الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
طرفي الفعل الممكن بمرجح إلهي.
وأما حكمه: فهو تحتم وقوع مقتضاه من الرب [سبحانه]، ووجوب الرضا والتسليم له من العبد، وأما اختلاف/ [5 أ/م] الناس فيه؛ فهم على فرق:
أحدها: من ذهب إلى أن أفعال المخلوقين مخلوقة لهم خلقا محضا، لا يشاركهم فيها أحد؛ وهم المعتزلة.
وثانيها: من ذهب إلى أنها مخلوقة لله عز وجل-خلقا محضا، لا يشاركه في خلقها وإيقاعها غيره، وأن حركات العبد الظاهرة منه كحركة السعفة بالريح؛ هو مجبور عليها؛ وهم الجبرية، ويقال: المجبرة.
مطلب في الفرق بين الخلق والكسب
وثالثها: من ذهب إلى أنها خلق للرب وكسب للعبد، وفرقوا بين الخلق والكسب / [7/ل] بأن الخلق هو الإنشاء والاختراع من العدم إلى الوجود، والكسب هو التسبب إلى ظهور ذلك الخلق على الجوارح، ورسموه بأنه ظهور أثر القدرة القديمة في محل القدرة الحادثة، وذلك كالولد هو مخلوق لله-عز وجل-مكسوب للأبوين بالجماع، فالخالق موجد، والكاسب متسبب، وهؤلاء هم الكسبية وهم الجمهور والسواد الأعظم من المحدثين والفقهاء.
ورابعها: من ذهب إلى أن الفعل مخلوق للرب والعبد اشتراكا، بناء على جواز أثر من مؤثرين ومقدور بين قادرين.
وخامسها: من ذهب إلى أن الله-عز وجل-يوجد قدرة للعبد، والعبد يوجد بقدرته الفعل.
وسادسها: من ذهب إلى أن الفعل له جهة عامة، وهي كونه فعلا: حركة أو سكونا، وجهة خاصة، وهي كونه طاعة كالصلاة، أو معصية كالزنا. وهو من الجهة الأولى مخلوق للرب [عز وجل] ومن الجهة الثانية مخلوق للعبد. . ولعل فيه مذاهب أخر.
وأما تردد الأدلة فيه:
فأما سمعا: فلأنّ القرآن [العزيز]: تارة يضيف الأفعال إلى العباد؛ نحو: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ} (159)[الأنعام: 159].
{فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} (20)[الانشقاق: 20].
{وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً} (39)[النساء: 39].
{قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} (12)[الأعراف: 12] ونحوه.
وتارة يضيفها إلى الله-عز وجل: {اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} (62)[الزمر: 62].
{وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ} (96)[الصافات: 96].
{أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (14)[الملك: 14].
وأما عقلا: فلأن المعتزلة قالوا: لو خلق الله-عز وجل-معاصي خلقه، ثم عاقبهم عليها، لكان عن العدل خارجا، وفي ساحة الجور والجا. ولأن ما يخلقه الله-عز وجل يجب وقوعه؛ فتكليف العبد بعد ذلك بإيجاده تكليف بالواجب أو الممتنع، وتحصيل للحاصل، وهو محال. ولأنا ندرك بالحس أو الضرورة وقوع أفعالنا بأدواتنا على وفق دواعينا وقدرتنا وإرادتنا، ونعلم بالوجدان أننا الموجدون المخترعون لها؛ فلا نقبل بعد ذلك الحوالة على غائب لا ندركه، وصار النزاع في ذلك من باب التشكيك في البديهات والسفسطة؛ فلا يسمع.
وقالت المجبرة: لو كان العبد خالقا لأفعاله/ [5 ب/م] لكان مع الله-عز وجل خالقون كثيرون، وذلك ضرب من الشرك كالمجوسية؛ ومن ثم ورد تشبيه القدرية بالمجوس (1)، ولأن أخص صفات الله-عز وجل-كونه قديما مخترعا، فلو كان معه مخترع غيره لكان ذلك المخترع منازعا في الإلهية أو مقاسما فيها، وهو باطل؛ ولأن فعل العبد ممكن، وكل ممكن فإنه لا يخرج إلى الوجود إلا بمرجح، ثم ذلك المرجح: إما من العبد؛ فيلزم: إما الدور، أو التسلسل. أو من الرب-عز وجل-فيكون هو الخالق، وهو المطلوب.
وأما الكشف عن سره فذلك يظهر/ [8/ل] بمقدمات:
الأولى: أن الله عز وجل-أحب أن يكون له في خلقه المشيئة النافذة.
الثانية: أنه-عز وجل-أحب أن يكون له عليهم الحجة البالغة.
الثالثة: أنه-عز وجل-علم ما سيكون منهم قبل أن يوجدهم؛ فعلم مثلا من آدم وإبراهيم وموسى ومحمد-عليهم الصلاة والسّلام-أنه سيكون منهم الطاعة، وعلم من إبليس ونمرود وفرعون وأبي جهل وأبي لهب أنه ستكون منهم المعصية، وعلم أنه لو ترك كلا واختياره وفوض إليه أفعاله لم يكن منهم إلا ما تعلق به علمه؛ من طاعة أولئك، ومعصية هؤلاء. وحينئذ استوت حالتا جبرهم على أعمالهم وتفويضها إليهم، فلو فوّض إليهم أعمالهم والحالة هذه، لضاعت فائدة التفويض، ولم يبق فيه إلا مجرد مفسدة مشاركة المخلوق له في الاختراع، فرغب سبحانه وتعالى-ببالغ حكمته عن هذه المفسدة المجردة، وآثر التوحد في خلقه من غير مشارك؛ صيانة لجانب الإلهية والملك عن وصمة المنازعة والشرك.
ثم إنه-عز وجل-لما علم أن في خلقه من يعترض عليه ويقول: إنك إذا أجبرتنا لم