الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وما وراء الحملة
؟ (1)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره
صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوم الأرض كما الكواكب نجوم في السماء، رضي الله عنهم وأرضاهم وليس فوق تزكية الله لهم تزكية وليس فوق الجنة منزلة وقد أعدت لهم:{وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100].
فما انقطع الوحي من السماء حتى تاب الله عليهم وأكرمهم وخلد ذكرهم وشاع الثناء عليهم في الخافقين وليس لأحد أن يغمزهم أو يتقصدهم لسوء والله يقول: {لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 117].
وأكد الحبيب الذي لا ينطق عن الهوى خيريتهم وفضلهم على القرون فقال: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم .. » الحديث متفق على صحته، ونهى عن سبهم وأذيتهم فقال:«لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (2).
أيها المسلمون عقيدة أهل السنة والجماعة في محبة الصحابة وتقديرهم
(1) ألقيت هذه الخطبة في 15/ 10/ 1431 هـ.
(2)
(رواه البخاري).
والدفاع عنهم رسم معالمها القرآن الكريم، وأعظم شاهد عليها محمد عليه الصلاة والسلام، ومن حاد عن كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم فسحقًا له وتبًا، ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون.
كما أن عدالة الصحابة رضوان الله عليهم -عند أهل السنة والجماعة- من مسائل العقيدة، القطعية ومما هو معلوم من الدين بالضرورة، وليس يطعن فيهم إلا من في قلبه غل، أو في معتقده خلل.
وأمهات المؤمنين هنَّ الطاهرات المطهرات، اختارهن الله ليكن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، وحكم وهو أصدق الحاكمين {الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم} [النور: 26]. وبنص القرآن واذهب الله عن أهل البيت الرجز وطهرهم تطهيرًا، وتليت في بيوت نساء النبي آيات الله والحكمة .. فهل بعد هذا الثناء والتزكية مدخل أو طريق للفتنة؟
وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في طليعة النساء وأفضل وأحب نسائه إليه عليه الصلاة والسلام.
ففي صحيح البخاري وغيره قال صلى الله عليه وسلم: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» (1).
الصديقة بنت الصديق بعث لها السلام من السماء، وبلغها رسول الله صلى الله عليه وسلم سلام شديد القوى (جبريل عليه السلام ففي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها يومًا: يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام، فقالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى، تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم» [ح 3769].
(1)[ح 3770، الفتح 7/ 106].
أجل لقد تأثر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين طلبت أمهات المؤمنين ومتحدثتهن أم سلمة أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث كان ولا يتحروا بهداياهم يوم عائشة، فأعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطلب، حتى إذا أكثرت عليه أم سلمة قال لها يا أم سلمة:«لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها» (1).
قال ابن حجر: وفي هذا الحديث منقبة عظيمة لعائشة (2).
وإذا اعتبر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الطلب البسيط أذى فكيف بمن يؤذي عائشة ومن ورائها رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هو أعظم من هذا؟ وإذا تابت أم سلمة - كما في الرواية الأخرى- أنها قالت: أتوب إلى الله تعالى (البخاري/ الهبة، الفتح 7/ 108) أفلا يتوب إلى الله كل من ذل لسانه أو خط قلمه إثمًا وبهتانًا على عائشة (3).
إن الأذية لأحد من أزواجه صلى الله عليه وسلم أو أهل بيته المؤمنين أو صحابته أجمعين أذية لرسول الله صلى الله عليه وسلم {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا} (الأحزاب: 53).
ترجم الإمام الذهبي رحمه الله لعائشة رضي الله عنها في أعلام النبلاء وأطال وأثنى، معتمدًا على أحاديث المصطفى وتزكيات العلماء، ومما ساق حديث البخاري ومسلم في سؤال عمرو بن العاص رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: أي الناس أحب إليك
(1) رواه البخاري ح 3775.
(2)
(الفتح 7/ 108).
(3)
وحيث كفت أم سلمة عن عائشة حيث قالت: (أعوذ بالله أن أسؤك في عائشة) كما في رواية النسائي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي في المستدرك 4/ 9، 10، والسير 2/ 199) أفلا يكف عن البهتان من تقصد أم المؤمنين؟
يا رسول الله؟ قال: عائشة، قال فمن الرجال؟ قال: أبوها (1).
ثم علق الذهبي: هذا خبر ثابت على رغم أنوف الروافض وما كان عليه السلام ليحب إلا طيبًا .. فأحب أفضل رجل من أمته وأفضل امرأة من أمته، فمن أبغض حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حري أن يكون بغيضًا إلى الله ورسوله (2).
وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لا عزو أن تكون محل الثناء والحب والتقدير من لدن الأكابر من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يزيد في عطاء عائشة عن أمهات المؤمنين حيث فرض لهن عشرة آلاف، وزاد عائشة ألفين وقال: إنها حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم (3).
وأبو موسى رضي الله عنه يقول: ما أشكل علينا أمر فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها علمًا (4).
وبرغم أنوف الروافض فعلي رضي الله عنه ومع ما وقع بينهما يثني على عائشة ويقول: إنها خليلة رسول الله صلى الله عليه وسلم (5).
ويستمر ثناء الصحابة- وهم خير الشهود- على عائشة حتى فارقت الدنيا، وهذا ابن عباس يستأذن عليها في مرض وفاتها، فتقول: لا حاجة لي به ولا بتزكيته فيقال لها إنه من صالح بنيك يودعك ويسلم فلما أذنت له وقعد قال: أبشري، فوالله ما بينك وبين أن تفارقي كل نصب، وتلقي محمدًا والأحبة إلا أن تفارق روحك جسدك، قالت: إيهًا يا ابن عباس! قال: كنت أحب نسائه إليه، ولم يكن يحب إلا طيبًا، سقطت قلادتك ليلة الأبواء وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1)(البخاري 7/ 18 ح 3662، ومسلم 2384).
(2)
(سير أعلام النبلاء 2/ 142).
(3)
(الطبقات لابن سعد 8/ 67).
(4)
(الإصابة 13/ 40).
(5)
(حسنه الذهبي في السير 2/ 177).
ليلقطها، فأصبح الناس ليس معهم ماء فأنزل الله {فتيمموا صعيدًا طيبًا} فكان ذلك من سببك وما أنزل الله بهذه الأمة من الرخصة، ثم أنزل الله تعالى براءتك من فوق سبع سموات فأصبح ليس مسجد من مساجد يذكر فيها الله إلا براءتك تتلى فيه آناء الليل والنهار، قالت: دعني عنك يا ابن عباس، فوالله لوددت أني كنت نسيًا منسيًا (1).
وكذلك سار قطار التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى تقدير أم المؤمنين عائشة والثناء عليها وهذا (مسروق) رحمه الله كان إذا حدث عن عائشة رضي الله عنها قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله، المبرأة من فوق سبع سموات (2).
فاقت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها غيرها في علم الدين والدنيا، وهذا عروة بن الزبير- رحمه الله كان يقول لعائشة: يا أمتاه، لا أعجب من فقهك، أقول: زوجة نبي الله وابنة أبي بكر، ولا أعجب من علمك بالشعر وأمام الناس أقول: ابنة أبي بكر وكان أعلم الناس، ولكن أعجب من علمك بالطب كيف هو ومن أين هو، وما هو؟ قال فضربت على منكبه وقالت: أي عرية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسقم عندي آخر عمره وكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه فتنعت له الأنعات، وكنت أعالجها له، فمن ثم (3).
وبلغ إعجاب الذهبي بعلم عائشة حدًا قال معه: ولا أعلم في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بل ولا في النساء مطلقًا امرأة أعلم منها (4).
أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها جمعت خلالًا أخرى واختصت بمزايا قالت عنها:
(1)(أخرجه أحمد بسند صحيح، وصححه الحاكم والذهبي، السير 2/ 180) صـ 7.
(2)
(الحلية 2/ 44، والسير 2/ 181).
(3)
(السير 2/ 182).
(4)
(السير 2/ 140).
توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، وفي يومي وليلتي، وبين سحري ونحري، ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك رطب، فنظر إليه حتى ظننت أنه يريده فأخذته فمضغته ونفضته وطيبته ثم دفعته إليه فاستن به كأحسن ما رأيته مستنًا قط، ثم ذهب ليرفعه إلي فسقطت يده فأخذت أدعو له بدعاء كان يدعو به له جبريل .. حتى رفع بصره إلى السماء وقال: الرفيق الأعلى، وفاضت نفسه، فالحمد لله الذي جمع بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا (1).
ما أحب عائشة إلا مؤمن وما أبغضها إلا منافق، {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور: 26]. اللهم أنا نشهدك على محبة عائشة ومحبة حبيبها محمد صلى الله عليه وسلم وأبيها أبي بكر .. اللهم فاحشرنا معهم، وافضح من نالهم بسوء ..
(1)(أخرجه أحمد 6/ 48، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي في المستدرك 4/ 7. والسير 2/ 189).