الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بِصَدَاقِهَا فِي الْفَلَسِ وَالْمَوْتِ مَعًا (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) اُخْتُلِفَ هَلْ تُحَاصُّ الزَّوْجَةُ الْغُرَمَاءَ بِصَدَاقِهَا الْمَشْهُورُ أَنَّهَا تُحَاصِصُ بِهِ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ وَقِيلَ: لَا تُحَاصِصُ فِيهِمَا، وَفِي الْجَلَّابِ تُحَاصُّ بِهِ فِي الْفَلَسِ دُونَ الْمَوْتِ. اهـ.
وَعَلَى الثَّالِثِ اقْتَصَرَ النَّاظِمُ وَأَشَارَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي إلَى أَنَّ حَارِسَ الْمَتَاعِ وَالزَّرْعِ إذَا أَفْلَسَ رَبُّ الْمَتَاعِ أَوْ الزَّرْعِ لَا يَكُونُ الْحَارِسُ أَحَقَّ بِمَا فِي يَدِهِ فِي أُجْرَةِ حِرَاسَتِهِ بَلْ هُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ مَعَهُمْ أَيْ مَعَ الْغُرَمَاءِ قَدْ قَسَمَا مَا وَجَدَ مِنْ مَتَاعِ الْمَدِينِ وَفِي التَّفْرِيعِ لِابْنِ الْجَلَّابِ مَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى غَنَمٍ يَرْعَاهَا أَوْ مَتَاعٍ يَحْفَظُهُ ثُمَّ أَفْلَسَ مُسْتَأْجِرُهُ فَالْأَجِيرُ أُسْوَةُ غُرَمَائِهِ وَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْغَنَمِ وَلَا عَلَى الْمَتَاعِ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ عَلَى حِفْظِهِ. اهـ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا الْأَجِيرُ عَلَى رِعَايَةِ الْإِبِلِ أَوْ عَلَى رَحَى الْمَاءِ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ.
[بَابٌ فِي الضَّرَرِ وَسَائِرِ الْجِنَايَاتِ]
ِ
وَمُحْدِثٌ مَا فِيهِ لِلْجَارِ ضَرَرْ
…
مُحَقَّقٌ يُمْنَعُ مِنْ غَيْرِ نَظَرْ
كَالْفُرْنِ وَالْبَابِ وَمِثْلِ الْأَنْدَرِ
…
أَوْ مَا لَهُ مَضَرَّةٌ بِالْجُدُرِ
فَإِنْ يَكُنْ يَضُرُّ بِالْمَنَافِعِ
…
كَالْفُرْنِ بِالْفُرْنِ فَمَا مِنْ مَانِعِ
يَعْنِي: أَنَّ مَنْ أَحْدَثَ مَا فِيهِ ضَرَرٌ مُحَقَّقٌ لِجَارِهِ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَيُزَالُ الضَّرَرُ عَنْ الْجَارِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وَذَلِكَ كَإِحْدَاثِ الْفُرْنِ الَّذِي يُؤْذِي الْقَرِيبَ مِنْهُ بِدُخَانِهِ وَنَارِهِ وَالْبَابِ الَّذِي يَضُرُّ بِفَتْحِ مَحَلِّهِ مِنْ الْحَائِطِ وَدَوَرَانُ دَفَّتِهِ وَصَرِيرُ رِتَاجِهِ وَتَطَلُّعِ الْخَارِجِ مِنْهُ فِي الزُّقَاقِ غَيْرِ النَّافِذِ وَالْأَنْدَرِ الَّذِي يَضُرُّ بِتِبْنِهِ وَغُبَارِهِ وَكَذَلِكَ مَا يَضُرُّ بِالْجُدُرِ مِنْ حُفْرَةِ مِرْحَاضٍ أَوْ تَسْرِيبِ قَنَاةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَأَدْخَلَ الْكَافَ عَلَى الْفُرْنِ لِيُدْخِلَ الْحَمَّامَ وَالتَّنُّورَ وَنَحْوُهُمَا وَأَدْخَلَ لَفْظَ الْمِثْلِ عَلَى الْأَنْدَرِ لِيَدْخُلَ الْإِصْطَبْلُ وَنَحْوُهُ كَمَنْ يَنْفُضُ حَصِيرَهُ عَلَى بَابِ دَارِهِ فَإِنَّهُ يُؤْذِي الْمَارِّينَ بِالطَّرِيقِ بِغُبَارِهِ.
وَاحْتَرَزَ بِوَصْفِ الضَّرَرِ الَّذِي يَكُونُ مُتَوَقَّعًا غَيْرَ وَاقِعٍ وَلَا مُتَحَقَّقٍ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلِينَ ثُمَّ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الثَّالِثِ إلَى الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الضَّرَرِ وَهُوَ مَا يُؤَدِّي إلَى نَقْصِ الْمَنْفَعَةِ دُونَ إضْرَارٍ بِالرَّقَبَةِ كَإِحْدَاثِ الْفُرْنِ بِإِزَاءِ الْفُرْنِ أَوْ الرَّحَى بِقُرْبِ الرَّحَى وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ فَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ مَا يُحْدِثُهُ الرَّجُلُ فِي عَرْصَتِهِ مِمَّا يَضُرُّ بِجِيرَانِهِ
مِنْ بِنَاءِ حَمَّامٍ أَوْ فُرْنٍ لِلْخَبْزِ أَوْ لِسَبْكِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ كِيرٍ لِعَمَلِ الْحَدِيدِ أَوْ رَحَى مِمَّا يَضُرُّ بِالْجِيرَانِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّ لَهُمْ مَنْعَهُ وَقَالَهُ فِي الدُّخَانِ وَوَجْهُ ذَلِكَ ضَرَرُ الدُّخَانِ الَّذِي يَدْخُلُ فِي دُورِهِمْ وَيَضُرُّ بِهِمْ (وَفِي الْمُقَرَّبِ) قُلْتُ فَإِنْ كَانَتْ فِي عَرْصَةٍ وَأَرَدْتُ أَنْ أَحْفِرَ فِيهَا بِئْرًا أَوْ كَنِيفًا قُرْبَ جُدَرَانِ الْجِيرَانِ فَقَامَ عَلَيَّ الْجِيرَانُ فَقَالَ إنْ كَانَ مَا يُحْدِثُ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ فَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُ.
وَفِيهِ أَيْضًا قِيلَ لِسَحْنُونٍ فَمَنْ أَحْدَثَ أَنْدَرًا فَأَضَرَّ ذَلِكَ بِدَارِ جَارِهِ يَقَعُ فِيهِ التِّبْنُ فَقَالَ لَيْسَ لِصَاحِبِ الْأَنْدَرِ أَنْ يُحْدِثَ عَلَى جَارِهِ مَا يَضُرُّ بِهِ وَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ (وَفِي مُفِيدِ ابْنِ هِشَامٍ) وَكَذَلِكَ يُمْنَعُ مَنْ أَحْدَثَ إصْطَبْلًا عِنْدَ بَيْتِ جَارِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ بِبَوْلِ الدَّوَابِّ وَزِبْلِهَا بِبَيْتِ جَارِهِ وَحَرَكَتِهَا فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ الْمَانِعَةِ مِنْ النَّوْمِ (وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ) لَيْسَ لَك أَنْ تَفْتَحَ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ بَابًا يُقَابِلُ بَابَ جَارِك أَوْ يُقَارِبُهُ وَلَا تُحَوِّلَ بَابًا هُنَالِكَ إذَا مَنَعَكَ لِأَنَّهُ يَقُولُ الْمَوْضِعُ الَّذِي تُرِيدُ أَنْ تَفْتَحَ فِيهِ بَابَكَ لِي فِيهِ مِرْفَقٌ أَفْتَحُ فِيهِ بَابِي فِي سُتْرَةٍ وَلَا أَدَعُكَ أَنْ تَفْتَحَ قُبَالَةَ بَابِي أَوْ قُرْبَهُ فَتَتَّخِذَ عَلَيَّ فِيهِ الْمَجَالِسَ وَشِبْهَ هَذَا مِنْ الضَّرَرِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْدِثَ عَلَى جَارِهِ مَا يَضُرُّ بِهِ وَأَمَّا فِي السِّكَّةِ النَّافِذَةِ فَلَكَ أَنْ تَفْتَحَ مَا شِئْتَ أَوْ تُحَوِّلَ بَابَكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنْهَا وَكَذَلِكَ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ فِي الْفَتْحِ قُبَالَةَ جَارِهِ وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ أَنَّ انْحِطَاطَ الْقِيمَةِ لَا يُرَاعِي اتِّفَاقَ الْجَمِيعِ
فِيمَنْ أَحْدَثَ فُرْنًا عَلَى فُرْنٍ أَوْ حَمَّامًا عَلَى حَمَّامٍ أَوْ رَحًى عَلَى رَحًى قَدِيمَةٍ وَلَا يَضُرُّ الْمُحْدِثُ مِنْ ذَلِكَ بِالْقَدِيمِ فِي شَيْءٍ مِنْ وُجُوهِ الضَّرَرِ إلَّا فِي نُقْصَانِ الْغَلَّةِ أَوْ قِلَّةِ الْعِمَارَةِ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مُحْدِثُ ذَلِكَ مِنْ إحْدَاثِهِ وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْقَدِيمِ اعْتِرَاضُهُ فِي ذَلِكَ.
(فَرْعٌ) سُئِلَ الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ سِرَاجٍ عَمَّنْ أَرَادَ إحْدَاثَ بُرْجٍ وَاِتِّخَاذَ حَمَّامٍ فَأَجَابَ اتِّخَاذُ الْحَمَّامِ فِي الْأَبْرَاجِ جَائِزٌ مَضَى عَلَيْهِ الْعَمَلُ (قَالَ اللَّخْمِيُّ) قَالَ مَالِكٌ: مِنْ أَمْرِ النَّاسِ اتِّخَاذُ الْأَبْرَاجِ لَكِنَّ هَذَا إذَا لَمْ يَضُرَّ بِغَيْرِهِ، مِثْلُ أَنْ يُجَاوِرَهُ فَدَّانٌ لِأَحَدٍ فَيَضُرَّ بِهِ أَوْ يُحْدِثَ الْبُرْجَ بِقُرْبِ بُرْجٍ آخَرَ فَأَخَذَ لَهُ الْحَمَّامَ فَيُمْنَعُ مِنْ إحْدَاثِهِ قَالَهُ ابْنُ سِرَاجٍ (فَائِدَةٌ) قَالَ فِي أَوَّلِ نَوَازِلِ الضَّرَرِ مِنْ الْمِعْيَارِ فِي سِيَاقِ أَسْئِلَةٍ سُئِلَ عَنْهَا الْقَاضِي ابْنُ عَبْدِ الرَّفِيعِ وَسُئِلَ عَمَّنْ عَمِلَ فِي دَارِهِ رَحًى فَاشْتَكَى جَارُهُ الضَّرَرَ مِمَّا لَحِقَ حِيطَانَ دَارِهِ مِنْ هَذِهِ الرَّحَى بِمَ يُعْلَمُ هَزُّ هَذِهِ الرَّحَى وَهَلْ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي الْحَائِطِ فَأَجَابَ قَالَ يُؤْخَذُ طَبَقٌ مِنْ كَاغَدٍ وَتُرْبَطُ أَرْكَانُهُ بِأَرْبَعَةِ خُيُوطٍ فِي كُلِّ رُكْنٍ خَيْطٌ وَتُجْمَعُ أَطْرَافُ الْخُيُوطِ وَتُعَلَّقُ فِي السَّقْفِ الَّذِي عَلَى الْحَائِطِ الْفَاصِلِ بَيْنَ الدَّارِ وَبَيْنَ الرَّحَى مِنْ جِهَةِ الدَّارِ وَيُعْمَلُ عَلَى الْكَاغَدِ حَبَّاتٍ مِنْ كُزْبَرٍ يَابِسٍ، وَيُقَال لِصَاحِبِ الرَّحَى هُزَّ رَحَاكَ فَإِنْ اهْتَزَّ الْكُزْبَرُ عَلَى الْكَاغَدِ قِيلَ لِصَاحِبِ الرَّحَى اقْلَعْ رَحَاكَ لِأَنَّهَا تَضُرُّ بِالْجَارِ، وَإِنْ لَمْ يَهْتَزَّ الْكُزْبَرُ قِيلَ لِصَاحِبِ الدَّارِ اُتْرُكْ صَاحِبَ الرَّحَى يَخْدُمُ لِأَنَّهَا لَا تَضُرُّ بِك فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْحَائِطِ سَقْفٌ وَإِنَّمَا هُوَ سِتْرُهُ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ الْكُزْبَرَ عَلَى الْحَائِطِ وَتُخْتَبَرُ بِمَا ذُكِرَ. اهـ بِبَعْضِ اخْتِصَارٍ.
ثُمَّ نَقَلَ عَنْ ابْنِ الرَّامِي قَالَ الَّذِي عِنْدِي فِي الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ فِي دَارِهِ الرَّحَى إنَّهُ يَبْعُدُ عَنْ حَائِطِ الْجَارِ بِثَمَانِيَةِ أَشْبَارٍ مِنْ حَدِّ دَوَرَانِ الْبَهِيمَةِ إلَى حَائِطِ الْجَارِ وَيُشْغَلُ ذَلِكَ بِالْبُنْيَانِ بَيْنَ دَوَرَانِ الْبَهِيمَةِ وَحَائِطِ الْجَارِ إمَّا بِبَيْتٍ أَوْ مَخْزَنٍ أَوْ بِمُحَازٍ لَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ حَائِلٍ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَضَرَّةِ وَحَائِطِ الْجَارِ وَذُكِرَ أَيْضًا فِيمَنْ أَحْدَثَ خَلْفَ بَيْتِ جَارِهِ رِوَاءً لِدَابَّةٍ فَاشْتَكَى صَاحِبُ الْبَيْتِ ضَرَرَ الدَّابَّةِ.
فَأَجَابَ ابْنُ عَبْدِ الرَّفِيعِ الْمَذْكُورُ بِوُجُوبِ زَوَالِهِ وَإِخْرَاجِ الدَّابَّةِ مِنْهُ فَصَاحَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ وَقَالَ لَيْسَ لِي غِنًى عَنْ الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا مَعَاشِي فَاسْتَفْهِمْ لِي أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ بِمَ يَنْدَفِعُ الضَّرَرُ عَنْ جَارِي فَسُئِلَ عُرَفَاءُ الْبُنْيَانِ عَنْ أَمْرِهِ فَقَالُوا يَحْفِرُ أَسَاسًا وَيَنْزِلُ فِيهِ قَدْرَ الْقَامَةِ خَلْفَ الْحَائِطِ الَّذِي هُوَ صَدْرُ الْبَيْتِ وَيَرْفَعُ فِي حَقِّهِ حَائِطًا مِنْ تَحْتِ وَجْهِ الْأَرْضِ بِخَمْسَةِ أَشْبَارٍ إلَى مُنْتَهَى السَّقْفِ فَعَرَّفُوا الْقَاضِي بِمَا أَمَرُوا بِهِ صَاحِبَ الدَّابَّةِ فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ انْقَطَعَ الضَّرَرُ عَنْ صَاحِبِ الْبَيْتِ بِذَلِكَ. فَقَالَ الْقَاضِي رحمه الله يُشْهَدُ عَلَى صَاحِبِ الدَّابَّةِ بِذَلِكَ لِئَلَّا يَطُولَ الزَّمَانُ وَيَنْزِعَ ذَلِكَ الْحَائِطَ وَيَسْتَحِقَّ الْمَرْبِطَ بِالْقِدَمِ اهـ وَلَسْتُ فِي عُهْدَةِ تَصْحِيفٍ إنْ وُجِدَ فِيهِ إذْ لَمْ أَجِدْ فِي الْوَقْتِ غَيْرَهُ
وَهُوَ عَلَى الْحُدُوثِ حَتَّى يَثْبُتَا
…
خِلَافُهُ بِذَا الْقَضَاءُ ثَبَتَا
يَعْنِي: أَنَّهُ إذَا وَقَعَ النِّزَاعُ فِي الضَّرَرِ هَلْ هُوَ قَدِيمٌ فَيَبْقَى وَلَا يُزَالُ أَوْ حَادِثٌ فَيُزَالُ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْحُدُوثِ حَتَّى يَثْبُتَ قِدَمُهُ وَإِثْبَاتُ ذَلِكَ عَلَى مُدَّعِي قِدَمِهِ قَالَ (ابْنُ سَلْمُونٍ) وَاخْتُلِفَ فِي الضَّرَرِ إنْ أَشْكَلَ هَلْ هُوَ قَدِيمٌ أَوْ مُحْدَثٌ فَفِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مُحْدَثٌ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ قَدِيمٌ وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ قَدِيمٌ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ مُحْدَثٌ وَبِالْأَوَّلِ الْقَضَاءُ اهـ وَمِنْ قَوْلِهِ بِذَا الْقَضَاءُ ثَبَتَا يُفْهَمُ أَنَّ ثَمَّ قَوْلًا آخَرَ لَا يُقْضَى بِهِ وَهُوَ حَمْلُهُ عَلَى الْقِدَمِ حَتَّى يَثْبُتَ حُدُوثُهُ وَهُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ عَنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَمَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْبَيْت مَبْنِيٌّ عَلَى مَا يَأْتِي لَهُ فِي فَصْلِ مُسْقِطِ الضَّرَرِ مِنْ كَوْنِ الضَّرَرِ يُحَازُ بِمَا تُحَازُ بِهِ الْأَمْلَاكُ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يُحَازُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى النَّظَرِ فِي كَوْنِهِ قَدِيمًا أَوْ حَادِثًا بَلْ يَجِبُ رَفْعُهُ وَإِزَالَتُهُ قَدِيمًا كَانَ أَوْ حَادِثًا وَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ حَيْثُ تَعَرَّضَ لَهُ النَّاظِمُ رحمه الله إنْ شَاءَ اللَّهُ
وَإِنْ يَكُنْ تَكَشُّفًا فَلَا يُقَرْ
…
بِحَيْثُ الْأَشْخَاصُ تَبِينُ وَالصُّوَرْ
يَعْنِي: إذَا كَانَ الضَّرَرُ تَكَشُّفًا بِحَيْثُ تَبِينُ بِهِ الْأَشْخَاصُ وَالصُّوَرُ فَإِنَّهُ يُزَالُ وَلَا يُقَرُّ (قَالَ الشَّارِحُ)
وَتَبِينُ الْأَشْخَاصُ وَهُوَ بِحَيْثُ يُتَبَيَّنُ زَيْدٌ مِنْ عَمْرٍو وَتَبِينُ الصُّوَرُ بِحَيْثُ يُتَبَيَّنُ الذَّكَرُ مِنْ الْأُنْثَى وَالْحَسَنُ مِنْ الْقَبِيحِ (قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) وَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنْ يُحْدِثَ عَلَى جَارِهِ كُوَّةً أَوْ بَابًا فِي غُرْفَةٍ يُشْرِفُ مِنْهَا عَلَى مَا فِي دَارِ جَارِهِ أَوْ أُسْطُوَانِهِ أَوْ غُرْفَتِهِ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ أَحْدَثَهَا قُضِيَ عَلَيْهِ بِغَلْقِ الْكُوَّةِ وَالْبَابِ بِالْبُنْيَانِ وَقَلْعِ الْعَتَبَةِ مِنْ الْبَابِ وَلَمْ تُتْرَكْ الْعَتَبَةُ فِيهَا لِأَنَّهُ إنْ تَرَكَهَا ثُمَّ طَالَ الزَّمَانُ وَنُسِيَ الْأَمْرُ كَانَتْ حُجَّةً لِلْبَابِ وَيَقُولُ: إنَّمَا أَغْلَقْتُهُ لِأُعِيدَهُ مَتَى شِئْتُ وَلِذَلِكَ يُقْضَى بِقَلْعِ الْعَتَبَةِ فِي بَابِ الدَّارِ إذَا حُكِمَ بِغَلْقِهِ اهـ وَكَذَلِكَ يُقْضَى بِقَلْعِ عَتَبَةِ الْكُوَّةِ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي عَتَبَةِ الْبَابِ (وَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ) الْمُشَاوِرُ إنَّمَا يُمْنَعُ إذَا تَبَيَّنَتْ الْأَشْخَاصُ، وَأَمَّا إذَا لَمْ تَتَبَيَّنْ فَلَا يُمْنَعُ اهـ مِنْ الِاسْتِغْنَاءِ
وَمَا بَنَتْنِ الرِّيحِ يُؤْذِي يُمْنَعُ
…
فَاعِلُهُ كَالدَّبْغِ مَهْمَا يَقَعُ
يَعْنِي إذَا كَانَ الضَّرَرُ الْحَادِثُ عَلَى الْجَارِ بَنَتْنِ الرَّائِحَةِ كَالدَّبْغِ فَإِنَّ فَاعِلَهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ (قَالَ فِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ) عَنْ الْمُشَاوِرِ بَعْدَ إجَازَتِهِ مَا يُتَأَذَّى بِصَوْتِهِ كَالْكَمَدِ وَشِبْهِهِ مَا نَصُّهُ بِخِلَافِ أَنْ يُحْدِثَ فِي دَارِهِ أَوْ حَانُوتِهِ دِبَاغًا أَوْ يَفْتَحَ بِقُرْبِ جَارِهِ مِرْحَاضًا وَلَا يُغَطِّيهِ أَوْ مَا تُؤْذِيهِ رَائِحَتُهُ؛ لِأَنَّ الرَّائِحَةَ الْمُنْتِنَةَ تَخْرِقُ الْخَيَاشِيمَ وَتَصِلُ إلَى الْمِعَى وَتُؤْذِي الْإِنْسَانَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ شَيْئًا فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا يُؤْذِينَا بِرِيحِ الثُّومِ» فَكُلُّ رَائِحَةٍ تُؤْذِي يُمْنَعُ مِنْهَا لِهَذَا قَالَ وَبِهِ الْعَمَلُ. اهـ.
وَبِنَتْنِ: يَتَعَلَّقُ بِيُؤْذِي، وَجُمْلَةُ يُمْنَعُ فَاعِلُهُ: خَبَرُ مَا الْمَوْصُولَةِ، وَصِلَتُهَا: يُؤْذِي
وَقَوْلُ مَنْ يُثْبِتُهُ مُقَدَّمُ
…
عَلَى مَقَالِ مَنْ بِنَفْيٍ يَحْكُمُ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَحْدَثَ أَمْرًا فَادَّعَى جَارُهُ أَنَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا وَادَّعَى الْمُحْدِثُ الْمَذْكُورُ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ يَلْحَقُهُ فِي ذَلِكَ وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ فَمَنْ أَثْبَتَ الضَّرَرَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَنْ نَفَاهُ.
قَالَ فِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ ذَكَرَ الْبَاجِيُّ أَنَّهُ إنْ أَتَى بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى فُلَانٍ فِي ذَلِكَ لَا يُلْتَفَتُ إلَى ذَلِكَ وَالْبَيِّنَةُ الَّتِي شَهِدَتْ بِالضَّرَرِ أَتَمُّ شَهَادَةً وَأَوْلَى بِالْحُكْمِ بِهَا انْتَهَى وَنَحْوُهُ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ
وَإِنْ جِدَارٌ سَاتِرٌ تَهَدَّمَا
…
أَوْ كَانَ خَشْيَةَ السُّقُوطِ هُدِّمَا
فَمَنْ أَبَى بِنَاءَهُ لَنْ يُجْبَرَا
…
وَقِيلَ لِلطَّالِبِ إنْ شِئْتَ اُسْتُرَا
وَعَامِدٌ لِلْهَدْمِ دُونَ مُقْتَضِي
…
عَلَيْهِ بِالْبِنَاءِ وَحْدَهُ قُضِيَ
إنْ كَانَ ذَا وُجْدٍ وَكَانَ مَالَهُ
…
وَالْعَجْزُ عَنْهُ أَدَبًا أَنَالَهُ
وَإِنْ يَكُنْ مُشْتَرَكًا فَمَنْ هَدَمْ
…
دُونَ ضَرُورَةٍ بِنَاءَهُ الْتَزَمْ
وَإِنْ يَكُنْ لِمُقْتَضٍ فَالْحُكْمُ أَنْ
…
يَبْنِيَ مَعْ شَرِيكِهِ وَهُوَ السَّنَنْ
مِنْ غَيْرِ إجْبَارٍ فَإِنْ أَبَى قُسِمْ
…
مَوْضِعُهُ بَيْنَهُمَا إذَا حُكِمْ
الْجِدَارُ السَّاتِرُ بَيْنَ الدَّارَيْنِ وَشِبْهِهِمَا لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لِأَحَدِ مَالِكَيْ الدَّارَيْنِ أَوْ يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِ مَالِكَيْ الدَّارَيْنِ وَهُدِمَ فَإِنْ انْهَدَمَ بِنَفْسِهِ أَوْ هَدَمَهُ مَالِكُهُ خَوْفَ سُقُوطِهِ فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى بِنَائِهِ بَلْ إنْ شَاءَ بَنَاهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ بِنَاءَهُ فَإِنْ طَالَبَهُ الْجَارُ بِبِنَائِهِ فَيُقَالُ لَهُ إنَّ صَاحِبَهُ لَمْ يَقْصِدْ ضَرَرَكَ فَإِنْ شِئْتَ فَاسْتُرْ عَلَى نَفْسِكَ أَوْ دَعْ وَعَلَى هَذَا نَبَّهَ بِالْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ.
وَأَمَّا إنْ هَدَمَهُ مَالِكُهُ لِغَيْرِ مُوجِبٍ فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ وَحْدَهُ بِبِنَائِهِ لِظُهُورِ قَصْدِ إرَادَةِ الضَّرَرِ بِالْجَارِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَالْجِدَارُ مِلْكٌ لَهُ كَمَا هُوَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ عَلَى تَعَمُّدِهِ لِهَدْمِ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى بِنَائِهِ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ
وَعَامِدٌ لِلْهَدْمِ دُونَ مُقْتَضِي
الْبَيْتَيْنِ وَإِنْ كَانَ الْجِدَارُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْجَارَيْنِ فَهَدَمَهُ أَحَدُهُمَا فَإِنْ هَدَمَهُ لِغَيْرِ مُوجِبٍ وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُوهُ لِهَدْمِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ بِنَاؤُهُ لِأَنَّهُ هَدَمَ مِلْكَهُ وَمِلْكَ غَيْرِهِ لِغَيْرِ مُوجِبٍ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَإِنْ يَكُنْ مُشْتَرَكًا فَمَنْ هَدَمْ
…
دُونَ ضَرُورَةٍ بِنَاءَهُ الْتَزَمَ
وَإِنْ هَدَمَهُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِيهِ لِمُوجِبٍ كَخَوْفِ سُقُوطِهِ فَبِنَاؤُهُ عَلَيْهِمَا لَكِنْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْبَرَ الْمُمْتَنِعُ مِنْهُمَا عَلَى بِنَائِهِ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى بِنَائِهِ فَلَا إشْكَالَ وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا وَامْتَنَعَا أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ بِنَائِهِ فَإِنْ تَحَاكَمَا حُكِمَ بَيْنَهُمَا بِقِسْمَةِ مَوْضِعِ الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ (قَالَ فِي الْمَقْصِدِ الْمَحْمُودِ) وَإِنْ سَقَطَ جِدَارُ رَجُلٍ أَوْ هَدَمَهُ خَوْفَ سُقُوطِهِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى إعَادَتِهِ وَقِيلَ لِجَارِهِ اُسْتُرْ عَلَى نَفْسِك أَوْ دَعْ وَإِنْ هَدَمَهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ قُضِيَ عَلَيْهِ بِإِعَادَتِهِ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنْ لَا مَالَ لَهُ وَإِنْ كَانَ الْحَائِطُ بَيْنَهُمَا فَتَسَقَّطَ فَأَبَى أَحَدُهُمَا مِنْ الْإِعَادَةِ فَإِنْ كَانَ يَنْقَسِمُ قُسِمَ وَإِلَّا قُضِيَ عَلَى الْآبِي مِنْهُمَا بِالْبِنَاءِ مَعَ صَاحِبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ يُقْسَمُ بِخَيْطٍ مِنْ أَعْلَاهُ إلَى أَسْفَلِهِ إلَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى قِسْمَةِ عَرْضِهِ عَلَى طُولِهِ.
وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَرْضًا يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهُ مِمَّا يَلِيهِ (وَفِي مُفِيدِ ابْنِ هِشَامٍ) قَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْجِدَارِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيَتَهَدَّمُ فَيُرِيدُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَبْنِيَهُ وَيَأْبَى ذَلِكَ صَاحِبُهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِبِنَائِهِ وَإِنْ أَحَبَّ الْآخَرُ أَنْ يَسْتُرَ دَارِهِ سَتَرَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْجِدَارُ بَيْنَهُمَا فَيُؤْمَرُ أَنْ يَبْنِيَ مَعَ صَاحِبِهِ إذَا أَرَادَ ذَلِكَ قَالَ عِيسَى يُؤْمَرُ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَبْنِيَ مَعَهُ بِحُكْمٍ فَإِنْ كَرِهَ قَاسَمَهُ مَوْضِعَ الْجِدَارِ فَأَخَذَ نِصْفَهُ مِمَّا يَلِيهِ.
قَالَ سَحْنُونٌ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْحَائِطِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ يَحْتَاجُ إلَى الْإِصْلَاحِ أَوْ يَتَهَدَّمُ فَلَا يُرِيدُ أَحَدُهُمَا الْإِصْلَاحَ وَلَا الْبُنْيَانَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يُجْبَرُ الَّذِي يَأْبَى مِنْهُمَا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يُجْبَرُ إذَا لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى إذَا كَانَ حَائِطٌ بَيْنَ دَارَيْنِ فَهَدَمَهُ أَحَدُهُمَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْنِيَهُ إذَا كَانَ قَدْ هَدَمَهُ عَلَى وَجْهِ الضَّرَرِ وَإِذَا كَانَ هَدَمَهُ لِلْإِصْلَاحِ فَعَجَزَ عَنْهُ أَوْ انْهَدَمَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ فَلَا يُجْبَرُ عَلَى بِنَائِهِ كَمَا كَانَ، وَرَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُجْبَرُ عَلَى بُنْيَانِهِ كَانَ هُوَ الَّذِي هَدَمَهُ أَوْ انْهَدَمَ مِنْ غَيْرِ هَادِمٍ إذَا كَانَ قَوِيًّا عَلَى بُنْيَانِهِ فَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا عَنْهُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى بُنْيَانِهِ. اهـ.
وَجِدَارٌ فَاعِلٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ تَهَدَّمَا وَهُدِّمَ بِالْبِنَاءِ لِلنَّائِبِ وَالطَّالِبُ أَيْ لِلْبِنَاءِ وَالْوُجْدُ مُثَلَّثُ الْوَاوِ مَصْدَرُ وَجَدَ فِي الْمَالِ أَيْ اسْتَغْنَى وَأَوْجَدَهُ أَيْ أَغْنَاهُ، يُقَالُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَوْجَدَنِي بَعْدَ فَقْدِي قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ وَقَوْلُهُ وَكَانَ مَالَهُ أَيْ مِلْكًا وَمَالًا مِنْ مَالِهِ وَأَدَبًا مَفْعُولٌ ثَانٍ لِأَنَالَ، وَإِنْ يَكُنْ أَيْ الْجِدَارُ السَّاتِرُ مُشْتَرَكًا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا قَبْلَهُ فِي الْجِدَارِ الْمَمْلُوكِ لِأَحَدِ الْجَارَيْنِ وَبِنَاءَهُ مَفْعُولُ الْتَزَمَ وَإِنْ يَكُنْ أَيْ هَدْمُهُ وَالسَّنَنُ أَيْ الطَّرِيقُ
وَإِنْ تَدَاعَيَاهُ فَالْقَضَاءُ
…
لِمَنْ لَهُ الْعُقُودُ وَالْبِنَاءُ
يَعْنِي إذَا تَنَازَعَ الْجَارَانِ فِي الْحَائِطِ الَّذِي بَيْنَهُمَا فَادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ لِنَفْسِهِ وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهِ لِمَنْ تَكُونُ لَهُ عُقُودُهُ وَعَلَيْهِ يَكُونُ بِنَاؤُهُ فَفِي الْمَقْصِدِ الْمَحْمُودِ وَإِذَا تَنَازَعَ رَجُلَانِ فِي جِدَارٍ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا قُضِيَ بِهِ لِمَنْ لَهُ الْعُقُودُ وَالْقُمُطُ وَالْبِنَاءُ مَعَ يَمِينِهِ (وَفِي مُفِيدِ ابْنِ هِشَامٍ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا اخْتَلَفَ الرَّجُلَانِ فِي جِدَارٍ بَيْنَ دَارَيْهِمَا كُلُّ وَاحِدٍ يَدَّعِيهِ فَإِنْ كَانَ عَقْدُ بِنَائِهِ إلَيْهِمَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا يُرِيدُ بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا وَإِنْ كَانَ مَعْقُودًا إلَى أَحَدِهِمَا وَمُنْقَطِعًا إلَى الْآخَرِ فَهُوَ لِمَنْ إلَيْهِ الْعَقْدُ، ثُمَّ قَالَ وَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَى الْعُقُودِ فِي الْبُنْيَانِ عِنْدَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ. اهـ.
وَفِي الرِّسَالَةِ وَيُقْضَى بِالْحَائِطِ لِمَنْ إلَيْهِ الْقُمُطُ وَالْعُقُودُ قَالَ الشَّيْخُ الْجُزُولِيُّ الشَّيْخُ أَرَادَ بِالْحَائِطِ هُنَا الْجِدَارَ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْبُسْتَانَ لِأَنَّ الْبُسْتَانَ يُسَمَّى حَائِطًا قَالَ قَبْلَ هَذَا وَإِذَا كَانَ فِي الْحَائِطِ أَصْنَافٌ مِنْ الثَّمَرِ وَقَالَ وَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ عَلَى إخْرَاجِ مَا فِي الْحَائِطِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ تَمَامِ الَّتِي قَبْلَهَا وَهِيَ قَوْلُهُ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَدَاعِيَانِ فِي شَيْءٍ بِأَيْدِيهِمَا فَإِذَا وَقَعَ النِّزَاعُ فِي حَائِطٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي أَنَّهُ مِلْكُهُ وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ وَتَكَافَأَتَا فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهِ لِمَنْ إلَيْهِ الْقُمُطُ وَالْعُقُودُ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ الْجِهَتَيْنِ قُسِمَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ يُقْضَى بِالْحَائِطِ لِمَنْ إلَى جِهَتِهِ الْقُمُطُ وَالْعُقُودُ، ثُمَّ قَالَ وَالْقُمُطُ وَالْعُقُودُ لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُمَا عِبَارَةٌ عَنْ مَعَاقِدِ الْأَرْكَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عِبَارَةٌ عَمَّا يُشَدُّ بِهِ وَجْهُ الْحَائِطِ وَقِيلَ هُمَا مُتَبَايِنَانِ فَالْقُمُطُ عِبَارَةٌ عَمَّا يُشَدُّ بِهِ وَجْهُ الْحَائِطِ وَيَمْنَعُهُ مِنْ الِانْتِثَارِ وَالْعُقُودُ عِبَارَةٌ عَنْ تَدَاخُلِ الْأَرْكَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْقُمُطُ مَعَاقِدُ الْحِيطَانِ وَاحِدُهَا قِمَاطٌ فَالْقَمْطُ الشَّدُّ وَمِنْهُ قَمَطَ الصَّبِيَّ لَفَّهُ فِي الْخِرَقِ قَالَهُ الْمَغْرَاوِيُّ.
وَقَالَ الزَّنَاتِيُّ الْقَمْطُ عِبَارَةٌ عَمَّا يَشُدُّ بِهِ وَجْهَهُ بِمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْتَثِرَ تُرَابُهُ وَيُثَقَّفَ غُبَارُهُ بِشَيْءٍ قَوِيٍّ عَلَى مَا بُنِيَ بِهِ إمَّا جِيرٌ أَوْ تُرَابٌ صَحِيحٌ وَقَدْ يَفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ زِينَةً وَالْعُقُودُ هِيَ أَرْكَانُ الْغُرَفِ وَالْعَلَالِيِّ وَقِيلَ الْقَمْطُ الْفُرَجُ غَيْرُ النَّافِذَةِ وَقِيلَ تَوْجِيهُ الْآجُرِّ وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا قُمْطٌ وَلِلْآخَرِ الْعُقُودُ قُضِيَ بِهِ لِمَنْ إلَيْهِ الْعُقُودُ لِأَنَّهَا أَقْوَى مِنْ الْقُمْطِ اُنْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ وَفِي مَجَالِسِ الْقَاضِي الْمِكْنَاسِيِّ وَحَقِيقَةُ الْعَقْدِ أَنْ يَكُونَ الرُّكْنُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ طَرَفَا الْحَائِطِ آجُرُّهُ مُرَكَّبٌ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ كَاشْتِبَاكِ الْأَصَابِعِ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ ذَكَرُوا أَنَّ بِهِ طَاقَةً غَيْرَ نَافِذَةٍ فَالْحَائِطُ لِمَنْ الطَّاقُ إلَى نَاحِيَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ طَاقٌ، وَذَكَرُوا أَنَّ وَجْهَهُ إلَى إحْدَى الدَّارَيْنِ فَالْحَائِطُ لِمَنْ الْوَجْهُ إلَيْهِ وَقِيلَ إنَّ الْوَجْهَ هُوَ الْقُمْطُ وَقِيلَ الْقُمْطُ هُوَ السَّوَارِي الَّتِي تُبْنَى فِي الْحَائِطِ، فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ سِوَارِي فَالْحَائِطُ لِمَنْ هِيَ فِي جِهَتِهِ فَإِنْ عَرِيَ عَنْ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ مَعَ كَوْنِهِ مُقْبِلًا مِنْ طَرَفَيْهِ وَعَلَيْهِ حُمِّلَ خَشَبٌ فَالْحَائِطُ لِمَنْ حُمِّلَ الْخَشَبُ عَلَيْهِ وَيُحْكَمُ بِهَذِهِ الْعَلَامَاتِ لِمَنْ هِيَ مِنْ نَاحِيَتِهِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَخَالَفَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي حَمْلِ الْخَشَبِ وَقَالَا لَا يُمْلَكُ الْحَائِطُ بِحَمْلِ الْخَشَبِ عَلَيْهِ وَفَصَّلَ ابْنُ الرَّامِي التُّونُسِيُّ فِي الْخَشَبِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَيْهَا أَوْ تَكُونَ مُزْرَقَةً فَإِنْ كَانَتْ مَبْنِيًّا عَلَيْهَا كَانَ الْحَائِطُ لِمَنْ لَهُ الْخَشَبُ وَإِنْ كَانَتْ مُزْرَقَةً فَلَا تُوجِبُ مِلْكًا اُنْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ فَقَدْ أَطَالَ فِي ذَلِكَ آخِرَ الْمَجْلِسِ الثَّالِثِ.
فَائِدَةٌ: ذَكَرَ الْقَاضِي الْمِكْنَاسِيُّ قَبْلَ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ قِيلَ إنَّ مِنْ حَقِّ الْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ فِي شُهُودِ أَهْلِ الْبَصَرِ فِي الْمَبَانِي وَيَخْتَبِرَ أَحْوَالَهُمْ فِي أُجْرَتِهِمْ وَيَشْتَرِطَ عَلَيْهِمْ شُرُوطًا مِنْهَا أَنْ لَا يُحَكَّمُوا فِي حَائِطٍ لِأَحَدِ الْمُتَنَازِعَيْنِ وَإِنَّمَا يَصِفُونَهُ فَقَطْ بِوَصْفٍ يُزِيلُ الْإِشْكَالَ وَيُوَضِّحُ الْبَيَانَ فَيَصِفُ الدَّارَ أَوْ الْحَانُوتَ أَوْ الْفُنْدُقَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ بِوَصْفٍ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ احْتِمَالٌ بِاعْتِبَارِ الْخُشُبِ وَالْحِيطَانِ هَلْ هِيَ مَعْقُودَةٌ إلَيْهَا أَوْ جَائِزَةٌ عَنْهَا أَوْ مُقْبِلَةٌ فِي مُنْتَهَى حَدِّهَا يَصِفُ ذَلِكَ مِنْ جِهَاتِهَا الْأَرْبَعِ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْبَائِعُ شَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرِي وَإِنْ كَانَ النِّزَاعُ بَيْنَ مُتَنَازِعَيْنِ نَظَرَ فِيهِ الْقَاضِي بَعْدَ أَدَاءِ شَهَادَتِهِمْ فِيهِ وَحَكَمَ بِمُقْتَضَاهُ اهـ