الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حين يسخر بالنبي صلى الله عليه وسلم
(1)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ..
إخوة الإسلام ولا تزال تتأجج مشاعر المسلمين هذه الأيام في مغرب العالم ومشرقه مدافعة عن حياض النبي صلى الله عليه وسلم .. حيث الإهانة والسخرية والسب من قبل أقوام لأخلاق لهم.
وينتفض المؤمنون رجالاً ونساءً صغارًا وكبارًا معبرين عن صدق محبتهم لمحمد صلى الله عليه وسلم، وصدق الانتماء لدينه ورسالته .. ولا غرابة في ذلك .. فدون محمد صلى الله عليه وسلم ترخص الأرواح، وتبذل المهج والأوقات ..
محمد صلى الله عليه وسلم رفع الله شأنه وأعلى ذكره، وختم بالمرسلين شريعته، وبسط في الخافقين نوره ورحمته .. إنه السراج المنير، والرحمة المهداة، والقدوة والأسوة، أعطاه الله اسمين من أسمائه:{بالمؤمنين رءوف رحيم} وقدمه في إمامة الأنبياء، وجعل رسالته حية في قلوب العالمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، أحبه المؤمنون، وأنصفه العقلاء، وشهد على صدقه وعدله البر والفاجر، واشترك في ميراثه العرب والعجم، والأحمر والأسود، والذكر والأنثى، والغني والفقير، والقاصي والداني.
من حماقات هذا العصر، ومن مأفون تصرفات السفهاء، وإذكاء لروح العدوان والصدام .. يصدر من الدانمرك ومن ورائها الاتحاد الأوربي أصوات
(1) ألقيت هذه الخطبة في 27/ 12/ 1426 هـ.
منكرة ورسوم كاريكاتورية ساخرة تستهدف الإسلام والمسلمين وتسخر بنبي الرحمة والملحمة.
ما دوافع الحملة ومن وراءها؟ أهي مجرد حقد دفين على الإسلام والمسلمين أم هي مع ذلك متاجرة رخيصة بحرية الرأي؟ تجرأ دولة صغرى على هذه الجريمة النكراء؟ أم ثمة ضمانات ومحالفات من دول كبرى؟
وهذه الحملة الظالمة والهجوم الخاسر ليست وليدة اليوم، وليست قصرًا على مكان دون آخر، ولا على شعب أو ديانة دون أخرى ودعونا نستدعي التاريخ فهو شاهد على حلقات هذا العداء وكاشف لنتائج المعركة .. وهي بلا شك لصالح الحق ولأهل الحق.
حين بعث محمد صلى الله عليه وسلم وأعلن دعوته ناصبته قريش العداء، وتجهموه وآذوه وسخروا منه ومما نزل عليه، وقال قائلهم:{لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} [فصلت: 26] وقريش في داخلها تؤمن بصدق محمد وصدق القرآن .. فمحمد الأمين والقرآن يتحدى .. ولكن قريشًا آثرت هذا الأسلوب للصد والاعتراض وحتى لا ينكشف ضعفهم وباطلهم، ولذا نقل ابن إسحاق عن قريش قولهم (معترفين) فإنكم إن ناظرتموه أو خاصمتموه غلبكم.
واليوم يتكرر الأسلوب ويتخوف الأعداء من مد الإسلام ومن أثر محمد صلى الله عليه وسلم على المسلمين وغيرهم فلا يجدون وسيلة إلا التنفير والسخرية والسب والانتقاص.
ولكن وكما خابت قريش وخسرت بالأمس فسيخسر أمثالها اليوم .. أجل إن حملة الأمس الظالمة من قريش الكافرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم التي سول حمق القوم أن ينشروها في اجتماعات العرب وأسواقهم ومناسباتهم - عادت بدور إيجابي على محمد صلى الله عليه وسلم ودعوته .. وصدر العرب - وهم من جهات شتى - وقد
سمعوا عن محمد صلى الله عليه وسلم ودعوته، وعادت هذه القضية مثارًا للحديث في محالهم ومع أقوامهم، فعرف محمدًا والإسلام من لم يكن يعرفه من قبل.
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت
…
أتاح لها لسان حسود
وأدركت قريش أو لم تدرك أنها صنعت للنبي والإسلام دعاية مجانية ..
واليوم يشكل حمق الأوربيين ومن وراءهم دعاية مجانية لمحمد صلى الله عليه وسلم ورسالته، فيعرف محمدًا من لم يكن يعرفه من قبل، ويتساءل مجموعات كبرى من البشر عن دين محمد ما هو؟ وعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا.
وثمة معلم آخر في سيرة محمد صلى الله عليه وسلم .. وتعداد وتوعية الساخرين به، فلم يكونوا أفرادًا فقط بل جماعات، ولم يقتصر الأمر على مكة بل شمل المدينة .. بل تجاوز العرب إلى العجم، ويمكن القول أن كفار مكة والمنافقين في المدينة وشياطينهم اليهود وكسرى دولة فارس .. كل هؤلاء حلقات في سلسلة العدوان والسخرية.
إنها جماعات وأفراد، وديانات ومنظمات سرية، ودول كبرى ومع ذلك يشهد التاريخ أن هؤلاء وأولئك تحطموا وفشلوا، وتمزق ملكهم والنصارى الذين أسلم أحدهم في زمن النبوة ثم عاد وتنصر وافترى على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:«ما يدري محمدًا إلا ما كتبت له» .
فأماته الله وجعله عبرة للمعتدين حيث لفظه القبر مرارًا ثم ترك منبوذًا (1).
قال شيخ الإسلام معلقًا على هذه الحادثة: فهذا الملعون الذي افترى على النبي صلى الله عليه وسلم .. قصمه الله وفضحه بأن أخرجه من القبر بعد أن دفن مرارًا .. وأن الله منتقم لرسوله صلى الله عليه وسلم ممن طعن عليه وسبه، وتظهر لدينه ولكذب الكاذب.
(1)(رواه البخاري في علامات النبوة في الإسلام، ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم).
إذا لم يمكن الناس أن يقيموا عليه الحد (1).
فقريش أسلمت القياد .. ودخل من دخل منهم في الإسلام، ومن لم يكتب الله له الخير أخذه الله وأخزاه وكان عبرة للمعتبرين .. واليهود حوصروا وطردوا وقتلوا .. والمنافقون فشلوا وكشفوا وخابت مساعيهم.
إن المتأمل في عالم الأمس واليوم يرى هذه الفئات والمجاميع تتكرر في عدوانها وسخريتها، فيهود اليوم حين يسخرون بالإسلام والمسلمين لهم سلف قالوا عن المسلمين {ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} {وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَاّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} .
ونصارى اليوم لهم سلفًا بالسخرية بالنصراني الذي افترى على النبي صلى الله عليه وسلم في حياته فأماته الله وفضحه على رؤوس الأشهاد حين لفظه القبر مرارًا .. ولعذاب الآخرة أشد.
ومنافقوا اليوم لهم حرب على السخرية بالإسلام ونبي الإسلام من وراء وراء، وليعرفنهم بسيماهم أو بلحن قولهم .. ومن قبل قال أسيادهم ليخرجن الأعز منها الأذل، لقد مردوا على النفاق، وضيقوا الحصار على المسلمين وقالوا: {لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا
…
} ولئن فرق الله ملك كسرى حين سخر بالنبي صلى الله عليه وسلم ومزق رسالته .. فهو قادر على تمزيق كل مملكة تتطاول على مقام النبوة وتسخر بسيد المرسلين.
إخوة الإسلام ويعلمنا القرآن .. ويشهد التاريخ أن الله كفى نبيه كيد الكائدين
(1)(الصارم المسلول ص 233).
وسخرية المستهزئين .. وعصم نبيه وأظهر دينه على الدين كله .. وإذا كان واقع الحال يشهد على ذلك، فشهادة القرآن برهان صدق .. والله يقول:{إنا كفيناك المستهزئين} ويقول: {والله يعصمك من الناس} بل يتوعد الله من ينال محمدًا بسوء، ويعتدي عليه بالأذى بالعقوبة واللعن في الدنيا والآخرة ويقول:{إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابًا مهينًا} [الأحزاب: 57].
عباد الله وفي مسلسل حلقات السب والشتم والسخرية والاستهزاء بمحمد صلى الله عليه وسلم دونكم هذه الحادثة فتأملوها، وتاريخها يعود إلى نهاية القرن السابع الهجري وتحديدًا في سنة ثلاث وتسعين وستمائة وعنها قال الحافظ ابن كثير:(واقعة عساف النصراني) وعنها قال ابن كثير كان هذا الرجل من أهل السويداء (مكان من جبل حوران في أرض الشام) قد شهد عليه جماعة أنه سب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد استجار عساف هذا بابن أحمد بن حجي أمير آل علي، فاجتمع الشيخ تقي الدين بن تيمية، والشيخ زين الدين الفارقي شيخ دار الحديث، فدخلا على الأمير عز الدين أيبك الحموي نائب السلطنة فكلماه في أمره فأجابهما إلى ذلك وأرسل ليحضره، فخرجا من عنده ومعهما خلق كثير من الناس، فرأى الناس (عسافًا) حين قدم ومعه رجل من العرب فسبوه وشتموه، فقال ذلك الرجل البدوي: هو خير منكم - يعني النصراني - فرجمهما الناس بالحجارة، وأصابت عسافًا، ووقعت خبطة قوية، فأرسل النائب فطلب الشيخين (ابن تيمية والقارفي) فضربهما بين يديه ورسم عليهما في العذراوية وقدم النصراني فأسلم، وعقد مجلس بسببه، وأثبت بينه وبين الشهود عداوة فحقن دمه، ثم استدعى بالشيخين فأرضاهما وأطلقهما، ولحق النصراني بعد ذلك ببلاد الحجاز فاتفق قتله قريبًا من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قتله ابن أخته هلال وصنف الشيخ تقي الدين ابن تيمية في هذه الواقعة كتابه
(الصارم المسلول على ساب الرسول)(1).
أرأيتم معاشر المسلمين كيف يحيق المكر السيء بأهله، وكيف ينتقم الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، وكيف يحتسب المسلمون وفي مقدمتهم العلماء على أهل الزيغ والضلال والمستهزئين والساخرين .. إن في ذلك لعبرة.
وإذا انتصر شيخ الإسلام للرسول صلى الله عليه وسلم بتأليف هذا الكتاب العظيم فهل يا ترى يقرأه المسلمون ليعرفوا مقام النبوة، وعظمة الرسول، وكيف يرد عل المستهزئين والمتطاولين .. وهل تؤكد هذه الأحداث المعاصرة ضرورة معرفة حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم والالتزام بها؟
عباد الله وأمر آخر يسر ويفرح ويدعو للفأل وترقب النصر فشدة الهجمة على الإسلام مؤشر إلى قوته والتخوف منه، والتطاول على مقام النبوة والسخرية بالنبي معجل للنصر .. ويحكي شيخ الإسلام عن من سبقه من أهل الفقه والخبرة قولهم: كنا نحصر الحصن أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر، وهو ممتنع علينا حتى نكاد نيأس منه، حتى إذا تعرض أهله لسب رسول الله صلى الله عليه وسلم والوقيعة في عرض تعجلنا فتحه وتيسر، ولم يكد يتأخر إلا يومًا أو يومين أو نحو ذلك ثم يفتح المكان عنوة، ويكون فيه ملحمة عظيمة، قالوا: حتى إن كنا لنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه، مع امتلاء القلوب غيظًا عليهم بما قالوا فيه» (2).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (128) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 128، 129].
(1)(13/ 318 البداية والنهاية).
(2)
(الصارم المسلول صـ 233، 234).