المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تعاليم الاسلام قوة روحية ومادية معاوعدالة اجتماعية ورحمة، لجميع الناس - الاعتصام بالإسلام

[عمر العرباوي]

فهرس الكتاب

- ‌الإيمان بالله عز وجل صنع رجالاكانوا أغمارا في الجاهلية فأصبحوا سادة العالم

- ‌تعاليم الاسلام قوة روحية ومادية معاوعدالة اجتماعية ورحمة، لجميع الناس

- ‌الاقتصاد في الإسلام

- ‌الدفاع

- ‌أسباب تدهور المجتمع الإسلامي الأول

- ‌الغزو الصليبي المتكالب على المسلمين

- ‌زحف التتار على الممالك الاسلامية الشرقية

- ‌تركيا والغرب

- ‌ثورة الشعوب الاسلامية الحديثة علىالاستعمار الغربي أينما كان

- ‌تقلص ظل الاستعمار الثقيل من بلدان المسلمين

- ‌لا يزال المسلمون متدهورين رغم الحوادث التي انتابهم

- ‌تقليد المسلمين للغرب هو الذيصدهم عن تعاليم الاسلام السمحاء

- ‌هل يجعل المسلمون حدا لهذه التدهورات الخطيرةأم تستمر الى ما لا نهاية لها

- ‌الاحتلال الفرنسي للجزائر

- ‌فضائع الاستعمار الفرنسي إبان الاحتلال

- ‌عوامل ثورة الجزائر الكبرى

- ‌الاستعداد للثورة

- ‌تخطيط للثورة وتنسيقها في الداخل والخارج

- ‌تكوين جبهة التحرير

- ‌تنيه

- ‌بداية الثورة في الجزائر

- ‌أعمال جبهة التحرير

- ‌موقف الحكومة الفرنسية من الثورةوصداها في الداخل والخارج

- ‌الحكومة الفرنسية الاشتراكية

- ‌خطف الزعماء الخمس من الجو

- ‌الهجوم المثلث على مصر

- ‌الاضراب العام الذي دام ثمانية أيام

- ‌الأسلاك الشائكة على طول حدود الجزائرشرقا وغربا ((ومراقبة البواخر من ناحية البحر))

- ‌القانون الاطاري

- ‌سقوط الحكومات الفرنسية على التوالي

- ‌تصاعد الثورة في الداخل والخارج

- ‌النابالم في الفيتنام

- ‌النابالم في الجزائر (بقلم جان لاكنر)

- ‌هزائم مريعة في جبل مزى للجيوش الفرنسيةالجيش الفرنسي يستعمل النابالم

- ‌صدى الثورة في الخارج

- ‌تخطيط للعمليات العسكرية الفرنسية

- ‌عملية التطهير المعروفة بعملية (جوميل)

- ‌اصطدام التطرف الفرنسي بالواقع الجزائري

- ‌معاملة جنرالات فرنسا للشعب الجزائريومخططاتهم الحربية

- ‌ثورة معمري الجزائر مع الجيش الفرنسي على الحكومةالمركزية في باريس وسقوط الجمهورية الرابعة

- ‌نداء الجنرال ديغول لتولي رئاسة الحكم

- ‌صعود الجنرال ديغول الى الحكم

- ‌تجديد الدستور الفرنسي

- ‌أول خطبة للجنرال ديغول بين فيها حل القضية الجزائرية

- ‌تأسيس حكومة في جزائرية في الخارج

- ‌انتخابات تشريعية في الجزائر وفي فرنسا

- ‌الجنرال ديغول رئيس للجمهورية

- ‌فشل فرنسا واعترافها بتقرير المصير

- ‌اعتكاف الحكومة الجزائرية المؤقتة على دراسة تقرير المصير

- ‌رئيس الحكومة الفرنسية يقول تصريح الجنرالهو تأكيد لسياسة فرنسا في الجزائر

- ‌رسالة من الجنرال ديغول الى القيادة العسكرية الفرنسيةفي الجزائر

- ‌الخاتمة

الفصل: ‌تعاليم الاسلام قوة روحية ومادية معاوعدالة اجتماعية ورحمة، لجميع الناس

‌تعاليم الاسلام قوة روحية ومادية معا

وعدالة اجتماعية ورحمة، لجميع الناس

ما أعظم نعم الله على المسلم الذى هداه الى الطريق المستقيم والوصول به الى معرفة الخالق جل وعلا، ولما فتح هذا المخلوق عينيه على الكون العجيب الصنع والاتقان ابهر عقله، وحرك ذهنه في كل ما يحيط به من الأشياء الدالة على عظم قدرة الله فاذ عن له، وأقر لربوبيته بالكمال المطلق.

ولقد كرم الله الانسان بنعم لا تعد ولا تحصى، وفضله على كثير من المخلوقات قال تعالى:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (1).

الايمان بالله سبحانه وتعالى هو المبدأ الوحيد في هذا العالم أخذ به المؤمنون قديما وحديثا، وفي جميع الأزمنة والأمكنة واعتصموا بحبله جميعا فهداهم الى ما فيه خيرهم وسعادتهم.

الايمان بالله هو التصديق بالحقيقة الكبرى، والاعتراف بالوجود الأعلى بواسطة مخلوقاته الكثيرة العجيبة الصنع والابداع، الايمان بالله هو شعور الانسان بمنزلته المحدودة أمام رب عظيم بيده ملكوت السماوات والأرض، وكل شيء في هذا الوجود.

الايمان بالله هو القوة الباعثة على العمل الصالح القوة التي توجه الانسان الى الله فيما يفعل وفيما يترك في جميع شؤون الحياة كلها.

الاسلام مبدأ الهى عام لا يفرق بين جنس وجنس، ولا بين لون ولون ولا بين وطن ووطن، بل هو هداية من الله الى الخلق

(1) سورة الاسراء

ص: 23

أجمعين، وهو قوة روحية دافعة، ودعوة عامة، هو نظام كامل يقدم للإنسانية فكرة شاملة عن الكون والحياة، ويجعل العنصر الأخلاقي أصيلا في بناء المجتمع ليكون عقلية متشبعة بالروح لتنبعث الحياة من داخل النفس، الاسلام دين تعاوني في جميع مظاهره أعلن حقوق الانسان منذ أربعة عشر قرنا، واذا كانت المذاهب المختلفة في العالم تدعو الى سلام الانسان مع الانسان وسلام الانسان مع الحيوان، وسلامه مع النبات حتى مع الجماد لأنه حث على عمارة الارض، ونشر المعاني والقيم الالهية فيها فهذه الأشياء مخلوقات لله، والانسان خلقه الله ليكون خليفة له في الأرض، وقد سخر له الأرض ولا عليها، ومن هنا وجدنا الحقوق ليست قاصرة على الانسان واذا كانت الدول المتحضرة في العصر الحديث تحاول أن تثبت حقوق الانسان فان الاسلام قد فرغ منها منذ زمن بعيد

الاسلام حين يرعى حقوق الانسان، يرعى أولا حقوق الضعفاء.

يقول الرسول الكريم: (ابغوني الضعفاء فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم)(1)، والله سبحانه وتعالى يطلب الدفاع عنهم، والقتال في سبيل حمايتهم فقال:{وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا} (1).

ويحذر الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه (من أن يقف أحد المسلمين موقفا يضرب فيه رجل ظلما بأن اللعنة تتنزل على من حضره ولم يدافعوا عنه) كما يحذر من الظلم بصفة عامة.

فيقول: (اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة)(2)، وينذر القرآن الكريم الظالمين بأنه لن يكون لهم يوم القيامة حميم ولا شفيع يطاع، وينذر الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأعلى صوته في حجة الوداع (ألا إن دماءكم

(1) سورة النساء

(2)

رواه مسلم

ص: 24

وأموالكم حرام عليكم الى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا) (1).

ويقول أيضا (في كل ذات كبد رطبة صدقة) وما حديث المرأة التي عذبت هرة لها فحبستها، ليست ببعيدة عنا وكذلك حديث الرجل الذى سقى الكلب من البئر وجده عطشان فغفر الله له، والإباحة في ذبح الحيوان إنما هي مرهونة بمصلحة الإنسان، فالإسلام يمنع من عقر الحيوان الا للأكل، ومن هنا كان النحر باسم الله الذى أباح لنا هذه الحيوانات، والتعذيب للحيوان أو للطير غير جائز، والاسلام يحرم على أن يطأ بقدميه كسرة خبز أو ما يؤكل مما يفيد الانسان أو غيره من مخلوقات الله، لأن في ذلك امتهانا للنعمة التي حماها الله فاحترامها والمحافظة عليها من الآداب السامية لأنها مخلوقة من مخلوقات الله وقد انتفع بها المخلوقون، ومنع الاسراف والفساد فيها، والاسلام حين يعلن هذه الحقوق، فإنما يعلنها بأسلوبه الخاص، ثم يطبقها التطبيق السليم، لأن هذا الاعلان صادر من رب العالمين، وهو أدرى بهم، وما يصلح لهم لأنه خالقهم وليس بينه وبين أحدهم صلة الا العمل الصالح. والمسلمون حين يطبقون أوامر الاسلام يبدأون من داخل النفس ليتقربوا بها الى الله، وهو اعلم بما يسرون وما يعلنون.

الاسلام ينطلق من وحدانية الله تعالى الذى خلق البشر جميعا، ورسم لهم الدين منهجا يسيرون عليه لتحقيق رسالتهم في هذه الحياة، والفوز والنجاة في الدار الأخرى، وطلب منهم أن يطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منهم في الحدود التي رسمها لهم، قال الله عز وجل:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} (2).

فأساس التفاضل في الاسلام هو العمل الصالح لا الغنى، ولا الوطن، ولا الحسب والنسب الى غير ذلك من معاني الجاهلية، لان هذه الاخلاق الفاضلة بها تظهر طبيعة الانسان الكامل، فالقرآن حث عليها لأنه كتاب تربية وتثقيف. وليس كل ما فيه

(1) رواه البخاري

(2)

سورة النساء

ص: 25

كلاما عن الفرائض والشعائر، وأن الفضائل التي يحث عليها من أجمل الفضائل وأرجحها في موازين الأخلاق وتتجلى هداية الإسلام في نواهيه.

والمسلمون في الوقت الحاضر متأثرون بالمفاهيم القومية البعيدة عن تعاليم الاسلام وعن تربية القرآن وهذا التأثير جزء من الثقافة والحضارة المستوردة، وكل انسان، مسؤول عن عمله {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} هكذا يكون المسلم في ظلال القرآن.

الاسلام يعلن حرية العقيدة للناس جميعا، فيها بواعث الروعة والجمال، وما تحدثه في الخواطر من دواعي الشعور والتأثير، فيقول الله في كتابه الكريم:{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا} (1).

ويبين مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: {إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ} .

ويطلب منه ألا يحزن على الذين يسارعون في الكفر بقوله عز وجل: {يأيها يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} (2).

ويعاتبه لشدة حرصه على ايمان الناس فيقول: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} (3)، ثم يقول له بعد ذلك:{وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (4)، ثم طلب منه أن يعلن للناس جميعا أنه بشر مثلهم يوحى اليه:{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} (5).

الاسلام مع المجتمعات الأخرى يدعو الى الحوار الهادي الخالي من الأغراض والمعاندة قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا

(1) سورة الحجرات

(2)

سورة المائدة

(3)

سورة الكهف

(4)

سورة الكهف

(5)

سورة الكهف

ص: 26

يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (1).

طلب الاسلام من كل داعية أن يكون هادئ الطبع لين العريكة، فيقول الله لنبيه الكريم:{وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} .

وقد حرم الاسلام القتال من أجل الاكراه في الدين ضمانا لحرية الاعتقاد، ولكنه أعلن الجهاد من أجل حرية عمل الخير وكلمة الحق، والاسلام يطلب من المسلم أن يصدع بكلمة الحق أين ما كان وفي كل وقت، وجعلها الرسول عليه الصلاة والسلام أفضل الجهاد عند سلطان جائر فيقول عليه الصلاد والسلام:(أفضل الجهاد كلمة الحق عند سلطان جائر) أخرجه أبوا داود.

ويجب أن تكون كلمة الحق في إطارها الصحيح الذى يبني ولا يهدم ويخدم الانسانية من حيث هي قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} (2). ويجب أن يكون الأمر في أحسن لفظ وأعصاب هادئة، فالمسلم ليس بالسباب ولا باللعان. ولا بالفاحش البذيء، كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:(المؤمنون الذين يرضى الله عنهم من صفاتهم أنهم يقولون قولا طيبا) قال تعالى: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} (3)، والكلمة الطيبة تؤثر في القلوب وتلين المشاعر.

المساواة في الاسلام مشكلة حار الناس فيها، ولكن الاسلام حلها بكل سهولة وطبقها بين الناس جميعا، وبين لهم أنهم من أب واحد. وأم واحدة. وإذا جعلهم شعوبا وقبائل فذلك للتعاون لا ليطغى بعضهم على بعض ولا يستعبد بعضهم بعضا، وهذا يقتضى المساواة التامة في الحقوق والواجبات بين الناس قال تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (4)

(1) سورة آل عمران

(2)

سورة الأحزاب

(3)

سورة الحج

(4)

سورة البقرة

ص: 27

وفي فتح مكة المكرمة نادى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا معشر قريش ان الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء) وقال أبو ذر الغفاري رضى الله عنه لرجل يا ابن السوداء فقال له النبي الكريم: (طف الصاع طف الصاع ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل الا بالعمل الصالح

).

والشعائر الاسلامية كلها تعمق هذه المعاني في نفوس المسلمين جميعا فصلاة الجماعة والصيام والحج كلها تعمل عملها في تعميق المساواة بين أفراد المجتمع الإسلامي، وبلغت المساواة ذروتها عندما يقول الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه:) سلمان منا أهل اليت) ويقول عمر بن الخطاب رضى الله عنه: (أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا) ويقصد بذلك بلال رضى الله عنه. كما يقول أيضا عندما ما حضرته الوفاة: (لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفه).

العدل في الاسلام واجب على الجماعة والفرد، ويقول الله سبحانه وتعالى:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} (1).

ويخاطب الله سبحانه وتعالى المؤمنين جميعا بقوله: {يأيها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (2).

العدالة الاسلامية لا تعرف العواطف حتى ولو كان الخصم قريبا أو صاحبا أو والدا أو غنيا أو فقيرا، فالقاضي والشاهد لا شأن لهما بذلك، والله أولى بالجميع:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (3).

(1) سورة النساء

(2)

سورة المائدة

(3)

سورة النساء

ص: 28

العدالة من أسس المجتمع الإسلامي، ولقد طبقت تطبيقا رائعا في الصدر الأول من الاسلام، فالنبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه عند يهودي وحين طالبه اليهودي طلبه في غلظة قائلا: انكم يا بنى عبد المطلب قوم مطل فهم عمر بأن يؤدبه على هذا التجرء على الرسول فقتال له النبي عليه السلام في هدوء: (يا عمر أنا وهو كنا أحوج الى غير هذا منك تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن الاقتضاء) ويسير المؤمنون على هذا النهج رافعين راية العدل المطلقة.

الاسلام نظام عالمي، وهذا النظام ليس مستعارا ولا خليطا، بل هو نظام رباني قائم بذاته مستقل بروحه أنقد أمما عظيمة في الماضي كانت ترزح تحت قوانين جائرة ونظم فاسدة، وسيتنفذ ان شاء الله أمما عظيمة في المستقبل لأن قوانينه لا زالت مطمح أنظار العالم في حل المشكلات العويصة، لأنه القانون الوحيد الذي يساير طبيعة البشر وميولاتهم الفطرية.

الاسلام جاء يبني مجتمعا لا يعرف الطبقات، ولا الطوائف والأحزاب إلا حزب الله لأنه قد أتى بقوانين عادلة لتطهير المجتمع من الأمراض الفاسدة وهذه القوانين تناولت حياة المجتمع كلها.

التعليم في الاسلام هو الاساس الأول لبناء المجتمع، وتكوين الفرد، وهو النور الذى يسير الانسان على هديه في شؤون دنياه وآخرته، ولذا أمر الاسلام به في أول آية نزلت من السماء:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (1). هذه الدعوة ليست مقصورة على الرسول صلى الله عليه وسلم بل تتعداه الى الانسانية جمعاء

ولقد أهاب الاسلام بالإنسان أن يسعى في مناكب الأرض طلبا للعلم والمعرفة بقوله عز وجل: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} (2).

(1) سورة العلق

(2)

سورة الحج

ص: 29

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم (العالم والمتعلم شريكان في الأجر، ولا خير في سائر الناس بعد) وقد أمر صلى الله عليه وسلم كل أسير كاتب في غزوة بدر الكبرى من المشركين أن يعلم عشرة من أصحابه الكتابة والقراءة، وجعل ذلك سبيل تحرره، وأخبر بأن العلم أفضل أنواع العبادات فقال (قليل العلم خير من كثير العبادة) وقال:(فضل العالم على العابد كفضلى على أدناكم) وهكذا شمل ميدان العلم والمعرفة في الاسلام كل شؤون الحياة كلها.

الحكم في الاسلام: الأمة الإسلامية تستمد - نظمها وتشريعاتها من أربعة مصادر: اثنان أصليان وهما الكتاب والسنة واثنان فرعيان وهما الاجماع والقياس فعلى هذه المصادر قام المجتمع الإسلامي.

ان قواعد الحكم كلها منصوص عليها في القرآن والحديث وإذا لم يكن ثم نص يأتي الاجماع والقياس ويصبحان حجة، الشريعة الاسلامية هي جملة الأوامر الالهية وأنها معصومة من الأخطاء ترسم للمسلم أحكام سلوكه في حياته كلها دينيا وسياسيا واجتماعيا.

فرض الاسلام أن يقوم الحكم على أساس الشورى وأن يقوم التشريع على أساس الكتاب والسنة واتفاق الامام والرعية، ولا ضير بعد ذلك أن يتبعوا هذا النظام أو ذلك من نظم الانتخابية أو يعملوا بهذا الدستور أو ذاك من دساتير الحياة النيابية فكل نظام صالح ما دام قائما على الشورى مؤيدا بسند من مشيئة الامام وأولي الرأي وحقوق الجماعة.

ان قوانين الاسلام تقوم على القرآن والسنة وعلى القياس وفتوى أهل الذكر ومشيئة الاجماع، وأن القرآن الكريم يقول للمسلمين:{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} يسلك كل مسلم طريقه على حسب المنهاج المبين فهو أمين على ضميره فيما يختاره من أحكام الدين التي شرعها الكتاب إجمالا، ولم يذكر تمثيل الأمثلة عليها. ولكن اذا رجعنا الى السنة نجد أن أول ما ينهى الإسلام عنه هو أن يقوم الحكم على أساس العصبية زمن أحاديث

ص: 30

النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من دعا الى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية) والقرآن يقول: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى} والرسول يقول: (ان الله لا يجمع أمتى على ضلالة) ويقول: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني) ويقول: (اتبعوا السواد الأعظم) فهذه جملة قواعد الحكم في الاسلام، السلطان لا يقوم على عصبية بل على الشورى، ويغلب فيها اجماع السواد الأعظم وتجب فيها الطاعة لمن يتولى الامر كما تجب لله ورسوله.

ان النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن معنى العزم في قوله عز وجل: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} قال: (مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم) وأنه صلى الله عليه وسلم قال مرة لأبي بكر وعمر رضى الله عنهما لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما. ووضح عمل الوزير مع الأمير فقال: (اذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء إذا نسي لم يذكره وإذا ذكر لم يعنه).

أما الواجب بين الأمير والرعية فقد قال عليه الصلاة والسلام: (من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) وقوله: (لا طاعة في معصية وإنما الطاعة في المعروف) وقوله: (من رأى من أميره شيئا فكرهه فليصر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة فيموت الا مات ميتة جاهلية).

وزبدة الأوامر والنواهي جميعا في هذا الواجب بين الراعي والرعية انه الأمر والطاعة في المعروف والحذر عند الخلاف من تفريق الجماعية، وعصمة الجميع أن يسمع الراعي والرعية الى النصيحة من القادرين عليها {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (1)

(1) سورة آل عمران

ص: 31

أو كما قال عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا من عنده ثم لتدعونه ولا يستجيب لكم) وعلى الأمة أن تغير ما تكره من شأنها فإنه (ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا، ثم لا يغيرون إلا يوشك أن يعمهم الله بعذاب) وعلى الأمير ألا يبتغي الريبة في الرعية لأن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم، والخير كل الخير في الجماعة المفلحة تتساند وتتعاون، إنما المؤمنون كرجل واحد ان اشتكى عينه اشتكى كله وان اشتكى رأسه اشتكى كله، ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو الواحد تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

ص: 32