أن مدلولها المتكلم المعبر عنه بالضمير، وقد أخبر بذلك الحكم عن الضمير
(قوله: إذ ليس المراد إلخ) علة لقوله ونقل إلخ أى: وإنما نقل عن أصله لما
ووصفه المخاطب؛ بل ما دل عليه ضمير المتكلم، فأيها مضموم، والرجل مرفوع،
…
===
ذكر؛ لأنه ليس إلخ، وإذا كان المراد من أى ووصفها ما دل عليه ضمير المتكلم السابق ولم يرد به المخاطب كان قولنا أيها الرجل وما ماثله صورته صورة النداء وليس بنداء، وحينئذ فلا يجوز فيه إظهار حرف النداء؛ لأنه لم يبق فيه معنى النداء أصلا لا حقيقة كما فى: يا زيد، ولا مجازا كما فى: المتعجب منه والمندوب؛ فإنهما منادى دخلهما معنى التعجب والتفجع فمعنى ياللماء: احضر أيها الماء حتى يتعجب منك، ومعنى يا محمداه: احضر يا محمد فأنا مشتاق إليك، فلما لم يبق فى الكلام معنى النداء أصلا كره التصريح بأداته- كذا نقل عن الشارح.
(قوله: ووصفه) وهو الرجل فى المثال المذكور؛ لأنه بمعنى الكامل المختص
(قوله: المخاطب) خبر ليس
(قوله: بل ما دل) أى: بل المراد بأى ووصفه معنى دل عليه أى: على ذلك المعنى، وقوله ضمير فاعل دل وقوله المتكلم أى: الذى هو أنا فى المثال السابق مثلا فمراد المتكلم بالرجل نفسه
(قوله: فأيها إلخ) تفريع على ما تقدم من قوله، ثم نقل إلخ أى: إذا علمت أنها نقلت عن معناها الأصلى وهو النداء، فاعلم أنه التزم فيها حكم المنقول عنه من البناء على الضم؛ لأن كل ما نقل من باب إلى آخر فإعرابه على حسب ما كان عليه كما فى العناية
(قوله: مضموم) أى: مبنى على الضم؛ لأنه نكرة مقصودة فى محل نصب بفعل محذوف وجوبا تقديره أخص
(قوله: والرجل مرفوع) أى:
على أنه صفة لأى نظرا للفظها والرفع هنا اتفاقا كما فى الارتشاف بخلاف النداء، فإن بعضهم أجاز نصبه، والحاصل أن ضم أى ورفع تابعها حكاية لحالهما فى النداء بأن نقلا بحالهما فى النداء واستعملا فى غيره، وبهذا اندفع ما يقال إذا كانت أى: معمولا لأخص ولم يكن معه نداء أصلا لا لفظا ولا معنى، لم يكن هناك ما يقتضى البناء على الضم ورفع التابع، ثم إن المراد بالرفع هنا الضم- وهو ضم إتباع لا بناء، فاندفع ما يقال
والمجموع فى محل نصب على أنه حال؛ ولهذا قال: (أى: متخصصا) أى: مختصا (من بين الرجال) وقد تستعمل صيغة النداء فى الاستغاثة،
…
===
انظر ما العامل للرفع فى هذا التابع، إذ لا يصح أن يكون هو العامل فى المتبوع أو نظيره؛ لأن أخص هنا إنما يقتضى النصب لا الرفع، وكذلك أدعو وأنادى فى باب النداء إنما يقتضى النصب وهذا الإشكال جار فى سائر توابع المنادى المرفوعة سواء كان المنادى أيا أو غيرها قال الدمامينى: ولم أقف له على جواب ولا حاجة لما تكلفه بعضهم من أن العامل فيه عامل المتبوع باعتبار تكيفه بكيفية المبنى للمجهول أو نظيره ويقدر مبنيا للمجهول
(قوله: والمجموع إلخ) ظاهره مجموع أيها الرجل- وفيه نظر إذ الحال إنما هو جملة الاختصاص أعنى الفعل المقدر أعنى: أخص فكان الأولى أن يقول فى محل نصب على أنه مفعول الفعل المقدر الذى هو حال، وأجاب الشيخ يس بأنه يمكن الاعتذار بأن العامل لما كان واجب الحذف ومعناه ظاهر فى متعلقه حكم على متعلقه بأنه فى محل نصب على الحال تسمحا، ثم إن كون الجملة الاختصاصية فى محل نصب على الحال ليس بلازم، إذ قد تكون معترضة لا محل لها، وذلك فى صورة ما إذا كان الدال على التخصيص معرفا بأل نحو: نحن العرب أقرى الناس للضيف، فإن الجملة الاختصاصية هنا معترضة بين المبتدأ والخبر لا محل لها من الإعراب، ولا يصح جعلها حالية، إذ لا يصح نصب الحال عن المبتدأ عند سيبويه ومن تبعه
(قوله: ولهذا قال إلخ) أى: مفسرا للمراد من الجملة الواقعة حالا
(قوله: متخصصا إلخ) أى: أنا أفعل كذا حال كونى متخصصا بهذا الفعل من بين الرجال لما فى ذلك من الصعوبة
(قوله: أى مختصا) بيان حاصل المعنى، وأتى بهذا البيان دفعا لتوهم تعين التأويل بمتخصصا الزائد فى الحروف المفيد لكثرة التخصص وإشارة إلى أن زيادة البناء هنا لم تفد شيئا، بل متخصصا مثل مختصا
(قوله: وقد تستعمل صيغة النداء فى الاستغاثة إلخ) أى: على سبيل المجاز المرسل من استعمال ما للأعم فى الأخص؛ وذلك لأن صيغة النداء موضوعة
نحو: يالله، والتعجب، نحو: يا للماء، والتحسر والتوجع كما فى نداء الأطلال، والمنازل، والمطايا،
…
===
لمطلق طلب الإقبال فاستعملت فى طلب الإقبال أى: لخصوص الإغاثة
(قوله: يالله) أى:
يالله أقبل علينا لإغاثتنا
(قوله: والتعجب) العلاقة بينه وبين النداء المشابهة من جهة أنه ينبغى الإقبال على كل من المنادى والمتعجب منه
(قوله: ياللماء) يقال ذلك عند مشاهدة كثرته أو كثرة حلاوته أو برودته أو وفائه تعجبا منها فكأنه لغرابة الكثرة المذكورة يدعوه ويستحضره ليتعجب منه
(قوله: والتحسر والتوجع إلخ) العلاقة بين النداء وبين هذه الأشياء المشابهة فى كون كل ينبغى الإقبال عليه بالخطاب للاهتمام به وامتلاء القلب بشأنه
(قوله: كما فى نداء الأطلال) هذه أمثلة التحسر ولا يظهر أن شيئا منها مثال للتوجع، وإن أوهم صنيعه خلاف ذلك- ولذلك عبر ابن يعقوب بقوله ومنها التحسر والتحزن كما فى نداء الأطلال والمنازل والمطايا ونحو ذلك كنداء المتوجع منه والمتفجع عليه. اه. ومثال التوجع: يا مرضى، ويا سقمى، والأطلال: جمع طلل- وهو ما شخص من آثار الديار، وذلك كقوله:
ألا عم صباحا أيّها الطلل البالى
…
وهل يعمن من كان فى العصر الخالى (1)
(قوله: والمنازل) كما فى قولك يا منزلى ويا منزل فلان متحسرا ومتحزنا عليه، وكما فى قول الشاعر:
أيا منازل سلمى أين سلماك
…
من أجل هذا بكيناها بكيناك
أى: من أجل عدم وجدان سلمى بكينا على سلمى وبكينا على المنازل، فقوله:
بكيناها أى: بكينا على سلمى، وقوله: بكيناك أى: وبكيناك أى: بكينا عليك أيها المنازل
(قوله: والمطايا) أى: الإبل، كما فى قولك يا ناقة أبى، ويا ناقتى تحسرا عليها، وكما فى قوله:
(1) لامرئ القيس فى ديوانه ص 27، وخزانة الأدب 1/ 60 وتاج العروس (طول).
وما أشبه ذلك. (ثم الخبر قد يقع موقع الإنشاء؛ إما للتفاؤل) بلفظ الماضى دلالة على أنه كأنه وقع، نحو: وفقك الله للتقوى (أو لإظهار الحرص فى وقوعه كما مر) فى بحث الشرط من أن الطالب إذا عظمت رغبته فى شىء يكثر تصوره إياه؛ فربما يخيل إليه حاصلا، نحو: رزقنى الله لقاءك
…
===
يا ناق جدّى فقد أفنت أناتك بى
…
صبرى وعمرى وأنساعى وأحلاسى
الأناة: كقناة التأنى، والأحلاس: جمع حلس، وهو كساء يطرح على ظهر البعير، والأنساع: جمع نسع بكسر النون وهو ما ينسج عريضا للتصدير أى: للحزام فى صدر البعير
(قوله: وما أشبه ذلك) عطف على الإغاثة وذلك كالندبة، وهى نداء المتوجع منه أو المتفجع عليه كقولك: يا رأساه ويا محمداه كأنك تدعوه وتقول له تعال، فأنا مشتاق إليك
(قوله: ثم الخبر) أى: الكلام الخبرى وهو ما يدل على نسبة خارجية تطابقه أو لا تطابقه
(قوله: قد يقع) أى: مجازا لعلاقة الضدية أو غيرها مما سيأتى بيانه قريبا
(قوله: موقع الإنشاء) وهو الكلام الذى لم يقصد مطابقته لنسبته الخارجية ولا عدم مطابقته لما لا نسبة له خارجا، وإنما توجد نسبته بنفسه
(قوله: إما للتفاؤل) أى: إدخال السرور على المخاطب كأن يقصد طلب الشىء وصيغة الأمر هى الدالة عليه، فيعدل عنها إلى صيغة المضى الدالة على تحقق الوقوع تفاؤلا بتحققه
(قوله: بلفظ الماضى) متعلق بيقع، وإنما قيد بلفظ الماضى؛ لأن التفاؤل لا يكون إلا به لا بالمضارع ولا بالاسم
(قوله: وفقك الله للتقوى) أى: اللهم وفقك فعبر بالفعل الماضى الدال على تحقق الحصول موضع الإنشاء لإدخال السرور على المخاطب بتحقق حصول التقوى
(قوله: فى وقوعه) ضمن الحرص معنى الرغبة، فلذا عده بفى ولم يعده بعلى، ويشير للتضمين المذكور قول الشارح إذا عظمت رغبته
(قوله: يكثر صوره إياه) بفتح ياء يكثر ورفع تصوره على الفاعلية
(قوله: فربما يخيل إليه) أى: غير الحاصل حاصلا وحاصله أن الطالب لشىء إذا عظمت رغبته فيه كثر تصوره له وانقشعت صورة مطلوبة فى خياله، فيخيل له أن مطلوبه غير الحاصل حاصل من زمان ماض، فيعبر بالماضى المفيد للحصول
(والدعاء بصيغة الماضى من البليغ) كقوله: رحمه الله (- يحتملهما) أى: التفاؤل وإظهار الحرص، وأما غير البليغ فهو ذاهل عن هذه الاعتبارات (أو للاحتراز وعن صورة الأمر) كقول العبد للمولى: ينظر المولى إلى ساعة؛ دون انظر؛ لأنه فى صورة الأمر وإن قصد به الدعاء أو الشفاعة
…
===
للدالة على الحرص فى وقوعه؛ لأن التعبير بصيغة الحصول يفهم منها تخيل الحصول الملزوم لكثرة التصور الملزوم لكثرة الرغبة والحرص فى وقوعه
(قوله: والدعاء) مبتدأ وقوله يحتملهما خبر، وأشار المصنف بذلك إلى أن إظهار الحرص والتفاؤل لا تنافى بينهما فللبليغ إحضارهما معا فى التعبير بصيغة الماضى عن الطلب وله استحضار أحدهما
(قوله: أى التفاؤل وإظهار الحرص) أى: يحتمل أنه يريد التفاؤل بوقوع الرحمة للمخاطب قصدا لإدخال السرور عليه أو يريد إظهار الحرص فى الوقوع حيث عبر بالماضى لكثرة التصور الناشىء عن كثرة الرغبة قضاء لحق المخاطب أو يريدهما معا
(قوله: فهو ذاهل عن هذه الاعتبارات) لأنه إنما يقول ما يسمع منه غير ملاحظ لشىء من الاعتبارات المناسبة لمقامات إيراد الكلام، وعلى هذا فالمراد بالبليغ من يراعى ما ذكر لكونه له قوة على ذلك، ولو لم يكن له قوة فى سائر الأبواب بناء على تجزى البلاغة: كالاجتهاد- فيكفى لاعتبار النكتتين معرفتهما وقصدهما، ولا يلزم أن يكون لقصدهما ملكة يقدر بها على كل كلام بليغ- كذا فى يس، وقوله عن هذه الاعتبارات:
اعترض بأن الأولى أن يقول عن هذين الاعتبارين، وأجيب بأن غير البليغ لما كان ذاهلا عن هذين الاعتبارين وغيرهما من كل ما يلاحظه البليغ عبر الشارح بالجمع- كذا قرر شيخنا العدوى- وتأمله.
(قوله: أو للاحتراز) أى: التحرز والتباعد، ولا يكون هذا بلفظ الماضى، وكذا ما بعده، بل بلفظ المضارع
(قوله: كقول العبد للمولى) أى: إذا حول عن وجهه
(قوله: لأنه فى صورة الأمر) أى: المشعر بالاستعلاء المنافى للأدب
(قوله: وإن قصد به) أى:
(أو لحمل المخاطب على المطلوب بأن يكون) المخاطب (ممن لا يحب أن يكذب الطالب) أى: ينسب إليه الكذب كقولك لصاحبك الذى لا يحب تكذيبك:
تأتينى غدا- مقام: ائتنى؛ تحمله بألطف وجه على الإتيان؛ لأنه إن لم يأتك غدا صرت كاذبا من حيث الظاهر لكون كلامك فى صورة الخبر.
===
بالأمر والواو للحال أى: والحال أنه قاصد بذلك الأمر الدعاء أو الشفاعة، قال المولى عبد الحكيم: لم يذكر فى الكتب المشهورة فى الأصول الشفاعة من معانى الأمر ولعلها داخلة فى الدعاء، فإن الطلب على سبيل التصريح إن كان لنفسه فهو دعاء، وإن كان لغيره فهو شفاعة، فالمراد بالدعاء هنا ما يكون لنفسه بقرينة مقابلة الشفاعة. اه.
وعلى هذا فقول الشارح: وإن قصد به الدعاء أى: كما فى هذا المثال، وقوله:
أو الشفاعة كما فى قول عمرو لسيد العبد المعرض عنه ينظر المولى إلى عبده ساعة، وفى بعض النسخ: والشفقة، ومعناها طلب العبد من سيده أن يشفق عليه.
(قوله: أو لحمل المخاطب على المطلوب) أى: على تحصيل المطلوب، لكن لا بسبب إظهار الرغبة، بل بسبب كون المخاطب لا يحب تكذيب المتكلم، فالباء فى قوله بأن يكون للسببية، والحاصل أنه قد يعبر بالخبر موضع الإنشاء لأجل حمل المخاطب وهو السامع على تحصيل المطلوب لكون المخاطب لا يجب تكذيب المتكلم، فلما يلقى له الكلام الخبرى المقصود منه الإنشاء يسعى ويبادر فى تحصيل المطلوب خوفا من نسبة المتكلم للكذب، والفرض أن المخاطب لا يحب ذلك، وظهر لك من هذا أن المخاطب بفتح الطاء فى المحلين؛ لأن المراد به السامع
(قوله: أن يكذب الطالب) بصيغة المبنى للمفعول مع تشديد الذال ورفع الطالب على النيابة، كما يشير لذلك قول الشارح أى:
ينسب إليه الكذب
(قوله: كقولك) أى: أيها المتكلم وقوله لصاحبك أى: الذى هو المخاطب، وقوله لا يحب أى: ذلك الصاحب، وقوله: تحمله أى: تحمل صاحبك بهذا القول
(قوله: من حيث الظاهر) أى: وأما من حيث نفس الأمر فلا كذب؛ لأن كلامك
(تنبيه: الإنشاء كالخبر فى كثير مما ذكر فى الأبواب الخمسة السابقة) يعنى: أحوال الإسناد، والمسند إليه، والمسند، ومتعلقات الفعل،
…
===
فى المعنى إنشاء وهو لا يتصف بصدق ولا بكذب، قال الشارح فى المطول: واستعمال الخبر فى هذه الصور يعنى الأربعة التى ذكرها المصنف مجاز لاستعماله فى غير ما وضع له، ويحتمل أن يجعل كناية فى بعضها. اه.
قال المولى عبد الحكيم: أراد ببعضها الصورتين الأخيرتين اللتين وقع فيهما الفعل المستقبل موقع الطلب بأن يقال: إن حصول الفعل فى الاستقبال لازم لطلب الفعل فى الحال، فذكر اللازم وأريد الملزوم بخلاف الصورتين الأوليين اللتين وقع فيهما الفعل الماضى موقع الطلب، فإن حصول الفعل فى الزمان الماضى ليس لازما لطلب الفعل فلا يصح جعلهما كناية، بل يتعين كونهما مجازا إما مرسلا لعلاقة الضدية، أو بالاستعارة لعلاقة تشبيه غير الحاصل بالحاصل للتفاؤل أو للحرص على حصوله. اه.
قال ابن السبكى فى عروس الأفراح: وما ذكر من الكناية فيه نظر؛ لأنه إذا جعل ذلك الخبر من باب الكناية كان خبرا لفظا ومعنى والفرض أنه إنشاء بصيغة الخبر- فتأمله.
(قوله: فى كثير إلخ) إنما قال فى كثير ولم يقل جميعه؛ لأن المسند فى الخبر قد يكون مفردا وقد يكون جملة بخلاف المسند فى الإنشاء؛ فإنه لا يكون إلا مفردا- كذا قيل، ويرد عليه: هل زيد أبوه قائم، فإن قيل هو فى تأويل: هل قام أبو زيد- قلنا:
وكذلك الخبر، وقيل إنما قال فى كثير؛ لأن بعض ما تقدم لا يجرى فى الإنشاء؛ لأن التأكيد فى الإنشاء لا يكون للشك أو الإنكار من المخاطب ولا ترك التأكيد لخلوه من الإيقاع والانتزاع، بل لكونه بعيدا من الإقبال أو قريبا منه، وقيل: إنما قال فى كثير؛ لأن حذف المسند لا يكون فى الإنشاء بخلاف الخبر وإشارة إلى أن ما ذكر من الأحوال فى الأبواب الخمسة فى الخبر لا يتأتى فى كل باب من تلك الأبواب الخمسة بالنسبة لكل
والقصر (فليعتبره) أى: ذلك الكثير الذى يشارك فيه الإنشاء الخبر (الناظر) بنور البصيرة فى لطائف الكلام، مثلا: الكلام الإنشائى إما مؤكد، أو غير مؤكد، والمسند إليه فيه إما محذوف، أو مذكور، إلى غير ذلك.
===
نوع من أنواع الإنشاء وهى: الاستفهام والتمنى والأمر والنهى والنداء، وإن كان ما ذكر يأتى فى بعضها- فتأمل.
(قوله: والقصر) معطوف على أحوال بخلاف ما قبله فإنه معطوف على المضاف إليه
(قوله: فليعتبره الناظر) أى: فليراع الناظر فى أحوال الكلام ذلك الكثير الذى وقع فيه الاشتراك بين الخبر والإنشاء بالنسبة للإنشاء حسبما عرفه بالنسبة للخبر فيما تقدم، فإن من له نور البصيرة وقوة الإدراك لا يخفى عليه اعتبار ذلك فى الإنشاء كالخبر
(قوله: إما مؤكد) كقولك اضرب اضرب فى تأكيد الأمر بالضرب لاقتضاء المقام
(قوله: أو غير مؤكد) كقولك اضرب بدون تكرار ولا يجرى فى الإنشاء التخريج على خلاف مقتضى الظاهر بالنسبة للتأكيد وتركه، من جعل المنكر كغير المنكر وبالعكس، وتنزيل العالم منزلة الجاهل وبالعكس
(قوله: إما محذوف) كأن يقال عند السؤال عن زيد بعد ذكره: هل قائم أو قاعد.
(قوله: أو مذكور) كأن يقال الذكر لغير ذلك من كونه مقدما أو مؤخرا كقولك فى التقديم: هل زيد قائم وفى التأخير: هل قائم زيد وكونه معرفا كما مثل، أو منكرا: كهل رجل قائم أو امرأة، وكذلك المسند فيه، إما اسم كقولك: هل زيد قائم، أو فعل كقولك: هل زيد يسافر غدا مطلق كالمثالين، أو مقيد بمفعول: كهل أنت ضارب عمرا، أو بشرط: كهل أنت قائم إن قام عمرو، ولا يتأتى حذف المسند فى الإنشاء بخلاف الخبر- كما فى عبد الحكيم، وكذلك التعلق والنسبة فى الإنشاء إما بقصر: كلا تضرب إلا زيدا، أو بغيره: كلا تضرب زيدا، وليضرب زيد عمرا، واعلم أن الاعتبارات المناسبة لهذه الأحوال السابقة فى الخبر تجرى فى الإنشاء فيقال: قدم
.
===
المسند إليه فى الإنشاء؛ لأن التقديم هو الأصل، ولا مقتضى للعدول عنه وحذف لكون ذكره كالعبث لدلالة القرينة عليه كأن تقول فى السؤال عن زيد بعد ذكره: هل عالم أو جاهل، وذكر للتعويل على أقوى الدليلين العقل واللفظ، وعرف بالإضمار كهل أنا نائل مرادى منك؛ لأن المقام للتكلم أو للخطاب: كهل أنت قائم أو للغيبة: كهل هو قائم، وأكد لكون المخاطب بصدد الامتناع من الامتثال كقولك لمن يصحبك عند إبايته بادر بفعل كذا، وعلى هذا القياس.
والله الهادى للصواب، وإليه المرجع والمآب.