الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الأول: النصيحة للأمراء
344 -
حدثنا أبو عمر الحَوْضي
(1)
، عن عبيدة بن أبي رائطة
(2)
قال: أخبرني معاوية بن إسحاق قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: يا أبا عباس آمر أميري بتقوى الله؟ قال: إن خفت أن يقتلك فلا، فإن كنت لا بد فاعلا فبينك وبينه
(3)
.
(1)
حفص بن عمر الحَوْضي، ثقة، ثبت. التقريب (ص 112).
(2)
جاء في المطبوع "عبيدة بن الحدايطة" وهو خطأ، والتصحيح من المخطوط ل (163/ أ).
(3)
مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص 339).
الإسناد فيه انقطاع؛ معاوية بن إسحاق لم يدرك ابن عباس، لأنه من الطبقة السادسة الذين لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة. انظر التقريب (ص 469). وقد جاء ذكر الواسطة عند من أخرج هذا الأثر، وهو سعيد بن جبير، فيرتقي الأثر بمجموعه إلى درجة الحسن، والله أعلم.
وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (38462)، والبيهقي في الشعب (6/ 96)، وابن أبي الدنيا في "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (ص 113) من طرق عن معاوية بن إسحاق عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس
…
الأثر.
التعليق: الإمامة هي: "موضوعة لخلافَة النبوة في حراسة الدينِ وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بِالإجماع". الأحكام السلطانية للماوردي =
.........
=
(1/ 60)، وانظر في تعريفها أيضا: المقدمة لابن خلدون (ص 190)، وغياث الأمم لأبي المعالي الجويني (ص 55)، وكتاب "المواقف" للإيجي (3/ 574).
وإذا نصب الإمام وتمت له البيعة، فإن له حقوقا على رعيته، ومن تلك الحقوق: أن يبذلوا له النصح بالطرق التي بينها لنا الشرع الحكيم.
وقد دل الكتاب والسنة على مشروعية النصح لمن ولاه الله أمر المسلمين:
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59].
قال فضيلة الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله- في كتابه قطف الجنى الداني (ص 170): "حقُّ وُلاة الأمر على الرعية النصحُ لهم بالسمع والطاعة لهم في المعروف، والدعاء لهم، وترك الخروج عليهم ولو كانوا جائرين". وانظر الروضة الندية لصديق حسن خان (3/ 510).
وأما من السنة فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه (55) عن تميم الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم فإن الدعوة تحيط من ورائهم". أخرجه الترمذي في السنن (4/ 395 رقم 2658) وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم (2658). =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=
قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم (2/ 227): "وأما النصيحة لأئمة المسلمين: فمعاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وأمرهم به، وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم، وتألف قلوب الناس لطاعتهم".
وقال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (ص 153): "وأما النصيحة لأئمة المسلمين، فحب صلاحهم ورشدهم وعدلهم، وحب اجتماع الأمة عليهم، وكراهة افتراق الأمة عليهم، والتدين بطاعتهم في طاعة الله عز وجل، والبغض لمن رأى الخروج عليهم، وحب إعزازهم في طاعة الله".
وقال أبو نعيم الأصبهاني في كتابه "فضيلة العادلين من الولاة"(139): "من نصح الولاة والأمراء اهتدى، ومن غشهم غوى واعتدى".
أما طريقة نصح الوالي أو الإمام فهي ليست اجتهادية كل بحسب ما يرى، وإنما هي توقيفية جاء النص الصريح من النبي صلى الله عليه وسلم ببيان كيفيتها.
فعن عياض بن غنم رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يبد له علانية ولكن ليأخذ بيده فيخلو به فإن قبل منه فذاك وإلا كان قد أدى الذي عليه له". رواه أحمد في المسند (3/ 403)، والحاكم في المستدرك (3/ 329) وصححه، وابن أبي عاصم في السنة (1096) وصححه الألباني في ظلال الجنة.
فهذه هي الطريقة النبوية في نصح الإمام: أن تكون سرا بينهما، وألا تكون على رؤوس الأشهاد، وأن تكون برفق ولين وحرص على مصلحة المنصوح. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=
وقد ترجم الصحابة الكرام أمر النبي صلى الله عليه وسلم عمليا، فهذا أسامة بن زيد رضي الله عنه يقال له ألا تدخل على عثمان رضي الله عنه فتكلمه؟ فقال:"أترَوْن أني لا أكلمه إلا أُسْمِعُكم؟ والله لقد كلمته فيما بيني وبينه. ما دون أن أفتتح أمرا لا أحب أن أكون أول من فتحه". أخرجه البخاري (3267)، ومسلم (2989).
قال ابن حجر معلقا على فعل أسامة بن زيد رضي الله عنه: "أي: كلمته فيما أشرتم إليه، لكن على سبيل المصلحة والأدب في السر، بغير أن يكون في كلامي ما يثير فتنة أو نحوها". فتح الباري (13/ 65).
وقال أحمد بن النحاس في كتابه "تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين"(ص 64): "يختار الكلام مع السلطان في الخلوة على الكلام معه على رؤوس الأشهاد".
وقال الإمام الشوكاني في كتابه "السيل الجرار"(4/ 556): "ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل أن يناصحه، ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد؛ بل كما ورد في الحديث أنه يأخذ بيده، ويخلو به، ويبذل له النصيحة، ولا يذل سلطان الله".
وللمزيد في عرض منهج السلف في كيفية نصح الإمام فإني أحيل القارئ الكريم إلى كتاب "معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة" للشيخ الدكتور عبد السلام بن برجس العبد الكريم رحمه الله (ص 103 - 132).