الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخطبة الثانية
الحمد لله يمن على من يشاء بطاعته، والموفق من أعانه ربه على ذكره وشكره وحسن عبادته وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه كان نموذجًا للمسارعة في كل قربة، وقال وقدماه تتفطر من القيام:«أفلا أكون عبدًا شكورًا» وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر - اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين.
أيها المسلمون ..
5 -
ويعين على التعبد الرفقة الصالحة فهم خير عون لصاحبهم على الخير إن رأوا معروفًا شجعوا وشاركوا، وإن رأوا منكرًا نهوا واعتزلوا، يشجعون صاحبهم على الطاعات وينهونه عن المحرمات .. إن الصاحب ساحب وقرين بين من يسحب للخير ومن يسحب للشر، وكل قرين بالمقارن يقتدي، ومن مشكاة النبوة فالجليس الصالح كحامل المسك، إما أن تبتاع منه أو يحذيك رائحة حسنة، والجليس السوء كنافخ الكير فإما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحًا منتنة .. وكم تفوح روائح المسك من رفقاء الخير، وكم يحرق الدين فضلاً عن الثياب رفيق السوء .. ألا فاختاروا رفقاءكم .. وفي الحكمة قل لي من رفيقك أقل لك من أنت .. ذلك على مستوى الشباب والكبار والرجال والنساء .. وإن كان الأثر أعظم مع الشباب وفي مجتمع النساء.
ألا وإن الرفقة المتحابين في الله على غير أرحام، بينهم على منابر من نور يغبطهم الأنبياء والشهداء وهم ليسوا كذلك لكنهم اجتمعوا في ذات الله وتحابوا في الله، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر أولئك يكسبون إذا خسر الناس ويأنسون حين يلتقون في الجنة في حين يلعن الأشرار بعضهم بعضًا، قد تنقلب
الصداقة إلى عداوة {الأَخِلَاّء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَاّ الْمُتَّقِينَ} ألا يا من كنت غارقًا في المحرمات .. ضعيفًا في أداء الواجبات بسبب رفقة سيئة مسارع بالخلاص منهم، واستعض عنهم رفقة صالحة .. فإن الصحيح تناله عدوى الأجرب.
6 -
ومن المعينات على العبادة استشعار قصير الأمل، وصوارف الزمان، والخوف من مهلكات الفتن، فالسليم في هذه الحياة يمرض، والقوي يضعف، والشباب يهرم، وأحداث الزمان المفاجئة قد تأخذ الإنسان على حين غفلة، والإنسان معرض للفتن صباح مساء، والعبادة في أوقات الفتن كهجره إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم، والحث على الطاعة مستديم ولكن المبادرة بالأعمال الصالحة في أزمان الفتن، وصية الذي لا ينطق عن الهوى «بادروا بالأعمال فتنًا لقطع الليل المظلم» تذكروا هادم اللذات (الموت) يحفزكم على الطاعة والاستعداد للرحيل، زوروا المقابر بأجسادكم وزوروا الآخرة بقلوبكم، وتصوروا هول الموقف بعقولكم، وتفكروا فيمن رحل قديمًا أو حديثًا من أقاربكم أو أصدقائكم، ثم اعلموا أن يومًا عند ربك كألف سنة مما تعدون.
7 -
عباد الله .. والدعاء لله والتضرع بين يديه معين على العبادة، والدعاء نفسه عبادة لله، كيف لا والله يقول:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} لقد عمد الصالحون وفي مقدمتهم الأنبياء إلى الدعاء وقالوا: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ}
وقالوا: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} وأوحي إليهم مما قالوا: {وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ} وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «اللهم أعني على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك» ، «يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على طاعتك» ألا فألح على ربك يا عبد الله بحسن العبادة والمداومة عليها وقبولها .. فمهما اجتهدت بلا توفيق من الله وتسديد وقبول فجهدك ضعيف، والقبول هو الأساس وهو علامة التقوى {إنما يتقبل الله من المتقين} .
8 -
وبالجملة فصحة الإيمان والخوف من الجليل والزهد في الدنيا، والشوق للآخرة .. كل أولئك تغذو السير، وتعين على العبادة، وتقلل الطمع في الدنيا وتضعف الانشغال بها ..
أجل إن التفرغ للعبادة لا ينقص من الرزق، وأن الشره في طلب الدنيا لا يمنع الفقر - ذلك واقع مشهود، أما الحديث القدسي فقد جاء فيه:«ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلاً ولم أسد فقرك» (1).
9 -
أيها المسلم الحريص على وقته والراغب في كثرة ثواب ربه، تنبه لفضائل الأعمال وفضائل الزمان، والمكان فليكن لك منها نصيب، وتحين حضور القلب فانكسر فيه بين يدي الله، وأعط نفسك حظها من الجد في طاعة تميل إليها، وجاهدها فيما تكره حتى تستمرئها - وإياك واليأس والقنوط والإحباط فتلك قواتل تمنع السير إلى الله، واعلم أنك تقبل على رب عظيم يفرح بالتوبة ويضاعف الحسنة، وهو الرحيم اللطيف الخبير.
(1) رواه الترمذي وحسنه (إذا صح الإيمان/ السلومي/ 30).
وإذا ضعفت في زمان فعوض عنه في زمان آخر، وإذا فاتك الخير في ساعة فلا يفتك في ساعة أخرى وإذا مسك الشيطان في حين ضعف فتذكر واستعذ بالله منه ولا تستسلم لإغرائه وإغوائه ذلك ذكرى للذاكرين، ومن عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها .. إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.