الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اصطدام التطرف الفرنسي بالواقع الجزائري
لقد ثبت لدى الجنرال ديغول، ومن سبقه من حكام فرنسا عجزهم عن قمع الثورة عن طريق القوة الحربية، بلغت الثورة الجزائرية في هذه المرحلة الأخيرة مبلغا عظيما من القوة، تعقدت الأحوال وتشعبت الأمور في جميع الميادين، فأصبح الشعب لا يفكر ولا يحلم الا بالقتال دفاعا عن النفس والوطن، وتصلب كل من المتخاصمين في موقفه الذى اتخذه لنفسه، والحرب مشتعلة الأوار، ولهيبها في تزايد وتصاعد رغم التضحيات الجسيمة التي تكبدها الطرفان المتحاربان، وكل الحلول فشلت عن حل هذه القضية الشائكة رغم توصيات جمعية الأمم، ولا الوساطة التي كانت تعرض نفسها لحل هذه القضية، ولا صرخات الشعوب المنددة بهذه الحرب القذرة ولا الخسائر الفادحة التي أودت بالأموال والأنفس، إذن ما هذه القضية التي استعصت، عن جميع الحلول؟ هذه قضية الجزائر فهي بالنسبة لكل من المتحاربين قضيه حيوية فالفرنسيون يعتبرون القطر الجزائري أرضا فرنسية بحته ويعتبرونها أيضا همزة وصل بينهم وبين مستعمراتهم المنتشرة في القارة الافريقية، وعلى هذا الأساس إذا استقل القطر الجزائري، فيضعف الاتصال بين فرنسا ومستعمراتها، وتفقد أيضا ضفة البحر الأبيض المتوسط الجنوبية، وهذا ما وقع فعلا.
ولهذا كان المسؤولون من الفرنسيين يصرحون دائما بقولهم، كيف تكون فرنسا بدون الجزائر؟ فإنهم كانوا يعتبرون الجزائر خطا ثانيا للدفاع عن فرنسا، وهذا ما وقع بالفعل في الحرب العالمية الثانية، لما احتل الألمان أرض فرنسا لجأت الحكومة الفرنسية الى الجزائر، ومنها واصلت الحرب ضد النازيين
…
وباستقلال شمال افريقيا يفقد الغرب مركزا هاما للدفاع عن مصالحة الحيوية، وهذا معنى تصريح رؤساء الحكومات الفرنسية فإنهم كانوا يقولون الحرب القائمة في الجزائر ما هي
الا دفاع عن الغرب وسلامته من الأخطار التي تهدده في المستقبل
…
هذا هو سر تصلب الفرنسيين بخلاف الفوائد الأخرى التي يجنونها من هذه الأقطار، فهي بالنسبة الى النفط الأولى تعد ثانوية
…
وسبب تصلب الجزائريين في مواقفهم فهو معروف لأن حكومة الجنرال ديغول وقفت منهم موقفا لا يستطيع أحد أن يفهمه بحيث عمدت الى شعوب افريقيا السوداء فمنحتها استقلالها ومنعت منه الجزائريين الذين يقاتلون من أجله مقاتلة شديدة وأرغمتهم على التفرنس بالحديد والنار، وأقحمتهم قسرا في صلب الدستور الفرنسي، بأن لا شيء لهم الا الاندماج في الشعب الفرنسي.
لما رأى الجزائريون حياتهم مهددة بالاضمحلال والفناء من هذا القطر كما هو معلوم لدى العام والخاص استماتوا في كفاحهم ضد الاستعمار، وأصبحت لهم هذه الحرب قضية موت أو حياة، فالجزائريون يختارون واحدا من اثنين: إما شعب متحرر من جميع القيود مستقل من السيطرة الأجنبية، يباشر سيادته كاملة، وإما موت نهائية لا حياة له في هذا الوطن فاختار الاول، هذا هو سر تصلب الجزائريين، وسر خلق المشاكل والصعوبات التي اعترضت حل هذه القضية
…
هذه الثورة أفقدت قادة فرنسا رشدهم، وأخرجتهم عن اتزانهم فجعلتهم يفقدون كل سيطرة على أعصابهم حتى ارتكبوا أغلاطا فاحشة وأعمالا إجرامية كبيرة لا ينساها لهم التاريخ ولا تتسامح لهم بها الأجيال الصاعدة.
اصطدمت فرنسا بمقاومة شعبية صلبة منذ الاحتلال لا تعرف التراجع ولا تخشى العذاب، ولا ترهب من الموت، وبعقلية صحيحة لا التواء فيها ولا غموض لأن الشعب الجزائري صريح لا يعرف طريق اللف والدوران، إما أن يأتي بحقه كاملا، وإما أن يتحطم
…
وفي هذه المصادمات وقع ما وقع من خسائر وويلات ونكبات مما لا يستطيع أحد أن يعبر عنها، وفي النهاية تغلب الحق على
الباطل مع كثرة جيوشه، وقضى على جبروت الاستعمار وغطرسة القادة الفرنسيين، وعلى العنصرية البغيضة والأنانية الجامحة، والنظريات المتطرفة والعقليات المتحجرة ..
كانت سياسة فرنسا سياسية عدم تفاهم مع جميع الشعوب التي تحت سيطرتها، ولهذا كانت دائما تفضل الحرب على التفاهم، وهذه السياسة التقليدية استعملتها في الهند الصينية، وتونس والمغرب العربي رغم معاكسات الظروف لها، وانفردت بها عن بقية الاستعمار العالمي، بحيث بقيت وحدها متمسكة بنظريتها الرجعية التي أكل وشرب عليها الدهر، ولولا ثورة الجزائر الكبرى أرجعتها إلى صوابها حتى أصبحت تتفاهم مع مستعمراتها في الشرق والغرب لكانت لا تزال تواصل الحرب معها الى الآن والى الغد
…
وكل حكومة من حكومات فرنسا صعدت الى الحكم في إبان الثورة الجزائرية الا واستعملت القوة أكثر من الحكومة التي سبقتها
…
فحكومة (قى مولى) الاشتراكية هي التي أوصلت الجزائر الى الهوة السحيقة بتشددها واستعمال القوة الرادعة في وجه الجزائريين ولو أبدت استعدادا للمفاهمة أو على الأقل تطبيق برامج حزبها الاشتراكي بشرط أن تكون مخلصة فيه، فلعل لم تصل الحالة الى ما وصلت اليه
…
ولما غادر (قى مولى) الحكم أصبح يحمل لواء المعارضة ويحث الحكومة التي أخلفته على التفاهم مع الجزائريين. ويقول في تصريحاته الكثيرة (الانتصار بالقوة مستحيل).
وهذا الجنرال ديغول لعل الرجل الوحيد الذي يستطيع أن ينفذ ارادته، ولا يخشى من المعارضة، لما صعد الى الحكم أخذ في استعمال القوة أضعافا مضاعفة على ما كان عليه أسلافه، ولم يقبل الوساطة ولا التفاهم مع الجبهة المسيرة للشعب الجزائري، وكان يراوغ ليغالط الرأي العام العالمي، وظهر من أول صعوده الى الحكم بمظهر محرر الشعوب، فجدد الدستور ومنح الأقطار الافريقية السوداء استقلالها الشيء الوحيد الذى من أجله
يحارب الجزائريون بمنحه الى غيرهم من الأقطار الأخرى، ويعارض الجزائريين بالقوة في آمالهم
…
ولما عجزت قواته عن إخضاع الثورة تمنى لو يجد أناسا من الجزائريين لم يشاركوا في الثورة ليتفاهم معهم على سياسة التدريج والمراحل ولكنه لم يجد حتى هذه وباء بالفشل الذريع في جميع المحاولات
…
هذا السلوك الملتوي المعوج من قادة فرنسا هو الذي وقف عقبة كأداء في سبيل التفاهم والسلم الحقيقي.
وإذا نظرنا الى ما تحتله الجزائر في الأوساط الفرنسية من المكانة المرموقة لعل نلتمس العذر لهؤلاء القادة، فأي حكومة كانت تستطيع أن تبت في القضية الجزائرية بدون موافقة الأحزاب، وبصفة خاصة أحزاب اليمين المتطرفة؟ ولهذا كلما تشكلت حكومة تخشى من المسؤولية إذا هي أعزمت الحل بدون رضى الأحزاب. فكانت تخشى من نشوب حرب أهلية، ولما لا تجد مخرجا من هذا المأزق تقدم تسليمها وتغادر الحكم، وتترك الحالة كما هي، وهذا ما وقع فعلا، فالمعمرون وأحزاب اليمين وقادة الجيش ثاروا على حكومة فيملان لما عزم هذا على المفاوضة مع جبهة التحرير الوطني. وكذلك الجنرال ديغول لما صمم على حل القضية ثار عليه قواده والمعمرون في الجزائر.
وفي النهاية بدأ الشعب الفرنسي بصفة عامة، والمسؤولون بصفة خاصة يدركون مطالب الشعب الجزائري، وأهميتها الكبرى واستماتتهم في سبيلها، وتحققوا من أن الشعب لا بد أن يصل الى حقوقه عاجلا أو آجلا، وسيصبح عربيا مسلما لا كما تدعى فرنسا بأنه قطعة منها واستعمال اللقوة لن يجدي شيئا
…