الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الرابع: ما جاء في وسوسة القلوب
479 -
سمعت إسحاق يقول في حديث النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين في الوسوسة أنه محض الإيمان أو صريح الإيمان. قال إسحاق: إذا أنفى الوسوسة عن نفسه فنفيه محض الإيمان ليس الوسوسة محض الإيمان، ولكن نفيه، وأما الوسوسة إذا وقع في القلب فلم ينفه فهو الهلاك. قال: وأما ما روي عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا إذا فقدوا الوسوسة عدوه نقصًا، فليس أن يكونوا عدوًا فقد الوسوسة نقصًا، ولكن كانوا إذا أصابهم ذلك نفوهًا عن أنفسهم فإذا لم يصيبهم ذلك عدوه نقصًا، لأن نفي ذلك عندهم فضيلة عندهم أو كما قال
(1)
.
480 -
حدثنا أبو سهل بشر بن معاذ قال: حدثنا يوسف بن عطية قال: حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شكوا إليه ما يجدون من هذه الوساوس في صدورهم. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كيف أنتم وربكم؟ قالوا: لا نشك في ربنا، وليقع أحدنا من السماء فيتقطع أحب إليه من أن يتكلم بما في صدره، فقال
(1)
مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص 351).
النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر الله أكبر ذاك محض الإيمان
(1)
. قال أبو سهل: قلت للعتبي
(2)
: إن عبد الرحمن (كك 2) وأثنى عليه خيرًا ما عنى بقوله ذلك محض الإيمان؟ فقال: عنى به الخوف الذي شكوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الذي وجدوه في صدورهم ذلك محض الإيمان
(3)
.
(1)
إسناده ضعيف: يوسف بن عطية الصفار: متروك. التقريب (ص 540).
وأخرج نحوه أحمد بن حنبل في المسند (6/ 106)، ومسلم في صحيحه (كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها ح 132).
(2)
لم يتبين لي من هو.
(3)
مسائل الإمام أحمد برواية حرب الكرماني (ص 351).
لم أجد من أخرجه.
التعليق: لقد خلق الله تعالى إبليس، وأخبرنا أنه عدو لبني آدم، يصدهم عن الدين، ويوقعهم في الشكوك والآثام، فطرق إغوائه كثيرة خطيرة، ومنها ما أعطاه الله من القدرة على الوسوسة في قلوب الناس، فينكد عليهم أمرهم ويفسد عليهم دينهم.
وقد ورد في القراَن الكريم صور عديدة تبين وسوسة الشيطان لبني آدم منها: قوله تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأعراف: 200]. وقال تعالى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= [الأعراف: 20].
وقال تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى [طه:120]. وقال تعالى: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)} [الناس: 4 - 6].
والوسوسة تكون تارة من النفس. قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} [ق:16].
وقد جاء في السنة معالجة كثير من صور الوسوسة التي يحدثها الشيطان على الناس ليوقعهم في الشك في الدين. فمن ذلك:
ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه، فليستعذ باللّه ولينته". رواه البخاري (3276)، ومسلم (134).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال ذاك صريح الإيمان". رواه مسلم (132).
وعن عئمان بن أبي العاص رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثًا، فقال: ففعلت =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ذلك فأذهبه الله عني". رواه مسلم (2203).
وأنفع علاج في دفع الوسوسة: الإِقبال على ذكر الله تعالى والإِكثار منه، فإن الشيطان إذا سمع الذكر خنس، وتأخر وبعُد، ولأن الوسواس إنما يُبتلى به من كمل إيمانه، فإن اللصّ لا يقصد بيتًا خربًا. انظر الأذكار للنووي (ص 226).
قال ابن القيم في إغاثة اللهفان في مصائد الشيطان (1/ 181): "أن القرآن شفاء لما في الصدور، يُذهب ما يلقيه الشيطان فيها من الوساوس، والشهوات، والإرادات الفاسدة، فهو دواء لما أثَّره فيها الشيطان، فأمر أن يطرُد مادة الداء، ويُخلي منه القلب؛ ليصادف الدواء محلًا خاليًا، فيتمكن منه، ويؤثر فيه، كما قيل:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ....... فصادف قلبا خاليا فتمكنا
فيجيء هذا الدواء الشافي إلى القلب قد خلا من مزاحم ومُضادٍّ له؛ فينجع فيه".
المبحث الخامس
ما جاء في حكم تارك الصلاة