الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تعدل فينا؛ ولو فوضت أعمالنا إلينا لقمنا من طاعتك بما علينا-أخفى عنهم طريق الجبر بلطيف حكمته؛ ليقيم عليهم بالغ حجته؛ وذلك بأن خلق فيهم أفعالهم بواسطة مشيئاتهم، فظنوا أنهم لها خالقون، وإنما هم بلطيف الحكمة وعظيم القدرة مجبورون غالطون، وذلك اللبس عليهم من شؤم اعتراضهم، ولو سلموا الأمر لرب الأمر، لكشف لهم عن حقيقة الأمر.
وتقرير ذلك أنه-عز وجل-إذا شاء من عبده فعلا، خلق له مشيئة ذلك الفعل، ثم خلق ذلك الفعل على أدوات العبد، موافقا لإرادته. وهذا مستفاد من قوله-عز وجل:
{وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ} (29)[التكوير: 29] فمشيئة الله-عز وجل-سبب مؤثر أبعد، ومشيئة العبد سبب مقارن أقرب.
فالقدري نظر إلى المقارن لقربه، والجبري نظر إلى المؤثر، ولم يمنعه من ذلك بعده، فكان نظره أسدّ. وعلى هذا، فنسبة فعل العبد إلى الرب-عز وجل-شبيه بنسبة التالي إلى المقدم في الشرطية اللزومية؛ نحو:«إن كانت الشمس طالعة فالعالم مضيء» ، ونسبته إلى العبد نسبة التالي إلى المقدم في/ [5 أ/م] الشرطية الاتفاقية؛ نحو:«إن كان الإنسان ناطقا فالفرس صاهل» .
إذ الله-عز وجل-مؤثر في الفعل على جهة الغلبة، والعبد ليس له منه إلا وقوعه مقارنا له على جهة الاتفاق؛ ولهذا تراه ربما أراد الفعل وسعى فيه فلا يقع، وربما كرهه وتحرز منه فيقع؛ فدل على أن المؤثر فيه غيره، وإنما العبد واسطة/ [9/ل] لإقامة الحجة عليه.
وأما ما احتج به المعتزلة، فراجع [إما] إلى التحسين والتقبيح العقلي، وهو ممنوع، أو إلى دعوى الضرورة في غير موضعها، وهو مكابرة.
وقد بقي الكلام بين الجبرية والكسبية:
فقالت المجبرة: اتفقنا وإياكم على أن الله-عز وجل-هو خالق فعل العبد، وادعيتم أن هناك للعبد كسبا، ونحن ننكره، فعليكم إثباته، ولا سبيل لكم إليه؛ لأن الله-عز وجل-إذا خلق في العبد فعلا وقضى عليه بأمر: فإما أن يكون للعبد قدرة على التخلص من ذلك الأمر بألا يقع منه، أو لا يكون:
فإن كان له قدرة على ذلك كانت قدرته أغلب من قدرة الرب-عز وجل-ومشيئته أنفذ من مشيئته؛ فيكون أولى بالربوبية؛ وحينئذ يصير العبد ربا والرب عبدا، وإنه محال.
وإن لم يكن له قدرة على ذلك كان الفعل منه واجبا بمجرد الخلق ولا أثر للكسب؛ فسقط اعتباره، ولأن الكسب الذي تدعونه: إما مخلوق للعبد، وهو خلاف مذهبكم؛ إذ
العبد لا يخلق باتفاق أو للرب فيحتاج إلى كسب، ثم القول فيه كالقول في الكسب الأول؛ ويتسلسل، وإنه محال.
وهذا مما يصعب موقعه على الكسبية ويتعذر عليهم التخلص منه.
قف على حجة أهل السّنّة: احتج الكسبية بوجهين:
أحدهما: أن القول بالقدر يقتضي الشرك، والقول بالجبر يقتضي الجور أو سقوط التكليف وانقطاع حجة الله-عز وجل-عن خلقه، والكل محال. فسلكنا طريق الكسب تخلصا من ذلك.
الوجه الثاني: أنا وجدنا القرآن تارة يضيف أفعال الخلق إليهم، وتارة إلى الله-عز وجل-فقلنا بذلك، وأضفناها إليه خلقا وإليهم كسبا؛ جمعا بين الأدلة.
الجواب: أن هذا إقناعي اجتهادي، وما ذكرناه قاطع عقلي؛ فلا يعارضه ما ذكرتم.
لكنهم قالوا: إنا نرى الإنسان مؤثرا في أفعاله بالجملة عيانا، لكن قام الدليل على أن تأثيره ليس بتام بحيث يكون خالقا؛ فبقي أن يكون تأثيرا غير تام، ونحن سمينا ذلك كسبا، والقول بأن لا تأثير له في أفعاله بالكلية بهتان ومعاندة للعيان.
وهذا من الكسبية قوي؛ لاستنادهم فيه إلى ظاهر العيان، إلا أن جواب المجبرة عن هذا أنه إن صح لكم الاستدلال بظاهر العيان على أن تأثير الإنسان في فعله غير تام، بحيث يكون كسبا، صح للمعتزلة الاستدلال بظاهر العيان/ [5 ب/م] على تمام تأثيره، بحيث يكون خلقا، بل العيان معهم أقوى، وهم به أسعد وأحظى.
وأيضا لو كان [له] فيه نوع تأثير لكان له فيه بقسط ذلك من الاختراع، وصار ذلك قولا بمقدور بين قادرين، وأنتم لا تقولون بذلك؛ وحينئذ يسقط ما استندتم إليه من العيان، ويبقى ما ذكرته المجبرة من واضح البرهان.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أن آيات الجبر في القرآن/ [10/ل] العزيز أكثر من آيات القدر، فنحن إذا مررنا بآية من ذلك في أثناء هذا التعليق فإن كانت صريحة في بابها لا تقبل التأويل، فليس لها إلا المعارضة إن وجد لها معارض.
وإن تطرق التأويل إليها] بينا كيف تقرير الدليل منها، وكيف يتطرق التأويل إليها.
وأنها في آخر الأمر لأي المذهبين، وفي جانب أي الخصمين، إن شاء الله-عز وجل.