الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تخطيط للثورة وتنسيقها في الداخل والخارج
في شهر يونيو سنة 1954م اجتمع ستة من الجزائريين الثوريين المناضلين وهم السادة: مصطفى بن بو العيد، ومحمد بن العربي بن المهيدي، وبطاط رابح وبوضياف محمد، وديدوش مراد، وكريم بلقاسم، وكانوا متصلين بالثلاثة الآخرين الذين هم في القاهرة.
نظر هؤلاء الثوار فيما يدور حول الوطن من المعارك الشديدة التي تجري في القطرين الشقيقين فقرروا الاعلان عن الثورة خوفا من إضاعة الفرص، واطلاع الاستعمار على خطتهم السرية، فرسموا للثورة تخطيطا محكما، وتنسيقا في الداخل والخارج، واتخذوا المركز الرسمي للثورة في القاهرة، وعلى الحدود الجزائرية من جهة تونس ومراكش مراكز للذخيرة والمؤن، ومستشفيات لمعالجة المرضى والجرحى ومأوى للفارين من الحديد والنار، وملاجئ للمشردين والتائهين وتدريبا للجنود، ومن بعد ما يتم تدريبهم يدخلون الى الوطن ليبيا شروا العمليات الحربية، وكان قادة الثورة الذين يشرفون على تسيير العمليات العسكرية التي تدور رحاها في الوطن من هذه المراكز.
انقسم هؤلاء الثوار الى طائفتين: طائفة ذهبت الى الخارج تبث الدعاية وتهيئ الجو العالمي وخاصة المسلمين الذين تربطهم بهم رابطة قوية، لأن العالم الإسلامي باعتبار الروابط الدينية واللغوية والتاريخية ووحدة المصير المشترك أمة واحدة، ولهذا لما احتل القطر الجزائري سنة 1830م من طرف الاستعمار الفرنسي أصبحت الأقطار الأخرى كلها مهددة بالاحتلال، ومن بعد سقطت واحدة تلو الأخرى في قبضته، وكذلك لما اندلعت الثورة في الشرق العربي الإسلامي امتد لهيبها المقدس الى شمال افريقيا فتحرر كما تحرر الشرق.
اتصل الثوار الذين ذهبوا الى الخارج بالحكومات العربية وبرؤسائها وبأجهزة الاعلام، وعقدوا صفقات تجارية مع المنظمات الغربية لشراء السلاح والمعدات الحربية.
وما كادت الثورة تتغلغل وتعمق في الوطن حتى كانت إذاعات الدول العربية تشيد بأعمال المناضلين ليطلع العالم أجمع على ما يقع في هذه البلاد، وفي مقدمة هذه الاذاعات إذاعة صوت العرب من القاهرة التي لها الفضل الأكبر في إثارة الجماهير الجزائرية وتحمسها للثورة، والمذيع المشهور السيد: أحمد سعيد رمضان لم يدخر وسعا، ولم يألو جهدا في التعريف بالقضية الجزائرية والتنديد بالاستعمار، فإنه رافق كفاح الجزائريين من أوله إلى آخره، كان يذيع باللغتين العربية والفرنسية، هذه الاذاعات لها فضل كبير في توحيد الصفوف وإيقاظ الرأي العام ولفت أنظاره الى القضية.
وكان القادة يعقدون ندوات صحفية في عواصم العالم الكبرى، فتنقلها هذه الاذاعات في حينها، وسفراء الدول الاسلامية كانت ألسنة حدادا في الدفاع عن الجزائر في جميع المحافل الدولية، وشعوب الشرق العربي كانت تنظم أسبوعا كاملا في كل سنة لجمع التبرعات الشعبية، بل خصصت مقدارا كبيرا من ميزانيتها العامة تدفعها للجزائريين في كل سنة، وكانت هذه الحكومات تأوي اللاجئين وتمد الثورة بالعتاد والذخيرة الحربية، في كل وقت وتداوي الجرحى في مستشفياتها وتمنح الرخص لمسيري الثورة ليتجولوا في البلاد لبث الدعاية في أقطار العالم، وتبنت شعوب آسيا وافريقيا قضية الجزائر في جميع مراحلها وأطوارها، وتولت الدفاع عنها لدى جمعية الأمم فكانت تشرحها للوفود شرحا مفصلا، وترد على أقوال العدو، وتفند آراءه وحججه وتسعى في جلب أصوات الوفود الأخرى للقضية عند الاقتراع.
انقسمت الهيئة الأممية في قضية الجزائر على قسمين فالدول الشرقية والاشتراكية كانت تؤيد القضية الجزائرية وتناصرها، أما الدول الغربية فإنها وقفت بجانب الاستعمار الفرنسي تشد أزره وتؤيده في عدوانه وظلمه، وكانت تعارض بشدة عرض القضية الجزائرية على جمعية الأمم، ولكن رغم هذه المعارضة عرضت أكثر من خمس مرات على هذه الهيئة
…
ولما اقتنعت الهيئة الأممية بعدالة هذه القضية وتحققت من أن فرنسا لم تكن جادة في حلها بدأت تتذمر منها وكانت توصي في كل مرة تتقدم فيها القضية بأن تحل حلا سلميا على مقتضى قرار هيئة الأمم.
وكانت وفود آسيا وافريقيا في هذه الجمعية لا تريد مناقشة القضية الجزائرية على هذا المنبر العالمي الا تفهيم الرأي العام في هذه القضية العادلة. وأما انها متيقنة بأن الصلح لا يكون الا مع فرنسا وحدها.
وبمجرد الاعلان عن الثورة في الجزائر كان لها صدى كبير، وإعانة فعالة من طرف العالم الإسلامي، بل اعتبرها ثورته.
وبفضل هذه الدعاية الحكيمة والخطة الرشيدة توصل قادة الثورة الى أهدافهم التي رسموها من أول مرة، فأصبحت ثورة الجزائر حديث المجالس العالمية سواء منها الخاصة أو العامة وبفضل الدعاية المحكمة جلبت عطف الشعوب، وأصبحت تنظر الى الجزائريين بعين الاكبار والاعجاب، وكسبت أصدقاء في الخارج، فكانوا يمدونها بما تحتاج إليه من إعانة أدبية ومادية، واحتلت الصدارة في صحف العالم، وألفت فيها عدة أسفار تنويها ببطولة الشعب وإعجابا بعبقريته الفذة، قام القادة بهذه الاعمال كلها، وبالفعل جعلوا قضية الجزائر قضية عالمية لا محلية كما تدعي فرنسا.
أما الطائفة الثانية فإنها توزعت على القطر الجزائري لتقود المنظمات السرية التي كانت تحت اشرافها، والاتصال بالشخصيات البارزة من الشعب لتلقين النظام الذى تسير عليها الثورة
…
سار هذا النظام منذ بدء الثورة على عاملين أساسيين: العامل الأول هو إيجاد القوى التي بها تستطيع الثورة أن تقف في وجه العدو، بحيث تحمي نفسها منه وتدافع عن وجودها، ولهذا ما كاد الشباب يسمع بإعلانها حتى نفر الى مراكز التجنيد الموجودة
القضية الجزائرية على جمعية الأمم، ولكن رغم هذه المعارضة عرضت أكثر من خمس مرات على هذه الهيئة
…
ولما اقتنعت الهيئة الأممية بعدالة هذه القضية وتحققت من أن فرنسا لم تكن جادة في حلها بدأت تتذمر منها وكانت توصي في كل مرة تتقدم فيها القضية بأن تحل حلا سلميا على مقتضى قرار هيئة الأمم.
وكانت وفود آسيا وافريقيا في هذه الجمعية لا تريد مناقشة القضية الجزائرية على هذا المنبر العالمي الا تفهيم الرأي العام في هذه القضية العادلة. وأما انها متيقنة بأن الصلح لا يكون الا مع فرنسا وحدها.
وبمجرد الاعلان عن الثورة في الجزائر كان لها صدى كبير، وإعانة فعالة من طرف العالم الإسلامي، بل اعتبرها ثورته.
وبفضل هذه الدعاية الحكيمة والخطة الرشيدة توصل قادة الثورة الى أهدافهم التي رسموها من أول مرة، فأصبحت ثورة الجزائر حديث المجالس العالمية سواء منها الخاصة أو العامة وبفضل الدعاية المحكمة جلبت عطف الشعوب، وأصبحت تنظر الى الجزائريين بعين الاكبار والاعجاب، وكسبت أصدقاء في الخارج، فكانوا يمدونها بما تحتاج إليه من إعانة أدبية ومادية، واحتلت الصدارة في صحف العالم، وألفت فيها عدة أسفار تنويها ببطولة الشعب وإعجابا بعبقريته الفذة، قام القادة بهذه الاعمال كلها، وبالفعل جعلوا قضية الجزائر قضية عالمية لا محلية كما تدعي فرنسا.
أما الطائفة الثانية فإنها توزعت على القطر الجزائري لتقود المنظمات السرية التي كانت تحت اشرافها، والاتصال بالشخصيات البارزة من الشعب لتلقين النظام الذى تسير عليها الثورة
…
سار هذا النظام منذ بدء الثورة على عاملين أساسيين: العامل الأول هو إيجاد القوى التي بها تستطيع الثورة أن تقف في وجه العدو، بحيث تحمي نفسها منه وتدافع عن وجودها، ولهذا ما كاد الشباب يسمع بإعلانها حتى نفر الى مراكز التجنيد الموجودة
في قمم الجبال، وهذا بفضل الدعاية المحكمة والأعمال المنسقة، فكانت الأمة الجزائرية تتسابق الى الثورة رجالا ونساء بحيث لو كان لدى القادة السلاح الكافي لانخرط الشعب كله في سلك المجاهدين ولكنهم كانوا يقبلون من الشباب قدر ما يحتاجون إليه، والذى يليق منهم بالخدمة العسكرية، وكان المشرفون على التجنيد يشترطون فيمن يريد أن يلتحق بجيش التحرير أن يبرهن على حسن نيته بحادثة ما من الحوادث الفدائية تعين له ليكون مقبولا، والباقي من الشباب يرجئونه الى مناسبة أخرى، أو يستغلونه داخل المدن والقرى يعمل ما من أعمال الثورة، وكانوا يرغبون في الشباب المثقف الذين لهم علم أو صناعة أو مهنة، وجلب القادة الفنيين من الخارج لتدريب الجنود على حرب العصابات والسلاح الذي يأتي من الخارج تدريبا عصريا حتى أصبح الجند من جيش التحرير كامل الأدوات والمعدات الحربية لا ينقصه شيء عن الجند العصري في الأمم الراقية
…
ولما يتم تدريبهم يرسلونهم الى داخل الوطن أو جهات معينة منه أفواجا وكتائب متتابعة ليصطدموا بالجيش الفرنسي في معارك واشتباكات عنيفة تستمر أياما وليالي، وعندما يتم تسليح الجند الجزائري تظهر بطولة أبناء الأطلس التي هي سليقة فيهم، وإذا بلغ الاتحاد مكانة من الأمة، الجزائرية والاحساس من مشاعر أفرادها رأيت في الدهماء منها والخاصة همما تعلو وشيما تسمو، وإقداما يقود، وعزما يسوق فيصبح الكل يطلب السيادة والغلب، فتتلاقى هممهم وتتلاحق عزائمهم في سبيل المجد، فيزيلون كل من يقف في طريقهم من الصعاب، فكان جيش التحرير ينزل ضرباته القاصمة بالعدو فيتمكن الرعب من جنوده وفيالقه فيلوذون بالفرار ويولون الأدبار.
والعامل الثاني هي الدعاية التي اتخذها الثوار لإثارة الشعب، وبفضلها ثارت الأمة الجزائرية، وكانت تقبل على التضحيات على اختلاف أنواعها، وهي التي وحدت صفوف الشعب، وكان الدعاة يتقنون أساليبها اتقانا عجيبا ويحذقون فنونها تمام الحذق، واعتمدوا فيها على الدين، فكانوا يقولون للأمة الدين قد أوجب عليكم جهاد الكفار بأموالكم وأنفسكم، ويلزمون
الجند بإقامة شعائره من صلاة وصيام وإقامة الحدود الشرعية على السكارى والزناة والمعتدين على الحرمات التي حرمها الاسلام ويطبقون أحكامه على الأمة ويعلمونه للأبناء، والأمة الجزائرية - كما قلنا - متأثرة بالدين، فلما رأت الثورة سائرة على منهج ديني اندفعت في أحضانها بقضها وقضيضها، وكثيرا ما كان الناس يطلبون الاستشهاد في سبيل الله.
والناحية التي لا يزال سكانها لم يثوروا بعد على الاستعمار فإذا قصدها الثوار فتثور في الحال وتصير مسرحا للحوادث الدامية، فيعمدون الى قتل معمر أو خائن أو نسف شيء من منشآت المحكومة، فتعاقب هذه السكان من دون تفريق أو تمييز، ولما رأى سكان هذه الناحية العقاب الجماعي فيلتحقون بصفوف الثوار، وكانت هذه خطة الحكومة في كل ناحية تقع فيها الحوادث.
جند قادة الثورة كل من كان له مقدرة من الرجال والنساء حتى الصبيان على العمل، وكذلك جنود المسلمين الذين هم كانوا في صفوف الجيش الفرنسي، وكان كل واحد من هؤلاء المجندين يندس بين الناس، وينقل الى الثورة كلما يهمها من الأعمال والأقوال ويدعون الى مؤازرتها
…
أصبحت الثورة بفضل هذه الخطة المحكمة حديث البيوت والمجالس الشعبية، وكانت هي الشغل الشاغل للأمة فكان كل فرد مهتما بها، والأخبار عن حوادث الفدائيين كانت كالسيل الجاري لا تنقطع أبدا، والناقلون لها يتفلسفون فيها فلسفة عجيبة بحيث يحبطونها بهالة من التقديس والمجد حتى يتمنى كل فرد أن يشارك فيها ليكون بطلا وزعيما
…
بهذه الدعاية المحكمة تشجعت الأمة وارتمت في أحضان الثورة، وسرعان ما تناست كلما كان لها من مصالح فردية ونزعات شيطانية، وصارت تتنافس في أعمال الثورة، فخرجت المرأة من خدرها الى ميادين القتال، وأصبحت تزاحم الرجل في العمل، وصاحب المال أخرج ماله ليكون وقودا للثورة، فصار كل فرد من أفراد الأمة مسؤولا عنها وفي أوت سنة 1956م انعقد مؤتمر للثورة في وادي ابن سلام أي (واد الصومام) تأسس فيه مجلس وطني وانبثقت عنه لجنتان لجنة للتنسيق، وأخرى للتنفيذ
…
فلجنة التنسيق كانت تنسق البرامج لكل عمل من أعمال الثورة
فقسمت القطر الى ولايات، وأسندت كل ولاية الى ضابط عسكري يدير شؤونها مع مستشارين، فيتسلم هذا الضابط من هذه اللجنة السلطة العسكرية والمدنية ويصبح مسؤولا عما يقع في منطقته لأنه هو القائد العام لها فيدير العمليات العسكرية على اختلاف أنواعها، وينظم الخلايا السرية، ويشرف على أعمال الفدائيين، ويبث العيون والجواسيس في صفوف العدو ومراقبة حركاته وتنقلات جنده مراقبة تامة، ونقل أخباره الى القيادة العامة، والوقوف بالمرصاد للخونة والجواسيس ويحكم المدنيين، ويرعى مصالحهم وشؤونهم العامة، فيحافظ على أمنهم وسلامتهم والدفاع عنهم وتقييد المواليد والوفيات، وأخذ الاشتراكات والتبرعات والزكوات وجمع المؤن من سلاح وكسوة وحبوب وغيرها، والنظر في الخصومات التي تقع عادة بين الناس بواسطة لجنة تعين أفرادها الهيئة العليا للمنطقة، فكان القضاة ينصبون مجالسهم للحكم في القضايا والنوازل ليلا، وذلك بمحضر الخصوم والشهود، والحكم الصادر ينفذ في الحال، كل هذه الأمور وغيرها يكون رئيس الولاية هو الآمر بها، وعلى علم من تنفيذها، وعلى اتصال تام مع لجنة التنسيق فيما يجرى في منطقته من الحوادث.
أما البنود التي اشتمل عليها هذا المؤتمر فيما يخص توقيف القتال والتفاوض مع فرنسا فإنه سيأتي فيما بعد.