المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌[تذنيب]: هو جعل الشىء ذنابة للشىء؛ شبه به ذكر بحث الجملة - حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - جـ ٢

[محمد بن أحمد الدسوقي]

فهرس الكتاب

- ‌[أغراض الحذف]:

- ‌ ذكر المسند

- ‌[أغراض الإفراد]:

- ‌[أغراض كون المسند فعلا أو اسما]:

- ‌أغراض تقييد الفعل بمفعول ونحوه، وترك تقييد الفعل:

- ‌[ترك تقييد الفعل]:

- ‌[أغراض‌‌ تقييد الفعل بالشرط:إن وإذا ولو]:

- ‌ تقييد الفعل بالشرط:

- ‌[استطراد إلى التغليب]:

- ‌[أغراض التنكير]:

- ‌ تنكير المسند

- ‌[أغراض التخصيص بالإضافة والوصف وتركه]:

- ‌[تخصيص المسند بالإضافة أو الوصف]:

- ‌[غرض التعريف]:

- ‌(وأما تعريفه

- ‌[ترك تقييد المسند بالحال أو المفعول أو نحو ذلك]:

- ‌[أغراض كون المسند جملة]:

- ‌[كون المسند جملة للتقوّى]:

- ‌‌‌[أغراض التأخيروالتقديم]:

- ‌[أغراض التأخير

- ‌[تأخير المسند]:

- ‌[أغراض التقديم]:

- ‌[تقديم المسند]:

- ‌[[الباب الرابع: ] أحوال متعلقات الفعل]

- ‌[حال الفعل مع المفعول والفاعل]:

- ‌[أغراض تقديم المتعلقات على الفعل]:

- ‌[[الباب الخامس: ] القصر]:

- ‌[طرق القصر]:

- ‌[طريقة العطف]:

- ‌(ومنها النفى والاستثناء

- ‌[التقديم]:

- ‌[[الباب السادس: ] القول فى‌‌ الإنشاء]:

- ‌ الإنشاء]:

- ‌[أنواع الإنشاء]:

- ‌[الطلب]:

- ‌[ومن أنواع الطلب: التمني]:

- ‌[ومن أنواع الطلب: الاستفهام]:

- ‌[ومن أنواع الطلب: الأمر]:

- ‌[ومن أنواع الطلب: النهي]:

- ‌ومن أنواع الطلب: النداء

- ‌[[الباب السابع: ] الفصل والوصل]

- ‌[تعريف الفصل والوصل]:

- ‌[أحوال الوصل والفصل للاشتراك فى الحكم]:

- ‌[الفصل لعدم الاشتراك فى الحكم]:

- ‌[الوصل بغير الواو من حروف العطف]:

- ‌[الفصل لعدم الاشتراك فى القيد]:

- ‌[الفصل لكمال الانقطاع]:

- ‌[الفصل لكمال الانقطاع]:

- ‌[الفصل لشبه كمال الانقطاع]:

- ‌[الفصل لشبه كمال الاتصال]:

- ‌[الفصل لشبه كمال الانقطاع]:

- ‌[أنواع الاستئناف]:

- ‌[حذف صدر الاستئناف]:

- ‌[الوصل لدفع الايهام]:

- ‌[محسنات الوصل]:

- ‌[تذنيب]:

- ‌[الباب الثامن: الإيجاز والإطناب والمساواة]:

- ‌[إيجاز القصر]:

- ‌[إيجاز الحذف]:

- ‌[الإطناب]:

- ‌[ذكر الخاص بعد العام]:

- ‌[الإيجاز والإطناب النسبيان]:

الفصل: ‌ ‌[تذنيب]: هو جعل الشىء ذنابة للشىء؛ شبه به ذكر بحث الجملة

[تذنيب]:

هو جعل الشىء ذنابة للشىء؛ شبه به ذكر بحث الجملة الحالية وكونها بالواو تارة وبدونها أخرى عقيب بحث الفصل والوصل لمكان التناسب.

===

أنه يستحيل التقدم يستحيل التأخر كما هو قضية الخبر الإلهى وإن أمكن فى نفسه، وهذا هو السر فى إيراده بصيغة الاستقبال يعنى: أنه بلغ من الاستحالة إلى حيث ينفى طلبه كما ينفى طلب المستحيل- اه كلامه.

[تذنيب]

قيل الفرق بين التذنيب والتنبيه مع اشتراكهما فى أن كلا منهما يتعلق بالمباحث المتقدمة، أن ما ذكر فى حيز التنبيه بحيث لو تأمل المتأمل فى المباحث المتقدمة لفهمه منها بخلاف التذنيب. اه فنارى.

(قوله: هو) أى: بحسب الأصل جعل الشىء ذنابة، لا أنه نفس الذنابة فهو مصدر بحسب الأصل، والذنابة بضم الذال وكسرها مؤخر الشىء، ومنه الذنب: وهو ذيل الحيوان.

(قوله: شبه به) الضمير فى به للجعل المذكور، فيكون المصدر الذى هو الذكر المذكور مشبها بالمصدر الذى هو الجعل المذكور، وحاصل كلامه أن المصنف شبه ذكر بحث الجملة الحالية عقب بحث الفصل والوصل بجعل الشىء ذنابة للشىء بجامع التتميم والتكميل فى كل، أو بجامع إيجاد الشىء متصلا بآخر الشىء اتصالا يقتضى عده من أجزائه، وكونه من أدناها: لقصد التكميل، واستعير اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية الأصلية التحقيقية، ثم بعد ذلك أطلق التذنيب بمعنى الذكر وأريد متعلقه وهو الألفاظ المذكورة المخصوصة على طريق المجاز المرسل، والعلاقة التعلق ضرورة أن التذنيب ترجمة وهى اسم للألفاظ المخصوصة، والحاصل أن فى الكلام مجازا مرسلا مبنيا على استعارة مصرحة، وإنما ارتكب ذلك ليكون ما هنا موافقا لما ذكروه فى التراجم، ولو اقتصرنا على الاستعارة كما قال الشارح لم يكن موافقا لما ذكروه.

(قوله: وكونها إلخ) هو بالجر عطف على بحث عطف تفسير، وقوله عقيب: ظرف لذكر

(قوله: لمكان التناسب) المكان مصدر ميمى بمعنى الحدث وهو الكون والوجود

ص: 580

(أصل الحال المنتقلة) أى: الكثير الراجح فيها؛ كما يقال: الأصل فى الكلام هو الحقيقة (أن تكون بغير واو) واحترز بالمنتقلة عن: المؤكدة المقررة

===

من كان التامة أى: لوجود التناسب بين الجملة الحالية والفصل والوصل، وهو علة لذكر بحث الجملة الحالية عقب بحث الفصل والوصل أى: وإنما ذكره عقب بحث الفصل والوصل لوجود التناسب بين الجملة الحالية والفصل والوصل؛ لأن الجملة الحالية تارة تقترن بالواو وتارة لا تقرن بها، والفصل ترك الاقتران بالواو، والوصل الاقتران بها، فاقتران الجملة الحالية بالواو شبيه بالوصل، وعدم اقترانها بالواو شبيه بالفصل، فإن قلت: الواو فى الوصل عاطفة، وفى الجملة الحالية: غير عاطفة فلا تناسب قلت: الأصل فى واو الحال العطف، فالمناسبة موجودة بهذا الاعتبار، وحاصل ما ذكره فى هذا التذنيب تقسيم الجملة الحالية إلى أقسام خمسة ما يتعين فيه الواو، وما يتعين فيه الضمير، وما يجوز فيه الأمران على السواء، وما يترجح فيه الضمير، وما يترجح فيه الواو

(قوله: المنتقلة) أى: الغير اللازمة لصاحبها المنفكة عنه

(قوله: أى الكثير) بمعنى الشائع، وقوله: الراجح فيها أى: لموافقته للقواعد

(قوله: كما يقال إلخ) أى: وهذا كما يقال الأصل فى الكلام الحقيقة أى: الكثير الراجح فيه أن يكون حقيقة، والمرجوح أن يكون مجازا، وأشار الشارح بما ذكره إلى أن مراد المصنف بالأصل الكثير الراجح، ولم يرد بالأصل القاعدة ولا الدليل ولا غير ذلك مما يراد به فى غير هذا الموضع، ولكن الأولى أن يراد بالأصل هنا فى كلام المصنف مقتضى الدليل كما يرشد إليه التعليل بعد بقوله؛ لأنها فى المعنى حكم إلخ أى: إن مقتضى الدليل أن تكون الحال بغير واو، وإنما سمى مقتضى الدليل أصلا لابتنائه على الأصل الذى هو الدليل

(قوله: واحترز بالمنتقلة عن المؤكدة) فيه أن الذى يقابل المنتقلة عن صاحبها إنما هو اللازمة لصاحبها سواء وردت بعد جملة فعلية نحو: خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها، أو اسمية نحو: هذا أبوك عطوفا لا المؤكدة؛ لأنها إنما تقابل المؤسسة، فالأولى للشارح أن يقول: واحترز بالمنتقلة عن اللازمة، ولا يقال: يلزم من كونها مؤكدة أن تكون لازمة فصحت المقابلة نظرا للازم؛ لأنا نقول نسلم ذلك إلا أن اللازمة أعم من المؤكدة، ألا ترى أنها فى المثال الأول المذكور لازمة وهى غير مؤكدة، فمقتضى ذلك أن تكون الحال اللازمة غير المؤكدة ليس محترزا عنها بالمنتقلة، وليس كذلك.

ص: 581

لمضمون الجملة فإنها يجب أن تكون بغير واو البتة؛ لشدة ارتباطها بما قبلها؛ وإنما كان الأصل فى المنتقلة الخلو عن الواو (لأنها فى المعنى حكم على صاحبها كالخبر) بالنسبة إلى المبتدأ، فإن قولك:[جاء زيد راكبا] إثبات الركوب لزيد كما فى: [زيد راكب]

===

(قوله: لمضمون الجملة) أراد بالمضمون ما تضمنته واستلزمته الجملة قبلها، وذلك كما فى قولك هذا أبوك عطوفا، فإن الجملة الأولى تقتضى العطف، فلذا كان قوله عطوفا تأكيدا، وليس المراد بالمضمون المصدر المتصيد من الجملة كما هو الظاهر؛ لأن مضمون هذه الجملة أبوة زيد وهى غير العطف، وكان الأولى للشارح أن يحذف قوله لمضمون الجملة لأجل أن يشمل كلامه المؤكدة لعاملها نحو: وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا (1)، ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (2) والمؤكدة لصاحبها نحو: لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً (3)

(قوله: البتة) أى: قطعا أى: دائما، لا أن ذلك فيها كثير

(قوله: لشدة ارتباطها بما قبلها) أى: وصيرورتهما كالشىء الواحد أى: وحينئذ فلا يبحث عنها فى هذا الباب، والحاصل أن الحال المؤكدة لظهور ارتباطها بالمؤكد لا يحتاج فيها إلى ربط بالواو، فلا يبحث عنها فى هذا الباب، فلذا احترز المصنف عنها بالتقييد بالمنتقلة.

(قوله: لأنها فى المعنى حكم على صاحبها) أى: أمر محكوم به على صاحبها؛ وذلك لأنك إذا قلت: جاء زيد راكبا أفاد ذلك أن زيدا ثبت له المجىء حال وصفه بالركوب وفى ضمن ذلك أن الركوب ثابت له، وحينئذ فالركوب محكوم به على زيد لثبوته له، وإنما قال فى المعنى؛ لأن الحال فى اللفظ غير محكوم بها؛ لأنها فضلة يتم الكلام بدونها

(قوله: كالخبر بالنسبة إلى المبتدأ) فإنه محكوم به عليه فى المعنى بل وكذلك فى اللفظ فالتشبيه ناقص؛ لأن الغرض منه إفادة مماثلة الحال للخبر من جهة أن كلا محكوم به فى المعنى على صاحبه وإن كان الخبر محكوما به عليه أيضا فى اللفظ بخلاف الحال

(قوله: فإن قولك جاء زيد راكبا إثبات الركوب إلخ) كان الظاهر أن يقول: فإن فى

(1) النساء: 79.

(2)

التوبة: 25.

(3)

يونس: 99.

ص: 582

إلا أنه فى الحال على سبيل التبعية، وإنما المقصود إثبات المجىء، وجئت بالحال لتزيد فى الإخبار عن المجىء هذا المعنى (ووصف له) أى: ولأنها فى المعنى وصف لصاحبها (كالنعت) بالنسبة إلى المنعوت، إلا أن المقصود فى الحال كون صاحبها على هذا الوصف حال مباشرة الفعل، فهى قيد للفعل وبيان لكيفية وقوعه، بخلاف النعت فإنه لا يقصد به ذلك؛ بل مجرد اتصاف المنعوت به،

===

قولك: أو يقول، فإن قولك: جاء زيد راكبا معناه إثبات إلخ؛ ليستقيم التركيب- اللهم إلا أن يقال: فى الكلام حذف مضاف قبل قوله إثبات- فتأمل.

وحاصل ما ذكره الشارح أن كلا من الحال والخبر يقتضى الكلام كونه عارضا ثابتا لمعروض، فهما متساويان فى ذلك ومختلفان فى أن المقصود الأصلى من التركيب بالنسبة للخبر ثبوته للمبتدأ، بخلاف الحال فليس ثبوته لصاحبه مقصودا من التركيب، بل المقصود ثبوت أمر آخر له كالمجىء فى المثال: وجىء بالحال قيدا ليهون ذلك الأمر وهو المجىء فيستفاد ثبوت الحال بطريق اللزوم العرضى كما مر

(قوله: إلا أنه) أى: إثبات الركوب فى الحال، (وقوله: على سبيل التبعية) أى: أثبت على سبيل التبعية ولم يقصد ابتداء

(قوله: وإنما المقصود) أى: بالإخبار.

(قوله: هذا المعنى) مفعول تزيد والمراد بهذا المعنى إثبات الركوب، بقى شىء وهو أن هذا الكلام الذى ذكره الشارح مخالف لما هو مقرر من أن الكلام إذا اشتمل على قيد زائد على مجرد الإثبات والنفى كان ذلك القيد هو الغرض الأصلى والمقصود بالذات من الكلام والحال من جملة القيود، ويمكن أن يقال: الحكم عليه هنا بأنه على سبيل التبعية وأنه غير مقصود بالذات من حيث إنه فضلة يستقيم الكلام بدونه، والمسند هو المقصود بالذات من حيث إنه مسند وركن لا يستقيم الكلام إلا به، وذلك لا ينافى أن المقصود بالذات من التركيب للبليغ هو القيد، أو يقال: إن ما هو مقرر أمر غلبى- كذا قرر شيخنا العدوى.

(قوله: أى ولأنها فى المعنى وصف لصاحبها) أى: لأن الكلام يقتضى اتصاف صاحبها بها حال الحكم لتكون قيدا له، وإنما قيد بالمعنى؛ لأنها ليست وصفا فى اللفظ، بل حال

(قوله: كالنعت) أى: فى الوصفية وإن كان النعت وصفا للمنعوت فى اللفظ والمعنى

(قوله: إلا أن المقصود إلخ) حاصله أن الحال والنعت وإن اشتركا فى أن كلا وصف

ص: 583

وإذا كان الحال مثل الخبر والنعت فكما أنهما يكونان بدون الواو- فكذلك الحال.

وأما ما أورده بعض النحويين من الأخبار والنعوت المصدرة بالواو كالخبر فى باب كان،

===

فى المعنى للموصوف، إلا أنهما يفترقان من جهة أن القصد من الحال جعلها قيدا لحكم صاحبها لاقتران الحال مع الحكم فى صاحب الحال، فإذا قلت: جاء زيد راكبا أفاد أن زيدا موصوف بالمجىء وأن اتصافه بالمجىء إنما هو فى حال اتصافه بالركوب، وأن القصد من النعت جعله قيدا لذات المحكوم عليه لا قيدا للحكم، فإذا قلت: جاء زيد العالم فالمقصود تقييد نفس ذات زيد بالعلم لا تقييد حكمه الذى هو المجىء، ولهذا يصح بطريق الأصالة أن يكون نحو: الأبيض والأسود والطويل والقصير من الأوصاف التى لا انتقال فيها ولا يتقيد وجودها بوجود الأحكام نعتا بخلاف الحال، فإن الأصل فيها ألّا تكون كذلك؛ لأنها قيد للحكم الذى أصله العروض والثبوت بعد الانتفاء، فينبغى أن تكون من الأوصاف التى تثبت بثبوت الأحكام وتنتفى بانتفائها؛ لأن الثابت اللازم لا يفيد التجدد العارض، فقول الشارح إلا أن المقصود فى الحال أى: منها، (وقوله: على هذا الوصف) أى: الحال، (وقوله: حال مباشرة الفعل) أى: الحدث سواء دل عليه بفعل أو وصف، (وقوله: وبيان) أى: مبين، (وقوله: لكيفية وقوعه) أى: لصفته التى وقع عليها، (وقوله: فإنه لا يقصد به ذلك) أى:

كون الموصوف على هذا الوصف حال مباشرة الفعل، (وقوله: بل مجرد اتصاف المنعوت به) أى: من غير ملاحظة أن المنعوت مباشر للفعل أو غير مباشر له.

(قوله: وإذا كان الحال إلخ) هذا إشارة إلى مقدمة صغرى مأخوذة من المتن، وقوله: فكما أنهما يكونان بدون الواو: إشارة إلى مقدمة كبرى محذوفة من المصنف، وقوله: فكذلك الحال: إشارة إلى النتيجة المحذوفة

(قوله: وأما ما أورده بعض النحويين) أى: على الكبرى القائلة والخبر والنعت يكونان بدون الواو

(قوله: كالخبر فى باب كان) أى: كما فى بيت الحماسة من قول سهيل بن شيبان:

فلمّا صرّح الشّرّ

فأمسى وهو عريان (1)

(1) البيت للفند الزمانى سهيل بن شيبان فى أمالى القالى 1/ 260، وحماسة البحترى ص 56، وخزانة الأدب 3/ 431، وسمط اللآلى ص 578، 940 وشرح ديوان الحماسة للمرزوقى ص 34، وللحماسى فى شرح التصريح 2/ 239.

ص: 584

والجملة الوصفية المصدرة بالواو؛ التى تسمى: واو تأكيد لصوق الصفة بالموصوف- فعلى سبيل التشبيه والإلحاق بالحال (لكن خولف) هذا الأصل (إذا كانت) الحال (جملة؛

===

وأدخل بالكاف الخبر الواقع بعد إلا نحو: ما أحد إلا وله نفس أمارة

(قوله: والجملة الوصفية) أى: الواقعة صفة للنكرة كقوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (1) وكقوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها (2) فإن الجملة فى الآيتين عند صاحب الكشاف صفة للنكرة، والواو زائدة دخولها وخروجها على حد سواء، وفائدتها تأكيد وصل الصفة بالموصوف، إذ الأصل فى الصفة مقارنة الموصوف فهذه الواو أكدت اللصوق.

(قوله: فعلى سبيل التشبيه والإلحاق بالحال) لأنها قد تقترن بالواو فى بعض الأحيان، وحينئذ فلا يرد ذلك نقضا؛ لأن اقترانها على سبيل التشبيه والإلحاق لا على سبيل الأصالة فلم يخرجا عن الأصل، والحاصل أن كون الحال أصلها عدم الاقتران بالواو مكتسب من مشابهتها للخبر والنعت، فلما خولف هذا الأصل المكتسب فيها، واقترنت بالواو حمل الخبر والنعت عليها لورودها بعد ما قد يستقل كالفعل والفاعل والمبتدأ والخبر، وذكر بعضهم: أن أمسى فى البيت تامة بمعنى دخل فى المساء، والجملة بعدها حال لا خبر، ومذهب صاحب المفتاح: أن الجملة فى الآيتين حال من قرية لكونها نكرة فى سياق النفى وذو الحال كما يكون معرفة يكون نكرة مخصوصة، لكن كلام صاحب المفتاح يضعفه أنه يقتضى تقييد الإهلاك بالحال وهو غير مقصود إن كان الإهلاك واقعا فى تلك الحالة، فصاحب الكشاف راعى جزالة المعنى فجعلها صفة، فإنه من علماء البيان وهم يرجحون جانب المعنى على جانب اللفظ مع وقوع الجملة صفة لقرية فى قوله تعالى وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ (3).

(قوله: هذا الأصل) أعنى كون الحال بغير واو كما فى الخبر والنعت.

(قوله: إذا كانت الحال) أى: المتقدمة وهى المنتقلة

(قوله: جملة) أى: اسمية أو فعلية

(قوله:

(1) الحجر: 4.

(2)

البقرة: 259.

(3)

الشعراء: 208.

ص: 585

فإنها) أى: الجملة الواقعة حالا (من حيث هى جملة مستقلة بالإفادة) من غير أن تتوقف على التعليق بما قبلها، وإنما قال: من حيث هى جملة لأنها من حيث هى حال غير مستقلة؛ بل متوقفة على التعليق بكلام سابق قصد تقييده بها (فتحتاج) الجملة الواقعة حالا (إلى ما يربطها بصاحبها) الذى جعلت حالا عنه (وكل من الضمير والواو صالح للربط، والأصل) الذى لا يعدل عنه

===

فإنها إلخ) الفاء للتعليل أى: إنما خولف ذلك الأصل فى الحال التى هى جملة؛ لأنها إلخ

(قوله: من حيث هى جملة) الحيثية للتقييد، وقوله مستقلة بالإفادة خبر إن أى: لأن الجملة الواقعة حالا مستقلة بالإفادة من حيث كونها جملة، ومقتضى ذلك الاستقلال أنها تحتاج إلى رابط يربطها بما قبلها وإنما كانت الجملة المذكورة مستقلة بالإفادة من حيث كونها جملة؛ لأن الجملة وضعت لتفيد فائدة يحسن السكوت عليها بناء على القول بوضع المركبات، أو استعملت لتفيد ما ذكر بناء على مقابله، والحاصل أن الجملة الحالية وجد فيها جهتان جهة كونها جملة، وهذه الجهة هى الأصل فى الجملة الحالية وجهة كونها حالا وهى عارضة، والأولى توجب احتياجها لما يربطها بما قبلها دون الثانية

(قوله: من غير أن تتوقف إلخ) تفسير للاستقلال

(قوله: على التعليق) أى:

الارتباط فلا تحتاج إلى ما يربطها من الحيثية الثانية لا من الحيثية الأولى

(قوله: فتحتاج إلخ) أى: فهى من هذه الجهة أى: جهة كونها جملة تحتاج إلخ، وروعيت هذه الحالة المحرجة للربط؛ لأنها الأصل وجهة كونها حالا عارضة كما علمت.

(قوله: وكل من الضمير) أى: ضمير صاحب الحال

(قوله: صالح للربط) أما الضمير فلكونه عبارة عن المرجع، وأما الواو فلكونها موضوعة لربط ما قبلها بما بعدها أو هى فى أصلها للجمع كما قيل: إن أصل هذه الواو الحالية هى العاطفة، واختلف فى أيهما أقوى فى الربط فقيل الواو؛ لأنها موضوعة له وقيل الضمير لدلالته على المربوط به، وإليه أشار بقوله: والأصل إلخ

(قوله: الذى لا يعدل عنه) أى: لا ينبغى العدول عنه لكثرته، والمراد بالأصل هنا الكثير الراجح فى الاستعمال لا الأصل فى الوضع، والمراد لا يعدل عنه فى نظر البلغاء، وإلا فكثيرا ما يقررون فى العربية جواز الأمرين، فظاهر كلامهم جواز العدول من غير موجب- كذا قرر شيخنا العدوى، وتأمله.

ص: 586

ما لم تمس حاجة إلى زيادة ارتباط (هو الضمير، بدليل) الاقتصار عليه فى الحال (المفردة، والخبر، والنعت. فالجملة) التى تقع حالا (إن خلت عن ضمير صاحبها)

===

(قوله: ما لم تمس حاجة إلخ) أى: فإن مست الحاجة إلى زيادة الربط أتى بالواو؛ لأن الربط بها أقوى لما مر من أنها موضوعة للربط، ويحتمل أن المراد: فإن مست الحاجة لزيادة الربط أتى بهما

(قوله: بدليل الاقتصار عليه فى الحال المفردة) فيه أن الضمير فيها ليس للربط؛ لأن الحال المفردة لا تحتاج لرابط، بل لضرورة الاشتقاق؛ لأن كل مشتق يتحمل الضمير، فالدليل لم ينتج المطلوب، (وقوله: والخبر والنعت) أعم من أن يكونا مفردين أو جملتين، فالأول نحو: زيد أبوه قائم وزيد قائم، والثانى نحو: رجل أبوه صالح مررت به أو رجل كريم مررت به، وفى عبد الحكيم: إن المراد بالحال المفرد فى كلام المصنف المسندة إلى متعلق ذى الحال نحو: ضربت زيدا قائما أبوه، وكذا يقال فى الخبر والنعت، وحينئذ فلا يرد أن الضمير فى الثلاثة لكونها صفة محتاجة للفاعل لا أنه للربط، لذا يرتبط كل واحد منها بموصوفها إذا كانت جامدة من غير ضمير- اه كلامه.

ولا يقال: إن كون الواو يؤتى بها عند الحاجة إلى مزيد الارتباط مناف لكون الضمير هو الأصل وأكثر موقعا، إذ مقتضى ذلك أن الارتباط به أزيد؛ لأنا نقول: إن كثرة الموقع لا تدل على كثرة الربط؛ وذلك لأن الواو موضوعة للربط، وأما الضمير فهو موضوع للعود على مرجعه والربط حاصل لزوما، والحاصل أن أصالة الضمير بحسب الاستعمال لا من حيث الوضع، وأما الواو فهى أصل فى الربط باعتبار الوضع- فتأمل- قرره شيخنا العدوى.

(قوله: فالجملة إن خلت إلخ) هذا فى قوة قضية كلية قائلة كل جملة أريد جعلها حالا وخلت عن ضمير صاحبها وجب ربطها بالواو، وهذا شروع فى تفصيل محل انفراد الواو والضمير ومحل اجتماعهما.

(قوله: التى تقع حالا) أى: التى يراد جعلها حالا

(قوله: إن خلت إلخ) أى: بأن لم يوجد فيها الضمير لفظا ولا تقديرا، (وقوله: وجب فيها الواو) أى: لفظا أو تقديرا كما فى قول الشاعر يصف غائصا لطلب اللؤلؤ:

ص: 587

الذى تقع هى حالا عنه (- وجب فيها الواو) ليحصل الارتباط، فلا يجوز:

خرجت زيد قائم.

ولما ذكر أن كل جملة خلت عن الضمير وجبت فيها الواو أراد أن يبين

===

انتصف النهار وهو غائص

وصاحبه لا يدرى ما حاله

نصف النهار الماء غامره

ورفيقه بالغيب ما يدرى

فالواو مقدرة أى: والماء غامره، لكن قال الدمامينى: الربط يحصل بالواو والضمير فحيث لا واو ولا الضمير يقدر أحدهما- فلم قدرت الواو هنا على الخصوص مع أنه يمكن تقدير الضمير بل هو الأولى؛ لأنه الأصل فى الربط؟ فيقال: التقدير الماء غامره فيه

(قوله: الذى تقع هى حالا عنه) هذا بيان لصاحب الحال لا تقييد له

(قوله: ليحصل الارتباط) أى: لتكون مرتبطة به غير منقطعة عنه

(قوله: فلا يجوز إلخ) أى:

بدون الواو، فإن قلت: أى فرق بين الجملة الحالية وبين الخبرية والنعتية حيث احتيج فى الحالية إلى الربط بالواو ولم يجز فيهما؟ قلت: الفرق أن الخبرية جزء الجملة وذلك كاف فى الربط، فلم تناسبها الواو التى أصلها للعطف الذى لا يكون للخبر والنعتية تدل على معنى فى المنعوت فصارت كأنها من تمامه فلم تناسبها الواو- أيضا- فاكتفى فيهما بالضمير بخلاف الحالية فإنها لكونها فضلة مستغنى عنها فى الأصل تحتاج إلى رابط، فإن لم يوجد الضمير تعينت الواو.

(قوله: أراد أن يبين أن أى جملة إلخ) أى: أراد أن يبين جواب هذا الاستفهام الذى هو أى جملة يجوز أن تقع حالا حال كونها مقترنة بالواو، وأى جملة لا يجوز وقوعها حالا حال كونها مقترنة بالواو، وحاصل جوابه أن كل جملة خلت عن الضمير صح وقوعها حالا حال تلبسها بالواو إلا المضارع المثبت الخالى عن الضمير، فإنه لا يصح وقوعه حالا حال تلبسه بالواو، وقصد الشارح بهذا الدخول الاعتذار عن المصنف من حيث التكرار الواقع فى كلامه؛ لأن الجملة التى ذكر ثانيا أنه يصح وقوعها حالا بالواو وهى التى ذكر أولا فيها أنه يجب قرنها بالواو، وحاصل ما اعتذر به أن المصنف بين أولا وجوب الواو فى الخالية عن الضمير إذا كانت حالا، وليست كل جملة خالية

ص: 588

أن أى جملة يجوز ذلك فيها، وأى جملة لا يجوز فقال:(وكل جملة خالية عن ضمير ما) أى: الاسم الذى (يجوز أن ينتصب عنه الحال) وذلك بأن يكون فاعلا، أو مفعولا معرفا أو منكرا مخصوصا، لا نكرة محضة ولا مبتدأ، أو خبرا فإنه لا يجوز أن ينتصب عنه حال على الأصح،

===

عن الضمير يصح وقوعها حالا فتجب الواو فيها، بل من الجملة الخالية عن الضمير ما يصح أن تقع حالا فتجب الواو فيها، ومنها ما لا يصح وقوعها حالا، فأشار المصنف لبيان ذلك ثانيا بقوله: وكل جملة إلخ قرره شيخنا العدوى.

(قوله: أراد أن يبين إلخ) أى:

لما فى قوله أولا وجب فيها الواو من الإجمال، وقوله ذلك أى: الربط بالواو مع الخلو من الضمير، (وقوله: أن أى: جملة إلخ) أى: مبتدأ، (وقوله: يجوز إلخ) خبره، والجملة خبر أن واسمها ضمير الشأن، وليست أى منصوبة اسم أن؛ لأنها لازمة للصدارة فلا يعمل فيها ما قبلها

(قوله: وذلك) أى: الجواز المذكور

(قوله: بأن يكون) أى: بسبب كون الاسم فاعلا كقولك: جاء زيد، فزيد اسم يصح أن يجىء منه الحال، فإذا أتيت بجملة خلت عن ضميره كقولك: عمرو يتكلم جاز أن تقع هذه الجملة حالا بالواو عن هذا الاسم وهو زيد أى: جاء زيد حال كون عمرو يتكلم

(قوله: أو مفعولا) أى: ولو بواسطة حرف الجر نحو: مررت بزيد، وأراد الشارح بالمفعول ما يشمل المفعول حقيقة نحو:

رأيت زيدا والمفعول تقديرا نحو: زيد من قولك: هذا زيد، إذ هو فى تقدير: أعنى زيدا بالإشارة أى: أقصده بها، فزيد اسم يصح مجىء الحال منه وإن كان خبرا فى اللفظ، فيقال: هذا زيد راكبا، ومنه قوله تعالى حكاية عن زوجة إبراهيم: هذا بَعْلِي شَيْخاً (1)

(قوله: معرفا أو منكرا) راجع لكل من الفاعل والمفعول

(قوله: مخصوصا) أى: بنعت أو إضافة أو نفى أو نهى أو استفهام

(قوله: لا نكرة) محترز قوله يجوز أن ينتصب عنه حال

(قوله: محضة) أى: خالية من التخصيص بما ذكر

(قوله: على الأصح) راجع للثلاثة وهو قول سيبويه ومن وافقه، ثم إن قوله: لا نكرة محضة: ينبغى أن يقيد بعدم تقدم الحال، إذ يجوز وقوع النكرة المحضة ذا حال إذا تقدم عليها الحال نحو: جاءنى

(1) هود: 72.

ص: 589

وإنما لم يقل: عن ضمير صاحب الحال لأن قوله: [كل جملة] مبتدأ خبره قوله:

(يصح أن تقع) تلك الجملة (حالا عنه) أى: عما يجوز أن ينتصب عنه حال (بالواو) وما لم يثبت له هذا الحكم- أعنى وقوع الحال عنه- لم يصح إطلاق اسم صاحب الحال عليه

===

راكبا رجل على ما هو المشهور- اللهم إلا أن يقال: الجملة الحالية الخالية عن الضمير المقترنة بالواو لا يجوز تقدمها على صاحبها رعاية لأصل الواو الذى هو العطف، لكن نص بعضهم على جوازه عند الجمهور وإن منعه المغاربة نقله الدمامينى اه فنارى.

(قوله: وإنما لم يقل إلخ) أى: مع أنه أخصر، وحاصله أنه لو قال عن ضمير صاحب الحال لزم جعله صاحب حال قبل تحقق الحال وهو مجاز والحقيقة أولى لأصالتها، ووجه المجاز أن الإخبار فى هذا التركيب إنما هو بالصحة التى لا تستلزم الوقوع وما دام وقوعها حالا لم يحصل لا يسمى ما يجوز انتصاب الحال عنه صاحب الحال إلا على سبيل مجاز الأول، ولو قال المصنف بدل هذه الجملة وورود الجملة حالا بالواو وحدها جائز إلا فى كذا لكان كافيا عما ذكره من التطويل والتعقيد

(قوله: مبتدأ خبره إلخ) أى: وما بينهما قيود للمبتدأ لا يقال هذا من الإخبار بمعلوم؛ لأن جواز انتصاب الحال عن الاسم هو جواز وقوع الحال الذى هو الجملة المذكورة عن ذلك الاسم؛ لأنا نقول جواز ورود الحال عن الاسم فى الجملة أعم من جواز وقوع الجملة الخالية عن الضمير حالا عن ذلك الاسم بالواو فهو يفيد فائدة خاصة، ووجه الأهمية أنه صادق بما إذا كانت جملة الحال مشتملة على الضمير، وبما إذا كانت خالية عنه، بخلاف الخبر فإنه خاص بالثانى

(قوله: يصح) عبر به دون يجب لأن جعل الجملة الثانية عطفا على الأول جائز إن لم يقصد التقييد- اه سيرامى.

(قوله: بالواو) أى: إذا كانت ملتبسة بالواو أو الباء بمعنى مع.

(قوله: وما لم يثبت) أى: والاسم الذى لم يثبت له هذا الحكم، وهذا من تتمة العلة أى: وهنا لم يثبت له هذا الحكم، إذ لا يلزم من الصحة الوقوع

(قوله: أعنى إلخ) لما كان المتبادر عود الإشارة إلى صحة وقوعها حالا مع أنه ليس مرادا قال أعنى إلخ

ص: 590

إلا مجازا، وإنما قال:[ينتصب عنه حال] ولم يقل: يجوز أن تقع تلك الجملة حالا عنه- ليدخل فيه الجملة الخالية عن الضمير المصدرة بالمضارع المثبت؛ لأن ذلك الاسم مما لا يجوز أن تقع تلك الجملة حالا عنه لكنه مما يجوز أن ينتصب عنه حال فى الجملة، وحينئذ يكون قوله:[كل جملة خالية عن ضمير ما يجوز أن ينتصب عنه حال] متناولا للمصدرة بالمضارع الخالية عن الضمير المذكور، فيصح استثناؤها بقوله:(إلا المصدرة بالمضارع المثبت؛ نحو: جاء زيد ويتكلم عمرو) فإنه لا يجوز أن يجعل [ويتكلم عمرو] حالا عن [زيد](لما سيأتى) من أن ربط مثلها يجب أن يكون بالضمير فقط، ولا يخفى أن المراد بقوله:[كل جملة] الجملة الصالحة للحالية فى الجملة، بخلاف الإنشائيات

===

(قوله: إلا مجازا) أى: باعتبار ما يؤول

(قوله: ولم يقل يجوز إلخ) أى: بدل قوله يجوز أن ينتصب عنه حال

(قوله: ليدخل فيه) أى: فى قوله المذكور وهو كل جملة خالية عن ضمير ما يجوز أن ينتصب عنه حال

(قوله: الجملة الخالية إلخ) أى: ودخولها مطلوب لأجل إخراجها بعد ذلك بالاستثناء ووجه دخول الجملة المذكورة فى كلامه أنه يصدق عليها أنها خالية عن ضمير الاسم الذى يجوز أن ينتصب عنه حال، بخلاف ما لو قال:

يجوز أن تقع تلك الجملة حالا عنه فإنها لا تدخل فيه، إذ لا يصدق عليها أنها خالية عن ضمير الاسم الذى يجوز أن تقع حالا عنه لعدم جواز وقوعها حالا، مع أن دخولها مطلوب لأجل أن تخرج بعد ذلك بالاستثناء

(قوله: فيصح استثناؤها) أى: استثناء متصلا الذى هو الأصل فلا ينافى صحة الاستثناء، على أنه منقطع لو عبر بقوله: يجوز أن تقع تلك الجملة حالا عنه- كذا قرر شيخنا العدوى

(قوله: فإنه لا يجوز إلخ) أى:

ويجوز أن تجعل تلك الجملة عطفا على جملة جاء زيد عند وجود الجامع

(قوله: لما سيأتى) أى: فى قوله: لأن الأصل إلخ.

(قوله: من أن ربط مثلها) وهى المضارعية المثبتة وعبر بالمثل؛ لأن ما يأتى نظير لما هنا لا فرد منه؛ لأن ما هنا فى المضارع الغير المتحمل للضمير وما سيأتى فى المتحمل للضمير، والتعليل الآتى يقتضى امتناع ربط المضارع المثبت مطلقا بالواو

(قوله: بالضمير فقط) أى:

وليس فى يتكلم عمرو ضمير فلو قيل معه صح جعلها حالا

(قوله: الصالحة للحالية)

ص: 591

فإنها لا تقع حالا ألبتة، لا مع الواو، ولا بدونها.

(وإلا) عطف على قوله: [إن خلت]؛

===

أى: وهى الخبرية، (وقوله: فى الجملة) الأولى أن يقول: ولو فى الجملة أى: فى بعض الأحوال، وإنما زاد ذلك لتدخل الجملة المصدرة بالمضارع المثبت، فإنه يصح وقوعها حالا فى بعض الأحوال وهو ما إذا احتوت على ضمير ذى الحال إن قلت الجملة فى قوله: وكل جملة مقيدة بالخلو عن الضمير، فكيف تدخل المصدرة بالمضارع المثبت مع أن صلاحيتها عند اشتمالها على الضمير قلت: المراد أنها إذا جعلت غير خالية عنه، بل مشتملة عليه صلحت لذلك- تأمل.

(قوله: فإنها لا تقع حالا ألبتة) أى: إلا بتقدير قول يتعلق بها، فإذا قلت: جاء زيد هل ترى فارسا يشبهه- لم يصح أن تكون جملة هل ترى إلخ: حالا إلا بتقدير مقولا فيه هل ترى إلخ؛ لأن الحال كالنعت وهو لا يكون إنشاء، إن قلت: هو كالخبر أيضا والخبر يكون إنشاء على الأصح، قلت: غلب شبهه بالنعت؛ لأنه قيد والقيود ثابتة باقية مع ما قيد بها، والإنشاء ليس كذلك، بل يوجد باللفظ ويزول بزواله وتوضيحه كما قال البعض، وإنما امتنع وقوع الإنشائية حالا؛ لأن الغرض من الحال تخصيص وقوع مضمون عاملها بوقت حصول مضمونها، فيجب أن يكون مضمونها حاصلا، وهذا إنما يظهر فى الخبرية دون الإنشائية؛ لأن الإنشائية إما طلبية كاضرب أو إيقاعية نحو: بعت واشتريت بالاستقراء، والمقصود من الأول مجرد الطلب سواء وقع مضمونها أو لا، ومن الثانية الإيقاع، وأيا ما كان فلا يصح أن يقيد مضمون العامل الحاصل بالفعل بطلب شىء لم يقع أو بإيقاع شىء لم يقع، إذ لا معنى لتقييد ما وقع بما لم يقع، إذ لا بد فى القيد أن يكون واقعا كالمقيد، واعلم أن الجملة الشرطية كالإنشائية فى أنها لا تقع حالا؛ وذلك لأنها لتصدرها بالحرف المقتضى للصدارة لا تكاد ترتبط بشىء قبلها إلا إذا كان ما قبلها له مزيد اقتضاء للارتباط بما بعده: كالمبتدأ أو المنعوت، بخلاف صاحب الحال فإنه ليس له مزيد اقتضاء لها؛ لأنها فضلة تنقطع عنه فقولك أكرم العالم وإن أساء: ليس إن أساء فيه حالا، بل كلام مستأنف وجواب الشرط محذوف، وزعم بعضهم أنه حال

ص: 592

أى: وإن لم تخل الجملة الحالية عن ضمير صاحبها (فإن كانت فعلية والفعل مضارع مثبت- امتنع دخولها) أى: الواو (نحو: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (1)) أى: ولا تعط حال كونك تعد ما تعطيه كثيرا (لأن الأصل) فى الحال هى الحال (المفردة) لعراقة المفرد فى الإعراب وتطفل الجملة عليه بوقوعها موقعه.

===

وإن وصلية أى: أكرمه فى حال إساءته، فأحرى فى غيرها، فالغرض من الكلام التعميم لا الشرط كقولك: اضرب زيدا إن ذهب وإن أتى أى: اضربه فى كلتا الحالتين لامتناع أن يشترط فى شىء من الأحكام شىء وضده.

(قوله: أى وإن لم تخل إلخ) أى: بأن اشتملت على ذلك فهى حينئذ إما أن تكون اسمية أو فعلية، والفعلية إما أن يكون فعلها مضارعا أو ماضيا، والمضارع إما أن يكون مثبتا أو منفيا، فبعض هذه يجب فيها الواو كالاسمية فى بعض الأحوال، وبعضها يجب [فيها](2) الضمير كالمضارعية المثبتة، وبعضها يستوى فيه الأمران وهى المضارعية المنفية والماضوية لفظا وبعضها يترجح فيه أحدهما كالاسمية فى بعض الأحوال، وقد أشار المصنف لتفصيل ذلك وبيان أسبابه بقوله فإن كانت فعلية إلخ

(قوله: والفعل مضارع) أى: لفظا ومعنى

(قوله: امتنع دخولها) أى: ووجب الاكتفاء بالضمير، وقد يقال إن كانت هذه الصورة لا تمس الحاجة فيها إلى زيادة الربط أبدا فيحتاج ذلك إلى بيان وتوجيه، وإن كان يحتاج فيها لذلك فينبغى جواز الواو فيها حينئذ ومشابهتها للمفرد معارض بالاحتياج للزيادة

(قوله: تَسْتَكْثِرُ) أى: بالرفع على القراءة المتواترة، وأما على قراءة الحسن البصرى بجزم تستكثر فلا يصح التمثيل؛ لأنه بدل اشتمال من تمنن لا حال، ولا يصح أن يجزم لكونه جوابا للنهى؛ لأن شرط الجزم فى جوابه صحة تقدير إن الشرطية قبل لا على الراجح، وهذا الشرط مفقود هنا

(قوله: تعد إلخ) أى: فالسين والباء للعد وجعلهما بعضهم للطلب، فالمعنى حينئذ لا تعط قليلا تطلب كثيرا فى نظيره- كذا قرر شيخنا العدوى.

(قوله: لأن الأصل إلخ) علة لامتناع الواو والاكتفاء بالضمير فى الجملة المذكورة

(قوله: لعراقة المفرد) أى: أصالته فى الإعراب وهذا علة لمحذوف كما يؤخذ

(1) المدثر: 6.

(2)

زيادة اقتضاها السياق.

ص: 593

(وهى) أى: المفردة (تدل على حصول صفة) أى: معنى قائم بالغير؛ لأنها لبيان الهيئة التى عليها الفاعل أو المفعول، والهيئة معنى قائم بالغير (غير ثابتة) لأن الكلام فى الحال المنتقلة (مقارن) ذلك الحصول (لما جعلت) الحال (قيدا له) يعنى:

العامل؛ لأن الغرض من الحال تخصيص وقوع مضمون عاملها بوقت حصول مضمون الحال؛ وهذا معنى المقارنة (وهو) أى: المضارع المثبت (كذلك) أى: دال على حصول صفة غير ثابتة مقارن لما جعلت قيدا له، كالمفردة؛ فتمتنع الواو فيه كما فى المفردة.

(أما الحصول) أى: أما دلالة المضارع المثبت على حصول صفة غير ثابتة (فلكونه فعلا)

===

من كلام ابن يعقوب حيث قال: وأصالة المفردة إما بمعنى كثرة ورودها دون الجملة، وإما بمعنى أن الحال فضلة، وكونها فضلة يقتضى إعرابها بالنصب والإعراب يقتضى الإفراد لعراقة إلخ

(قوله: وهى تدل) أى: بحسب أصل وضعها.

(قوله: أى معنى قائم بالغير) أشار بهذا إلى أن المراد الصفة اللغوية لا النحوية، (وقوله: تدل على حصول صفة) أى: صراحة أو بطريق اللزوم كما فى قولك: جاء زيد غير ماش، فإن عدم المشى يستلزم الركوب، أو يقال: إن الكثير فيها ذلك أى: الدلالة على حصول صفة، فاندفع ما يقال: إن قولك: جاء زيد غير ماش لا يدل على حصول صفة، بل إنما دل على عدم الصفة

(قوله: التى عليها الفاعل) أى: حال التلبس بالفعل (وقوله: أو المفعول) أى: ولو بواسطة حرف الجر فدخل المجرور

(قوله: والهيئة معنى قائم بالغير) وذلك لأن ما يقوم بالغير باعتبار حصوله فيه يقال له: هيئة وباعتبار قيامه به يقال له صفة

(قوله: غير ثابتة) بأن تنفك عن صاحبها

(قوله: ذلك الحصول) أشار به إلى أن مقارن صفة للحصول

(قوله: لما) أى: لعامل أى:

لمدلول عامل وهو العامل فى صاحبها؛ لأنه العامل فيها

(قوله: وهذا) أى: التخصيص المذكور معنى المقارنة أى: معناها اللازمى، إذ معناها المطابقى تشارك وقوعى المضمونين فى زمان واحد

(قوله: فتمتنع الواو فيه كما فى المفردة) اعترض بأن هذا قياس فى اللغة، وقد منعه كثير من المحققين، وأجيب بأنا لا نسلم أن هذا قياس فى اللغة، إذ التعليلات

ص: 594

فيدل على التجدد وعدم الثبوت (مثبتا) فيدل على الحصول.

(وأما المقارنة فلكونه مضارعا) فيصلح للحال كما يصلح للاستقبال؛

===

النحوية المذكورة فى أمثال هذه المباحث مناسبات لما وقع عليه الاستعمال، وإلا فأصل الدليل الاستعمال

(قوله: فيدل على التجدد) أى: لصفته التى هى معنى الفعل، والمراد بتجددها حدوثها فى الزمان ووجودها بعد عدم

(قوله: وعدم الثبوت) أى: عدم الدوام، واعترض بأن المعتبر فى الفعل وضعا إنما هو التجدد بمعنى الطروّ بعد العدم وهذا صادق مع الثبوت بعد الطروّ، وأما عدم الثبوت الذى هو الانتفاء بعد الوجود، فالفعل لا يدل عليه، وأجيب بأن دلالة الفعل عليه من جهة أن الشأن فى كل طارئ عدم بقائه، فدلالة الفعل على ذلك المعنى بطريق اللزوم العادى، وأما دلالته على المقارنة فلكونه مضارعا، فوجب أن يكون بالضمير وحده كالحال المفردة، ولهذا امتنع نحو:

جاء زيد ويتكلم عمرو كما مر.

(قوله: فيدل على الحصول) أى: حصول معناه لما أثبت له

(قوله: وأما المقارنة) أى: وأما دلالة المضارع على مقارنة الحصول لما جعلت الحال قيدا له

(قوله: فيصلح للحال) هذا روح العلة أى: وحينئذ فيكون مضمونه مقارنا للعامل إذا وقع حالا؛ لأن الحال يجب مقارنتها للعامل، وأنت خبير بأن قوله: فيصلح للحال كما يصلح للاستقبال لا يفيد المقارنة على التعيين بل يحتملها كما يحتمل التأخر، فلو قال الشارح بعد قول المصنف مضارعا وهو حقيقة فى الحال كان أولى، واعلم أن صلاحية المضارع للحال والاستقبال قيل بطريق الاشتراك فيهما، وقيل: إنه حقيقة فى الحال مجاز فى الاستقبال، وقيل: إنه حقيقة فى الاستقبال مجاز فى الحال، وتمسك أصحاب القول الأول بأن المضارع يطلق عليهما كما تطلق الأسماء المشتركة على معانيها، وتمسك أصحاب القول الثانى بأن المتبادر منه الحال وفهم الاستقبال يحتاج إلى قرينة، والتبادر للذهن من أمارات الحقيقة وبأن المناسب أن يكون للحال صيغة كما للماضى نحو: ضرب وللمستقبل نحو:

اضرب وتمسك أصحاب القول الثالث بأن وجود الحال خفى حتى ذهب كثير من الحكماء إلى أنه غير موجود، والفضل للمتقدم كما لا يخفى.

ص: 595

وفيه نظر؛ لأن الحال التى يدل عليها المضارع هو زمان التكلم، وحقيقته: أجزاء متعاقبة من أواخر الماضى وأوائل المستقبل، والحال التى نحن بصددها يجب أن يكون مقارنا لزمان مضمون الفعل المقيد بالحال؛ ماضيا كان أو حالا أو استقبالا، فلا دخل للمضارعة فى المقارنة، فالأولى أن يعلل امتناع الواو فى المضارع المثبت بأنه على وزن اسم الفاعل لفظا، وبتقديره معنى.

===

(قوله: وفيه نظر) أى: فى هذا التعليل أعنى قوله: وأما المقارنة فلكونه مضارعا نظر؛ لأنه لا ينتج المدعى، وحاصل ذلك النظر أن الحال الذى يدل عليه المضارع زمان التكلم وحقيقته عرفا أجزاء متعاقبة من أواخر الماضى وأوائل المستقبل، والحال النحوية التى نحن بصددها ينبغى أن يكون مضمونها مقارنا لزمان مضمون عاملها ماضيا كان أو حالا أو مستقبلا، فالمضارع إنما يدل على مقارنة مضمونه لزمن التكلم، وليس هذا مرادا هنا؛ لأن المراد مقارنة مضمون الحال لزمن مضمون عاملها فهذه المقارنة المرادة هنا لا ينتجها المضارع

(قوله: وحقيقته) أى: حقيقة الحال الزمانية وهى زمان التكلم التى يدل عليها المضارع

(قوله: أجزاء متعاقبة من أواخر الماضى وأوائل المستقبل) أى:

مع الآن الحاضر فهى غير بسيطة، وهذا هو الحال الزمانية العرفية، وأما الحال الزمانية الحقيقية فهى بسيطة؛ لأنها الجزء الآتى الفاصل بين الماضى والمستقبل

(قوله: المقيد بالحال) إظهار فى محل الإضمار أى: المقيد بها وإنما أظهر فى محل الإضمار للإيهام

(قوله: ماضيا كان أو حالا أو استقبالا) هذا تعميم فى زمان وقوع مضمون الفعل العامل فى الحال، وإذا كان زمان العامل فى الحال تارة يكون ماضيا، وتارة يكون حاليا، وتارة يكون استقباليا كان أعم من زمان التكلم الذى يدل عليه الفعل المضارع الواقع حالا، وحينئذ فلا يكون للمضارعة دخول فى إفادة المقارنة المرادة هنا وهى مقارنة مضمون الحال لمضمون العامل فى زمانه أى: زمان كان وإن كانت تدل على المقارنة فى بعض الأحوال، وذلك إذا كان زمان العامل حاليا- كذا قرر شيخنا العدوى.

(قوله: فالأولى أن يعلل إلخ) أى: لسلامة هذا التعليل من الخدش المذكور، مع كونه أخصر من التعليل الذى ذكره المصنف

(قوله: بأنه على وزن الفاعل) أى:

لتوافقهما فى الحركات والسكنات

(قوله: وبتقدير معنى) أى: لأن المضارع إذا وقع

ص: 596

(وأما ما جاء من) نحو قول بعض العرب: (قمت وأصك وجهه، وقوله:

فلما خشيت أظافيرهم) أى: أسلحتهم (نجوت وأرهنهم مالكا- فقيل: )

إنما جاء الواو فى المضارع المثبت الواقع حالا (على) اعتبار (حذف المبتدأ)

===

حالا يؤول باسم الفاعل لاشتراكهما فى الحال والاستقبال، فقولك: جاء زيد يتكلم فى معنى جاء متكلما أى: ولما كان اسم الفاعل إذا وقع حالا تمتنع فيه الواو كان المضارع مثله، ولا يقال: إن ما ذكره الشارح من التعليل موجود فى المضارع المنفى، مع أنه يجوز ارتباطه بالواو؛ لأنا نقول هذه حكمة تلتمس بعد الوقوع والنزول فلا يلزم اطرادها.

(قوله: وأما ما جاء إلخ) جواب عما يقال: إنه قد جاء المضارع المثبت بالواو فى النثر والنظم

(قوله: وأصك وجهه) الصك الضرب قال تعالى: فَصَكَّتْ وَجْهَها (1) أى: ضربته

(قوله: وقوله) أى: قول عبد الله بن همام السلولى

(قوله: فلما خشيت إلخ)(2) لما ظرف بمعنى حين على ما ذهب إليه ابن السراج، وذهب سيبويه إلى أنها حرف بمعنى إن، والخشية بمعنى: الخوف، (وقوله: أظافيرهم) الأظافير جمع أظفار وهى جمع ظفر، والمراد به هنا الشوكة والقوة والضمير للأعداء، وفى الكلام حذف مضاف أى: وحين خفت نشب أظافير الأعداء بى وهو كناية عن الظفر به من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم أى: حين خفت أن يظفروا بى نجوت، وهذا كله بناء على أن المراد بالأظفار حقيقتها، وأما على أن المراد بها الأسلحة كما ذهب إليه الشارح، فلا يحتاج لهذا التكلف، ومالك: اسم رجل أو فرس. قال ثعلب: الرواة كلهم على أن أرهنهم بفتح النون ماضيا على أن أرهنته بمعنى رهنته إلا الأصمعى فإنه رواه: وأرهنهم بضم النون على أنه مضارع، وعلى هذه الرواية مشى المصنف وبها يصح الاستشهاد، وحاصل معنى البيت لما خشيت منهم هربت وخلصت وجعلت مالكا مرهونا عندهم ومقيما لديهم

(قوله: لتكون الجملة اسمية) وهى يصح ارتباطها بالواو.

(1) الذاريات: 30.

(2)

البيت لعبد الله بن همام السلولى فى إصلاح المنطق 249، 231، خزانة الأدب 9/ 36، الشعر والشعراء 2/ 655، معاهد التنصيص 1/ 285 ولهمام بن مرة فى تاج العروس (رهن) وبلا نسبة فى الجنى الدانى ص 164 ورصف المبانى 420.

ص: 597

لتكون الجملة اسمية (أى: وأنا أصك، وأنا أرهنهم) كما فى قوله تعالى: لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ (1) أى: وأنتم قد تعملون (وقيل:

الأول) أى: قمت وأصك وجهه: (شاذ، والثانى: ) أى: نجوت وأرهنهم (ضرورة، وقال عبد القاهر: هى) أى: الواو (فيهما للعطف) لا للحال؛ إذ ليس المعنى: قمت صاكا وجهه، ونجوت راهنا مالكا، بل المضارع بمعنى الماضى (والأصل): قمت (وصككت) ونجوت (ورهنت؛ عدل) عن لفظ الماضى (إلى) لفظ (المضارع حكاية للحال) الماضية؛

===

(قوله: كما فى قوله تعالى إلخ) أى: وهذا كما قيل فى قوله تعالى إلخ، وفى التسهيل: إن المضارع المثبت إذا كان معه قد تجب فيه الواو ولا يرتبط بالضمير، وحينئذ فلا يحتاج لجعله اسمية بتقدير المبتدأ، فالكلام فى غير المقرون بقد، فالتنظير بالآية لا يتم

(قوله: وقيل) أى: فى الجواب عن ذلك

(قوله: شاذ) أى: واقع على خلاف القياس النحوى فلا ينافى الفصاحة ولا وقوعه فى كلام الله تعالى فى قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (2) أى: كفروا حالة كونهم صادين عن سبيل الله قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ (3) أى: قالوا ذلك، والحال أنهم كافرون بما وراءه كما مر فى الفصاحة.

(قوله: ضرورة) أى: دعت إليه الضرورة وهو أيضا شاذ

(قوله: وقال عبد القاهر) هو جواب ثالث

(قوله: إذ ليس المعنى إلخ) أى: لأنه يلزم عليه إما الشذوذ والضرورة أو حذف المبتدأ وفيه أنه إن كان هناك قرينة على أن المعنى ليس على الحالية فكلامه مسلم وإلا فلا يتم، إذ المتبادر من الكلام الحالية، فلعل الشيخ اطلع على دليل آخر حتى جزم بالنفى- كذا قرر شيخنا العدوى.

(قوله: عدل إلخ) هذا اعتذار عن عطف المضارع على الماضى

(قوله: حكاية للحال إلخ) أى: فهى مانعة من رعاية التناسب بين المعطوفين لما علمت من أن رعاية المعنى أوجب من رعاية اللفظ.

(1) الصف: 5.

(2)

الحج: 25.

(3)

البقرة: 91.

ص: 598

ومعناها: أن يفرض ما كان فى الزمان الماضى واقعا فى هذا الزمان فيعبر عنه بلفظ المضارع.

(وإن كان) الفعل مضارعا (منفيا

===

(قوله: ومعناها) أى: معنى حكاية الحال أن يفرض إلخ، وإنما يرتكب هذا الفرض فى الأمر الماضى المستغرب كأنه يحضره للمخاطب ويصوره ليتعجب منه كما تقول:

رأيت الأسد فآخذ السيف فأقتله، ثم إن قوله فيعبر عنه بلفظ المضارع هذا بالنظر إلى المثال الذى كلامه فيه، لا أن مطلق حكاية الحال الماضية هكذا، إذ قد يكون التعبير عن الماضى بلفظ اسم الفاعل من قبيل حكاية الحال كما صرحوا به فى قوله تعالى: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ (1) ولذا عمل باسط فى المفعول مع أنه يشترط فى إعمال اسم الفاعل كونه بمعنى الحال أو الاستقبال، وبالجملة ليس معنى حكاية الحال الماضية أن اللفظ الذى فى ذلك الزمان يحكى الآن على ما تلفظ به كما فى قولهم دعنا من تمرتان، بل المقصود حكاية المعنى بأن يفرض الفعل الواقع فى الزمان الماضى واقعا الآن، ثم يعبر عنه بالمضارع أو باسم الفاعل، هذا وذكر الأندلسى أن معنى حكاية الحال الماضية أن تقدر نفسك كأنك موجود فى الزمان الماضى أو يقدر ذلك الزمان كأنه موجود الآن، لكن ما ذكره الشارح مأخوذ من كلام صاحب الكشاف حيث قال: معنى حكاية الحال الماضية أن تقدر أن ذلك الأمر الماضى واقع فى حال التكلم كما فى قوله تعالى: قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ (2) واستحسنه الرضى.

(قوله: فيعبر عنه بلفظ المضارع) أى: الدال على الحضور؛ لأنه يدل فى الأصل على أن المعنى موجود حال التكلم- اه ابن يعقوب، وهذا موافق للقول بأن المضارع حقيقة فى الحال مجاز فى الاستقبال.

(قوله: وإن كان منفيا) عطف على معنى قوله: والفعل مضارع مثبت؛ لأنه فى معنى قولنا: فإن كان الفعل مضارعا مثبتا، (وقوله: منفيا) أى: بغير لن؛ لأن الجملة المنفية بها لا تقع حالا؛ لأن لن تخلص الفعل للاستقبال، والجملة الحالية لا تصدر بعلم الاستقبال للتنافى بحسب الظاهر.

(1) الكهف: 18.

(2)

البقرة: 91.

ص: 599

فالأمران) جائزان؛ الواو وتركه؛ (كقراءة ابن ذكوان: فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ (1) بالتخفيف) أى: بتخفيف نون وَلا تَتَّبِعانِّ فيكون (لا) للنفى دون النهى لثبوت النون التى هى علامة الرفع، فلا يصح عطفه على الأمر قبله فتكون الواو للحال، بخلاف قراءة

===

(قوله: فالأمران جائزان) أى: على السواء، وبعضهم رجح الترك.

(قوله: بالتخفيف) أى: والمعنى فاستقيما غير متبعين

(قوله: فلا يصح إلخ) أى:

لامتناع عطف الخبر على الإنشاء عند علماء المعانى لما بين الجملتين من كمال الانقطاع وهو مانع من العطف عندهم

(قوله: فتكون الواو للحال) إن قلت: إن قراءة التخفيف كما تحتمل أن يكون الفعل معربا مرفوعا بثبوت النون فى موضع الحال كما قال الشارح: يحتمل أن يكون معربا مرفوعا بثبوت النون على أنه خبر فى معنى النهى كقوله تعالى: لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ (2) ويحتمل أن" لا تتبعان" نهى مؤكد بالنون الثقيلة وحذفت النون الأولى من الثقيلة تخفيفا ولم تحذف الثانية؛ لأنها لو حذفت لحذفت متحركة فيحتاج إلى تحريك الساكنة وحذف الساكنة أقل تغييرا، ويحتمل أنه نهى مؤكد بنون التوكيد الخفيفة وكسرت لالتقاء الساكنين على ما ذهب إليه يونس، فعلى هذه الاحتمالات الثلاثة يكون إنشاء، ويصح العطف على قوله: فاستقيما، وحينئذ فلا يصح الاستشهاد بالآية لتطرق الاحتمال لها، وأجيب بأن تطرق الاحتمالات المذكورة لا يضر فى الاستشهاد؛ لأنه مبنى على الظاهر، والاحتمالات المذكورة خلاف الظاهر- كذا ذكر العلامة عبد الحكيم- بقى شىء آخر وهو أن ولا تتبعان على تقدير كونه حالا تكون مؤكدة؛ لأن الاستقامة تتضمن عدم اتباع سبيل الذين لا يعلمون، وكلامنا فى الحال المنتقلة لا فى المؤكدة- كذا فى ابن يعقوب، وانظره مع قول الشارح سابقا، واحترز بالمنتقلة عن المؤكدة المقررة لمضمون الجملة، فإنه يجب أن تكون بغير واو ألبتة لشدة ارتباطها بما قبلها- فتأمل.

(1) يونس: 89.

(2)

البقرة: 83.

ص: 600

العامة: وَلا تَتَّبِعانِّ بالتشديد، فإنه نهى مؤكد معطوف على الأمر قبله.

(ونحو: وَما لَنا (1)) أى: أى شىء ثبت لنا (لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ) أى:

حال كوننا غير مؤمنين، فالفعل المنفى حال بدون الواو، وإنما جاز فيه الأمران (لدلالته على المقارنة لكونه مضارعا، دون الحصول لكونه منفيا)

===

(قوله: العامة) أى: عامة القراء أى: أكثرهم

(قوله: فإنه نهى مؤكد) أى: بنون التوكيد الثقيلة والفعل مجزوم بحذف نون الرفع، ولا يجوز أن تكون على هذه القراءة نفيا ونون الرفع محذوفة لتوالى الأمثال؛ لأن الفعل المنفى بلا تأكيده شاذ

(قوله: معطوف على الأمر قبله) أى: وكل منهما إنشاء.

(قوله: وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ) أى: أى شىء ثبت لنا فكان مانعا لنا من الإيمان فى حال كوننا غير مؤمنين بالله أى: لا مانع لنا من الإيمان فى هذه الحالة، بل هذه الحالة إن وقعت فبلا سبب ووقوعها بلا سبب باطل، وحينئذ فهذه الحالة غير حاصلة، فالاستفهام إنكار لحصول شىء فى هذه الحالة وهو مستلزم لإنكارها على سبيل المبالغة، إذ حصول شىء ما لازم فى هذه الحالة، وإذا كان منكرا كانت تلك الحالة منكرة فتأمل

(قوله: فالفعل المنفى حال) والعامل فى الحال هو العامل فى لنا المقدر وصاحب الحال هو الضمير المجرور وهو معمول محلا للعامل فى الحال فهو على القاعدة من أن العامل فى الحال هو العامل فى صاحبها

(قوله: لدلالته على المقارنة) أى: والمقارنة يناسبها ترك الواو، (وقوله: دون الحصول) أى: دون حصول صفة أى: وعدم حصول الصفة يناسبه دخول الواو؛ فلذا جاز الأمران، والحاصل أن المضارع المنفى أشبه المفرد فى شىء دون شىء، فلذا جاز فيه الأمران ولو أشبهه فى الشيئين لامتنع دخول الواو عليه كما امتنع دخولها على الحال المفردة

(قوله: لكونه مضارعا) فيه أن المضارع إنما يدل على مقارنة مضمونة للحال التى يدل عليها وهى زمان التكلم، ولا يخفى أن هذه المقارنة ليست هى المرادة فى هذا المقام، بل المرادة مقارنة مضمون الحال لمضمون العامل فى زمانه كان حالا أو استقبالا أو ماضيا بقى شىء آخر وهو أنه جعل هنا السبب فى

(1) المائدة: 84.

ص: 601

والمنفى إنما يدل مطابقة على عدم الحصول.

(وكذا) يجوز الواو وتركه (إن كان) الفعل (ماضيا لفظا، أو معنى؛ كقوله تعالى: ) إخبارا عن زكريا (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ (1)) بالواو، (وقوله (أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ (2)) بدون الواو، وهذا

===

المقارنة كونه مضارعا، وفيما يأتى فى الماضى المنفى جعل السبب فيها استمرار النفى مع أن الفعل فى الموضعين منفى على أن المقارن فى الحقيقة لزمن التكلم إنما هو النفى لا مضمون الفعل فى الموضعين- فتأمل سم، قال يس: ويمكن أن يجاب عنه: بأن لم ولما لما كانا كالجزء من الفعل، وقلبا معناه: كان المجموع كأنه صيغة ماض- اه.

(قوله: والمنفى إنما يدل مطابقة على عدم الحصول) أى: وإن دل التزاما على حصول ما يقابل الصفة المنفية؛ لأنه متى نفى شىء ثبت نقيضه؛ لأن النقيضين لا يرتفعان، لكن الأصل المعتبر دلالة المطابقة.

(قوله: وكذا إن كان ماضيا إلخ) كذا دليل الجواب أى: وإن كان الفعل ماضيا لفظا ومعنى، أو معنى فكذا، وهذه الجملة عطف على جملة، وإن كان الفعل مضارعا منفيا فالأمران

(قوله: ماضيا لفظا أو معنى) يشمل المثبت نحو: ضرب والمنفى نحو: ما ضرب، ويشمل نحو: ليس. اه يس.

(قوله: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ) أى: يوجد، والسؤال ليس على وجه الشك فى المقدر، بل سؤال فرح وتعجب- كما قال ابن يعقوب لا استبعادى كما قال غيره

(قوله: وقد بلغنى الكبر) جملة حالية ماضوية مرتبطة بالواو، فإن قلت الكلام فى الحال المنتقلة والكبر بعد بلوغه غير منتقل، فكيف أورده هنا قلت الحال بلوغ الكبر والبلوغ المذكور تارة يحصل، وتارة لا يحصل وإن كان بعد حصوله لازما غير منتقل فصح التمثيل على أن الكبر يمكن عقلا زواله بعود الشخص شابا، بل قد وقع ذلك لبعض الأفراد كزليخا

(قوله: حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) أى: حال كونهم ضاقت صدورهم عن قتالكم مع قومهم أى: جاءوكم فى هذه الحالة

(قوله: وهذا) أى: ما ذكر من المثالين

(1) آل عمران: 40.

(2)

النساء: 90.

ص: 602

فى الماضى لفظا، وأما الماضى معنى فالمراد به المضارع المنفى ب لم، ولما؛ فإنهما يقلبان معنى المضارع إلى المضى. فأورد للمنفى ب لم مثالين؛ أحدهما مع الواو، والآخر بدونه، واقتصر فى المنفى ب لما على ما هو بالواو، فكأنه لم يطلع على مثال ترك الواو إلا أنه مقتضى القياس فقال:(وقوله: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ (1)، وقوله: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ

===

(قوله: فى الماضى لفظا) أى: فى الحال الماضية لفظا أى: ومعنى

(قوله: معنى) أى: فقط

(قوله: فإنهما) أى: لم ولما والفاء للتعليل أى: وإنما كان المضارع المذكور ماضيا فى المعنى؛ لأنهما يقلبان معناه التضمنى وهو الزمان إلى المضى، فقول الشارح معنى المضارع إظهار فى محل الإضمار، فإن قلت لم لم يستبشعوا تصدير الجملة الحالية بعلم المضى مثل لم ولما كما استبشعوا تصديرها بعلم الاستقبال؟ قلت: تصديرها بعلم الاستقبال مؤد للتنافى فى بعض المواد وهو ما إذا كان عامل الحال مقترنا بزمن التكلم فإنه لو صدر الحال بعلامة الاستقبال لزم التناقض؛ لأن مقارنته بالعامل تقضى كونه فى زمان الحال وتصديره بعلامة الاستقبال يقتضى أن يكون فى زمان الاستقبال، فلما كان التناقض لازما فى بعض المواد استبشعوا تصديرها بعلم الاستقبال مطلقا طردا للباب، ولم يستبشعوا تصديرها بعلامة الماضى لما يأتى من أن لما لاستغراق الأزمنة وغيرها لانتفاء متقدم، لكن الأصل استمرار ذلك الانتفاء، فتحصل المقارنة للحال، فلا منافاة بهذا الاعتبار.

(قوله: فكأنه لم يطلع على مثال) أى: مما يستشهد به فلا يقال المثال لا يشترط صحته وقد مثل له فى التسهيل بقول الشاعر:

فقالت له العينان سمعا وطاعة

وحدّرتا كالدّرّ لما يثقب

أى: وحدرتا دمعا شبيها بالدر فى حال كونه غير مثقب

(قوله: إلا أنه) أى:

ترك الواو

(قوله: فقال) عطف على فأورد

(قوله: وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) إن قلت عدم مساس البشر إياها لم ينتقل، فكيف عد من الأحوال المنتقلة- قلت: الحال المنتقلة هى

(1) مريم: 20.

ص: 603

لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ (1)، وقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ (2).

أما المثبت) أى: أما جواز الأمرين فى الماضى المثبت (فلدلالته على الحصول) يعنى: حصول صفة غير ثابتة (لكونه فعلا مثبتا،

===

التى لا تكون فى الصفات اللازمة وعدم المس كذلك، وإن لم ينفك عنها- قاله عبد الحكيم.

فإن قلت عدم مس البشر ماض، والعامل وهو يكون مستقبل فلا مقارنة بين الحال وعاملها- قلت: أجابوا عن ذلك بأن التقدير كيف يكون لى غلام، والحال أنى أعلم حينئذ أنى لم يمسسنى بشر فيما مضى، ومن هذا تعلم أن العامل فى الحال إذا قيد بحال يعلم مضيها وسبقها لذلك العامل وجب تأويلها بما يفيد المقارنة

(قوله: لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) حال من الواو فى قوله فانقلبوا

(قوله: وَلَمَّا يَأْتِكُمْ إلخ) حال من الفاعل فى تدخلوا أى: أم ظننتم دخول الجنة والحال إنكم ما أتاكم مثل الذين خلوا من قبلكم

(قوله: أى أما جواز الأمرين فى الماضى المثبت) أراد به الماضى لفظا ومعنى قال سم: ولا يبعد أن يدخل فيه الماضى المستعمل فى موضع المضارع لنكتة كالمبالغة فى نحو:

أَتى أَمْرُ اللَّهِ (3) وانظر لو استعمل المضارع فى الماضى مجازا هل يدخل فى ذلك- تأمل.

(قوله: فلدلالته على الحصول) أى: فيناسبه ترك الواو لمشابهته للمفرد من تلك الجهة.

(قوله: يعنى حصول إلخ) أشار الشارح بهذا إلى أن أل فى الحصول للعهد الذكرى، وقد تضمن- هذا الكلام أعنى: قوله لدلالته على حصول صفة غير ثابتة- شيئين أعنى: كون الحاصل صفة وكون تلك الصفة غير ثابتة أى: غير دائمة، (وقوله: لكونه فعلا مثبتا) علة لإفادته هذين الشيئين على سبيل اللف والنشر الغير المرتب؛ وذلك لأنه

(1) آل عمران: 174.

(2)

البقرة: 214.

(3)

النحل: 1.

ص: 604

دون المقارنة لكونه ماضيا) فلا يقارن الحال (ولهذا) أى: ولعدم دلالته على المقارنة (شرط أن يكون مع قد ظاهرة) كما فى قوله تعالى: وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ (أو مقدرة) كما فى قوله تعالى: حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ

===

من حيث كونه ثابتا يفيد الحصول لصفة ومن حيث كونه فعلا، والفعل يقتضى التجدد المستلزم للعدم يفيد عدم الثبوت وفيه ما تقدم

(قوله: دون المقارنة) أى: فيناسبه الواو لعدم مشابهته للمفرد من تلك الجهة، والحاصل أن الماضى المثبت أشبه المفرد فى شىء دون شىء، فلذا جاز فيه الأمران الواو وعدمها فلو أشبهه فيهما لامتنع دخول الواو عليه كما امتنع فى المفرد

(قوله: فلا يقارن الحال) أى: فلا يقارن الماضى يعنى مضمونه، وقوله الحال أعنى زمان التكلم هذا مراده، وفيه أنه يدل على مقارنة مضمونه لزمن مضمون العامل، وهذه المقارنة هى المرادة هنا، وحينئذ فمقتضاه امتناع الواو، وأما المقارنة التى لا يدل عليها فليست مرادة هنا

(قوله: أى ولعدم دلالته على المقارنة) أى: ولعدم دلالة الماضى على مقارنة مضمونه للزمن الحالى أعنى زمان التكلم

(قوله: شرط أن يكون إلخ) أى: شرط فى الماضى المثبت الواقع حالا أن يكون مع قد إلخ ظاهرة أى: إذا لم يكن الماضى تاليا ل" إلّا" ولا متلوا بأو، وإلا فلا يقترن بها فلا يقال: ما جاء إلا قد ضحك، ولا لأضربنه قد ذهب أو مكث، بل يتعين حذفها نحو: وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (1) وكما فى قوله:

كن للخليل نصيرا جار أو عدلا

ولا تشحّ عليه جاد أو بخلا (2)

كذا فى التسهيل

(قوله: أو مقدرة) قال ابن مالك هذه دعوى لا يقوم عليها حجة؛ لأن الأصل عدم التقدير؛ ولأن وجود قد مع الفعل المشار إليه لا تزيده معنى على ما يفهم منه إذا لم توجد وحق المحذوف المقدر ثبوته يدل على معنى لا يفهم بدونه،

(1) الأنعام: 4.

(2)

البيت بلا نسبة فى الدر 4/ 14، وشرح الأشمونى 1/ 257، وشرح عمدة الحافظ ص 449، والمقاصد النحوية 3/ 202، وهمع الهوامع 1/ 246.

ص: 605

لأن قد تقرب الماضى من الحال، والإشكال المذكور وارد هاهنا؛ وهو أن الحال التى نحن بصددها غير الحال التى تقابل الماضى وتقرب قد الماضى منها فتجوز المقارنة

===

فإن قلت: قد تدل على التقريب قلنا دلالتها على التقريب مستغنى عنها بدلالة سياق الكلام- انتهى عبد الحكيم.

(قوله: لأن قد تقرب الماضى من الحال) هذا علة للمعلل مع علته، واعترض هذا التعليل بأن قد تفيد المقاربة بالباء لا المقارنة بالنون والمطلوب فى الحال هو الثانى لا الأول، وحينئذ فلا تكون كلمة قد المقربة للحال كافية فى ذلك المقام، وأجيب بأن المقاربة بمنزلة المقارنة، فإن القريب من الشىء فى حكمه، ولذا أطلق الآن على الزمان القريب من الحال فقول الشارح؛ لأن قد تقرب الماضى من الحال أى: والمقاربة فى حكم المقارنة فلا إشكال

(قوله: والإشكال المذكور) أى: فيما مضى عند قوله أما المقارنة فلكونه مضارعا، (وقوله: وارد هاهنا) أى: على التعليل المذكور بقولهم؛ لأن قد تقرب الماضى من الحال، وحاصل ما ذكره من الإشكال أن الحالة التى انتفت عن الماضى، ويدل عليها المضارع وتقرب قد إليها هى زمان التكلم وهى خلاف الحال التى نحن بصددها، وربما بعدت قد عنها كما إذا قلت: جاءنى زيد فى السنة الماضية، وقد ركب فإن مجيئه فى السنة الماضية فى حال الركوب ينافيه قرب الركوب من زمان التكلم الذى هو مفاد قد

(قوله: وهو أن الحال التى نحن بصددها) وهى الحال النحوية أعنى الصفة التى يقارن مضمونها مضمون العامل بأن يكون زمانهما واحدا

(قوله: غير الحال التى تقابل الماضى) أى: تغايرها وإنما كانت غيرها؛ لأن الحال التى يدل عليها المضارع وتقابل الماضى، وتقرب قد الماضى منها زمان التكلم وهو غير الصفة التى يقارن مضمونها مضمون عاملها بالضرورة

(قوله: فتجوز المقارنة) تفريع على مغايرة الحالين أى: وإذا كانت الحال التى نحن بصددها وهى النحوية غير الزمانية، فتجوز المقارنة المرادة هنا أعنى مقارنة مضمون الحال النحوية لمضمون عاملها فى الزمان إذا كانت تلك الحال وعاملها ماضيين، وحينئذ فمقتضاه امتناع الواو لمشابهة تلك الحال

ص: 606

إذا كان الحال والعامل ماضيين، ولفظ قد إنما يقرب الماضى من الحال التى هى زمان التكلم، وربما تبعده عن الحال التى نحن بصددها كما فى قولنا: جاءنى زيد فى السنة الماضية وقد ركب فرسه، والاعتذار عن ذلك مذكور فى الشرح.

===

الماضية للحال المفردة فى الدلالة على المقارنة والحصول، وقولهم: الماضى المثبت لا يفيد المقارنة ممنوع وحيث كان يفيد المقارنة فلا وجه لاشتراط قد معه بل وجودها معه مضر؛ لأن لفظ قد إلخ

(قوله: إذا كان الحال والعامل ماضيين) أى: فقولكم الماضى المثبت لا يفيد المقارنة غير مناسب

(قوله: التى هى زمان التكلم) أى: وهذه ليست نحن بصددها

(قوله: وربما تبعده) أى: وربما تبعد قد الماضى الواقع حالا عن مقارنة مضمون العامل وذلك كما لو كان العامل ماضيا والحال كذلك، فإذا قرنت الحال بقد صارت قريبة من الحال فلا يحصل التقارن أى: وحينئذ فوجودها مع الماضى مضر ولا ظهور لما ذكره من تعليل اشتراطها معه بكونها تقرب الماضى من الحال

(قوله: وقد ركب فرسه) أى: فإن مجيئه فى السنة الماضية فى حال الركوب ينافيه قرب الركوب من زمن التكلم الذى هو مفاد قد.

(قوله: والاعتذار عن ذلك) أى: عن اشتراطهم دخول قد على الماضى الواقع حالا مذكور فى الشرح، وهذا جواب عما يقال: إذا كان دخول قد على الماضى الواقع حالا ربما ضر فما وجه اشتراط النحاة دخولها عليه إذا وقع حالا، وحاصل ما ذكره فى الشرح من الاعتذار أن قد وإن قربت الماضى من الحال بمعنى زمن التكلم، والحال التى نحن بصددها الصفة التى يقارن مضمونها مضمون العامل بأن يكون زمانهما واحدا وهما متباينان لكنهما متشاركان فى إطلاق اسم الحال عليهما، وفى الجمع بين الماضى والحال بشاعة وقبح من حيث اللفظ، فذكرت قد لتقرب الماضى من الحال فى الجملة دفعا لتلك البشاعة اللفظية، فتصدير الماضى المثبت بقد لمجرد الاستحسان، ونص عبارة المطول، وغاية ما يمكن أن يقال فى هذا المقام: إن حالية الماضى وإن كانت بالنظر لعامله ولفظة قد إنما تقربه من حال التكلم فقط، والحال متباينان لكنهم اشتبشعوا لفظ الماضى، والحال لتنافى الماضى، والحال فى الجملة أى: بالنظر للظاهر فأتوا بلفظة قد نظرا

ص: 607

(وأما المنفى) أى: أما جواز الأمرين فى الماضى المنفى (فلدلالته على المقارنة دون الحصول. أما الأول: ) أى: دلالته على المقارنة (فلأن لما للاستغراق) أى: لامتداد النفى من حين الانتفاء إلى زمان التكلم (وغيرها) أى: غير لما مثل لم وما (لانتفاء متقدم على زمان التكلم

===

لظاهر الحالية، وقالوا: جاء زيد فى السنة الماضية وقد ركب فرسه، فظهر أن تصدير الماضى المثبت بلفظ قد لمجرد الاستحسان لا لما ذكره المصنف

(قوله: أى: أما جواز الأمرين) أعنى: الإتيان بالواو وتركه، (وقوله: فى الماضى المنفى) أى: الماضى لفظا ومعنى أو معنى فقط وهو المضارع المنفى بلم ولما

(قوله: فلدلالته على المقارنة) فلذا جاز ترك الواو فيه لمشابهته بتلك الدلالة الحال المفردة

(قوله: دون الحصول) أى: فلذا جاز الإتيان بالواو فيه لعدم مشابهته للحال المفردة فى ذلك، والحاصل أن الماضى المنفى من حيث شبهه بالمفردة فى الدلالة على المقارنة يستدعى سقوط الواو كما فى المفردة، ومن حيث عدم شبهه بها فى الحصول الذى وجد فى المفردة يستدعى الإتيان بها

(قوله: للاستغراق) أى: نصا بخلاف غيرها، فإنه وإن كان للاستغراق لكنه ليس نصا، بل بمعونة أن الأصل استمرار الانتفاء.

(قوله: أى لامتداد النفى من حيث الانتفاء) أى: لا من حيث ذاته؛ لأن النفى من حيث ذاته لا امتداد فيه؛ لأنه فعل الفاعل أى: إنها تدل على امتداد الانتفاء فيما مضى من حيث حصوله سابقا إلى زمان التكلم، فإذا قلت ندم زيد ولما ينفعه الندم فمعناه أن الندم انتفت منفعته فيما مضى واستمر الانتفاء إلى زمان التكلم أى: وحيث كانت لما دالة على امتداد الانتفاء إلى زمان التكلم، فقد وجدت مقارنة مضمون الحال المنفية بها لزمن التكلم هذا مراد المصنف، ويرد عليه ما مر من أن تلك المقارنة غير مرادة، وإنما المطلوب فى الحال مقارنتها لعاملها.

(قوله: مثل لم وما) فى كون ما لانتفاء متقدم نظرا لما ذكره النحاة وصرح به فى المطول من أن ما لنفى الحال كليس- كذا قرر بعضهم، وقد يقال: مراد الشارح ما مع الماضى بدليل تخصيصه فيما مر المضارع المنفى بلم ولما، وليست ما مع الماضى لنفى الحال بل مع المضارع- فتأمل.

(قوله: لانتفاء متقدم)

ص: 608

(مع أن الأصل استمراره) أى: استمرار ذلك الانتفاء- لما سيجىء- حتى تظهر قرينة على الانقطاع كما فى قولنا: لم يضرب زيد أمس لكنه ضرب اليوم (فيحصل به) أى: باستمرار النفى، أو بأن الأصل فيه الاستمرار (الدلالة عليها) أى: على المقارنة (عند الإطلاق) وترك التقييد بما يدل على انقطاع ذلك الانتفاء (بخلاف المثبت، فإن وضع الفعل على إفادة التجدد) من غير أن يكون الأصل استمراره، فإذا قلت: ضرب- مثلا- كفى فى صدقه وقوع الضرب فى جزء من أجزاء الزمان الماضى،

===

أى: موضوع لانتفاء حدث متقدم، وقضيته عدم دلالته على الاستغراق مع أن الفعل كالنكرة والنكرة فى سياق النفى للعموم، وهذا موجود فى جميع أدوات النفى غير أن لما تدل على اتصال النفى بالحال بخلاف لم

(قوله: مع أن الأصل) أى: مع زيادة أن الأصل استمرار ذلك الانتفاء أى: لوقت التكلم، والمراد بالأصل هنا الأمر الكثير أى: مع زيادة أن الكثير فى ذلك الانتفاء بعد تحققه استمراره؛ لأن ما تحقق وثبت بقاؤه يتوقف عدمه على وجود سبب ونفى السبب أكثر من وجوده

(قوله: لما سيجىء) أى: فى التحقيق الآتى عن قريب

(قوله: حتى تظهر إلخ) غاية لقول المصنف استمراره أى: فإذا ظهرت قرينة على الانقطاع فلا يقال الأصل بقاؤه

(قوله: كما فى قولنا) أى: كالقرينة التى فى قولنا إلخ

(قوله: لكنه ضرب اليوم) أى: فهذا قرينة على أن انتفاء الضرب لم يستمر من الأمس إلى وقت التكلم فهو مخصص للأصل لا مناقض له

(قوله: أى باستمرار النفى إلخ) أشار بهذا وبما بعده إلى أن ضمير به يصح رجوعه لاسم أن ويصح رجوعه لخبرها، والمراد بالنفى الانتفاء ولو عبر به كان أوضح؛ لأنه الذى تقدم ذكره صريحا.

(قوله: وترك التقييد) عطف تفسير

(قوله: على انقطاع ذلك الانتفاء) أى: قبل زمن التكلم.

(قوله: بخلاف المثبت) أى: الماضى المثبت فإنه لا يفيد الاستمرار المقتضى للمقارنة لا وضعا ولا استصحابا كما فى الماضى المنفى.

(قوله: على إفادة) أى: كائن على قصد إفادة التجدد الذى هو مطلق الثبوت بعد الانتفاء

(قوله: من غير أن يكون الأصل إلخ) انظره مع قولهم الأصل فى كل ثابت دوامه حتى إنه وجه إفادة الاسمية الدوام بذلك، فقد تقدم عن الشيخ عبد القاهر أن نحو:

ص: 609

وإذا قلت: ما ضرب- أفاد استغراق النفى لجميع أجزاء الزمان الماضى، لكن لا قطعيا بخلاف لما؛ وذلك لأنهم قصدوا أن يكون الإثبات والنفى فى طرفى نقيض، ولا يخفى أن الإثبات فى الجملة

===

زيد منطلق لا يدل على أكثر من ثبوت الانطلاق، وأما إفادته للدوام فمن حيث إن الأصل فى كل ثابت دوامه، وهذا وارد على التحقيق الآتى أيضا

(قوله: وإذا قلت) أى:

ردا لمن قال ضرب، (وقوله: ما ضرب) أى: أو لم يضرب

(قوله: أفاد استغراق النفى لجميع أجزاء الزمان الماضى) أى: من حيث إن تلك الأجزاء ظرف للأحداث التى تعلق.

بها النفى، وإلا فالمنفى إنما هو كل فرد من الأحداث الواقعة فى أجزاء الزمان الماضى، ولو قال الشارح: أفاد استغراق النفى لكل فرد من أفراد الحدث الواقعة فى أجزاء الماضى لكان أوضح، وإنما كان قولنا: ما ضرب مفيدا للاستغراق إما لمراعاة الأصل كما تقدم، وإما لأن الفعل فى سياق النفى كالنكرة المنفية بلا فتعم- كذا قيل، وفيه أنه يمكن استغراق النفى لأجزاء الماضى، ويحصل الثبوت فى الحال فلا تحصل المقارنة، فالوجه أن يقال: فى بيان المقارنة: إن الأصل فى النفى بعد تحققه استمراره انتهى- سم.

ثم اعلم أنهم صرحوا فى النكرة فى سياق النفى هل تفيد العموم بحسب الوضع بأن تدل عليه بالمطابقة لما تقرر من أن الحكم على العام حكم على كل فرد مطابقة، أو تفيد العموم بحسب اللزوم كما صرح به ابن السبكى نظرا إلى أن النفى أولا للماهية، ويلزمه نفى كل فرد- فهل هذا الخلاف يجرى فى نفى الفعل كما هنا؛ لأنه نكرة معنى أم لا؟ قلت: لا يبعد ذلك، وقد صرح فى جمع الجوامع بتعميم لا أكلت، وتكلم على ذلك شارحه المحقق المحلى بما يتعين مراجعته. اه يس.

(قوله: لكن لا قطعيا) أى: لكن إفادة ما لاستغراق النفى ليس قطعيا أى: ليس من أصل الوضع

(قوله: بخلاف لما) أى: فإنها تفيد ذلك قطعا

(قوله: وذلك) أى: وبيان ذلك أى: كون الفعل المثبت لا يفيد الاستمرار بخلاف المنفى فإنه يفيده

(قوله: فى طرفى نقيض) الإضافة بيانية، وفى زائدة أى: طرفين هما نقيض أى: نقيضان بأن يراد بالنقيض الجنس أى:

إنهم قصدوا أن يكون الإثبات والنفى متناقضين

(قوله: ولا يخفى أن الإثبات فى الجملة)

ص: 610

إنما ينافيه النفى دائما.

(وتحقيقه) أى: تحقيق هذا الكلام (أن استمرار العدم لا يفتقر إلى سبب بخلاف استمرار الوجود) يعنى: أن بقاء الحادث؛ وهو استمرار وجوده- يحتاج إلى سبب موجود؛

===

أى: فى جزء من أجزاء الزمان الماضى مثلا

(قوله: إنما ينافيه النفى دائما) أى: فى جميع أجزاء الزمان الماضى فالإثبات فى بعض الأزمنة لا يكون كاذبا، إلا إذا صدق النفى فى جميعها، ولذا تراهم يقولون: إن نقيض الموجبة الجزئية إنما هو السالبة الكلية، إذ لو كان النفى كالإثبات مقيدا بجزء من أجزاء الزمان لم يتحقق التناقض لجواز تغاير الجزأين، فاكتفوا فى الإثبات بوقوعه ولو مرة وقصدوا فى النفى الاستغراق، ولم يعكسوا ذلك لسهولة استمرار الترك وصعوبة استمرار الفعل أخذا مما يأتى، فإن قلت: هذا الكلام يشعر بأن نحو: لم يضرب زيد يدل على استغراق النفى للزمان الماضى وضعا، وهذا يخالف ما تقدم من أن الاستغراق إنما يستفاد من خارج وهو أن الأصل استمرار النفى.

قلت: لا مخالفة؛ لأن ما تقدم هو المفهوم منه بحسب أصل الوضع، وما ذكر هنا إنما يفهم منه إذا قوبل الإثبات بالنفى بأن قيل فى رد من قال ضرب زيد إنه لم يضرب- قاله السيد، ومحصله أن ما تقدم هو المفهوم منه بحسب الوضع، وما هنا هو المفهوم منه بحسب القرينة.

(قوله: أى تحقيق هذا الكلام) وهو أن الأصل فى النفى بعد تحققه استمراره بخلاف الإثبات، والمراد بالتحقيق البيان على الوجه الحق

(قوله: أن استمرار العدم) أى:

الذى من جملة أفراده مفاد الماضى المنفى

(قوله: لا يفتقر إلى سبب) أى: إلى سبب موجود مؤثر، بل يكفى فيه انتفاء سبب الوجود، ولما كان لا يفتقر إلى وجود سبب سهل فيه استصحاب الاستمرار المؤدى للمقارنة

(قوله: بخلاف استمرار الوجود) أى:

فإنه يفتقر إلى وجود سبب مؤثر لأجل أن يجدد ذلك الوجود فى ذلك السبب إمداد الذات بالأعراض المقتضية استمرار وجودها، ثم إن من جملة أفراد استمرار الوجود استمرار وجود مفاد الماضى المثبت؛ فلذا لم يستصحب فيه الاستمرار

(قوله: وهو) أى:

ص: 611

لأنه وجود عقيب وجود، ولا بد للوجود الحادث من السبب، بخلاف استمرار العدم فإنه عدم فلا يحتاج إلى وجود سبب، بل يكفيه مجرد انتفاء سبب الوجود، والأصل فى الحوادث العدم حتى توجد عللها.

ففى الجملة لما كان الأصل فى المنفى الاستمرار حصل من إطلاقه الدلالة على المقارنة.

(وأما الثانى: ) أى: عدم دلالته على الحصول

===

بقاء الحادث وضمير وجوده راجع للحادث

(قوله: لأنه) أى: استمرار وجود الحادث

(قوله: ولا بد للوجود الحادث من السبب) أى: لأجل أن يجدد ذلك الوجود، ثم إن هذا الكلام يقتضى أن قدرة المولى تتعلق بكل موجود فتحدث فيه وجودات متعاقبة وهو مبنى على أن الوجود غير الموجود، وأنه من الأحوال التى هى من الأعراض التى هى من متعلقات القدرة، على أن العرض لا يبقى زمانين، أما على القول بأن الوجود عين الموجود، والقول بأن العرض يبقى زمانين فليس هناك وجود عقبه وجود، ولا للوجود الحادث احتياج إلى سبب حتى يحتاج بقاء الحادث إلى سبب؛ لأنه على ما ذكر لا تتعلق القدرة بالذوات إلا حال إيجادها، ثم هى بعد ذلك فى قبضة القدرة إن شاء المولى أعدمها وإن شاء أبقاها وإبقاؤها على هذا ببقاء العرض الأول- كذا قرر شيخنا العدوى.

(قوله: إلى وجود سبب) أى: إلى سبب موجود مؤثر بل يكفيه إلخ، وهذا مراد من قال: إن العدم لا يعلل أى: لا يفتقر إلى علة وسبب موجود فلا ينافى أنه يفتقر إلى انتفاء سبب الوجود، ومن هذا تعلم أن العدم أولى بالممكن من الوجود بمعنى أن العدم أصل فيه دون الوجود؛ لأن العدم لا يتوقف على سبب موجود بخلاف الوجود

(قوله: والأصل فى الحوادث) أى: الموجودات الحادثة العدم لكون الانتفاء فى سبب الوجود أصلا ولا يحتاج العدم إلى انتفاء طار بعد سبب الوجود

(قوله: ففى الجملة) أى: وأقول قولا ملتبسا بالجملة أى: بالإجمال أى: وأقول قولا مجملا، وهذا حاصل كلام المصنف

(قوله: حصل من إطلاقه) أى: من كونه غير مقيد بما يدل على انقطاع ذلك الانتفاء

(قوله: الدلالة على المقارنة) قد عرفت ما فى هذا من الاعتراض السابق فى كلام الشارح من أن المطلوب فى الحال مقارنة مضمونها لمضمون عاملها فى الزمان

ص: 612

(فلكونه منفيا) هذا إذا كانت الجملة فعلية (وإن كانت اسمية فالمشهور جواز تركها) أى: الواو (لعكس ما مر فى الماضى المثبت) أى: لدلالة الاسمية على المقارنة

===

لا مقارنة مضمونها لزمن التكلم واللازم من الاستمرار المذكور إنما هو مقارنة مضمون الحال لزمن التكلم فأين هذا من ذاك

(قوله: فلكونه منفيا) أى: والمنفى إنما يدل النفى فيه بالمطابقة على نفى صفة لا على ثبوتها، وكون الثبوت حاصلا باللزوم غير معتبر، فتقرر بهذا أن الماضي المنفى يشبه الحال المفردة في إفادة المقارنة، فاستحق بذلك سقوط الواو ولا يشبهها في الدلالة على حصول صفة غير ثابتة، فاستحق بذلك الإتيان بها، فجاز الأمران فيه كما جاز في المثبت.

(قوله: هذا) أى: ما ذكر من التفصيل فى الجملة للفعلية، وذكر الشارح ذلك توطئة لقوله: وإن كانت اسمية فإنه مقابل لقوله: السابق: فإن كانت فعلية فهو مفروض مثله فيما إذا لم تخل الجملة من ضمير صاحبها فلا تغفل- اه يس.

(قوله: وإن كانت) أى: الجملة الواقعة حالا اسمية سواء كان الخبر فيها فعلا، أو ظرفا، أو غير ذلك كما يدل لذلك أمثلة المصنف

(قوله: فالمشهور) أى: عند علماء العربية

(قوله: جواز تركها) أى: سواء كان المبتدأ فى تلك الجملة عين ذى الحال أو غيره، وقوله جواز تركها أى: وجواز الإتيان بها خلافا لمن قال: يتعين الإتيان بها، وإنما نص على جواز الترك دون جواز الإتيان بها، لأنه هو المختلف فيه، إذ الإتيان بها فى الجملة المذكورة لم يقل أحد بامتناعه إلا لعارض كما فى قوله تعالى فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (1) والعارض هنا كراهة الجمع بين واو الحال التى أصلها للعطف، إذ هى للربط الذى هو كالعطف وحرف العطف الذى هو أو

(قوله: لعكس إلخ) أى:

وإنما جاز الترك لأجل أنه تحقق فيها عكس ما مر فى الماضي المثبت الذى مر فى الماضي المثبت هو دلالته على حصول صفة غير ثابتة دون المقارنة وعكسه الموجود فى الجملة الاسمية هو دلالتها على المقارنة من جهة إفادتها الدوام والثبوت المقتضى للاستمرار حتى فى زمن التكلم، وقد بنينا على أن المقارنة يقتضيها الحصول زمن التكلم على ما فيه من

(1) الأعراف: 4.

ص: 613

لكونها مستمرة، لا على حصول صفة غير ثابتة لدلالتها على الدوام والثبات (نحو:

كلمته فوه إلى فى) بمعنى: مشافها (و) أيضا المشهور (أن دخولها) أى: الواو (أولى) من تركها (لعدم دلالتها) أى: الجملة الاسمية (على عدم الثبوت

===

البحث وعدم دلالتها على حصول صفة غير ثابتة؛ لأن الغرض دوامها فلا يمكن عدم الثبوت فأشبهت المفردة من جهة إفادة المقارنة وذلك يستدعى سقوط الواو ولم تشبهها من جهة عدم دلالتها على حصول صفة غير ثابتة، وذلك يستدعى وصلها بالواو فلما وجد فيها الداعى لكل منهما جاز فيها الأمران كما مر فى غيرها

(قوله: لكونها مستمرة) أى: لكونها معدولة عن الفعلية، إذ الأصل فى الحال المفرد، ثم الفعلية التى هى قريب منه فلا يرد أن الاسمية لا تدل على أكثر من ثبوت المسند للمسند إليه أفاده عبد الحكيم.

(قوله: لدلالتها على الدوام والثبات) أى: فهى تدل على حصول صفة ثابتة، واعترض بأن كون الجملة الاسمية للدوام والثبات يقتضى خروج الكلام عما نحن بصدده؛ لأن الكلام فى الحال المنتقلة، وأما غيرها فقد تقدم امتناع الواو فيه مطلقا، وقد يجاب بأن ذلك التعليل منظور فيه لأصل الجملة الاسمية، وذلك كاف على وجه التوسع وإلا فكونها منتقلة يمنع ذلك الأصل- اه يعقوبى.

(قوله: كلمته فوه إلى فى) أى: ويجوز أن يقال وفوه إلى فى بالواو بلا إشكال

(قوله: بمعنى مشافها) أشار بذلك إلى أن الجملة حال من التاء أى: كلمته فى حال كوني مشافها له، ويصح أن تكون حالا من الحاء: أى: حال كونه مشافها لى أو من التاء والهاء معا أى: حال كوننا مشافهين، ويروى أيضا كلمته فاه إلى فى وخرج بأنه على تقدير جاعلا فاه إلى فى

(قوله: وأن دخولها أولى) أى: لا أن الدخول وعدمه على حد سواء كما يفهم من قوله: جواز تركها وأشار الشارح بتقدير المشهور إلى أن قول المصنف وأن دخولها أولى عطف على قوله: جواز تركها لا على المشهور

(قوله: لعدم دلالتها على عدم الثبوت) أى: لدلالتها على الثبوت؛ لأن نفى النفي إثبات فهى تدل على حصول صفة ثابتة، واعترض على المصنف بأنه قد جعل أولا عدم الدلالة على عدم

ص: 614

مع ظهور الاستئناف فيها فحسن زيادة رابط نحو: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (1)) أى: وأنتم من أهل العلم والمعرفة، أو: وأنتم تعلمون ما بينهما من التفاوت.

===

الثبوت علة لجواز ترك الواو وهنا جعله علة لكون دخول الواو أولى، فالأولى ترك قوله لعدم دلالتها إلخ، والاقتصار على ما بعده؛ لأن مدار الأولوية على قوله: مع ظهور الاستئناف فيها فالأولى الاكتفاء به، وأجيب بأن علة أولوية دخول الواو مركبة من ذلك ومن ظهور الاستئناف، فلمّا انضم لاعتبار المجوز أعنى الدلالة على المقارنة والدوام والثبوت ظهور الاستئناف ترجح دخول الواو؛ لأن ظهور الاستئناف فيها يفيد انقطاعها عن العامل قبلها مع أن المقصود ربطها به وجعلها قيدا له فأتى بالواو ليندفع الاستئناف وترتبط بالعامل، أو يجاب بأنه لما كان دعوة الأولوية مشتملة على جواز الترك ورجحان الدخول أعاد الدليل المذكور على جواز الترك، وضم إليه دليل الرجحان وهو ظهور الاستئناف

(قوله: مع ظهور الاستئناف فيها) أى: دون الفعلية فإن الفعلية وإن كانت منتقلة، لكن حاصلها الفعل والفاعل، وذلك حاصل الحال المفردة المشتقة بخلاف الاسمية فقد يكون جزءاها جامدين فلا يكون حاصلها كحاصل المفردة فكان الاستئناف فيها أظهر منه فى الفعلية، والحاصل أن الاسمية بعدت عن المفردة من حيث دلالتها على الثبوت ومن ظهور الاستئناف فيها، فلذا ترجح فيها الواو

(قوله: فحسن زيادة رابط) لظهور انفصالها عن العامل فى صاحب الحال والانفصال يحتاج إلى مزيد ربط لأجل قطعه بالمرة بخلاف الاتصال

(قوله: أى وأنتم من أهل العلم إلخ) أشار الشارح بذلك إلى أن تعلمون يحتمل أن يكون المراد به: وأنتم من أهل العلم والمعرفة أى: ومن شأن العالم التمييز بين الأشياء فلا يدعى مساواة الحق للباطل فيكون ذلك الفعل منزلا منزلة اللازم، إذ لا يطلب له مفعول حينئذ، ويحتمل أن يكون المراد" وأنتم تعلمون" ما بين الله تعالى وبين الأنداد التى تدعونها من التفاوت الكلى؛ لأنهم مخلوقون عجزة، والله تعالى خالق قادر، فكيف تجعلونهم أندادا له! فيكون المفعول محذوفا

(قوله: ما بينهما) أى: ما بين الله والأنداد، وقال الشيخ عبد القاهر: إن كان

(1) البقرة: 22.

ص: 615

(وقال عبد القاهر: إن كان المبتدأ) فى الجملة الاسمية الحالية (ضمير ذى الحال- وجبت) الواو سواء كان خبره فعلا (نحو: جاء زيد وهو يسرع، أو) اسما نحو: جاء زيد (وهو مسرع) وذلك لأن الجملة لا يترك فيها الواو حتى تدخل فى صلة العامل، وتنضم إليه فى الإثبات،

===

المبتدأ ضمير ذى الحال وجب الواو كقولك: جاء زيد وهو يسرع أو وهو مسرع، ولعل السبب فيه أن أصل الفائدة كان يحصل بدون هذا الضمير بأن يقال: جاءنى زيد يسرع أو مسرعا

(قوله: وقال عبد القاهر) هذا مقابل المشهور وبيان ذلك أن الذى صرح المصنف بمشهوريته جواز ترك الواو فى الجملة الاسمية، وجواز الإتيان بها مع أولوية ذلك من غير تفصيل بين ما فيه ظرف مقدم وما لا وبين ما فيه حرف ابتداء مقدم وما لا وبين ما عطفت على مفرد وما لا وبين ما يظهر تأويلها بمفرد وما لا، وكلام الشيخ عبد القاهر يخالف ذلك فإنه حكم فى غير المبدوءة بالظرف وغير المبدوءة بحرف الابتداء وغير المعطوفة على مفرد بوجوب الإتيان بالواو فيمتنع تركها إلا لظهور التأويل بالمفرد، وفيما عدا ذلك يجوز الإتيان بها والراجح تركها

(قوله: ضمير ذى الحال) لعل الأولى عين ذى الحال ليشمل ما إذا كان المبتدأ ضميرا أو اسما ظاهرا كما يؤخذ من كلامه

(قوله: سواء كان خبره فعلا) ظاهره كان ماضيا أو غيره؛ لأن الفعل مع فاعله فى تأويل اسم الفاعل وفاعله، واعلم أن الحال فى الحقيقة هو يسرع أو مسرع؛ لأنه هو الواقع وصفا لصاحبها

(قوله: وذلك) أى: بيان ذلك أى: بيان وجوب الربط بالواو فى الحالين المذكورين، وقوله: لأن الجملة أى: الحالية، وحاصل ذلك البيان أن أمر الواو وجودا وعدما فى الجملة يدور على كونها ليست فى حكم المفردة أو فى حكمها- فتأمل.

(قوله: حتى تدخل فى صلة العامل) غاية فى النفى أى: إلا إذا دخلت فى صلة عامل الحال أى: فيما يتصل بالعامل أى: فيما يتعلق به بأن يكون قيدا من قيوده ويكون ذلك ظاهرا بدون الواو

(قوله: وتنضم إليه فى الإثبات) أى: وتنضم إلى مضمون العامل كالمجىء مثلا فى قولك: جاء زيد وهو يسرع أو وهو مسرع، والمراد

ص: 616

وتقدر تقدير المفرد فى ألّا يستأنف لها الإثبات، وهذا مما يمتنع فى نحو: جاء زيد وهو يسرع، أو وهو مسرع؛ لأنك إذا أعدت ذكر زيد وجئت بضميره المنفصل المرفوع- كان بمنزلة إعادة اسمه صريحا فى أنك لا تجد سبيلا إلى أن تدخل يسرع فى صلة المجىء وتضمه إليه فى الإثبات؛ لأن إعادة ذكره لا تكون حتى تقصد استئناف الخبر عنه بأنه يسرع،

===

بانضمامها لمضمون العامل أن يكون إثباتها فى إثباته وتخصيص الإثبات بالذكر؛ لأنه الأصل وإلا فالحكم فى النفى أيضا كذلك نحو: لم يجئ زيد وهو يتبسم، أو وهو متبسم وعطف تنضم إليه فى الإثبات على ما قبله عطف تفسير باعتبار المراد أو عطف لازم على ملزوم- كذا قرر شيخنا العدوى.

(قوله: وتقدر تقدير المفرد) أى: وتنزل منزلة المفرد فى أنه لا يستأنف لها إثبات زائد على إثبات العامل، بل تضاف إليه كما فى المفردة بمعنى أنك إذا قلت: جاء زيد يركب كان فى تقدير: جاء زيد راكبا، فالمثبت هو المجىء حال الركوب لا مجىء مقيد بإثبات مستأنف للركوب كما هو مقتضى أصل الجملة الحالية- اه يعقوبى.

(قوله: وهذا) أى: الدخول فى صلة العامل والانضمام إليه فى الإثبات والتنزيل منزلة المفرد فى عدم استئناف إثبات زائد على إثبات العامل مما يمتنع فى نحو: جاء زيد وهو يسرع أو وهو مسرع أى: على تقدير ترك الواو أى: وحيث كان ما ذكر ممتنعا فترك الواو ممتنع والإتيان بها واجب، بخلاف قولك: جاء زيد يسرع فإن ما ذكر غير ممتنع فيها؛ لأن المضارع مع فاعله فى تأويل اسم الفاعل وضميره، وحينئذ فالقصد من قولك: جاء زيد يسرع الحكم بإثبات المجىء حال السرعة لا الحكم بإثبات مجىء مقيد بإثبات مستأنف للسرعة، فلذا أسقطت الواو منها كما سقطت من المفردة

(قوله: وجئت بضميره المنفصل) عطف تفسير لقوله: أعدت ذكر زيد أى: بأن جئت بضميره

(قوله: كان بمنزلة إعادة اسمه) أى: الظاهر

(قوله: سبيلا) أى: طريقا

(قوله: إلى أن تدخل يسرع فى صلة المجىء) أى: لا تجد طريقا فى أن تجعل يسرع قيدا للمجىء مضموما إليه فى الإثبات؛ لأن إعادة ذكره تمنع من جعله قيدا له ومن ضمه إليه؛ لأن المتبادر

ص: 617

وإلا لكنت تركت المبتدأ بمضيعة وجعلته لغوا فى البين، وجرى مجرى أن تقول:

جاءنى زيد وعمرو يسرع أمامه، ثم تزعم أنك لم تستأنف كلاما، ولم تبتدئ للسرعة إثباتا؛ وعلى هذا فالأصل والقياس ألّا تجىء الجملة الاسمية إلا مع الواو، وما جاء بدونه فسبيله سبيل الشىء الخارج عن قياسه وأصله بضرب من التأويل ونوع من التشبيه.

===

من إعادة اسمه الظاهر قصد استئناف الإخبار عنه بأنه يسرع، فالمراد بالخبر فى كلام الشارح الإخبار

(قوله: وإلا لكنت إلخ) أى: وإلا بأن أعدته بدون قصد استئناف الإخبار عنه بأنه يسرع، بل قصدت ضمه للعامل فى الإثبات لكنت إلخ

(قوله: بمضيعة) بكسر الضاد وسكون الياء كمعيشة اسم لمكان الضياع وهو المفازة المنقطعة، ويجوز سكون الضاد وفتح الياء كمسألة

(قوله: وجعلته لغوا فى البين) أى: وجعلته ملغيا ومزيدا فيما بين الحال وعاملها؛ لأن القصد حينئذ إلى نفس تلك الحال المفردة التى ليس لها فى صيغة التركيب إثبات زائد على إثبات عاملها، وهذا أعنى قوله وجعلت إلخ:

تفسير لقوله بمضيعة

(قوله: وجرى إلخ) عطف على قوله كان بمنزلة إعادة اسمه صريحا فإنه تشبيه آخر لقوله هو يسرع بعد تشبيهه بزيد يسرع- اه عبد الحكيم.

(قوله: وعمرو يسرع أمامه) المناسب أن يقول: عمرو يسرع إلخ بدون واو

(قوله: ثم تزعم) هو بالنصب عطف على تقول، (وقوله: ولم تبتدئ للسرعة إثباتا) عطف تفسير أى: وهذا الزعم باطل لا يصدر عن العقلاء؛ لأن الاستئناف ظاهر فيه، والحاصل أنه لو لم يعتبر الاستئناف فى إعادة الاسم الصريح لصح عدم اعتبار الاستئناف فى مثل: جاءنى زيد وعمرو يسرع أمامه؛ لأنه بمنزلته، لكن عدم اعتبار الاستئناف فى ذلك باطل لئلا يلزم على عدم الاعتبار ترك المبتدأ بمضيعة

(قوله: وعلى هذا) أى:

التوجيه المشار إليه بقوله: لأن الجملة إلخ

(قوله: والقياس) عطف تفسير

(قوله: ألّا تجىء الجملة الاسمية) أى: حالا سواء كان المبتدأ فيها ضمير ذى الحال، أو اسمه الصريح، أو اسما آخر غير ذى الحال كما علم من الأمثلة السابقة

(قوله: وأصله) عطف تفسير

(قوله: بضرب من التأويل) أى: بالمفرد وهو متعلق بقوله الخارج عن قياسه، وذلك كما

ص: 618

هذا كلامه فى دلائل الإعجاز، وهو مشعر بوجوب الواو فى نحو: جاء زيد وزيد يسرع، أو مسرع، وجاء زيد وعمرو يسرع، أو مسرع أمامه بالطريق الأولى.

===

فى قولك: كلمته فوه إلى فى، فترك الواو فى هذه الجملة لتأولها بالمفرد وهو مشافها، وكقوله تعالى قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ (1) فإن ترك الواو فيها لتأولها بمتعادين، وهذا التأويل لا يحسن فى نحو: جاء زيد هو يسرع؛ لأن التأويل فيه ليس باستخراج معنى من الجملة يعبر عنه بالمفرد قد باح به السياق، فعدل عنه لمعنى فى الجملة: كالتصريح بعداوة بعضهم بعضا المفيد للتفريع على التعادى من الأبعاض مع شمول الجنس لهم، بخلاف قولنا متعادين فليس صريحا فى ذلك ولو اقتضاه، وإنما التأويل بإسقاط الضمير الذى هو كالتكرار، فلا فائدة للإتيان به ثم تأويله بالإسقاط، بخلاف التأويل فى الجملتين فإنه إنما هو من جهة المعنى المدلول عليه بالسياق- قاله اليعقوبى.

(قوله: ونوع من التشبيه) أى: كما فى قوله تعالى فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ فجملة أو هم قائلون: حال وتركت الواو فيها لتشبيه واو الحال بواو العطف، ولو أتى بالواو لاجتمعت مع حرف عطف آخر وهو أو

(قوله: هذا كلامه) أى: كلام الشيخ عبد القاهر فى دلائل الإعجاز

(قوله: وهو مشعر) أى: من جهة قوله: لأنك إذا أعدت ذكر زيد وجئت بضميره كان بمنزلة إعادة اسمه صريحا إلخ، وجرى مجرى أن تقول إلخ

(قوله: أمامه) راجع لقوله: جاء زيد وعمرو يسرع أو مسرع، وإنما ذكره لأجل أن يكون فى الجملة ضمير يعود على صاحب الحال، وإلا كانت الواو متعينة من غير نزاع

(قوله: بالطريق الأولى) أى: من وجوبها فى وهو يسرع أو وهو مسرع به، ووجه الأولوية أنه جعل وهو يسرع أو وهو مسرع مشبها بالمثالين المذكورين فى وجوب الواو، ولا شك أن المشبه به أقوى من المشبه فى وجه الشبه، وعلل بعضهم وجه كون ذلك بالطريق الأولى؛ لأن الاستئناف فى المثالين المذكورين أظهر؛ لأن الضمير أقرب للاسم من الظاهر ومن الأجنبى، وقصد الشارح بقوله وهو مشعر إلخ: الاعتراض على المصنف؛

(1) البقرة: 36.

ص: 619

ثم قال الشيخ (وإن جعل نحو: على كتفه سيف حالا- كثر فيها) أى: فى تلك الحال (تركها) أى: الواو (نحو): قول بشار:

إذا أنكرتنى بلدة أو نكرتها

(خرجت مع البازى علىّ سواد)

===

وذلك لأن ظاهر كلامه أن الجملة الاسمية الواقعة حالا لا يجب اقترانها بالواو عند الشيخ عبد القاهر إلا إذا كان المبتدأ فيها ضمير ذى الحال وأنه لو كان المبتدأ اسمه الظاهر أو اسم أجنبى غيره لا تجب الواو عنده بل تجوز- وليس كذلك- كما يدل عليه كلامه المذكور

(قوله: وإن جعل نحو على كتفه سيف) أى: من كل جملة اسمية خبرها جار ومجرور متقدم، فلو كان مؤخرا وجب قرنها بالواو عنده كما تقدم، ومذهب المصنف أنه يكثر قرنها بالواو مطلقا، وذكر صدر الأفاضل: أن ترك الواو قليل فى الجملة الحالية التى خبرها غير جار ومجرور، ومفهومه: أن الخبر إذا كان جارا ومجرورا يكثر فيه الترك فيكون مذهبا ثالثا

(قوله: حالا) أى: من معرفة قبله نحو: جاء زيد على كتفه سيف، فلو كان صاحب الحال نكرة لوجبت الواو لئلا تلتبس الحال بالنعت كقولك: جاء رجل طويل وعلى كتفه سيف فتجب الواو هكذا، وإلا كان نعتا

(قوله: كثر فيها تركها) أى: لما ذكره عبد القاهر من التعليل الآتى وهو جعل الاسم مرتفعا بالظرف لاعتماده على ما قبله فتكون الحال مفردة لا جملة اسمية، وحينئذ فلا يستنكر ترك الواو.

(قوله: إذا أنكرتنى إلخ)(1) أنكر ونكر بكسر العين واستنكر بمعنى، ويقال نكرت الرجل بالكسر نكرا ونكورا إذا كرهته، ونكرت أنكر بفتح العين فى الماضى إذا لم أعرف قدره، وقوله بلدة أى: أهل بلدة كما أشار له الشارح

(قوله: خرجت) أى: من تلك البلدة التى أنكرنى أهلها

(قوله: مع البازى) ظرف لغو متعلق بخرجت وكنى بخروجه مع البازى عن الخروج فى بقية من الليل، وهذا البيت من جملة أبيات من الطويل قالها بشار ابن برد لخالد بن برمك لما وفد عليه وهو بفارس وأولها:

أخالد لم أهبط عليك بذمّة

سوى أنّنى عاف وأنت جواد

(1) البيت لبشار أورده محمد بن على الجرجاني فى الإشارات ص 136، وهو فى التلخيص ص 53 تحقيق د/ عبد الحميد هنداوى.

ص: 620

أى: بقية من الليل؛ يعنى: إذا لم يعرف قدرى أهل بلدة، أو لم أعرفهم خرجت منهم مصاحبا للبازى الذى هو أبكر الطيور، مشتملا على شىء من ظلمة الليل، غير منتظر لإسفار الصبح، فقوله:[على سواد] حال ترك فيها الواو، ثم قال الشيخ: الوجه أن يكون الاسم فى مثل هذا فاعلا بالظرف؛ لاعتماده على ذى الحال، لا مبتدأ،

===

أخالد إنّ الأجر والحمد حاجتى

فأيّهما يأتى فأنت عماد

فإن تعطنى أفرغ عليك مدائحى

وإن تأب لم تضرب علىّ سداد

ركابى على حرف وأنت مشيّع

وما لى بأرض الباخلين بلاد

إذا أنكرتني بلدة

البيت

(قوله: خرجت منهم) أى: خرجت من بينهم بأن يخرج من البلدة

(قوله: الذى هو أبكر الطيور) أى: فى خروجه من وكره

(قوله: مشتملا) حال من فاعل خرجت

(قوله: لإسفار) أى: لإضاءة الصبح

(قوله: حال) أى: مؤكدة؛ لأنه قد علم من قوله خرجت مع البازى: أن خروجه فى بقية من الليل، فمعناها مستفاد من غيرها، وحينئذ فيعترض بأن الجملة المؤكدة يجب فيها ترك الواو، لا أنه يكثر فيها ذلك فقط كما هو أصل المدعى فلا يصح التمثيل بما ذكر، ويمكن الجواب بأن يقدر قوله على سواد: مقدما على قوله: مع البازى- فتأمل- قرره شيخنا العدوى.

(قوله: ثم قال الشيخ الوجه إلخ) حاصله أن قوله علي سواد، وكذا على كتفه سيف: فى إعرابه احتمالان- أحدهما: أن يجعل الاسم فاعلا بالظرف لاعتماده على صاحب الحال، وعلى هذا فالظرف إما مقدر باسم الفاعل أو بالفعل. ثانيهما: أن يجعل الاسم مبتدأ والمجرور قبله خبرا. قال الشيخ عبد القاهر: الوجه الأول من هذين أن يجعل الاسم فاعلا بالظرف لسلامته من تقديم ما أصله التأخير، وقال أيضا: ينبغى على جعل الاسم فاعلا بالظرف أن يقدر الظرف باسم الفاعل كمستقر دون الفعل كاستقر ويستقر

(قوله: الوجه أن يكون إلخ) أى: وعلى هذا فالحال ليست جملة اسمية بل مفردة، فلا يستنكر ترك الواو

(قوله: لا مبتدأ) أى: وما قبله خبر حتى يكون جملة اسمية

ص: 621

وينبغى أن يقدر هاهنا خصوصا أن الظرف فى تقدير اسم الفاعل دون الفعل، اللهم إلا أن يقدر فعل ماض؛ هذا كلامه وفيه بحث.

والظاهر أن مثل: على كتفه سيف يحتمل أن يكون فى تقدير المفرد، وأن يكون جملة اسمية قدم خبرها، وأن يكون فعلية مقدرة بالماضى، أو المضارع. فعلى تقديرين تمتنع الواو، وعلى تقديرين لا تجب الواو؛ فمن أجل هذا كثر تركها.

===

(قوله: هاهنا) أى: فى مقام وقوع الظرف حالا، (وقوله: خصوصا) أى: بالخصوص لا فى مقام وقوع الظرف خبرا أو نعتا؛ لأنه يقدر بالفعل أيضا

(قوله: أن الظرف) نائب فاعل يقدر

(قوله: فى تقدير اسم فاعل) أى: فهو فى تأويل المفرد فيكثر فيه الترك

(قوله: إلا أن يقدر فعل ماض) أى: لأن الترك أكثر فيه أيضا، ولا يقدر مضارعا؛ لأن الواو يجب تركها فيه

(قوله: هذا كلامه) أى: كلام الشيخ عبد القاهر

(قوله: وفيه بحث) أى: فى كلامه المذكور بحث، وحاصله أنه إن أريد أن سبب تقدير اسم الفاعل هنا بالخصوص أن أصل الحال الإفراد- فيرد عليه أن نحو: على كتفه سيف إذا كان خبرا أو نعتا كأن يقال: زيد على كتفه سيف، ومررت برجل على كتفه سيف، فالأصل فيهما الإفراد فينبغى أن يقدر فيهما اسم الفاعل لهذه العلة أيضا وهى كون أصلهما الإفراد- فلم يتم قوله: وينبغى أن يقدر هاهنا خصوصا؛ لأنه ينبغى أن يقدر فى غير ذلك أيضا، وإن كان سبب تقدير اسم الفاعل هنا بالخصوص شيئا آخر، فلم يبينه وكان ينبغى بيانه ويرد عليه أيضا أن تجويز تقدير المضارع لا يمنع وجود الواو؛ لأنه عند وجود الواو يقدر بالماضى لا بالمضارع وعند انتفائه يقدر بالمضارع ولو كان تجويز تقدير ما يمتنع معه الواو مانعا من الواو لمنع تجويز تقدير اسم الفاعل؛ لأن الواو ممتنعة مع وجوده بالأحرى.

(قوله: والظاهر إلخ) أى: والظاهر فى توجيه كثرة ترك الواو، وحاصله أن نحو على كتفه سيف يجوز فيه أربعة أحوال: جواز تقدير المضارع لما تبين أنه لا مانع من تقديره، وجواز تقدير اسم الفاعل وهو أرجح لرجوعه إلى الأصل، وجواز تقدير الماضى، وجواز تقدير الجملة الاسمية، فعلى التقديرين الأولين تمتنع الواو؛ لأن اسم الفاعل

ص: 622

وقال الشيخ أيضا: (ويحسن الترك) أى: ترك الواو فى الجملة الاسمية (تارة لدخول حرف على المبتدأ) يحصل بذلك الحرف نوع من الارتباط

===

مفرد والمضارع المثبت مثله فى المنع، وعلى الأخيرين لا تجب بل تجوز لجواز الواو فى الجملة الاسمية وفى الماضى- لا سيما- مع قد، ولا يمتنع على تقديرين مع رجحان أحدهما لكونه الأصل، ويجوز سقوطه على تقديرين آخرين كان الراجح والأكثر تركه، فقول الشارح فمن أجل هذا أى: من أجل ترك الواو على الاحتمالات الأربعة وإن كان الترك واجبا على احتمالين وجائزا على احتمالين، وهذا الذى ذكره الشارح هو الذى يظهر أن يقال فى تعليل كثرة سقوط الواو لا تقدير الحال بالإفراد فقط كما يؤخذ من كلام الشيخ عبد القاهر وإن كان مناسبا أيضا؛ لأن هذا الذى ذكره الشارح مشتمل عل ما قاله الشيخ وزيادة- كذا قرره شيخنا العدوى.

(قوله: وقال الشيخ أيضا) هذا يخصص ما تقدم عنه فى الشرح وهو قوله لا يجوز ترك الواو من الجملة الاسمية إلا بضرب من التأويل

(قوله: لدخول حرف) أى:

غير الواو على المبتدأ مثل: كأن. كما فى البيت ومثل: إن كما فى قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ (1) ومثل لا التبرئة كما في قوله تعالى: وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ (2)

(قوله: يحصل بذلك الحرف نوع من الارتباط) هذا يشير إلى أن العلة فى حسن ترك الواو هى أن دخول الحرف يحصل به نوع من الارتباط فأغنى عن الواو، وعلله بعضهم بكراهة اجتماع حرفين زائدين عن أصل الجملة وهذا التعليل أحسن، وذلك لأن ما علل به الشارح إنما يظهر فى بعض الحروف التى تفيد معنى الارتباط كتشبيه ما قبلها بما بعدها فى كأن أو تعليل ما قبلها بما بعدها، ولا يظهر فى غيره مع حسن الترك مع غيره أيضا كلا التبرئة فى قوله تعالى:

وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وكإن فى قوله تعالى: إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ

(قوله: نوع من الارتباط) أى: من أنواع الارتباط بين تلك الجملة والتى قبلها.

(1) الفرقان: 20.

(2)

الرعد: 41.

ص: 623

(كقوله:

فقلت عسى أن تبصرينى كأنّما

بنى حوالىّ الأسود الحوارد)

من: حرد؛ إذا غضب. فقوله: [بنى الأسود] جملة اسمية وقعت حالا من مفعول [تبصرينى]، ولولا دخول كأنما عليها لم يحسن الكلام إلا بالواو،

===

(قوله: كقوله) أى: الفرزدق يخاطب امرأة عذلته على اعتنائه بشأن بنيه فهو يقول لها: لا تلومينى فى ذلك عسى أن تشاهدينى، والحال أن أولادي على يميني ويسارى ينصروني كالأسود الحوارد أى: الغضاب وقيد بالغضاب؛ لأن أهيب ما يكون الأسد إذا غضب- كذا فى الفنرى والسيرامى، وفى شرح الشواهد: أن البيت للفرزدق من جملة أبيات قالها مخاطبا لزوجته النّوار، وكان قد مكث زمانا لا يولد له فعيرته بذلك وأول الأبيات:

وقالت أراه واحدا لا أخا له

يؤمّله يوما ولا هو والد

وبعده: فقلت عسى

البيت وبعده:

فإنّ تميما قبل أن يلد الحصا

أقام زمانا وهو فى النّاس واحد

(قوله: بنى)(1) أصله بنون لى حذفت النون للإضافة واللام للتخفيف، فصار بنوى اجتمعت الواو الياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء والضمة كسرت لمناسبة الياء، ثم أدغمت الياء فى الياء كما قيل فى مسلمى

(قوله: من حرد) بكسر الراء يقال حرد حردا بسكون الراء وتحريكها فهو حارد والجمع حوارد فيقال: ليث حارد، وليوث حوارد، مثل: صاهل وصواهل، وطالع وطوالع؛ لأن فاعلا إذا كان صفة لغير عاقل كان جمعه على فواعل قياسا

(قوله: جملة اسمية) فبنى مبتدأ والأسود خبر

(قوله: من مفعول تبصرينى) أى: وهو ياء المتكلم

(قوله: لم يحسن الكلام إلا بالواو) أى:

فدخول كأنما أوجب استحسان ترك الواو لئلا يتوارد على الجملة حرفان زائدان، وقوله لم يحسن الكلام إلا بالواو أى: لما مر من أن القياس ألّا تجىء الجملة الاسمية حالا إلا

(1) البيت للفرزدق فى ديوانه 1/ 346، وفيه" اللوابد" مكان" الحوارد"، وأساس البلاغة ص 79، " حرد" والحيوان 3/ 97، ومعاهد التنصيص 1/ 304.

ص: 624

وقوله: [حوالى]- أى: فى أكنافى وجوانبى- حال من [بنى] لما فى حرف التشبيه من معنى الفعل.

(و) يحسن الترك تارة (أخرى لوقوع الجملة الاسمية) الواقعة حالا (بعقب مفرد) حال (كقوله:

والله يبقيك لنا سالما

برداك تبجيل وتعظيم)

===

مع الواو

(قوله: وقوله حوالى أي فى أكنافى) أشار به إلى أنه ليس المقصود من حوالى التثنية وإن كان ملحقا بالمثنى فى الإعراب وفيما ذكره من التفسير إشارة إلى أن حوالي ظرف مكان

(قوله: حال من بنى) جوز بعضهم أن يكون حالا من الأسود أى: الأسود مستقرين فى جوانبى، ويمكن أن يكون حالا من الضمير فى الحوارد، وعليه فالعامل فى الحال وفى صاحبها واحد، بخلاف ما سلكه الشارح.

(قوله: لما فى حرف التشبيه) أى:

والعامل فيه كأنما لما فى إلخ، فقولهم الحال لا يأتى من المبتدأ: محله إذا لم يكن هناك عامل غير الابتداء كما يرشد له تعليلهم ذلك بقولهم؛ لأن العامل فيها هو العامل فى صاحبها، والابتداء ضعيف لا يعمل عملين- اه.

ولا يعترض بمخالفة عامل الحال لعامل صاحبها لجوازه عند بعض المحققين، أو يقال يكفى طلب حرف التشبيه فى المعنى لصاحب الحال وإن أهمل عنه.

(قوله: من معنى الفعل) أى: لأن المعنى أشبه بنى بالأسود حال كونهم حوالى فبنى مفعول به فى المعنى والعامل فى الحال وصاحبها ما دل عليه معنى كأن من الفعل، فاندفع ما يقال إنه يلزم على جعل حوالى حالا من بنى مجىء الحال من المبتدأ، والجمهور لا يجيزونه؛ لأن الابتداء عامل ضعيف فلا يعمل في معمولين فى الحال وصاحبها وإن جعل كأنما عاملا فى الحال لكونه بمعنى الفعل لزم مخالفة عامل الحال لعامل صاحبها

(قوله: بعقب) أى: بأثر مفرد- انظر لو كان هناك فاصل، وانظر هل يدخل فى المفرد الظرف والجار والمجرور، ولما كان قول المصنف بعقب مفرد يشمل بظاهره النعت قيده الشارح بالحال كما يقتضيه المقام

(قوله: كقوله) أى: ابن الرومى وهو من السريع وقبله:

ص: 625

فقوله: [برداك تبجيل] حال، ولو لم يتقدمها قوله:[سالما] لم يحسن فيها ترك الواو.

===

فقل له الملك ولو أنّه

قد جمعت فيه أقانيم

(قوله: برداك إلخ)(1) أى: يبقيك الله سالما مشتملا عليك التبجيل والتعظيم اشتمال البرد على صاحبه، والمقصود طلب بقائه على وصف السلامة وكونه مبجلا معظما، (وقوله: برداك) مبتدأ مرفوع بالألف، وتبجيل وتعظيم: خبره، والبردان:

الثوبان استعارهما الشاعر للوصفين، وثنى البرد باعتبار لفظى التبجيل والتعظيم المخبر بهما عنه مبالغة، وإن كان معناهما واحدا- كذا فى حاشية شيخنا الحفنى.

(قوله: حال) أى: من الكاف فى يبقيك سالما فهى حال مترادفة، أو من الضمير فى سالما فتكون متداخلة، لكن الاستشهاد بالبيت على المقصود إنما يأتى على الاحتمال الأول كما فى المطول، فليس البيت نصا فى المقصود لوجود الاحتمال الثانى، وأيضا يحتمل أن يكون برداك: فاعلا لسالما، ويكون تبجيل بدلا من برداك، وإذا سلم تبجيل الرجل وتعظيمه فقد سلم الرجل كما فى الأطول.

(قوله: لم يحسن فيها ترك الواو) فتركت الواو فى الجملة لمناسبة ما قبلها أعنى:

الحال المفردة، إذ لا يؤتى معها بالواو، وقال الخلخالى: وجه حسن ترك الواو لئلا يتوهم أنها عاطفة لتلك الجملة على المفرد المتقدم، ونوزع بأن عطف الجملة على المفرد إذا كانت فى تأويله غير مستقبح قال الشيخ يس: تنبيه: بقى من الأقسام الجملة الشرطية نحو: جاء زيد وإن سأل يعط والواو فيها لازمة خلافا لابن جنى، ووجه تمشيته على قاعدة المصنف السابقة أنها ليس فيها حصول ولا مقارنة، فلذلك لزمت الواو لفقد خاصتي الحال المفردة، ولا فرق بين أن يكون الجواب فى الجملة المذكورة خبرا أو إنشاء، أما الأول فظاهر؛ لأنه إذا كان خبرها خبرا كانت خبرية، وأما الثانى فمشكل؛ لأن الجملة الشرطية حينئذ تكون إنشائية والإنشاء لا يقع حالا، وأجيب بأن الجملة

(1) البيت لابن الرومى على بن العباس بن جريج الشاعر العباسي فى التلخيص فى علوم البلاغة ص 53، والإيضاح فى علوم البلاغة ص 160 بتحقيق د/ عبد الحميد هنداوى ط 2.

ص: 626