الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاعتراف بالحق، وأن يطلق اللسان بالحمد والثناء، وَيُقِرَّ على نفسه بالعجز، ويشكره على الاستفادة ويقول:"ما أحسن ما فطنت له، وقد كنت غافلاً عنه فجزاك الله خيرًا كما نبهتني له" فالحكمة ضالة المؤمن فإذا وجدها ينبغي أن يشكر من دله عليها.
فإذا واظب على ذلك مرات متوالية صار ذلك له طبعًا، وسقط ثِقَلُ الْحَقِّ عَنْ قَلْبِهِ، وطاب له قبوله.
وكل ذلك من أمراض القلوب وعلله المهلكة له إن لم تتدارك. وقد أهمل الناس طب القلوب واشتغلوا بطب الأجساد مع أن الأجساد قد كتب عليها الموت لا محالة، والقلوب لا تدرك السعادة إلا بسلامتها إذ قال تعالى:{إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 89].
بيان غاية الرياضة في خلق التواضع:
اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْخُلُقَ كَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ لَهُ طَرَفَانِ وَوَسَطٌ، فطرفه الذي يميل إلى الزيادة يسمى تكبرًا، وطرفه يميل إلى النقصان يسمى تَخَاسُسًا وَمَذَلَّةً،
وَالْوَسَطُ يُسَمَّى تَوَاضُعًا، والمحمود أن يتواضع في غير مَذَلَّةٍ وَتَخَاسُسٍ، فإن: كِلَا طَرَفَيْ قَصْدِ الْأُمُورِ ذَمِيمُ.
وأحب الأمور إلى الله تعالى أوساطها، فمن يتقدم على أمثاله فهو متكبر، ومن يتأخر عنهم فهو متواضع، أي وضع شيئًا من قدره الذي يستحقه، والعالم إذا دخل عليه دنيء فتنحى له عن مجلسه وأجلسه فيه، ثم تقدم وسوى له نعله، وغدا إلى باب الدار خلفه فقد تَخَاسَسَ وَتَذَلَّلَ، وهو أيضًا غير محمود، بل المحمود عند الله العدل، وهو أن يعطي كل ذي حق حقه، فينبغي أن يتواضع بمثل هذا لأقرانه ومن يقرب من درجته، فأما تواضعه للسوقي فبالقيام والبشر في الكلام والرفق في السؤال وإجابة دعوته والسعي في حاجته وأمثال ذلك، وأن لا يرى نفسه خيرًا منه فلا يحتقره، ولا يستصغره، وهو لا يعرف خاتمة أمره (1).
(1) انظر: موعظة المؤمنين - (ص 250 - 252). [بتصرفٍ]