الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تقدير الأكابر بين الغلو والجفاء
وعبد الله بن المبارك العالم المجاهد
(1)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره ..
أيها المسلمون لكل أمة عظماء تعتز بهم وتذكر مفاخرهم، وتتطلع إلى اللحاق بهم، أو التأسي بهديهم وفي مقدمة عظماء الأمة الأنبياء والمرسلون وأتباعهم وحواريهم المؤمنون.
وما زال التاريخ - يذكر نماذج من العظماء - وما توقفت عجلة العظمة عند هؤلاء ..
فثمة عظماء في عبادتهم .. وعظماء في علمهم، وعظماء في جهادهم، وعظماء في خلقهم ومناقبهم الأخرى (1).
والسؤال المهم .. ماذا نستفيد نحن من مطالعة سير هؤلاء العظماء؟ وما الموقف المحمود منهم؟ هل نبالغ في تعظيمهم فنغلوا؟ أم نبالغ في هجر سيرهم أو الحط من قدرهم فنجفوا؟ وما الموقف الوسط المحمود؟
وقبل الإجابة لا بد أن نقرر أن لنا - أمة الإسلام - نماذج من القدوات لا يتوفر مثلها أو قريب منها لدى الأمم الأخرى مجتمعة، ومع ذلك تعجب حين ترى من هذه الأمم الكافرة تمجيدًا (لعظمائهم) يصل إلى حد الغلو والدجل والتماثيل
(1) ألقيت هذه الخطبة في 21/ 10/ 1425 هـ.
(2)
إنهم القدوات الكبار، كانوا كذلك لأنهم بحور في العلم، أمة في العبادة والدعوة، فرسان بالنهار رهبان بالليل، همم عالية وصبر وتضحية.
المصنوعة، والصور المعظمة فيعظم من لا يستحق التعظيم، وتسطر في الكتب أسماء لا رصيد لها من البر والتقوى، ولا رصيد لها من الخلق إلا الشهرة الزائفة، وقد تكون هذه الشهرة بنيت على الجماجم أو على الظلم المتعدى والإفساد. (ونابليون وهتلر) نماذج لهذه العظمة الزائفة - عند غير المسلمين.
أما عظماؤنا فأصل عظمتهم الإيمان بالله وحده، والصدق والإخلاص والعدل والإنصاف، والبر والإحسان ونحوها - من كريم الجلال والأخلاق - سواق تروي شجرة الإيمان المباركة ..
ودعوني أقف بكم على واحد من هؤلاء العظماء في تاريخنا .. إنه عالم عابد، تقي ورع، حافظ زاهد، مجاهد شجاع، صادق أمين، محدث وفقيه، وشاعر وأديب شيخ الإسلام وعالم زمانه وأمير الأتقياء في وقته (عبد الله بن المبارك رحمه الله.
حدث عنه إسماعيل بن عياش فقال: ما على وجه الأرض مثل ابن المبارك، ولا أعلم أن الله خلق خصلة من خصال الخير إلا وقد جعلها في عبد الله بن المبارك (1).
وكان فضيل وسفيان ومشيخة جلوسًا في المسجد الحرام، فطلع ابن المبارك من الثنية، فقال سفيان: هذا رجل أهل المشرق، فقال فضيل: رجل أهل المشرق والمغرب وما بينهما (2).
فإذا كانت تلك شهادة مشيخة زمانه (المعتبرين) فلا تسأل عن ثناء غيرهم، بل ورد عن سفيان الثوري وهو من هو رحمه الله في العلم والعبادة والفضل ورد عنه تعظيم شأن ابن المبارك حتى تمنى بعض ما عنده وقال: «إني لأشتهي من عمري
(1)(سير أعلام النبلاء 8/ 341).
(2)
(تاريخ بغداد 10/ 162 عن السير).
كله أن أكون سنة مثل ابن المبارك، فما أقدر أن أكون ولا ثلاثة أيام» (1).
وقال ابن عيينة: نظرت في أمر الصحابة وأمر ابن المبارك فما رأيت لهم عليه فضلاً إلا بصحبتهم النبي صلى الله عليه وسلم وغزوهم معه (المصدرين السابقين)(1).
وإذا فاقت شهرة ابن المبارك على السنة العلماء، فقد فاقت شهرته على صيت الأمراء والخلفاء -وإن كانوا مشهورين في زمانه- فقد قدم الخليفة هارون الرشيد (الرقة) فأنجفل الناس خلف ابن المبارك، وتقطعت النعال وارتفعت الغبرة، فأشرفت أم ولد لأمير المؤمنين من برج من قصر الخشب فقالت ما هذا؟ قالوا: عالم من أهل خراسان قدم، قالت: هذا والله الملك، لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان (3).
وفي سبيل نصح ابن المبارك للأمة: قال ابن مهدي .. ما رأيت أنصح للأمة من ابن المبارك (4).
وفي ميدان الجهاد والغزو والشجاعة كان له سهم وافر حتى قال عبدة بن سليمان المروزي كنا سرية مع ابن المبارك في بلاد الروم فصادفنا العدو فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو فدعا إلى البراز فخرج إليه رجل فقتله، ثم آخر فقتله، ثم آخر فقتله ثم دعا إلى البراز فخرج إليه رجل (ابن المبارك) فطارده ساعة فطعنه فقتله، فازدحم الناس إليه، فنظرت فإذا هو عبد الله بن المبارك، وإذا هو يكتم وجهه بكمه، فأخذت بطرف كمه فمددته، فإذا هو هو،
(1)(تاريخ بغداد 10/ 162، سير أعلام النبلاء 8/ 344).
(2)
ويكفي للشهادة على سعة علم ابن المبارك أن يقول عنه عبد الله بن إدريس: كل حديث لا يعرفه ابن المبارك فنحن منه براء. (السير: 8/ 356).
(3)
(تاريخ بغداد 10/ 156، سير أعلام النبلاء 8/ 340).
(4)
(السير 8/ 343).
فقال وأنت يا أبا عمر فمن يشنع علينا (1)؟
وابن المبارك رحمه الله هو صاحب بالرسالة إلى الفضيل بن عياض رحمه الله والتي قال فيها شعرًا ومما قال له:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا
…
لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب جيده بدموعه
…
فنحورنا بدمائنا يتخضب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا
…
رهج السنابك والغبار الأطيب
إلى آخر القصيدة التي وصلت إلى الفضيل وهو في الحرم فلما قرأها لم يتمالك نفسه عن البكاء، ثم قال: صدق أبو عبد الرحمن ونصح (2).
أيها المسلمون ومع هذه الخلال الكريمة وغيرها لابن المبارك لم ينس نصيبه من الدنيا، وما فهم الزهد قعودًا عن العمل ولا أن يكون كلاً على الآخرين، بل استغنى بعمله، وتجارته عن سؤال غيره، وحفظ عرضه، وتصدق على إخوانه، ولم ينس الفقراء من حوله، وحين قال له الفضيل: أنت تأمرنا بالزهد والتقلل والبلغة، ونراك تأتي بالبضائع، كيف ذا؟ قال يا أبا علي، إنما أفعل ذا لأصون وجهي وأكرم عرضي، وأستعين به على طاعة ربي، قال الفضيل: يا ابن المبارك ما أحسن ذا إن تم ذا (3).
وحق لعلم كابن المبارك أن يثني عليه العلماء والخلفاء وقد قال الخليفة الرشيد حين بلغه موت ابن المبارك: «مات سيد العلماء» (4).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [الزمر: 9].
(1)(تاريخ بغداد 10/ 167، سير أعلام النبلاء 8/ 349).
(2)
(السير 8/ 364).
(3)
(تاريخ بغداد 10/ 160).
(4)
(تاريخ بغداد 1/ 163).