الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وصف المخطوط
لقد اعتمدنا بفضل الواحد الأحد الفرد الصمد في تحقيق هذا الكتاب على النسخ الخطية الآتية:
1 -
نسخة دار الكتب المصرية-تحت رقم [687/تفسير] وتقع في [219/ق].
2 -
نسخة دار الكتب المصرية تحت رقم [2144/ 20561 ميكروفيلم] وتقع في [450/ل]، وناسخها هو محمد بن محمد بن سبط العسقلاني.
والله أسأل العفو والمغفرة، ولطلبة العلم الصفح والعفو على هذا الجهد القليل الضعيف المتواضع.
طالب العلم، أبو عبد الله محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي الشهير ب «محمد فارس»
صورة عنوان النسخة الأولى من المخطوط
صورة صفحة من النسخة الأولى من المخطوط
صورة الصفحة الأخيرة من النسخة الأولى من المخطوط
صورة عنوان النسخة الثانية من المخطوط
صورة الصفحة الأولى من النسخة الثانية من المخطوط
صورة الصفحة الأخيرة من النسخة الثانية من المخطوط
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، الحمد لله الذي أنزل القرآن كتابا جامعا، وبرهانا قاطعا، ودليلا متينا، ونورا مبينا، لا يأتي على فضله العد، ولا يخلق على كثرة الرد، من تمسك به نجا، ومن أعرض عنه أصبح صدره ضيقا حرجا، فيه لكل شيء تبيان، وبين كل حق وباطل فصل وقرآن، عرف ذلك من استوى على متن تياره في فلك النظر، وغاص في لجج بحاره فاستخرج يتائم الدرر، فهو مادة لعلوم المعقول والمنقول، وينبوع لفنون الفروع والأصول. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تكشف عن قائلها شبه المطالب، وتوضح له بعين اليقين كل ما هو له طالب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث إلى الأعاجم والأعارب، المنعوت في كتب الأولين بأنه الخاتم العاقب، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى ذوي الأحساب والمناقب ما ظهر فلك في المشارق والمغارب.
أما بعد. .
فهذا إن شاء الله عز وجل إملاء، سميناه ب «الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية» ، ولا بد قبل الخوض في مقاصده من تقرير مقدمة، هي له كالأصول، تشتمل على فصول:
الفصل الأول: في شرح اسم هذا الكتاب، ويتم ذلك ببيان معنى الإشارات الإلهية، والمباحث الأصولية.
أما الإشارات فهي جمع إشارة، هي الإيماء بفعل أو قول إلى أمر.
فالإيماء بالفعل كالرمز والغمز بعين أو حاجب، ومن ذلك خائنة الأعين (1) والإشارة باليد ونحوه، قال سحيم:
أشارت بمدراها وقالت لتربها
…
أعبد بني الحسحاس يزجي القوافيا
والإيماء بالقول هو التنبيه بالقول الوجيز على المعنى البسيط، كقوله عز وجل:
{فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ} (78)[طه: 78].
{فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى} (10)[النجم: 10].
وقول امرئ القيس:
على هيطل يعطيك قبل سؤاله
…
أفانين جري غير كر ولا وان
فقوله: (أفانين جري) إشارة وجيزة إلى معان كثيرة، وهو أنواع جري الفرس، ولا شك أن في القرآن العظيم إشارات في هذا الباب، هي معجزات، كقوله عز وجل:
{قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَاُدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} (29)[الأعراف: 29].
{يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ} (104)[الأنبياء: 104].
{أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} (15)[ق: 15] فإن هذه إشارات تضمنت ما أطنب فيه المتكلمون من تقرير دليل البعث والإعادة قياسا على البدء، ونحوه كثير مما ستراه إن شاء الله عز وجل.
وأما الإلهية: فنسبة إلى الإله، وهو المعبود [الواجب] الوجود، ونسبت/ [2 ب/م] إليه لأنها منه صدرت وعنه وردت، إذ القرآن كلام الله عز وجل.
وأما المباحث: / [2/ل] فجمع مبحث، وهو موضع البحث ومحله، نحو: مطلع الفجر والشمس، لموضع طلوعهما، وقياسه كسر الحاء فلعله فتح لأجل حرف الحلق، حملا على مضارعه وهو يبحث.
والبحث في الأصل: هو كشف التراب ونحوه عما تحته من دفين وغيره، ثم نقل إلى الكشف عن حقائق المعاني بالنظر؛ لأن الناظر يكشف عنها الشبه (1)، كما يكشف الباحث التراب فهو في البحث الاصطلاحي حقيقة عرفية، مجاز لغوي.
وأما الأصولية: فنسبة إلى الأصول؛ لأن الكتاب موضوع لاستخراج مسائل الأصول من إشارات التنزيل، وإنما نسب إلى لفظ الجمع، وإن كان القياس في هذا الباب رد الجمع إلى الواحد، ثم ينسب إليه نحو:«رجلي» في النسبة إلى رجال، و «عبدي» إلى عباد؛ لأن الأصول صار علما، أو كالعلم على هذا الفن من العلم؛ فجرى لذلك مجرى النسبة إلى الأنصار والمدائن والفرائض، يقال: أنصاري ومدائني وفرائضي ونحوه.
الفصل الثاني: في ذكر السبب الباعث على وضع هذا الكتاب، وهو ضربان: كلي، وجزئي.
أما الكلي: فهو أن المسلمين منذ ظهر الإسلام يستفيدون أصول دينهم وفروعه من كتاب ربهم، وسنة نبيهم، واستنباطات علمائهم، حتى نشأ في آخرهم قوم عدلوا في ذلك عن الكتاب والسّنّة إلى محض القضايا العقلية، ومازجين لها بالشبه الفلسفية، والمغالطات السوفسطائية، واستمر ذلك حتى صار في أصول الدين كالحقيقة العرفية، ولا يعرف عند الإطلاق غيره، ولا يعد كلاما في أصول الدين سواه، فجاء ضعفاء العلم بعدهم، فوجدوا كلاما فلسفيا، ليس من الدين في شيء، مع أن أئمة الدين ومشايخهم نهوا عنه مثله، وشددوا النكير على من تعاطاه، فضاعت أصول الدين عليهم؛ وضلت عنهم، إذ لم يعلموا لهم أصول دين [غيره لغلبته] عرفا.
وإنما عدل المتأخرون في أصول الدين عن اعتبار الكتاب والسّنّة، إما لجهلهم باستنباطها منها، أو ظنا أن أدلة السمع فرع على العقل، فلا يستدل بالفرع مع وجود الأصل كشاهد الفرع مع شاهد الأصل، أو زعما منهم أن الكتاب غالبه الظواهر، والسّنّة غالبها الآحاد.
ومثل ذلك لا يصلح مستندا في المطالب القطعية الدينية أو لأن خصومهم من الفلاسفة والزنادقة ونحوهم لا يقولون بالشرائع، ولا يرون السمعيات حجة، فلا يجدي الاحتجاج عليهم بها، أو لغير ذلك من الخواطر والأوهام/ [3 أ/م].
وأما السبب الجزئي: فإني رأيت بعض الناس قد كتب مسائل يسأل عنها بعض أهل العلم، منها هذا السؤال وهو: أن الناس هل لهم أصول دين أم لا؟ فإن لم يكن لهم أصول دين فكيف يكون دين لا أصل له؟ وإن كان لهم أصول/ [3/ل] دين، فهل هي هذه الموجودة بين الناس ككتب الإمام فخر الدين بن الخطيب (1) وأتباعه ونحوها؟ أم غيرها؟ وكيف ذم أئمة الشرع الاشتغال بأصول الدين مع أنه لا بد للدين من أصول يعتمد عليها؟
ولو علم هؤلاء الملبوس عليهم أن أصول الدين الحقيقية التي هي أحد فروض الكفايات في طي الكتاب على أبلغ تقرير وأحسن تحرير، بحيث لا يستطيع الزيادة عليها متكلم ولا فيلسوف، وحتى إن المسلمين إنما استفادوا طرقهم الكلامية أو أكثرها منهما، لما قالوا ذلك.
ونحن نجيب عن هذا السؤال المذكور على جهة الفتيا والاختصار؛ لئلا تبقى شبهة في
قلب الناظر، فنقول-الجواب-ومن الله-عز وجل-استمداد الحق والصواب: للناس أصول دين إذ دين لا أصل له فرع مجرد لا وثوق به، وأصول الدين هو العلم الباحث عن أحكام العقائد الإسلامية وجملتها لا تخرج عن الكلام في الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، كما صرح به الكتاب والسّنّة، وهو موجود في كتب السلف مجردا، وفي كتب الخلف كالكتب المشار إليها في السؤال، ممزوجا بما ليس من أصول الدين، إما مزجا اضطراريا كجواب عن شبهة فلسفية، أو مزجا اختياريا كما ضمنه الإمام فخر الدين وغيره كتبهم من المباحث الفلسفية المستقلة، كالكلام في الفلكيات والعناصر والنفوس وغيرها، تكثيرا لسواد كتبهم، وتنبيها على فضائلهم، أو غير ذلك مما نووه، والأعمال بالنيات، ولكلّ امرئ ما نوى.
وأما ذم أئمة الشرع الاشتغال بأصول الدين، فتشكيك مجمل غير محرر، إذ كيف يذمون الاشتغال بعلم قد صنفوا وتكلموا فيه! ! وهو مستند دينهم! ! وقد أفتوا بأنه فرض كفاية في مذاهبهم، هذا مما لا يقبل عليهم، ولا يجوز صدوره منهم.
وطريق كشف هذه الشبهة أن أصول الدين لفظ مشترك أو كالمشترك، فتارة يراد به العلم الباحث عن تقرير أحكام العقائد الإسلامية بالحجج الشرعية المؤيدة بالبراهين العقلية، وهذا لم ينه عنه أحد، بل هو فرض كفاية على الموحدين.
وتارة يراد به العلم الباحث عن الأحكام العقلية المحضة الفلسفية والكلامية التي هي فضول في الشرع لا من ضروراته، ولا مكملاته فذلك الذي ذمه الأئمة؛ على أنهم إنما عبروا عنه بالكلام، ولم يذم أحد منهم أصول/ [3 ب/م] الدين قط، وإنما ذموا الكلام المذكور لوجوه:
أحدها: أنه كما ذكرنا فضول في الدين.
الثاني: أن العقل بمجرده لا يستقل يدرك الحقائق، لأنه إنما جعل لإقامة رسم العبودية، لا لإدراك حقيقة الربوبية، فربما زلّ فضل كما جرى [لأكثر] / [4 ب/ل] الفلاسفة والمتكلمين في غالب أحكامهم.
الثالث: أن صاحبه كالمزاحم لله-عز وجل-في الاطلاع على حقائق الموجودات، ودقائق المصنوعات فذموه لذلك، كما ذموا النظر في أحكام النجوم وعلى هذا فعلم الكلام صار محمودا باعتبار، مذموما باعتبار، كالجدل ورد الشرع بمدحه وذمه باعتبارين:
فمن حيث يستعمل لتحقيق الحق وإبطال الباطل هو محمود، ومن حيث يستعمل لعكس
ذلك هو مذموم.
الفصل الثالث: فيما نعتمده في هذا التعليق، وهو أنا إن شاء الله-عز وجل نستقرئ القرآن من أوله إلى آخره، ونقرر منه المطالب الأصولية، وهي ضربان:
أصول دين، وأصول فقه:
فأصول الدين: علم يبحث فيه عن أحكام العقائد صحة وفسادا، ومتعلقاته الكلية هي كما سبق: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر.
وأصول الفقه: علم يبحث فيه عن الأدلة السمعية والنظرية من جهة اتصالها إلى الأحكام الشرعية الفرعية ومتعلقاته بالاستقراء تسعة عشر، عليها مدار الفروع، وفيها بحث علماء الأمة اتفاقا منهم على بعضها، واختلافا في بعضها، وهي على ما سرده الفضلاء في كتبهم: الكتاب، والسّنّة، وإجماع الأمة، وإجماع أهل المدينة، وإجماع أهل الكوفة، وإجماع الخلفاء الأربعة، وإجماع العترة، والقياس، وقول الصحابي، والمصلحة المرسلة، والاستصحاب، والبراءة الأصلية، والعوائد، والاستقراء، وسد الذرائع، والاستدلال، والاستحسان، والأخذ بالأخف والعصمة.
فالكتاب: هو الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه.
وقيل: ما نقل بين دفتي المصحف نقلا متواترا وهو دوري، والكتاب والقرآن والفرقان واحد.
والسّنّة: ما ثبت نقله عن النبي صلى الله عليه وسلم أو من في معناه، تواترا أو آحادا من قول، أو فعل، أو إقرار على أحدهما.
وإجماع الأمة: هو اتفاق مجتهديها في عصر ما على حكم ديني.
وإجماع أهل المدينة والكوفة: اتفاق مجتهديهما كذلك، وكذا إجماع الخلفاء، والعترة اتفاقهم على حكم.
والقياس: تعدية حكم المنصوص، أو المتفق عليه إلى غيره بجامع مشترك.
وقول الصحابي: فتياه عن اجتهاد إذا لم يخالف فيها.
والمصلحة المرسلة: اعتبار أمر مناسب لم يرد الشرع فيه باعتبار ولا إلغاء/ [4 أ/م].
والاستصحاب: هو الاستمرار على ما عهد من نفي أو إثبات أصلي أو حكم شرعي، وهو المعبر عنه في ألسنة الفقهاء بقولهم: الأصل بقاء ما كان [على ما كان]، والأصل عدم كذا أو بقاؤه.
والبراءة الأصلية: استصحاب خاص، وهو الاستمرار على الحكم بفراغ الذمة الثابت / [5/ل] قبل وجودها، أو قبل الدعوى باشتغالها.
والعوائد: جمع عادة وهي الأمر المتكرر المعاود، أو هي معاودة الأمر وتكرره، وفي تخصيص العموم بها خلاف وتفصيل مثل أن يرد الشرع بحكم عام للناس فيه عادة خاصة، فينزل العموم على خصوص العادة فيه.
والاستقراء: تتبع الجزئيات، والحكم على كليّها بمثل حكمها، وإن شئت فقل: هو الحكم على كلي بما حكم به في جزئياته.
وسد الذرائع: هو حسم مواد المفاسد بالمنع من يسيرها؛ لئلا يتوصل منه إلى كبيرها، كتحريم يسير الخمر الداعي إلى كثيره.
والاستدلال: هو النظر، وهو ترتيب أمرين، أو أمور معلومة، لاكتساب مجهول.
والاستحسان: هو العدول بالمسألة عن حكم نظائرها لمعنى أو لمصلحة أرجح. وقيل فيه غير ذلك. وقد أجاد الحنيفية تقريره.
والأخذ بالأخف: أي من الأحكام، وهو التزام أقلها أو أيسرها لأنه المتيقن، وما زاد منفي بالاستصحاب أو البراءة الأصلية كقول من قال:«دية الذمي ثلث دية المسلم دون نصفها وكمالها» .
والعصمة: هي كون العين أو المنفعة ممنوعة من تملك الغير أو استعماله لها، لثبوت الحق فيها لمن هو له، وهي راجعة إلى ضرب من الاستصحاب لأنا نستصحب حكم الملك للمالك، فيمتنع مزاحمة غيره له.
والأصول: جمع أصل، وأصل الشيء قيل: ما منه الشيء. وقيل: مادة الشيء. وقيل:
ما بني عليه غيره. وقيل: ما استند الشيء في تحقق وجوده إليه.
وهو ضربان عقلي كالدليل للمدلول والقياس للنتيجة.
وطبيعي كالشجرة للغصن والوالد للولد.
والدين يطلق بالاشتراك على الجزاء نحو {مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} (4) وعلى العادة نحو:
كدينك من أم الحويرث قبلها.
وقوله: أهذا دينه أبدا وديني
أي كعادتك، وهذه عادته وعادتي.
وعلى الطريقة السياسية نحو: {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اِسْتَخْرَجَها مِنْ}
وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)[يوسف: 76] والولاية التي يدين لها الرعية نحو قول زهير:
لئن حللت بجو من بني أسد
…
في دين عمر وبيننا فدك
وعلى الشريعة الإلهية نحو: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ} (85)[آل عمران: 85].
[آل عمران: 19] وهو المراد هاهنا، أي أصول الشريعة الإلهية.
والفقه لغة: الفهم. وقيل: العلم.
وقيل: كل نوع علمي فهو فقه لغة كالطب، والحساب، والنحو، والشعر، وغيرها، وإنما/ [4 ب/م] اختصت بهذه الأسماء الخاصة اصطلاحا.
وأما في الاصطلاح: فالفقه علم يبحث فيه عن أحكام أفعال المكلفين وما أشبهها، خطابا أو وضعا، ويشمل ذلك الوجوب، والندب والكراهة، والحظر، والإباحة، والصحة، والفساد، ونحوها.
وإن شئت قلت: الفقه سياسة شرعية، مادتها تعظيم الشرع، وغايتها الطاعة والعدل، وثمرتها السعادة يوم الفصل.
أما أنه السياسة؛ فلأن/ [6/ل] السياسة هي القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح، وانتظام الأحوال. والفقه كذلك، لكن لما كان هذا القانون من جهة الشرع؛
قلنا: هو سياسة شرعية، وأما أن مادتها تعظيم الشرع؛ فلأن من لا يعظم الشرع، لا يرتبط بأحكام الفقه عبادة ولا عادة.
وأما أن غايتها الطاعة والعدل؛ فلأن خطاب الشرع الواجب تعظيمه بامتثاله الوارد بالأحكام الفقهية يتعلق بالعبادات والعادات، فامتثاله في العبادات طاعة، وفي العادات بكف أذى الناس بعضهم عن بعض والتزام الإنصاف بينهم، وهو طاعة وعدل.
وأما أن ثمرتها السعادة يوم الفصل، فلأن الفقه شرع الله وأوامره، فمن امتثلها كان مطيعا، ومن كان مطيعا كان من أهل السعادة إن شاء الله عز وجل.
إذا عرفت هذا فاعلم أن في أصول الدين قاعدة عظيمة عامة، وهي قاعدة القدر، وقد كنت أفردت فيها تأليفا.
وفي أصول الفقه قاعدة كذلك، وهي قاعدة العموم والخصوص، وقد كنت عزمت أن أفردها بتأليف، لكن رأيت إدراجها في هذا الإملاء، إذ هي من جزئياته.
وهاتان القاعدتان عامتا الوقوع في الكتاب والسّنّة، فلنقرر كلياتهما هاهنا ثم نحيل عليه، أو نكتفي به عند ذكر جزئياتهما في أثناء هذا التعليق إن شاء الله عز وجل.
أما القدر فالنظر في لفظه، وحده، وحكمه، واختلاف الناس فيه، وتردد الأدلة فيه، والكشف عن سره.
أما لفظه فهو مصدر قدر يقدر، بضم الدال وكسرها، قدرا، وقدرا، بسكونها وفتحها.
وفي التنزيل: {إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (1)[القدر: 1].
وأما حده على رأي الجمهور: فهو خلق الأفعال بالقدرة القديمة وإجراؤها على محل القدرة الحادثة، وهي جوارح المكتسبين لها.
وعلى رأي المعتزلة (1): هو منع الألطاف عن العبد ليقع في معصية المعبود.
وإن شئت قلت: القدر هو تعلق الإرادة الجازمة بوقوع أمر ممكن، أو هو ترجيح أحد