الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَنَّ لَهَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ مِثْقَالًا وَلَمْ يُوصِ هُوَ أَنَّ عَلَيْهَا شَيْئًا فَمَاتَ فَطَلَبَتْ الْيَتِيمَةُ الْمَثَاقِيلَ فَادَّعَى الْوَرَثَةُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهَا نَفَقَةً وَأَثْبَتُوا أَنَّهَا كَانَتْ فِي حَضَانَتِهِ مُدَّةَ نَظَرِهِ فَهَلْ لَهُ مُحَاسَبَتُهَا أَمْ لَا.
(فَأَجَابَ) إشْهَادُ الْوَصِيِّ لَهَا عِنْدَ مَوْتِهِ بِالْعِشْرِينِ مِثْقَالًا يُوجِبُهَا لَهَا وَيُبْطِلُ دَعْوَى الْوَرَثَةِ عَلَيْهَا وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى مَا أَثْبَتُوهُ وَلَا يُحَاسِبُونَهَا بِشَيْءٍ. اهـ
[فَصْلٌ فِي الْإِقْرَارِ]
ِ الْإِقْرَارُ فِي اللُّغَةِ: الِاعْتِرَافُ وَاخْتُلِفَ هَلْ هُوَ بَدِيهِيٌّ وَأَنَّهُ قَوْلٌ يُوجِبُ حَقًّا عَلَى قَائِلِهِ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْحَقُّ أَنَّهُ نَظَرِيٌّ، فَإِنَّ تَصَوُّرَ مَاهِيَّتِهِ الْعُرْفِيَّةِ لَيْسَ ضَرُورِيًّا لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ مَسَائِلِهِ يُتَرَدَّدُ فِيهَا هَلْ هِيَ مِنْ بَابِ الْإِقْرَارِ أَمْ لَا؟ كَمَا إذَا قَالَ أَقِرَّ عَنِّي بِمِائَةٍ هَلْ هُوَ إقْرَارٌ أَوْ وَكَالَةٌ فَلَوْ كَانَ الْإِقْرَارُ ضَرُورِيَّ التَّصَوُّرِ لَمَا وَقْعَ الشَّكِّ فِي تَصَوُّرِ فَرْدٍ مِنْ مَصْدُوقَاتِهِ وَعَلَى أَنَّهُ نَظَرِيٌّ فَيُعَرَّفُ بِأَنَّهُ خَبَرٌ يُوجِبُ حُكْمَ صِدْقِهِ عَلَى قَائِلِهِ فَقَطْ بِلَفْظِهِ أَوْ لَفْظِ نَائِبِهِ فَقَوْلُهُ: خَبَرُ جِنْسٌ يُخْرِجُ الْإِنْشَاءَاتِ كَبِعْت وَاشْتَرَيْت وَنُطْقَ الْكَافِرِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَقَوْلُهُ: يُوجِبُ حُكْمَ صِدْقِهِ عَلَى قَائِلِهِ فَقَطْ أَخْرَجَ بِهِ الرِّوَايَةَ وَالشَّهَادَةَ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ: الصَّلَاةُ وَاجِبَهُ فَذَلِكَ خَبَرٌ أَوْجَبَ حُكْمَ صِدْقِهِ عَلَى مُخْبِرِهِ وَغَيْرِهِ وَإِذَا شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ حُكْمَ صِدْقِهِ عَلَى غَيْرِهِ فَقَطْ وَإِذَا قَالَ فِي ذِمَّتِي دِينَارٌ فَهُوَ خَبَرٌ أَوْجَبَ حُكْمَ صِدْقِهِ عَلَى الْمُخْبِرِ وَحْدَهُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فَقَطْ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ زَيْدٌ زَانٍ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَإِنْ كَانَ أَوْجَبَ حُكْمًا عَلَى قَائِلِهِ فَقَطْ وَهُوَ حَدُّ الْقَذْفِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ حُكْمَ مَا اقْتَضَاهُ الصِّدْقُ لِأَنَّ الَّذِي اقْتَضَاهُ الصِّدْقُ جَلْدُ مِائَةٍ عَلَى غَيْرِهِ انْتَهَى مِنْ الرَّصَّاع بِبَعْضِ اخْتِصَارٍ وَلَمْ يُشْرَحْ قَوْلُهُ بِلَفْظِهِ أَوْ لَفْظِ نَائِبِهِ وَلَعَلَّهُ زَادَ لَفْظَ نَائِبِهِ لِيَدْخُلَ أَقَرَّ عَنِّي بِمِائَةٍ فَإِنَّهُ إقْرَارٌ لَا وَكَالَةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَالِكٌ لِأَمْرِهِ أَقَرَّ فِي
…
صِحَّتِهِ لِأَجْنَبِيٍّ اُقْتُفِيَ
وَمَا لِوَارِثٍ فَفِيهِ اُخْتُلِفَا
…
وَمُنْفِذٌ لَهُ لِتُهْمَةٍ نَفَى
وَرَأْسَ مَتْرُوكِ الْمُقِرِّ أَلْزَمَا
…
وَهُوَ بِهِ فِي فَلَسٍ كَالْغُرَمَا
اعْلَمْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُقِرِّ أَنْ يَكُونَ رَشِيدًا غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ وَعَنْ ذَلِكَ عَبَّرَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ وَمَالِكٍ لِأَمْرِهِ فَلَفْظُ مَالِكٍ هُنَا اسْمُ فَاعِلٍ لَا عَلَمٌ عَلَى إمَامِ الْمَذْهَبِ وَأُخْرِجَ بِذَلِكَ إقْرَارُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُبَذِّرِ وَالْمُفْلِسِ وَالْعَبْدِ فَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ.
وَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْحَجْرِ عَلَيْهِمْ رَدُّ تَصَرُّفَاتِهِمْ الْمَالِيَّةِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا الْإِقْرَارُ بِالدَّيْنِ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْإِقْرَارَ تَارَةً يَكُونُ فِي صِحَّةِ الْمُقِرِّ وَتَارَةً فِي مَرَضِهِ وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ لَهُ وَارِثًا أَوْ أَجْنَبِيًّا فَالْأَقْسَامُ أَرْبَعَةٌ وَالْمُقَرُّ لَهُ أَجْنَبِيٌّ غَيْرُ وَارِثٍ فَإِنَّهُ مَعْمُولٌ بِهِ نَافِذٌ لِلْمُقَرِّ لَهُ وَعَنْ إعْمَالِهِ عَبَّرَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: اُقْتُفِيَ أَيْ اُتُّبِعَ إقْرَارُهُ وَعَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ لِوَارِثٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَافِذٌ مَعْمُولٌ بِهِ أَيْضًا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ
وَمَا لِوَارِثٍ فَفِيهِ اُخْتُلِفَا
ثُمَّ أَشَارَ بِقَوْلِهِ
وَمُنْفِذٌ لَهُ لِتُهْمَةٍ نَفَى
وَرَأْسَ مَتْرُوكِ الْبَيْتَ إلَّا أَنَّ مَنْ قَالَ بِإِعْمَالِ الْإِقْرَارِ فِي الصِّحَّةِ لِلْوَارِثِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ لَمْ يَرَ فِي إقْرَارِهِ لِلْوَارِثِ تُهْمَةً بَلْ نَفَى التُّهْمَةَ فِي ذَلِكَ وَأَلْزَمَ الْمُقِرَّ مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَجَعَلَهُ كَالدَّيْنِ الثَّابِتِ يُحَاصَصُ بِهِ الْغُرَمَاءُ فِي الْفَلَسِ قَالَ الشَّارِحُ وَبِهَذَا الْقَوْلِ الْعَمَلُ. اهـ.
وَقَالَ قَبْلَهُ ابْنُ رُشْدٍ لَا يُحَاصَصُ بِهِ
الْغُرَمَاءُ عَلَى قَوْلِ ابْن الْقَاسِمِ إلَّا مَعَ الدُّيُونِ الَّتِي اسْتَدَانَهَا بَعْدَ الْإِقْرَارِ وَأَمَّا الْقَدِيمَةُ قَبْلَ الْإِقْرَارِ فَلَا اهـ.
وَمِنْ قَوْلِهِ:
وَمُنْفِذٌ لَهُ لِتُهْمَةٍ نَفَى
يُفْهَمُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُنَفِّذْهُ وَلَمْ يَعْمَلْ بِمُقْتَضَاهُ رَأَى أَنَّ فِي الْإِقْرَارِ الْوَارِثِ تُهْمَةً وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ (قَالَ فِي الْكَافِي) كُلُّ بَالِغٍ حُرٍّ جَائِزِ الْفِعْلِ رَشِيدٍ فَإِقْرَارُهُ جَائِزٌ عَلَى نَفْسِهِ فِي كُلِّ مَا يُقِرُّ بِهِ فِي صِحَّتِهِ وَالْأَجْنَبِيُّ وَالْوَارِثُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَكَذَلِكَ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ وَالْعَدُوُّ وَالصَّدِيقُ فِي الْإِقْرَارِ فِي الصِّحَّةِ سَوَاءٌ وَفِي ابْنِ سَلْمُونٍ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَالْإِقْرَارُ لِلْوَارِثِ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الصِّحَّةِ أَوْ فِي الْمَرَضِ فَإِنْ كَانَ فِي الصِّحَّةِ فَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَافِذٌ يَأْخُذُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ فِي الْمَوْتِ.
وَيُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءُ فِي الْفَلَسِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءُ فِي الْفَلَسِ وَلَا يَأْخُذُهُ مِنْ التَّرِكَةِ فِي الْمَوْتِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءُ فِي الْفَلَسِ وَلَا يَأْخُذُهُ مِنْ التَّرِكَةِ فِي الْمَوْتِ وَهُوَ قَوْلُ الْمَدَنِيِّينَ لِلتُّهْمَةِ عِنْدَهُمْ. اهـ.
فَقَوْلُهُ: أَقَرَّ: صِفَةٌ لِمَالِكٍ، وَلِأَجْنَبِيٍّ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَمَا أَقَرَّ بِهِ لِوَارِثٍ وَمُنْفِذٌ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَنْفَذَ مُبْتَدَأٌ، وَجُمْلَةُ نَفَى لِتُهْمَةٍ: خَبَرُهُ وَضَمِيرُ فِيهِ يَعُودُ عَلَى مَا وَضَمِيرُ لَهُ لِلْإِقْرَارِ لِلْوَارِثِ وَأَلْزَمَ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَهُوَ ضَمِيرُ الْمُنْفِذِ عُطِفَ عَلَى نَفَى، وَرَأْسَ: مَفْعُولُ أَلْزَمَ الثَّانِي، وَالْأَوَّلُ مَحْذُوفٌ أَيْ أَلْزَمَ الْمُنْفِذُ لِلْإِقْرَارِ الدَّيْنَ الْمُقَرَّ بِهِ رَأْسَ مَالِ الْمُقِرِّ وَضَمِيرُ وَهُوَ لِلْمُقَرِّ لَهُ وَبِهِ لِلْإِقْرَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَذْكُرْ النَّاظِمُ الْمُقَرَّ بِهِ وَهُوَ إمَّا دَيْنٌ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ الْمُرَادُ غَالِبًا فِي هَذَا الْبَابِ وَإِمَّا قِرَاضٌ أَوْ وَدِيعَةٌ أَوْ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ.
وَإِنْ يَكُنْ لِأَجْنَبِيٍّ فِي الْمَرَضْ
…
غَيْرُ صَدِيقٍ فَهُوَ نَافِذُ الْغَرَضْ
وَلِصَدِيقٍ أَوْ قَرِيبٍ لَا يَرِثْ
…
يَبْطُلُ مِمَّنْ بِكَلَالَةٍ وُرِثْ
وَقِيلَ بَلْ يَمْضِي بِكُلِّ حَالِ
…
وَعِنْدَ مَا يُؤْخَذُ بِالْإِبْطَالِ
قِيلَ بِإِطْلَاقٍ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ
…
يَمْضِي مِنْ الثُّلْثِ بِحُكْمٍ جَازِمِ
لَمَّا قَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَى الْإِقْرَارِ فِي الصِّحَّةِ بِقِسْمَيْهِ أَعْنِي لِلْأَجْنَبِيِّ وَالْوَارِثِ شَرَعَ الْآنَ فِي الْكَلَامِ فِي الْإِقْرَارِ فِي الْمَرَضِ فَتَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ عَلَى الْقَرَارِ فِي الْمَرَضِ إمَّا لِأَجْنَبِيٍّ غَيْرِ صَدِيقٍ أَوْ لِصَدِيقٍ مُلَاطِفٍ أَوْ لِقَرِيبٍ غَيْرِ وَارِثٍ وَتَكَلَّمَ فِيمَا بَعْدَهَا عَلَى الْإِقْرَارِ لِلْوَارِثِ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْإِقْرَارَ فِي الْمَرَضِ إنْ كَانَ لِأَجْنَبِيٍّ غَيْرِ صَدِيقٍ فَإِنَّهُ نَافِذٌ مَعْمُولٌ بِهِ عَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَظَاهِرُهُ وُرِثَ الْمُقِرُّ كَلَالَةً أَوْ لَا وَهُوَ كَذَلِكَ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ.
وَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ لِصَدِيقٍ أَوْ قَرِيبٍ لَا يَرِثُ فَقَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إنْ وُرِثَ الْمُقِرُّ كَلَالَةً لَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا وَلَا وَلَدَ ابْنٍ وَإِنْ سَفَلَ وَلَا أَبًا وَلَا جَدًّا وَإِنْ عَلَا فَالْإِقْرَارُ بَاطِلٌ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ وَإِنْ وُرِثَ غَيْرَ كَلَالَةٍ فَالْإِقْرَارُ صَحِيحٌ مَعْمُولٌ بِهِ الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُعْمَلُ بِهِ وُرِثَ كَلَالَةً أَوْ لَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ بِكُلِّ حَالٍ وَإِذَا قُلْنَا بِإِبْطَالِهِ إنْ وُرِثَ كَلَالَةً فَقِيلَ يَبْطُلُ مُطْلَقًا فَلَا يُؤْخَذُ لَهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَلَا مِنْ الثُّلُثِ وَقِيلَ يَمْضِي مِنْ الثُّلُثِ لَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ (ابْنُ رُشْدٍ) وَإِنْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ لِصَدِيقٍ مُلَاطِفٍ أَوْ لِقَرِيبٍ غَيْرِ وَارِثٍ فَقِيلَ: يَجُوزُ إقْرَارُهُ إلَّا إنْ وَرِثَهُ وَلَدٌ وَالْقَوْلَانِ قَائِمَانِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ. اهـ.
مِنْ الْمَوَّاقِ وَمِثْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَزَادَ قَوْلًا ثَالِثًا إنْ وُرِثَ بِوَلَدٍ جَازَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَإِنْ وُرِثَ بِكَلَالَةٍ فَمِنْ الثُّلُثِ وَفِي مُفِيدِ ابْنِ هِشَامٍ وَإِقْرَارُ الْمَرِيضِ لِغَيْرِ وَارِثٍ كَإِقْرَارِ الصَّحِيحِ وَانْظُرْ إذَا أَقَرَّ الْمَرِيضُ فِي مَرَضِهِ لِصَدِيقٍ مُلَاطِفٍ وَكَانَ يُورَثُ كَلَالَةً فَإِنَّ التُّهْمَةَ حَاصِلَةٌ وَعَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَعُودُ إقْرَارُهُ وَصِيَّةً فَيَكُونُ مِنْ الثُّلُثِ وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ يَبْطُلُ
جُمْلَةً فَلَا يَكُونُ مِنْ الثُّلُثِ وَلَا غَيْرِهِ. اهـ. (قَالَ الشَّارِحُ رحمه الله) سُئِلَ شَيْخُنَا قَاضِي الْجَمَاعَةِ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ سِرَاجٍ رحمه الله عَنْ رَجُلٍ كَفَلَ يَتِيمًا فَأَشْهَدَ لَهُ فِي صِحَّتِهِ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَفِي مَرَضِهِ بِخَمْسِينَ دِينَارًا فِضِّيَّةً عَلَى أُجْرَةٍ لَهُ ثُمَّ تُوُفِّيَ فَنَازَعَ وَرَثَتُهُ فِي ذَلِكَ فَأَجَابَ أَمَّا الْعَشَرَةُ فَتَجِبُ لَهُ وَأَمَّا الْخَمْسُونَ مِثْقَالًا فَإِنْ كَانَتْ قَدْرَ أُجْرَتِهِ الْوَاجِبَةِ لَهُ فَتَجِبُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ فِي إجَارَتِهِ كَانَ قَدْرُ الْإِجَارَةِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَالزَّائِدُ فِي ثُلُثِهِ قَالَهُ ابْنُ سِرَاجٍ.
قَالَ الشَّارِحُ اعْتَمَدَ شَيْخُنَا رحمه الله فِي الزَّائِدِ عَلَى مَا يَجِبُ لَهُ مِنْ أُجْرَةٍ مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْ فِي أَنَّ الْإِقْرَارَ لَا يَبْطُلُ جُمْلَةً بَلْ يَمْضِي مِنْ الثُّلُثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَقَوْلُهُ: وَإِنْ يَكُنْ أَيْ الْإِقْرَارُ وَغَيْرُ صَدِيقٍ صِفَةٌ لِأَجْنَبِيٍّ وَلِصَدِيقٍ عَطْفٌ عَلَى لِأَجْنَبِيٍّ، وَقَوْلُهُ: وَعِنْدَمَا يُؤْخَذُ بِالْإِبْطَالِ أَيْ إذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْقَوْلِ بِإِبْطَالِ الْإِقْرَارِ لِلصَّدِيقِ فِي حَقِّ مَنْ وُرِثَ كَلَالَةً فَقِيلَ يَبْطُلُ مُطْلَقًا مِنْ ثُلُثٍ وَرَأْسٍ وَقِيلَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ.
وَحَيْثُمَا الْإِقْرَارُ فِيهِ لِلْوَلَدْ
…
مَعْ غَيْرِهِ فَلَيْسَ فِيهِ مِنْ مَرَدْ
مَعَ ظُهُورِ سَبَبِ الْإِقْرَارِ
…
فَإِنْ يَكُنْ ذَاكَ عَنْ اخْتِيَارِ
فَذُو عُقُوقٍ وَانْحِرَافٍ يُحْكَمُ
…
لَهُ بِهِ وَذُو الْبُرُورِ يُحْرَمُ
تَكَلَّمَ مِنْ هُنَا لِمَا بَعْدُ عَلَى الْإِقْرَارِ فِي الْمَرَضِ لِلْوَارِثِ وَبَدَأَ بِالْإِقْرَارِ لِلْوَلَدِ مَعَ غَيْرِهِ ثُمَّ ثَنَّى بِالْإِقْرَارِ لِلزَّوْجَةِ وَثَلَّثَ بِالْإِقْرَارِ لِوَارِثٍ غَيْرِهِمَا فَأَخْبَرَ هُنَا أَنَّ مَنْ أَقَرَّ لِوَلَدِهِ مَعَ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ فَإِنْ كَانَ لِلْإِقْرَارِ سَبَبٌ كَأَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ مَاتَتْ أُمُّهُ أَوْ لَهُ أَصْلٌ فَيَشْهَدُ لَهُ بِمَالٍ مِنْ مِيرَاثِ أُمِّهِ أَوْ غَلَّةِ أَصْلِهِ وَيَشْهَدُ مَعَ ذَلِكَ بِدَيْنٍ لِأَجْنَبِيٍّ فَالْإِقْرَارُ نَافِذٌ عَامِلٌ لَهُمَا مَعًا وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِلْإِقْرَارِ سَبَبٌ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ
فَإِنْ يَكُنْ ذَاكَ عَنْ اخْتِيَارٍ
نُظِرَ أَيْضًا فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ الْمُقَرُّ لَهُ عَاقًّا لِوَالِدِهِ فَالْإِقْرَارُ صَحِيحٌ ثَابِتٌ وَإِنْ كَانَ بَارًّا لِوَالِدِهِ فَلَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ لَهُ لِلتُّهْمَةِ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ التَّوْلِيجَ لِهَذَا الْبَارِّ وَالْحِرْمَانَ لِذَلِكَ الْعَاقِّ قَالَ فِي (الْمُقَرَّبِ) .
قُلْتُ فَإِنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ لِابْنِهِ وَلِأَجْنَبِيٍّ فِي مَرَضِهِ وَلَهُ بَنُونَ سِوَى الَّذِي أَقَرَّ لَهُ وَمَالُهُ يَضِيقُ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ قَالَ يَتَحَاصَصُ ابْنُهُ وَالْأَجْنَبِيُّ فِيمَا تَرَكَ فَمَا صَارَ لِلِابْنِ دَخَلَ مَعَهُ فِيهِ الْوَرَثَةُ إنْ شَاءُوا وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ لِابْنِهِ وَعَلَيْهِ دُيُونُ بَنِيهِ. اهـ.
وَحَاصِلُهُ بُطْلَانُ الْإِقْرَارِ لِلْوَلَدِ وَلَعَلَّهُ حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ لِلْإِقْرَارِ سَبَبٌ وَفِي الْمُفِيدِ فَإِنْ أَقَرَّ لِأَحَدِ بَنِيهِ دُونَ غَيْرِهِ اُعْتُبِرَ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا مِثْلَ أَنْ يُقِرَّ لِلْعَاقِّ دُونَ الْبَارِّ فَيَجُوزُ إقْرَارُهُ وَلَوْ أَقَرَّ لِلْبَارِّ لَمْ يَجُزْ. اهـ. وَلَمْ يَنْقُلْ الشَّارِحُ فِقْهًا لِقَوْلِهِ فَلَيْسَ فِيهِ مِنْ مَرَدٍّ مَعَ ظُهُورِ سَبَبِ الْإِقْرَارِ وَوَجْهُ مَا فِي النَّظْمِ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ يَكُنْ لِزَوْجَةٍ بِهَا شُغِفْ
…
فَالْمَنْعُ وَالْعَكْسُ بِعَكْسٍ يَتَّصِفْ
وَإِنْ جَهِلْنَا عِنْدَ ذَاكَ حَالَهْ
…
فَالْمَنْعُ مِمَّنْ إرْثُهُ كَلَالَهْ
وَمَعَ وَاحِدٍ مِنْ الذُّكُورِ
…
فِي كُلِّ حَالٍ لَيْسَ بِالْمَحْظُورِ
كَذَاكَ مَعْ تَعَدُّدٍ فِيهِمْ ذَكَرْ
…
مَا مِنْهُمْ ذُو كِبَرٍ وَذُو صِغَرْ
وَإِنْ يَكُنْ بِغَيْرِ ذَاكَ مُطْلَقَا
…
قِيلَ مُسَوَّغٌ وَقِيلَ مُتَّقَى
يَعْنِي: أَنَّ الْمَرِيضَ إذَا أَقَرَّ لِلزَّوْجَةِ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مَعَهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُحِبًّا لَهَا وَمَشْغُوفًا بِحُبِّهَا فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ لَهَا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ يَبْغَضُهَا فَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ لَهَا وَإِمَّا أَنْ يُجْهَلَ حَالُهُ مَعَهَا وَفِيهِ حِينَئِذٍ تَفْصِيلٌ إنْ وُرِثَ كَلَالَةً لَمْ يَصِحَّ الْإِقْرَارُ لَهَا.
وَإِنْ تَرَكَ ذَكَرًا وَاحِدًا صَحَّ الْإِقْرَارُ لَهَا صَغِيرًا كَانَ الْوَلَدُ أَمْ كَبِيرًا مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَكَذَلِكَ يَصِحُّ إنْ كَانَ الْأَوْلَادُ مُتَعَدِّدِينَ، وَفِيهِمْ ذَكَرٌ سَوَاءٌ كَانُوا كِبَارًا أَوْ صِغَارًا وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ
مَا مِنْهُمْ ذُو كِبَرٍ وَذُو صِغَرْ
فَمَا نَافِيَةٌ أَيْ مَا مِنْهُمْ كَبِيرٌ يَخْتَصُّ بِهَذَا الْحُكْمِ وَلَا صَغِيرٌ يُخْتَصُّ بِهِ بَلْ كَبِيرُهُمْ وَصَغِيرُهُمْ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ غَيْرَ مَا ذُكِرَ بِأَنْ لَمْ يَتْرُكْ ذَكَرًا بَلْ تَرَكَ بِنْتًا أَوْ بَنَاتٍ سَوَاءٌ كُنَّ صِغَارًا كُلُّهُنَّ أَوْ كِبَارًا كُلُّهُنَّ أَوْ بَعْضُهُنَّ صِغَارًا وَبَعْضُهُنَّ كِبَارًا مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا فَفِي صِحَّةِ الْإِقْرَارِ لَهَا قَوْلَانِ وَإِلَى هَذَا الْوَجْهِ الْأَخِيرِ أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ يَكُنْ بِغَيْرِ ذَاكَ الْبَيْتِ (قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ) وَفِي إقْرَارِ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ بِدَيْنٍ فِي الْمَرَضِ تَفْصِيلٌ.
وَاَلَّذِي يَتَحَصَّلُ فِيهِ عِنْدِي عَلَى مِنْهَاجِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ أَمْرَهُ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إنْ عُلِمَ مِنْهُ مَيْلٌ إلَيْهَا وَصَبَابَةٌ بِهَا فَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ لَهَا إلَّا أَنْ تُجِيزَ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ وَإِنْ عُلِمَ مِنْهُ الْبُغْضُ فِيهَا وَالشَّنَآنُ لَهَا فَإِقْرَارُهُ لَهَا جَائِزٌ عَلَى الْوَرَثَةِ وَإِنْ جُهِلَ حَالُهُ مَعَهَا فِي الْمَيْلِ إلَيْهَا أَوْ الْبُغْضِ لَهَا فَلَا يَخْلُو أَمْرُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يُورَثَ بِكَلَالَةٍ أَوْ يُورَثَ بِوَلَدٍ فَإِنْ وُرِثَ بِكَلَالَةٍ فَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ لَهَا وَإِنْ وُرِثَ بِوَلَدٍ فَإِنَّ الْوَلَدَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونُوا إنَاثًا أَوْ ذُكُورًا صِغَارًا أَوْ كِبَارًا وَاحِدًا أَوْ عَدَدًا مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا فَيَخْرُجُ ذَلِكَ عِنْدِي عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ إقْرَارَهُ جَائِزٌ، وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ فِي إقْرَارِهِ لِبَعْضِ الْعَصَبَةِ إذَا تَرَكَ ابْنَهُ وَعَصَبَةً فَإِنْ كُنَّ صِغَارًا مِنْهَا لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ لَهَا قَوْلًا وَاحِدًا وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ ذَكَرًا وَكَانَ وَاحِدًا فَإِقْرَارُهُ لَهَا جَائِزٌ صَغِيرًا كَانَ الْوَلَدُ أَوْ كَبِيرًا مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا.
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْوَلَدُ عَدَدًا وَفِيهِمْ ذَكَرٌ فَإِقْرَارُهُ لَهَا جَائِزٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ صَغِيرًا مِنْهَا وَبَعْضُهُمْ كَبِيرًا مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ عَدَدًا فِيهِمْ ذُكُورٌ فَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ لَهَا. اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ تَرَكَ وَلَدًا فَفِي صِحَّةِ إقْرَارِهِ لِلزَّوْجَةِ الَّتِي جُهِلَ حَالُهُ مَعَهَا قَوْلَانِ: إلَّا فِي أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ اثْنَانِ يَصِحُّ إقْرَارُهُ لَهَا فِيهِمَا وَهُمَا إذَا تَرَكَ ذَكَرًا وَاحِدًا أَوْ تَرَكَ أَوْلَادًا وَفِيهِمْ ذَكَرٌ أَيْ الْجِنْسُ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ وَإِلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَشَارَ النَّاظِمَ بِقَوْلِهِ
وَمَعَ وَاحِدٍ مِنْ الذُّكُورِ
الْبَيْتَيْنِ وَاثْنَانِ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ لَهَا فِيهِمَا وَهُمَا إذَا تَرَكَ إنَاثًا صِغَارًا مِنْهَا أَوْ تَرَكَ ذُكُورًا وَبَعْضُهُمْ صَغِيرًا مِنْهَا وَبَعْضُهُمْ كَبِيرًا مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا وَلَمْ يَسْتَثْنِ النَّاظِمُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَلِذَلِكَ قَالَ الشَّارِحُ رحمه الله لَوْ زَادَ النَّاظِمُ إثْرَ قَوْلِهِ
مَا مِنْهُمْ ذُو صِغَرٍ وَذُو كِبَرْ
بَيْتًا وَهُوَ
إلَّا إذَا مَا كَانَ مِنْهَا الْأَصْغَرُ
…
وَكَانَ مِنْ أُمٍّ سِوَاهَا الْأَكْبَرُ
وَزَادَ أَيْضًا إثْرَ قَوْلِهِ:
قِيلَ مُسَوَّغٌ. وَقِيلَ مُتَّقًى
بَيْتًا وَهُوَ:
إلَّا إذَا كُنَّ صِغَارًا جَمْعَا
…
مِنْهَا فَحُكْمُ ذَاكَ أَنْ يَمْتَنِعَا
لَكَانَ قَدْ وَفَّى بِكَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَمَا عَدَا هَذِهِ الْوُجُوهَ الْأَرْبَعَةَ وَهُوَ انْفِرَادُ الْإِنَاثِ وَاحِدَةً أَوْ مُتَعَدِّدَةً أَدْرَجَهُ النَّاظِمُ فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ يَكُنْ بِغَيْرِ ذَاكَ، الْبَيْتِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الصَّوَابَ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذَيْنِ أَنْ يَقُولَ بَدَلَ الشَّطْرِ الثَّانِي مِنْهُ
وَكَانَ مِنْهَا أَوْ سِوَاهَا الْأَكْبَرُ
وَنَقَلَ الْمَوَّاقُ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ كَمَا
نَقَلَهُ الشَّارِحُ وَلَفْظُهُ وَإِنْ جُهِلَ حَالُهُ مَعَهَا سَقَطَ إقْرَارُهُ لَهَا إنْ وُرِثَ بِكَلَالَةٍ.
وَإِنْ وُرِثَ بِوَلَدٍ غَيْرِ ذَكَرٍ مَعَ عَصَبَةٍ فَسَوَاءٌ كُنَّ وَاحِدَةً أَوْ عَدَدًا صِغَارًا أَوْ كِبَارًا مِنْ غَيْرِهَا أَوْ كِبَارًا مِنْهَا يَتَخَرَّجُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إنَّ إقْرَارَهُ لِزَوْجَتِهِ جَائِزٌ. وَالثَّانِي: إنَّهُ لَا يَجُوزُ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ فِي إقْرَارِهِ لِبَعْضِ الْعَصَبَةِ إذَا تَرَكَ ابْنَةً وَعَصَبَةً وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا وَاحِدًا جَازَ إقْرَارُهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ ذُكُورًا عَدَدًا جَازَ إقْرَارُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ صَغِيرًا مِنْهَا وَبَعْضُهُمْ كَبِيرًا مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا فَيَجُوزُ. انْتَهَى مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ.
وَإِنْ يَكُنْ لِوَارِثٍ غَيْرِهِمَا
…
مَعْ وَلَدٍ فَفِي الْأَصَحِّ لَزِمَا
وَدُونَهُ لِمَالِكٍ قَوْلَانِ
…
بِالْمَنْعِ وَالْجَوَازِ مَرْوِيَّانِ
يَعْنِي إذَا أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِدَيْنٍ لِوَارِثٍ غَيْرِ الْوَلَدِ وَالزَّوْجَةِ لِتَقَدُّمِ الْكَلَامِ عَلَيْهِمَا فَإِنْ كَانَ لِلْمَرِيضِ وَلَدٌ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى فَقَوْلَانِ الْأَصَحُّ مِنْهُمَا أَنَّ إقْرَارَهُ صَحِيحٌ لَازِمٌ قَالَ الشَّارِحُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ كَإِقْرَارِهِ لِأُمِّهِ مَعَ وُجُودِ وَلَدٍ أَوْ لِأُخْتِهِ مَعَ وُجُودِ بِنْتٍ أَوْ بَنَاتٍ وَمُقَابِلُهُ لَا يَصِحُّ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَرِيضِ وَلَدٌ فَقَوْلَانِ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَبُطْلَانِهِ وَكَأَنَّهُمَا عِنْدَهُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَشَمَلَ قَوْلُهُ وَدُونَهُ ثَلَاثَ صُوَرٍ الْإِقْرَارُ لِلْوَارِثِ الْمُسَاوِي لِغَيْرِ الْمُقَرِّ لَهُ كَإِقْرَارِهِ لِأَحَدِ إخْوَتِهِ أَوْ بَنِي عَمِّهِ وَالْإِقْرَارُ لِلْأَقْرَبِ كَإِقْرَارِهِ لِلْأُمِّ مَعَ وُجُودِ الْإِخْوَةِ وَالْإِقْرَارُ لِلْأَبْعَدِ كَالْإِخْوَةِ أَوْ الْعَصَبَةِ مَعَ وُجُودِ الْأُمِّ أَمَّا الْإِقْرَارُ لِوَارِثٍ مَعَ وُجُودِ الْوَلَدِ فَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ قَالَ الْقَاضِي يَعْنِي ابْنَ زَرْبٍ مَنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِدَيْنٍ لِوَارِثٍ أَوْ صَدِيقٍ مُلَاطِفٍ وَلَهُ ابْنَةٌ لَمْ يُنَفَّذْ إقْرَارُهُ وَالِابْنَةُ كَالْعَصَبَةِ وَإِنْ كَانَ مَعَهَا أَوْ مَكَانَهَا ابْنٌ نُفِّذَ إقْرَارُهُ لِأَنَّهُ لَا يُورَثُ كَلَالَةً فَقَالَ لَهُ ابْنُ مُحْسِنٍ وَغَيْرُهُ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الِابْنَةَ كَالِابْنِ فَقَالَ نَعَمْ وَلَكِنْ مَذْهَبِي أَنَّ الِابْنَةَ كَالْعَصَبَةِ وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ فِيهَا اخْتِلَافًا. اهـ.
وَأَمَّا الْإِقْرَارُ لِوَارِثٍ حَيْثُ لَا وَلَدَ فَلَمْ يَنْقُلْ الشَّارِحُ عَلَيْهِ فِقْهًا. وَاقْتَصَرَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْإِقْرَارِ إنْ أَقَرَّ لِلْأَبْعَدِ مَعَ وُجُودِ أَقْرَبَ فَقَالَ عَاطِفًا عَلَى مَا يَصِحُّ فِيهِ الْإِقْرَارُ وَمَرِيضٍ إنْ وَرِثَهُ وَلَدٌ لِأَبْعَدَ، وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ إنْ وَرِثَهُ وَلَدٌ بَلْ وَرِثَهُ وَلَدٌ أَوَّلًا وَحَاجَتُنَا هُنَا حَيْثُ لَمْ يَرِثْهُ وَلَدٌ وَاقْتَصَرَ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ إنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ مُسَاوٍ أَوْ أَقْرَبَ فَقَالَ لَا الْمُسَاوِي وَالْأَقْرَبُ.
وَحَالَةُ الزَّوْجَةِ وَالزَّوْجِ سَوَا
…
وَالْقَبْضُ لِلدَّيْنِ مَعَ الدَّيْنِ اسْتَوَى
اشْتَمَلَ الْبَيْتُ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ: الْأُولَى: أَنَّ إقْرَارَ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا بِدَيْنٍ فِي حَالِ مَرَضِهَا هُوَ كَإِقْرَارِهِ لَهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ سَوَاءً بِسَوَاءٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ:
وَإِنْ يَكُنْ لِزَوْجَةٍ بِهَا شُغِفْ
إلَخْ، وَالثَّانِيَةُ: إقْرَارُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا قَالَ الشَّارِحُ فِي مُقَدِّمَاتِ ابْنِ رُشْدٍ إنَّ فِي إقْرَارِ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا مَا تَقَدَّمَ فِي إقْرَارِهِ لَهَا مِنْ الْحَالَاتِ الثَّلَاثَةِ.
وَفِي (الْمُقَرَّبِ) قُلْتُ فَإِنْ قَالَتْ امْرَأَةٌ فِي مَرَضِهَا قَدْ قَبَضْتُ مِنْ زَوْجِي مُؤَخَّرَ صَدَاقِي أَيُقْبَلُ قَوْلُهَا قَالَ لَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ مُحَمَّدٌ وَفِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ امْرَأَةٍ قَالَتْ عِنْدَ مَوْتِهَا قَبَضْتُ صَدَاقِي مِنْ زَوْجِي فَقَالَ: أَمَّا الْمَرْأَةُ الَّتِي لَا وَلَدَ لَهَا وَمِثْلُهَا يُتَّهَمُ فَلَا يَجُوزُ قَوْلُهَا، وَأَمَّا الَّتِي لَهَا أَوْلَادٌ كِبَارٌ وَلَعَلَّهَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا غَيْرُ الْحَسَنِ فَهَذِهِ لَا تُتَّهَمُ وَفِي (الْمُقَرَّبِ أَيْضًا) قُلْتُ فَمَنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ قَبَضَ دَيْنَهُ مِنْ فُلَانٍ إنْ كَانَ وَارِثًا أَوْ مِمَّنْ يُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُولِجَ ذَلِكَ إلَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُتَّهَمْ قُبِلَ. اهـ.
وَمُشْهِدٌ فِي مَوْطِنَيْنِ بِعَدَدْ
…
لِطَالِبٍ يُنْكِرُ أَنَّهُ اتَّحَدْ
لَهُمْ بِهِ قَوْلَانِ وَالْيَمِينُ
…
عَلَى كِلَيْهِمَا لَهُ تَعْيِينُ
مَا لَمْ يَكُنْ ذَاكَ بِرَسْمَيْنِ ثَبَتْ
…
فَمَا ادَّعَاهُ مُشْهِدٌ لَا يُلْتَفَتْ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَشْهَدَ نَفْسَهُ أَنَّ فِي ذِمَّتِهِ مِائَةً مَثَلًا لِرَجُلٍ ثُمَّ أَشْهَدَ مَرَّةً أُخْرَى أَنَّ فِي ذِمَّتِهِ مِائَةً
لِذَلِكَ الرَّجُلِ الْأَوَّلِ وَادَّعَى الْمُشْهِدُ الْمَذْكُورُ أَنَّ جَمِيعَ الْحَقِّ مِائَةٌ وَاحِدَةٌ كَرَّرَ الْإِشْهَادَ بِهَا زِيَادَةً فِي التَّوَثُّقِ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَادَّعَى الرَّجُلُ الْمَشْهُودُ لَهُ أَنَّ عَلَيْهِ مِائَتَيْنِ وَأَنْكَرَ اتِّحَادَ الْمَشْهُودِ بِهِ أَوَّلًا وَثَانِيًا وَقَالَ هُمَا حَقَّانِ؛ لِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْمُشْهِدِ، وَهُوَ الْمِدْيَانُ إنَّ جَمِيعَ الْحَقِّ مِائَةٌ وَاحِدَةٌ مَعَ يَمِينِهِ عَلَى ذَلِكَ. الْقَوْلِ الثَّانِي: إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ صَاحِبِ الْحَقِّ إنَّهُ مِائَتَانِ مَعَ يَمِينِهِ أَيْضًا هَذَا إذَا كَانَ الْإِشْهَادُ بِغَيْرِ رَسْمٍ أَوْ بِرَسْمٍ وَاحِدٍ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِرَسْمَيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْمَالِ إنَّهُ مِائَتَانِ مَعَ يَمِينِهِ وَلَا يُلْتَفَتُ حِينَئِذٍ لِمَا ادَّعَاهُ الْمُشْهِدُ مِنْ أَنَّهُ مِائَةٌ وَاحِدَةٌ (قَالَ فِي الْمُفِيدِ) وَإِذَا أَقَرَّ رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فِي مَوْطِنٍ وَأَشْهَدَ لَهُ شَاهِدَيْنِ ثُمَّ أَقَرَّ لَهُ فِي مَوْطِنٍ آخَرَ بِمِائَةٍ وَأَشْهَدَ لَهُ شَاهِدَيْنِ فَقَالَ الْمَطْلُوبُ هِيَ مِائَةٌ وَاحِدَةٌ وَقَالَ الطَّالِبُ هِيَ مِائَتَانِ فَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ فِي غَيْرِ كِتَابٍ بِذِكْرِ حَقٍّ فَإِنَّهُ إقْرَارٌ وَاحِدٌ يُؤْخَذُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فِي قَوْلِ سَحْنُونٍ وَفِي وَقَوْلِ غَيْرِهِ يُؤْخَذُ بِمِائَتَيْنِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَذَكَرَ سَحْنُونٌ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ اضْطِرَابٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَلَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ وَهُوَ الْأَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَفِي الْمُفِيدِ أَيْضًا) قَالَ عِيسَى فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَالصُّلْحِ لَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ أَنَّ رَجُلًا أَشْهَدَهُمَا يَوْمَ السَّبْتِ بِمِائَةِ دِينَارٍ لِرَجُلٍ وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ أَشْهَدَهُمَا يَوْمَ الْأَحَدِ بِمِائَةِ دِينَارٍ لِذَلِكَ الرَّجِلِ وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ أَشْهَدَهُمَا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ بِمِائَةِ دِينَارٍ لِذَلِكَ الرَّجُلِ إنْ أَقَرَّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ بِشَهَادَاتِهِمْ وَزَعَمَ أَنَّهَا مِائَةٌ وَاحِدَةٌ أَشْهَدَ بِهَا يَوْمًا بَعْدَ آخَرَ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ وَصُدِّقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَشْهَدَهُمْ فِي صُكُوكٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُخْتَلِفَةٍ أَوْ يَكُونَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ رَجُلَيْنِ لَا غَيْرُ فَيَحْلِفُ طَالِبُ الْحَقِّ مَعَ ذَلِكَ أَوْ يَكُونُ اثْنَانِ شَهِدَا أَنَّهُ سَلَّفَهُ إيَّاهَا بِحَضْرَتِهِمَا وَقَبَضَهَا لِنَفْسِهِ يَوْمَئِذٍ أَوْ شَهِدَ آخَرَانِ بِمِثْلِ ذَلِكَ لِيَوْمٍ آخَرَ أَوْ شَهِدُوا كُلُّهُمْ أَنَّهَا مِنْ بَيْعٍ وَسَمَّى كُلُّ رَجُلَيْنِ سِلْعَةً غَيْرَ الْأُخْرَى فَيُعْرَفُ بِذَلِكَ أَنَّهَا ثَلَاثُمِائَةٍ، وَإِلَّا فَبِبَيِّنَةٍ وَتَكُونُ مِائَةً وَاحِدَةً.
قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا مَا فِي رَسْمِ نَقْدِهَا إذَا ادَّعَى رَجُلٌ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَأَقَرَّ لَهُ، وَادَّعَى الْقَضَاءَ فَأَتَى بِشَاهِدَيْنِ أَنَّهُ قَبَضَ مِنْهُ خَمْسِينَ وَبِشَاهِدَيْنِ آخَرَيْنِ أَنَّهُ قَبَضَ مِنْهُ خَمْسِينَ فَقَالَ صَاحِبُ الْحَقِّ هِيَ خَمْسُونَ وَاحِدَةً قَبَضْتُهَا مِنْ الْمِائَةِ وَأَشْهَدْتُ لَهُ بِذَلِكَ قَوْمًا بَعْدَ قَوْمٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هِيَ خَمْسُونَ وَاحِدَةً إلَّا أَنْ يَكُونَ أَشْهَدَهُمْ فِي بَرَاءَتَيْنِ. اهـ. قَالَ الشَّارِحُ مَا زَادَهُ ابْنُ هِشَامٍ مِمَّا يَقْتَضِي تَعَدُّدَ الْحَقِّ كَاتِّحَادِ الشُّهُودِ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ وَمَا ذُكِرَ بَعْدَهُ إنَّمَا هِيَ أَمْثِلَةٌ اكْتَفَى النَّاظِمُ عَنْهَا بِتَعَدُّدِ الرَّسْمَيْنِ إذْ فِي مَعْنَاهُ كُلُّ مَا يَقْتَضِي تَعَدُّدَ الْحَقَّيْنِ.
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُ النَّاظِمِ
مَا لَمْ يَكُنْ ذَاكَ بِرَسْمَيْنِ ثَبَتْ
ظَاهِرٌ فِي كَوْنِهِ تَقْيِيدًا لِمَحَلِّ الْخِلَافِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْحَقُّ بِغَيْرِ رَسْمٍ أَوْ بِرَسْمٍ وَاحِدٍ وَأَنَّهُ مَعَ تَعَدُّدِ الرَّسْمِ يُتَّفَقُ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الطَّالِبِ، وَأَنَّ الْحَقَّ مِائَتَانِ مَثَلًا وَنَقَلَ فِي شِفَاءِ الْغَلِيلِ عَنْ أَصَبْغَ مَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ قَوْلٌ ثَالِثٌ بِالتَّفْصِيلِ، وَلَفْظُهُ بَعْدَ مَا نَقَلَ الْخِلَافُ: هَلْ يَلْزَمُ الْمَطْلُوبَ مِائَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ مِائَتَانِ مَثَلًا قَالَ أَيْ أَصَبْغُ: وَأَنَا أَرَى إنْ كَانَ لَهُ كُتُبٌ فَهِيَ مِائَةٌ وَاحِدَةٌ، وَكَذَا إنْ تَقَارَبَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يُشْهِدَ هُنَا وَيَقُومَ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ فَيُشْهِدُ آخَرِينَ أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ وَلَوْ تَعَدَّدَ الرَّسْمُ وَالثَّالِثُ التَّفْصِيلُ الْمُتَقَدِّمُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُ النَّاظِمُ
مَا لَمْ يَكُنْ ذَاكَ بِرَسْمَيْنِ ثَبَتْ
الَّذِي لَمْ يَثْبُتْ بِرَسْمَيْنِ صَادِقٌ بِمَا ثَبَتَ بِرَسْمٍ وَاحِدٍ أَوْ بِغَيْرِ رَسْمٍ بَلْ بِالشَّهَادَةِ مِنْ غَيْرِ كِتَابٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَصْبَغَ الْمُتَقَدِّمِ قَرِيبًا.
(فَرْعٌ) إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ لِرَجُلٍ أَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ لَهُ بِمِائَةٍ يَوْمَ كَذَا وَآخَرُ بِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ مِنْ الْغَدِ بِمِائَةٍ وَثَالِثٌ أَقَرَّ لَهُ مِنْ الْغَدِ بِمِائَةٍ فَعَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُلَفَّقُ يَحْلِفُ الطَّالِبُ مَعَ كُلِّ شَاهِدٍ وَيَسْتَحِقُّ ثَلَاثَمِائَةٍ وَعَلَى أَنَّهَا تُلَفَّقُ فَيَأْخُذُ مِائَةً وَاحِدَةً لِاجْتِمَاعِ الشُّهُودِ عَلَيْهَا بِتَلْفِيقِ الشَّهَادَةِ وَيَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ مَا لَهُ عَلَيْهِ إلَّا مِائَةٌ وَاحِدَةٌ أُشْهِدَ لَهُ بِهَا شَاهِدٌ بَعْدَ شَاهِدٍ وَلَا يَلْزَمُهُ غَيْرُهَا، اُنْظُرْ شِفَاءَ الْغَلِيلِ.
(فَرْعٌ مُنَاسِبٌ لِمَا الْكَلَامُ فِيهِ) إذَا أَقَرَّ بِمِائَةٍ فِي مَوْطِنٍ ثُمَّ أَقَرَّ بِمِائَتَيْنِ أَوْ أَقَرَّ أَوَّلًا بِمِائَتَيْنِ ثُمَّ أَقَرَّ بِمِائَةٍ فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ قَالَ مُحَمَّدٌ
تَلْزَمُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ نَظَرًا إلَى اخْتِلَافِ الْمَالَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ اضْطِرَابُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا وَآخِرُ قَوْلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ الْمُقِرُّ مَا ذَاكَ إلَّا مَالٌ وَاحِدٌ ثُمَّ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا مِائَتَانِ وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ سَحْنُونٍ وَنَقَلَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ التَّفْرِقَةَ فَإِنْ أَقَرَّ بِالْأَقَلِّ أَوَّلًا صُدِّقَ الْمُقِرُّ أَنَّ الْأَقَلَّ دَخَلَ فِي الْأَكْثَرِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِالْأَكْثَرِ أَوَّلًا فَهُمَا مَالَانِ؛ لِأَنَّ عَادَةَ النَّاسِ إذَا تَقَدَّمَ الْأَقَلُّ ثُمَّ زَادُوا عَلَيْهِ جَمَعُوهُ مَعَ الْأَوَّلِ بِخِلَافِ مَا إذَا تَقَدَّمَ الْأَكْثَرُ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَبِمِائَةٍ وَبِمِائَتَيْنِ فِي مَوْطِنَيْنِ، ثَالِثُهَا: إنْ كَانَ الْأَكْثَرُ أَوَّلًا لَزِمَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ قَالَ فِي شِفَاءِ الْغَلِيلِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الشَّيْخِ وَبِمِائَتَيْنِ الْأَكْثَرُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ فِي وَثِيقَتَيْنِ فَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ عَلَى مَا قَبْلَهُ ثُمَّ اقْتَصَرَ هُنَا عَلَى الْقَوْلِ بِلُزُومِ الْأَكْثَرِ وَهُوَ الْمِائَتَانِ اعْتِمَادًا عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إنَّهُ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ فِي تَكْرَارِ الْوَصَايَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا مُشَابَهَةٌ بِمَسْأَلَةِ مَنْ قَامَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى مِائَةٍ وَشَاهِدَانِ عَلَى مِائَتَيْنِ.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ حُمِلَ فِي التَّوْضِيحِ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَاضْطَرَبَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا وَآخِرُ قَوْلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ الْمُقِرُّ مَا ذَاكَ إلَّا مَالٌ وَاحِدٌ ثُمَّ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا مِائَتَانِ قَالَ وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ سَحْنُونٍ.
(فَرْعٌ) فِي كِتَابِ السَّلَمِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَكِتَابِ الشَّهَادَاتِ مَنْ أَقَامَ شَاهِدًا بِمِائَةِ دِينَارٍ وَشَاهِدًا بِخَمْسِينَ فَإِنْ شَاءَ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِ الْمِائَةِ وَقُضِيَ لَهُ بِهَا وَإِلَّا أَخَذَ خَمْسِينَ بِغَيْرِ يَمِينٍ فَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ حَقًّا إلَّا فِي أَكْثَرِ الْإِقْرَارَيْنِ أَوْ فِي أَقَلِّهِمَا لَا فِي مَجْمُوعِهِمَا هَذَا ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْقَرَوِيِّينَ هَذَا إنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَلَوْ كَانَ فِي مَجْلِسَيْنِ وَادَّعَى الطَّالِبُ الْمَالَ حَلَفَ مَعَ كُلِّ شَاهِدٍ وَأَخَذَ مِائَةً وَخَمْسِينَ. انْتَهَى مِنْ شِفَاءِ الْغَلِيلِ.
وَمَنْ أَقَرَّ مَثَلًا بِتِسْعَهْ
…
وَصَحَّ أَنْ دَفَعَ مِنْهَا السَّبْعَهْ
ثُمَّ أَتَى مِنْ بَعْدِ ذَا بِبَيِّنَهْ
…
بِقَبْضِ دِينَارَيْنِ مِنْهُ مُعْلِنَهْ
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إنْ الْخَصْمُ ادَّعَى
…
دُخُولَ دِينَارَيْهِ فِيمَا انْدَفَعَا
يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ أَنَّ عَلَيْهِ تِسْعَةَ دَنَانِيرَ مَثَلًا ثُمَّ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارِ صَاحِبِ الْحَقِّ أَنَّهُ قَبَضَ مِنْهَا سَبْعَةً ثُمَّ أَتَى الْمَدِينُ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ دَفَعَ لِغَرِيمِهِ دِينَارَيْنِ فَادَّعَى الْمَدِينُ أَنَّهَا الْبَاقِيَةُ عَلَيْهِ مِنْ التِّسْعَةِ أَنَّهُ خَلَّصَ مَا عَلَيْهِ وَادَّعَى رَبُّ الْمَالِ أَنَّ الدِّينَارَيْنِ مِنْ السَّبْعَةِ الْمَدْفُوعَةِ أَوَّلًا وَدَاخِلَةٌ فِيهَا وَأَنَّهُ بَقِيَ لَهُ دِينَارَانِ فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْل الْمَدِينِ أَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي السَّبْعَةِ وَأَنَّهُ خَلَّصَ دَيْنَهُ كُلَّهُ وَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي غَالِبِ مِنْ قِيلَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ قَالَ فِي (الْمُنْتَخَبِ) .
وَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ وَسُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ رَجُلٍ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا فَأَقَرَّ لَهُ بِهَا أَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِشُهُودٍ ثُمَّ أَقَرَّ صَاحِبُ الْحَقِّ أَنَّهُ قَبَضَ مِنْهَا تِسْعَةً، وَأَقَامَ الْمَطْلُوبُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ قَضَاهُ ثَلَاثَةً فَقَالَ الطَّالِبُ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ مِنْ التِّسْعَةِ فَقَالَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ إنَّهَا مِنْ غَيْرِ التِّسْعَةِ وَيَبْرَأُ مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ كُلِّهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَثْبَتَ عَلَى رَجُلٍ سِتَّةَ دَنَانِيرَ فَأَقَرَّ الطَّالِبُ أَنَّهُ قَبَضَ مِنْهُ ثَلَاثَةً وَأَقَامَ الْمَطْلُوبُ بَيِّنَةً أَنَّهُ قَضَاهُ ثَلَاثَةً فَزَعَمَ الطَّالِبُ أَنَّهَا الثَّلَاثَةُ الَّتِي أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَهَا وَقَالَ الْمَطْلُوبُ: بَلْ هِيَ سِوَاهَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَطْلُوبِ مَعَ يَمِينِهِ وَيَبْرَأُ مِنْ السِّتَّةِ كُلِّهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ أَصَبْغَ فَقَالَ لِي مِثْلَهُ. اهـ.
(تَنْبِيهٌ) تَبَيَّنَ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الْمُنْتَخَبِ وَمِنْ قَوْلِ النَّاظِمِ مَثَلًا أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَرْضُ مِثَالٍ فَقَطْ لِيُقَاسَ عَلَيْهِ مَا أَشْبَهُهُ لَا أَنَّهُ مَقْصُودٌ بِعَيْنِهِ وَقَوْلُ النَّاظِمِ ثُمَّ أَتَى أَيْ الْمُقِرُّ بِالتِّسْعَةِ وَمِنْ بَعْدِ ذَا أَيْ مِنْ بَعْدِ دَفْعِ السَّبْعَةِ وَبِبَيِّنَةٍ يَتَعَلَّقُ بِأَتَى وَمُعْلِنَهْ صِفَةٌ لِبَيِّنَهْ، وَبِقَبْضِ يَتَعَلَّقُ بِمُعْلِنَهْ، وَمِنْهُ يَتَعَلَّقُ بِقَبْضِ، وَالضَّمِيرُ لِلْمَدِينِ، وَضَمِيرُ قَوْلِهِ: فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِلَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِدَفْعِ الدِّينَارَيْنِ وَهُوَ الْمَدِينُ وَالْمُرَادُ بِالْخَصْمِ صَاحِبُ الْمَالِ.
وَبَيْعُ مَنْ حَابَى مِنْ الْمَرْدُودِ
…
إنْ ثَبَتَ التَّوْلِيجُ بِالشُّهُودِ
إمَّا بِالْإِقْرَارِ أَوْ الْإِشْهَادِ
…
لَهُمْ بِهِ فِي وَقْتِ الِانْعِقَادِ
وَمَعْ ثُبُوتِ مَيْلِ بَائِعِ لِمَنْ
…
مِنْهُ اشْتَرَى يَحْلِفُ فِي دَفْعِ الثَّمَنْ
تَقَدَّمَ فِي الْفَصْلِ الَّذِي عَقَدَهُ النَّاظِمُ لِمَسَائِلَ مِنْ أَحْكَامِ الْبَيْعِ أَنَّ الْمُحَابَاةَ الْبَيْعُ بِأَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ بِكَثِيرٍ لِقَصْدِ نَفْعِ الْمُشْتَرِي وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ فِي الِاسْتِعْمَالِ أَوْ الشِّرَاءِ بِأَكْثَرَ كَذَلِكَ لِقَصْدِ نَفْعِ الْبَائِعِ، وَأَنَّ مَا نَقَصَ عَنْ الْقِيمَةِ فِي الْبَيْعِ أَوْ زَادَ عَلَيْهَا فِي الشِّرَاءِ عَطِيَّةٌ وَهِبَةٌ فَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ نَفْعُ مَنْ ذُكِرَ بَلْ وَقَعَ لِلْجَهْلِ بِقَدْرِ الثَّمَنِ فَهُوَ الْغَبْنُ.
وَأَمَّا التَّوْلِيجُ فَهُوَ هِبَةٌ فِي صُورَةِ الْبَيْعِ لِإِسْقَاطِ كُلْفَةِ الْحَوْزِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَغْرَاضِ هَذَا هُوَ الْغَالِبُ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَقَدْ يُطْلَقُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِجَامِعِ أَنَّ الزَّائِدَ فِي الْمُحَابَاةِ عَلَى الْقِيمَةِ تَوْلِيجٌ، وَذَلِكَ كَمَا فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَوْ الْمُتَعَيِّنَ أَنَّ مَقْصُودَ النَّاظِمِ هُنَا الْكَلَامُ عَلَى التَّوْلِيجِ، وَمَعَ ذَلِكَ قَالَ: وَبَيْعُ مَنْ حَابَى، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ إنْ ثَبَتَ التَّوْلِيجُ وَلَمْ يَقُلْ إنْ ثَبَتَتْ الْمُحَابَاةُ وَلَوْ قَالَ
وَبَيْعُ تَوْلِيجٍ مِنْ الْمَرْدُودِ
لَكَانَ أَنْسَبَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَدُلُّ لِمَا قُلْنَا مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُحَابَاةِ وَالتَّوْلِيجِ مَا نَقَلَ ابْنُ سَلْمُونٍ فِي الْفَصْلِ الَّذِي عَقَدَهُ لِأَحْكَامِ التَّصْيِيرِ، وَلَفْظُهُ فَإِنْ صَيَّرَهُ فِي ثَابِتٍ أَوْ بَاعَ مِنْهُ بِثَمَنِ قَبْضِهِ وَكَانَ فِي ذَلِكَ مُحَابَاةٌ وَغَبْنٌ بَطَلَ بِاتِّفَاقٍ قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ سُئِلَ مَالِكٌ فِيمَنْ وَلَّى ابْنَهُ حَائِطًا اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ يَسِيرٍ وَثَمَنُهُ الْيَوْمَ كَثِيرٌ فَقَالَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُجَوِّزَهُ لَهُ الْأَبُ.
وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يَبِيعُ مِنْ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ الْأَرْضَ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَهِيَ تُسَاوِي مِائَةً فَقَالَ إنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْأَبِ حَتَّى مَاتَ فَأُرَاهَا مَوْرُوثَةً وَلَا أَرَى لِلْوَلَدِ إلَّا الْعَشَرَةَ. اهـ.
فَانْظُرْ إلَى قَوْلِهِ: فَإِنْ صَيَّرَهُ فِي حَقٍّ ثَابِتٍ وَإِلَى قَوْلِهِ: أَوْ بَاعَ مِنْهُ بِثَمَنِ قَبْضِهِ إلَى قَوْلِهِ: وَكَانَ فِي ذَلِكَ مُحَابَاةٌ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي ثُبُوتِ وُجُودِ الْعِوَضِ إلَّا أَنَّ قِيمَةَ الْمُصَيَّرِ أَكْثَرُ مِنْ الدَّيْنِ الْمُصَيَّرِ فِيهِ أَوْ قِيمَةَ الْمَبِيعِ وَقْتَ الْبَيْعِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ بَائِعُهُ فَلِذَلِكَ قَالَ وَكَانَ فِيهِ مُحَابَاةٌ فَأَطْلَقَ الْمُحَابَاةَ عَلَى مَا فِيهِ عِوَضٌ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُسَاوٍ لِعِوَضِهِ وَانْظُرْ أَيْضًا إلَى قَوْلِهِ يَبِيعُ الْأَرْضَ بِعَشَرَةٍ وَهِيَ تُسَاوِي مِائَةً فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي وُجُودِ عِوَضٍ فِي الْجُمْلَةِ وَهُوَ الْعَشَرَةُ مَعَ كَوْنِ الْأَرْضِ تُسَاوِي مِائَةً ثُمَّ قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ إثْرَ مَا تَقَدَّمَ مُتَّصِلًا بِهِ مَا نَصُّهُ:
وَسُئِلَ الْفُقَهَاءُ بِقُرْطُبَةَ فِي رَجُلٍ بَاعَ مِنْ أُمِّ وَلَدِهِ أَوْ زَوْجِهِ نِصْفَ دَارٍ لَهُ فِي صِحَّتِهِ وَأَشْهَدَ بِالْبَيْعِ وَقَبَضَ الثَّمَنَ ثُمَّ تُوُفِّيَ فَقَامَ أَخُوهُ وَأَثْبَتَ عَقْدًا أَنَّ أَخَاهُ لَمْ يَزَلْ سَاكِنًا فِي الدَّارِ إلَى أَنْ مَاتَ وَبِعَدَاوَةِ الْأَخِ لَهُ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَا أُوَرِّثُهُ شَيْئًا فَأَجَابَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَتَّابٍ إذَا ثَبَتَ سُكْنَاهُ لَهَا فَذَلِكَ يُبْطِلُ الْعَقْدَ، وَلَا حَقَّ لَهَا فِي الثَّمَنِ إذْ لَيْسَ مِنْ الْإِقْرَارِ لِلْوَارِثِ وَإِنَّمَا قَصْدُ هِبَةِ الدَّارِ لِإِسْقَاطِ الْحِيَازَةِ.
وَأَجَابَ ابْنُ الْحَاجِّ مَا عَقَدَهُ مِنْ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَلَا نَافِذٍ وَمَا ثَبَتَ مِنْ السُّكْنَى مُبْطِلٌ لَهُ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ لَمْ يَتَضَمَّنْ مُعَايَنَةَ الْقَبْضِ لِلثَّمَنِ وَذَلِكَ مِمَّا يُسْتَرَابُ فِيهِ وَيُظَنُّ فِيهِ الْقَصْدُ إلَى التَّوْلِيجِ وَالْخُدْعَةِ، وَبِذَلِكَ جَاءَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ الْقَاسِمِ سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ أَشْهَدَ فِي صِحَّتِهِ إنِّي بِعْتُ مَنْزِلِي هَذَا مِنْ امْرَأَتِي أَوْ ابْنِي أَوْ ابْنَتِي بِمَالٍ عَظِيمٍ وَلَمْ يَرَ أَحَدٌ مِنْ الشُّهُودِ الثَّمَنَ وَلَمْ يَزَلْ بِيَدِ الْبَائِعِ إلَى أَنْ مَاتَ فَقَالَ لَا يَجُوزُ هَذَا لَيْسَ بَيْعًا وَإِنَّمَا هُوَ تَوْلِيجٌ وَخُدْعَةٌ وَوَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ وَكَذَلِكَ إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ تَوْلِيجًا بِالشَّهَادَةِ فَيَبْطُلُ بِاتِّفَاقٍ.
وَكَيْفِيَّةُ ثُبُوتِ التَّوْلِيجِ أَنْ يَقُولَ الشُّهُودُ تَوَسَّطْنَا الْعَقْدَ وَاتَّفَقَا جَمِيعًا عَلَى أَنَّ مَا عَقَدَاهُ مِنْ الْبَيْعِ وَالتَّصْيِيرِ سُمْعَةٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ أَوْ يَقُولُوا أَقَرَّ لَنَا بِذَلِكَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْبَيْعِ. اهـ.
اُنْظُرْ كَيْفَ سَمَّى مَا لَا عِوَضَ فِيهِ تَوْلِيجًا فِي جَوَابِ ابْنِ الْحَاجِّ وَجَوَابِ الْإِمَامِ مَالِكٍ رضي الله عنه وَفِي كَيْفِيَّةِ ثُبُوتِ التَّوْلِيجِ حَيْثُ قَالَ الشُّهُودُ إنَّ مَا عَقَدَاهُ مِنْ الْبَيْعِ أَوْ التَّصْيِيرِ سُمْعَةٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالْمَقْصُودُ تَمْلِيكُ الْمُشْتَرِي فِي الصُّورَةِ لِلشَّيْءِ الْمَبِيعِ وَالْمُصَيَّرِ إمَّا مَجَّانًا فِي التَّوْلِيجِ أَوْ بِبَعْضِ الثَّمَنِ فِي الْمُحَابَاةِ فَذَلِكَ أَعْطَوْهُ حُكْمَ التَّبَرُّعِ، وَأَنَّهُ إنْ حِيزَ صَحَّ لَهُ وَإِنْ لَمْ يُحَزْ بَطَل وَرُدَّ لَهُ ثَمَنُهُ فِي الْمُحَابَاةِ.
قَوْلُهُ: وَبَيْعُ مَنْ حَابَى إلَخْ يَعْنِي أَنَّ الْبَيْعَ الَّذِي ظَاهِرُهُ أَنَّهُ تَوْلِيجٌ كَمَا تَقَدَّمَتْ أَمْثِلَتُهُ فِي قَوْلِ ابْنِ سَلْمُونٍ وَسُئِلَ الْفُقَهَاءُ بِقُرْطُبَةَ إلَخْ إذَا ثَبَتَ وَصَحَّ كَوْنُهُ تَوْلِيجًا لَا بَيْعًا حَقِيقَةً فَإِنَّهُ يُفْسَخُ وَيُرَدُّ وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَثُبُوتُ ذَلِكَ يَكُونُ بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: الْأَوَّلُ أَنْ يَقُولَ الشُّهُودُ تَوَسَّطْنَا الْعَقْدَ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ الَّذِي عَقَدَاهُ فِي الظَّاهِرِ إنَّمَا هُوَ سُمْعَةٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ