الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَلَوْ أَرَادَ الْعَبْدُ صَوْمَ تَطَوُّعٍ فِي وَقْتٍ يَضُرُّ بِالسَّيِّدِ، فَلَهُ مَنْعُهُ، وَفِي غَيْرِهِ، لَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ، حَكَاهُ الْمُحَامِلِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ، فَإِنَّ لِلزَّوْجِ مَنْعَهَا مِنْ صَوْمِ التَّطَوُّعِ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُهُ الْوَطْءَ، وَحَكَى فِي الْبَيَانِ، أَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ مِنْ صَلَاةِ النَّفْلِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْخِدْمَةِ، إِذْ لَا ضَرَرَ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، كَالْحُرِّ فِي التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَفِيهِ كَلَامٌ آخَرُ، وَتَفْصِيلٌ نَذْكُرُهُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَصْلٌ
فِي بَيَانِ حُكْمِ صَوْمِ الْكَفَّارَةِ الْمُرَتَّبَةِ
فِيهِ مَسَائِلُ
إِحْدَاهَا: يَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ صَوْمَ الْكَفَّارَةِ فِي اللَّيْلِ لِكُلِّ يَوْمٍ، وَلَا يَجِبُ تَعْيِينُ جِهَةِ الْكَفَّارَةِ، وَلَا يَجِبُ نِيَّةُ التَّتَابُعِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: تَجِبُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ فَقَطْ، وَلَوْ نَوَى الصَّوْمَ بِاللَّيْلِ قَبْلَ طَلَبِ الرَّقَبَةِ، ثُمَّ طَلَبَ فَلَمْ يَجِدْهَا، لَمْ يُجْزِئْهُ صَوْمُهُ إِلَّا أَنْ يُجَدِّدَ النِّيَّةَ فِي اللَّيْلِ بَعْدَ الْفَقْدِ، لِأَنَّ تِلْكَ النِّيَّةَ تَقَدَّمَتْ عَلَى وَقْتِ جَوَازِ الصَّوْمِ، ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ فِي «التَّجْرِبَةِ» .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمُ كَفَّارَةٍ، فَهَلْ يَصُومُ عَنْهُ وَلِيُّهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، سَبَقَا فِي كِتَابِ الصِّيَامِ.
الثَّالِثَةُ: إِنِ ابْتَدَأَ بِالصَّوْمِ لِأَوَّلِ شَهْرٍ هِلَالِيٍّ، صَامَ شَهْرَيْنِ بِالْأَهِلَّةِ، وَلَا يَضُرُّ نَقْصُهُمَا، وَإِنِ ابْتَدَأَ فِي خِلَالِ شَهْرٍ، صَامَ بَقِيَّتَهُ، ثُمَّ صَامَ الَّذِي يَلِيهِ بِالْهِلَالِ، وَلَا يَضُرُّ نَقْصُهُ، ثُمَّ يُتِمُّ الْأَوَّلَ مِنَ الثَّالِثِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ، إِذَا ابْتَدَأَ فِي خِلَالِ شَهْرٍ، لَزِمَهُ سِتُّونَ يَوْمًا.
الرَّابِعَةُ: التَّتَابُعُ فِي الصَّوْمِ وَاجِبٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فَلَوْ وَطِئَ الْمَظَاهِرُ بِاللَّيْلِ قَبْلَ تَمَامِ الشَّهْرَيْنِ، عَصَى بِتَقْدِيمِ التَّكْفِيرِ، وَلَكِنْ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ.
وَلَوْ أَفْسَدَ صَوْمَ الْيَوْمِ الْآخَرِ أَوْ غَيْرِهِ، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُ الشَّهْرَيْنِ. وَهَلْ يُحْكَمُ بِفَسَادِ مَا مَضَى، أَمْ يَنْقَلِبُ نَفْلًا؟ فِيهِ قَوْلَانِ فِيمَا إِذَا نَوَى الظُّهْرَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَنَظَائِرِهِ. وَالْحَيْضُ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالْوِقَاعِ فِي رَمَضَانَ إِنْ لَزِمَتْهَا كَفَّارَةٌ، فَتَبْنِي إِذَا طَهُرَتْ، وَالنِّفَاسُ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ عَلَى الصَّحِيحِ، كَالْحَيْضِ. وَقِيلَ: يَقْطَعُهُ لِنُدْرَتِهِ، حَكَاهُ أَبُو الْفَرَجِ السَّرَخْسِيُّ. وَالْفِطْرُ بِعُذْرِ الْمَرَضِ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَهُوَ الْجَدِيدُ، لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي الصَّوْمَ، وَإِنَّمَا قَطَعَهُ بِفِعْلِهِ، بِخِلَافِ الْحَيْضِ، وَالْجُنُونُ كَالْحَيْضِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: كَالْمَرَضِ، وَالْإِغْمَاءُ كَالْجُنُونِ. وَقِيلَ: كَالْمَرَضِ. وَأَمَّا الْفِطْرُ بِالسَّفَرِ، وَفِطْرُ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ خَوْفًا عَلَى الْوَلَدِ، فَقِيلَ: كَالْمَرَضِ. وَقِيلَ: يَقْطَعُ قَطْعًا، لِأَنَّهُ بِاخْتِيَارِهِ.
قُلْتُ: أَطْلَقَ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْحَيْضَ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ، وَذَكَرَ الْمُتَوَلِّي، أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ فِي الطُّهْرِ تَمْتَدُّ شَهْرَيْنِ، فَشَرَعَتْ فِي الصَّوْمِ فِي وَقْتٍ يَتَخَلَّلُهُ الْحَيْضُ، انْقَطَعَ، وَلَوْ أَفْطَرَتِ الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ خَوْفًا فِي نَفْسَيْهِمَا، فَقَالَ الْمُحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ، وَصَاحِبَا «الْحَاوِي» وَ «الشَّامِلِ» وَالْأَكْثَرُونَ: هُوَ كَالْمَرَضِ.
وَفِي تَجْرِيدِ الْمُحَامِلِيِّ: أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ قَطْعًا، وَلَوْ غَلَبَهُ الْجُوعُ فَأَفْطَرَ، بَطَلَ التَّتَابُعُ. وَقِيلَ: كَالْمَرَضِ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
نِسْيَانُ النِّيَّةِ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي، يَقْطَعُ التَّتَابُعَ كَتَرْكِهَا عَمْدًا، وَلَا يُجْعَلُ النِّسْيَانُ عُذْرًا فِي تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
قُلْتُ: لَوْ صَامَ أَيَّامًا مِنَ الشَّهْرَيْنِ، ثُمَّ شَكَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ، هَلْ نَوَى
فِيهِ، أَمْ لَا؟ لَمْ يَلْزَمْهُ الِاسْتِئْنَافُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا أَثَرَ لِلشَّكِّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْيَوْمِ، ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ فِي مَسَائِلِ الْمُتَحَيِّرَةِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْأَكْلِ فَأَكَلَ، وَقُلْنَا: يَبْطُلُ صَوْمُهُ، انْقَطَعَ تَتَابُعُهُ، لِأَنَّهُ سَبَبٌ نَادِرٌ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَجَعَلَهُمَا ابْنُ كَجٍّ كَالْمَرَضِ، قَالَ: وَلَوِ اسْتَنْشَقَ، فَوَصْلَ الْمَاءُ إِلَى دِمَاغِهِ، وَقُلْنَا: يُفْطِرُ، فَفِي انْقِطَاعِ التَّتَابُعِ الْخِلَافُ.
قُلْتُ: لَوْ أُوجِرَ الطَّعَامَ مُكْرَهًا، لَمْ يُفْطِرْ، وَلَمْ يَنْقَطِعْ تَتَابُعُهُ، هَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِي كُلِّ الطُّرُقِ، وَشَذَّ الْمُحَامِلِيُّ فَحَكَى فِي التَّجْرِيدِ وَجْهًا أَنَّهُ يُفْطِرُ وَيَنْقَطِعُ تَتَابُعُهُ، وَهَذَا غَلَطٌ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
لَوِ ابْتَدَأَ بِالصَّوْمِ فِي وَقْتٍ يَدْخُلُ عَلَيْهِ رَمَضَانُ قَبْلَ تَمَامِ الشَّهْرَيْنِ، أَوْ يَدْخُلُ يَوْمَ النَّحْرِ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَيَعُودُ الْقَوْلَانِ فِي أَنَّهُ يَبْطُلُ أَمْ يَقَعُ نَفْلًا.
فَرْعٌ
لَوْ صَامَ رَمَضَانَ بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَوْ نَوَاهُمَا، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَيْضًا. وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ حَرْبَوَيْهِ، أَنَّهُ يُجُزِئُهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا، وَغَلَّطَهُ فِيهِ. وَفِي كِتَابِ ابْنِ كَجٍّ، أَنَّ الْأَسِيرَ إِذَا صَامَ عَنِ الْكَفَّارَةِ بِالِاجْتِهَادِ، فَغَلِطَ فَجَاءَ رَمَضَانُ أَوْ يَوْمُ النَّحْرِ قَبْلَ تَمَامِ الشَّهْرَيْنِ، فَفِي انْقِطَاعِ التَّتَابُعِ الْخِلَافُ فِي انْقِطَاعِهِ بِإِفْطَارِ الْمَرِيضِ.
فَرْعٌ
إِذَا أَوْجَبْنَا التَّتَابُعَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، فَحَاضَتْ فِي خِلَالِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ، فَقِيلَ:
فِيهِ قَوْلَانِ، كَالْفِطْرِ بِالْمَرَضِ فِي الشَّهْرَيْنِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ طَرِيقٌ جَازِمٌ، بِانْقِطَاعِ التَّتَابُعِ.
قُلْتُ: صَرَّحَ بِالطَّرِيقَةِ الْجَازِمَةِ، الدَّارِمِيُّ وَصَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» فَقَالَا: الْمَذْهَبُ انْقِطَاعُهُ، ذَكَرَهُ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ، وَفِيهِ طَرِيقٌ ثَالِثٌ، أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ قَطْعًا، لِأَنَّ وُجُوبَ التَّتَابُعِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ هُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ، وَالْمَرَضُ لَا يَقْطَعُ عَلَى الْقَدِيمِ، ذَكَرَ ذَلِكَ صَاحِبَا الْإِبَانَةِ وَالْعُدَّةِ وَغَيْرُهُمَا. قَالَ صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» : هَذَا غَلَطٌ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهَا الِاحْتِرَازُ بِالثَّلَاثَةِ عَنِ الْحَيْضِ دُونَ الْمَرَضِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: لَوْ شَرَعَ فِي صَوْمِ الشَّهْرَيْنِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ وَيَسْتَأْنِفَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَدْ ذَكَرُوا فِي جَوَازِهِ احْتِمَالَيْنِ. أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الِابْتِدَاءِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِبْطَالُ عِبَادَةٍ، فَكُلُّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ يُبْطِلُ صِفَةَ الْفَرْضِيَّةِ، وَيَجْرِي الِاحْتِمَالَانِ فِي الْحَائِضِ وَغَيْرِهَا، فِيمَنْ شَرَعَ فِي الشَّهْرَيْنِ، ثُمَّ عَرَضَ فِطْرٌ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ، ثُمَّ زَالَ فَأَرَادَ الْفِطْرَ بِلَا عُذْرٍ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ، ثُمَّ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ أَرْجَحُ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ. وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ الشَّهْرَيْنِ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ، كَصَوْمِ يَوْمٍ، فَيَكُونُ قَطْعُهُ كَقَطْعِ فَرِيضَةٍ شَرَعَ فِيهَا، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَهَذَا حَسَنٌ. قَالَ الْإِمَامُ: وَالْمَسْأَلَةُ فِيمَا إِذَا لَمْ يَنْوِ صَوْمَ الْغَدِ، وَقَالَ: الْإِفْطَارُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي شَرَعَ فِيهِ لِبُعْدِ التَّسْلِيطِ عَلَيْهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الْخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ: الْإِطْعَامُ، فِيهَا مَسَائِلُ.
إِحْدَاهَا: فِي قَدْرِ الطَّعَامِ، وَهُوَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْجِمَاعِ فِي رَمَضَانَ، وَالْقَتْلِ إِنْ أَوْجَبْنَاهُ، فِيهَا سِتُّونَ مُدًّا لِسِتِّينَ مِسْكِينًا، وَالْمُدُّ: رِطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْبَغْدَادِيِّ،
وَهُوَ مُدُّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَاعْلَمْ أَنَّ فِي قَدْرِ الْفِطْرَةِ وَالْكَفَّارَةِ وَنَحْوِهِمَا نَوْعُ إِشْكَالٍ، لِأَنَّ الصَّيْدَلَانِيَّ وَغَيْرَهُ ذَكَرُوا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ الْكَيْلُ دُونَ الْوَزْنِ، لِاخْتِلَافِ جِنْسِ الْمَكِيلِ فِي الْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ، فَالْبُرُّ أَثْقَلُ مِنَ الشَّعِيرِ، وَأَنْوَاعُ الْبُرِّ تَخْتَلِفُ، فَالْوَاجِبُ مَا حَوَاهُ الْمِكْيَالُ بَالِغًا وَزْنُهُ مَا بَلَغَ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ: التَّقْدِيرُ الْمَذْكُورُ فِي وَزْنِ الْمُدِّ، اعْتُبِرَ فِيهِ الْبُرُّ أَوِ التَّمْرُ، وَمُقْتَضَى هَذَا، أَنْ يُجْزِئَ مِنَ الشَّعِيرِ مِلْءُ الصَّاعِ وَالْمُدِّ، وَإِنْ نَقَصَ وَزْنُهُ، لَكِنِ اشْتُهِرَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ، ثُمَّ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ، أَنَّ دِرْهَمَ الشَّرِيعَةِ خَمْسُونَ حَبَّةً وَخُمُسَا حَبَّةٍ، وَيُسَمَّى ذَلِكَ: دِرْهَمَ الْكَيْلِ، لِأَنَّ الرِّطْلَ الشَّرْعِيَّ مِنْهُ يُرَكَّبُ، وَيُرَكَّبُ مِنَ الرِّطْلِ الْمُدُّ وَالصَّاعُ. وَذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، أَنَّ الْحَبَّةَ الَّتِي يَتَرَكَّبُ مِنْهَا الدِّرْهَمُ، هِيَ حَبَّةُ الشَّعِيرِ الْمُتَوَسِّطَةُ الَّتِي لَمْ تُقَشَّرْ وَقُطِعَ مِنْ طَرَفَيْهَا مَا امْتَدَّ. وَمُقْتَضَى هَذَا، أَنْ يَحْوِيَ الصَّاعُ هَذَا الْقَدْرَ مِنَ الشَّعِيرِ، وَحِينَئِذٍ إِنِ اعْتَبَرْنَا الْوَزْنَ لَمْ يَمْلَأِ الْبُرُّ بِهَذَا الْوَزْنِ الصَّاعَ، وَإِنِ اعْتَبَرْنَا الْكَيْلَ، كَانَ الْمُجْزِئُ مِنَ الْبُرِّ أَكْثَرَ مِنَ الشَّعِيرِ وَزْنًا.
قُلْتُ: هَذَا الْإِشْكَالُ وَجَوَابُهُ، قَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي «بَابِ زَكَاةِ الْمُعْشِرَاتِ» . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: يَجِبُ الصَّرْفُ إِلَى سِتِّينَ مِسْكِينًا، فَلَوْ صَرَفَ إِلَى وَاحِدٍ سِتِّينَ مُدًّا فِي سِتِّينَ يَوْمًا، لَمْ يُجْزِئْهُ، وَلَوْ جَمَعَ سِتِّينَ، وَوَضَعَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ سِتِّينَ مُدًّا، وَقَالَ: مَلَّكْتُكُمْ هَذَا وَأَطْلَقَ، أَوْ قَالَ: بِالسَّوِيَّةِ فَقَبِلُوهُ، أَجْزَأَهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَالَ الِاصْطَخْرِيُّ: لَا يُجْزِئُهُ، وَلَوْ قَالَ: خُذُوا وَنَوَى الْكَفَّارَةَ، فَأَخَذُوا بِالسَّوِيَّةِ، أَجْزَأَهُ، وَإِنْ تَفَاوَتُوا، لَمْ يُجْزِئْهُ إِلَّا وَاحِدٌ، لِأَنَّا نَتَيَقَّنُ أَنَّ أَحَدَهُمْ أَخَذَ مُدًّا، فَإِنْ تَيَقَّنَّا أَنَّ عَشَرَةً أَوْ عِشْرِينَ أَوْ غَيْرَهُمْ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُدًّا فَأَكْثَرَ، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ الْعَدَدُ، وَلَزِمَهُ الْبَاقِي، وَلَوْ صَرَفَ السِّتِّينَ إِلَى ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا، أَجْزَأَهُ
ثَلَاثُونَ مُدًّا، وَيَصْرِفُ إِلَى ثَلَاثِينَ غَيْرَهُمْ ثَلَاثِينَ مُدًّا، وَيَسْتَرِدُّ الْأَمْدَادَ الزَّائِدَةَ مِنَ الْأَوَّلِينَ إِنْ شَرَطَ كَوْنَهَا كَفَّارَةً، وَإِلَّا فَلَا يَسْتَرِدُّ.
وَلَوْ صَرَفَ سِتِّينَ مُدًّا إِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ مِسْكِينًا، أَجْزَأَهُ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثُونَ مُدًّا، وَيَصْرِفُ ثَلَاثِينَ مُدًّا إِلَى سِتِّينَ مِنْهُمْ، وَالِاسْتِرْدَادُ مِنَ الْبَاقِينَ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ. وَيَجُوزُ صَرْفُ الْكَفَّارَةِ إِلَى الْفُقَرَاءِ، وَلَا يَجُوزُ صَرْفُهَا إِلَى كَافِرٍ، وَلَا إِلَى هَاشِمِيٍّ وَمَطَّلِبِيٍّ، وَلَا إِلَى مَنْ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ كَزَوْجَةٍ وَقَرِيبٍ، وَلَا إِلَى عَبْدٍ، وَلَا إِلَى مُكَاتَبٍ. وَلَوْ صَرَفَ إِلَى عَبْدٍ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَالسَّيِّدُ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ، جَازَ، لِأَنَّهُ صَرَفَ إِلَى السَّيِّدِ. وَلَوْ صَرَفَ إِلَيْهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، بُنِيَ عَلَى قَبُولِهِ الْوَصِيَّةَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَصْرِفَ لِلْمَجْنُونِ وَالصَّغِيرِ إِلَى وَلِيِّهِمَا. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الصَّغِيرُ رَضِيعًا، لَمْ يَصِحَّ الصَّرْفُ لَهُ، لِأَنَّ طَعَامَهُ اللَّبَنُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ فِيمَا لَوْ دَفَعَهُ إِلَى الصَّغِيرِ فَبَلَّغَهُ الصَّغِيرُ وَلَيَّهُ.
فَرْعٌ
يَجُوزُ أَنْ يَصْرِفَ إِلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ مَدِينٍ عَنْ كَفَّارَتَيْنِ، وَلَوْ دَفَعَ مُدًّا إِلَى مِسْكِينٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ وَدَفَعَهُ إِلَى آخَرَ، وَلَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ بِهِ هَكَذَا حَتَّى اسْتَوْعَبَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، أَجْزَأَهُ، لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ.
فَرْعٌ
لَوْ وَطِئَ الْمُظَاهِرُ مِنْهَا فِي خِلَالِ الْإِطْعَامِ، لَمْ يَجِبِ الِاسْتِئْنَافُ، كَمَا لَوْ وَطِئَ فِي خِلَالِ الصَّوْمِ بِاللَّيْلِ.
فَرْعٌ
أَطْعَمَ بَعْضَ الْمَسَاكِينِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الصَّوْمِ، لَا يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ إِلَيْهِ.
فَرْعٌ
ذَكَرَ الرُّويَانِيُّ فِي التَّجْرِبَةِ، أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ الطَّعَامَ إِلَى الْإِمَامِ، فَتَلِفَ فِي يَدِهِ قَبْلَ تَفْرِقَتِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ، لَا يُجْزِئُهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ، لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَدَ لَهُ عَلَى الْكَفَّارَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: جِنْسُ طَعَامِ الْكَفَّارَةِ، كَالْفِطْرَةِ، وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ الْأُرْزُ، وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ إِذَا نُحِّيَتْ عَنْهُ الْقِشْرَةُ الْعُلْيَا، لِأَنَّ ادِّخَارَهُ فِيهَا، وَالصَّحِيحُ الْإِجْزَاءُ، ثُمَّ إِنْ كَانَ فِي الْقِشْرَةِ الْعُلْيَا، أَخْرَجَ قَدْرًا يُعْلَمُ اشْتِمَالُهُ عَلَى مُدٍّ مِنَ الْحَبِّ، وَلَمْ يَجْرِ هَذَا الْخِلَافُ فِي الْفِطْرَةِ. وَجَرَى ذِكْرُ قَوْلٍ فِي الْعَدَسِ وَالْحِمَّصِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَجِيءَ فِي كُلِّ بَابٍ مَا نُقِلَ فِي الْآخَرِ، وَفِي الْأَقِطِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ هُنَاكَ. فَإِنْ قُلْنَا بِالْإِجْزَاءِ، فَيَخُصُّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ، أَمْ يَعُمُّ الْحَاضِرَ وَالْبَادِيَ؟ حَكَى ابْنُ كَجٍّ فِيهِ وَجْهَيْنِ. وَفِي اللَّحْمِ وَاللَّبَنِ خِلَافٌ مُرَتَّبٌ عَلَى الْأَقِطِ، وَأَوْلَى بِالْمَنْعِ، ثُمَّ الِاعْتِبَارُ بِغَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ مِنَ الْأَقْوَاتِ الْمُجْزِئَةِ، أَمْ بِغَالِبِ قُوتِهِ، أَمْ يَتَخَيَّرُ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، الصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ: فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ مِمَّا لَا يُجْزِئُ كَاللَّحْمِ، اعْتُبِرَ الْغَالِبُ مِنْ قُوتِ أَقْرَبِ الْبِلَادِ، وَلَا يُجْزِئُ الدَّقِيقُ وَلَا السَّوِيقُ، وَلَا الْخُبْزُ عَلَى الصَّحِيحِ فِي الثَّلَاثَةِ، وَلَا تُجْزِئُ الْقِيمَةُ قَطْعًا.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: يُشْتَرَطُ تَمْلِيكُ الْمُسْتَحِقِّينَ وَتَسْلِيطُهُمُ التَّامُّ، فَلَا تَكْفِي التَّغْذِيَةُ وَالتَّعْشِيَةُ بِالتَّمْرِ وَنَحْوِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ الْعُدُولُ إِلَى الْإِطْعَامِ، فَمَنْ عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ بِهَرَمٍ أَوْ مَرَضٍ، أَوْ لَحِقَهُ مِنَ الصَّوْمِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، أَوْ خَافَ زِيَادَةً فِي الْمَرَضِ، فَلَهُ الْعُدُولُ إِلَى الْإِطْعَامِ، ثُمَّ قَالَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ: لَوْ كَانَ الْمَرَضُ يَدُومُ شَهْرَيْنِ فِي غَالِبِ الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنَ الْعَادَةِ فِي مِثْلِهِ، أَوْ مِنْ قَوْلِ الْأَطِبَّاءِ، فَلَهُ الْعُدُولُ إِلَى الْإِطْعَامِ، وَلَا يَنْتَظِرُ زَوَالَهُ لِيَصُومَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا، فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُهُ لِلْعِتْقِ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فِيهِ: لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً، وَيُقَالُ لِلْعَاجِزِ بِالْمَرَضِ النَّاجِزِ لَا يَسْتَطِيعُ
الصَّوْمَ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ إِلَى الْإِطْعَامِ بِهَذَا الْمَرَضِ، بَلْ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ، وَصَرَّحَ الْمُتَوَلِّي [بِأَنَّ الْمَرَضَ] الْمَرْجُوَّ الزَّوَالِ كَالْمَالِ الْغَالِبِ، فَلَا يَعْدِلُ بِسَبَبِهِ إِلَى الْإِطْعَامِ فِي غَيْرِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَفِيهَا الْخِلَافُ السَّابِقُ، فَإِنْ جَوَّزْنَا الْإِطْعَامَ مَعَ رَجَاءِ الزَّوَالِ، فَأَطْعَمَ ثُمَّ زَالَ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْعَوْدُ إِلَى الصِّيَامِ. وَإِنِ اعْتَبَرْنَا كَوْنَهُ غَيْرَ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ، فَكَانَ كَذَلِكَ، ثُمَّ اتَّفَقَ زَوَالُهُ نَادِرًا، فَيُشْبِهُ أَنْ يَلْتَحِقَ بِمَا إِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا لَا يُرْجَى زَوَالُ مَرَضِهِ فَزَالَ.
قُلْتُ: صَرَّحَ كَثِيرُونَ بِاشْتِرَاطِ كَوْنِ الْمَرَضِ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ، وَالْأَصَحُّ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ آخَرُونَ. وَقَالَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» : إِنْ كَانَ عَجْزُهُ بِهَرَمٍ وَنَحْوِهِ، فَهُوَ مُتَأَبِّدٌ، فَلَهُ الْإِطْعَامُ، وَالْأَوْلَى تَقْدِيمُهُ، وَإِنْ كَانَ يُرْجَى زَوَالُهُ كَالْعَجْزِ بِالْمَرَضِ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ تَعْجِيلِ الْإِطْعَامِ وَبَيْنَ انْتِظَارِ الْبِرِّ لِلتَّكْفِيرِ بِالصِّيَامِ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَجْزُهُ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصِّيَامِ أَوْ يَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ غَالِبَةٌ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، فَلَهُ فِي الْحَالَيْنِ الْإِطْعَامُ، وَكَذَا الْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ، قَالَ: وَلَوْ قَدَرَ عَلَى صَوْمِ شَهْرٍ فَقَطْ، أَوْ عَلَى صَوْمِ شَهْرَيْنِ بِلَا تَتَابُعٍ، فَلَهُ الْعُدُولُ إِلَى الْإِطْعَامِ. قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي «بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ» : لَوْ عَجَزَ عَنِ الْعِتْقِ وَالصَّوْمِ وَلَمْ يَمْلِكْ مِنَ الطَّعَامِ إِلَّا ثَلَاثِينَ مُدًّا، أَوْ مُدًّا وَاحِدًا، لَزِمَهُ إِخْرَاجُهُ بِلَا خِلَافٍ، إِذْ لَا بُدَّ لَهُ، وَإِنْ وَجَدَ بَعْضَ مُدٍّ، فَفِيهِ احْتِمَالٌ، هَذَا كَلَامُهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْزِمَ بِوُجُوبِ بَعْضِ الْمُدِّ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمُدِّ.
قَالَ الدَّارِمِيُّ فِي «كِتَابِ الصِّيَامِ» : إِذَا قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الْإِطْعَامِ، وَقُلْنَا: يَسْقُطُ عَنِ الْعَاجِزِ، فَفِي سُقُوطِهَا عَنْ هَذَا وَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَسْقُطُ، أَخْرَجَ الْمَوْجُودَ، وَفِي ثُبُوتِ الْبَاقِي فِي ذِمَّتِهِ وَجْهَانِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ.