الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الزواج وقفات ومحاذير
(1)
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين خلق فسوى وقدر فهدى، وخلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى، وأن عليه النشأة الأخرى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يقول في كتابه العزيز:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21]. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، جاءت شريعته حاثة على كل خير، مستجيبة لنداء الفطرة، وأقامت المجتمع على أواصر المحبة والبر، والإحسان والتقى .. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن آل بيته المؤمنين وصحابته الخيرين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا ..
أما بعد:
فأوصي نفسي وإياكم معاشر المسلمين بتقوى الله: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 133].
أيها المسلمون .. يعنى الإسلام عناية عظمى ببناء الأسرة وصونها من أي سهام توجه إليها، ذلكم أن الأسرة قاعدة المجتمع ومدرسة الأجيال، وسبيل العفة، وصون الشهوة، والطريق المشروع لإيجاد الأولاد والأحفاد، وانتشار الأنساب والأصهار، فبالزواج وحده تنشأ الأسرة الكريمة، وتنشأ معها المودة
(1) ألقيت هذه الخطبة في 4/ 5/ 1424 هـ.
والرحمة، ويتوفر السكن واللباس، إنها آية من آيات الله يذكرنا بها القرآن، ويدعونا للتفكير في آياتها وما ينشأ عنها:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].
فالأسرة لوحة مضيئة تعكس سمو تعاليم القرآن، وشاهد ملموس على علو شأن الإسلام، تعجز الأنظمة البشرية - مهما بلغت - أن تبلغ مبلغه، بل وأفلست الأديان القديمة المحرفة والحضارات المعاصرة أن تصل مستواه، والواقع يشهد بتفكك الأسر، وضياع المجتمعات في المشرق والمغرب، والتي ضلت عن توجهات القرآن.
عباد الله .. والحديث عن الزواج تدعو إليه الحاجة عمومًا، وفي هذه الأيام على الخصوص، وفيه تنبيهات تحسن الإشارة إليها، وفي الحديث عنه مشاركة لهموم قطاع كبير من الشباب والفتيات فضلًا عن الكبار والعانسات.
فيا ترى ماذا يدور في مخيلة الشباب حين يفكر بالزواج؟ لماذا يتزوج؟ وبمن يتزوج؟ هل الغرض واحد أم الأغراض؟ ما الذي يخفيه الزواج؟ وما الشبح الذي يطارده ويثنيه عنه؟
وهكذا الفتيات .. لماذا الزواج؟ وما الزوج المفضل؟ ولماذا ترفض؟ وما هي المؤثرات عليها في تأخير الزواج؟
كلها تساؤلات بدا لي أن المجتمع أخذ في تفهمها، وعانا من جريرتها، وخطا خطوات في الإجابة عنها، وما هذه الأسراب المتقاطرة والرقاع الموزعة إلا أنموذجًا يحكي تجاوب المجتمع مع تلك النداءات؛ لذا تركت الإجابة للمجتمع عمليًّا، ولأهل الوعي خاصة، عندما أدركوا مخاطر العوائق
المتلاحقة، ليكون حديثي اليوم عما يلي:
عباد الله: ألستم معي في تصفح أم العريس وأخوات العروس وجه كل صبيحة الزواج، لماذا؟ لأنهم يتخوفون الصدود المبكر، والنفرة، وعدم القبول، والأبصار تسارق الطرفين من كل جانب عسى أن تمضي الأيام الأولى بلا أحداث، ولا لوم ولا عتاب، وهنا ألفت النظر إلى الأسباب الجالبة للتعاسة؛ فإن العبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه، والله تعالى يقول:{فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} [النساء: 160].
أيها المسلمون .. أليس من الظلم والذنب والمعصية أن تحاط وتحاصر بعض القصور والزواجات بأمواج من المنكرات؛ مثل التصوير، أو جلب المغنين، وأشرطة الغناء، والرقص المحرم، وتصدح أصواتها بمكبراتها بكل عبارات الحب والغزل الماجن؟
أليست بوادر الاختلاط تطل برأسها؛ فكم من مشئوم بدأ زواجه بالدخول على معقل النساء وهو يمسك يد العروس، ألم يتأخر بعض الأزواج حتى قبيل صلاة الفجر ثم ينامون عن الصلاة، ألم تظهر صور الإسراف في الملابس، ويضم إلى ذلك خياطها بشكل عار يكشف ويشف؟
ثم بعد ذلك الظلم المتراكم نتساءل: لماذا لم يوفق بين العروسين؟
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها
…
إن السفينة لا تجري على اليبس
بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعنا بما فيه من الذكر والبيان، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم ..