الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السماحة
(1)
الخطبة الأولى
الحمد لله أوحى بتقواه وحسن عبادته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جعل أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، شهد له ربه وزكاه بحسن الخلق فقال:{وإنك لعلى خلق عظيم} وأمره وأدبه فقال: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} .
إخوة الإسلام السماحة والسهولة والتيسير والجود والسخاء وكرم النفس معان كريمة متقاربة، وهي خلق من أخلاق الإسلام الفاضلة، دعى إليها وندب لفعلها، ومارسها المسلمون في حياتهم، فحققوا السعادة لأنفسهم، وأقنعوا الآخرين بالدخول في دينهم.
عباد الله ما أحوجنا للحديث عن السماحة في زمن التلكع والمراوغة والنصب والاحتيال والفجور في الخصومة وأكل أموال الناس بالباطل، وشدة اللجاج وكثرة الخصام، والمنازعة والضغينة لأتفه الأسباب.
قالوا عن السماحة إنها بذل ما لا يجب تفضلًا، وقالوا: إنها الجود عن كرم وسخاء وقالوا إنها تيسير في المعاملة، وملاينة في المحادثة، ومفاهمه جميلة، وصفح وتجاوز، وإغضاء عن الهفوات والزلات، إنها طلاقة في الوجه، واستقبال للناس بالبشر، وحسن مصاحبة للأهل والإخوان والخدم وسائر الخلق (2).
أيها المسلمون والمتأمل في القرآن الكريم يجد عددًا من آياته تدعو للسماحة
(1) ألقيت هذه الخطبة في 1/ 8/ 1427 هـ.
(2)
(نضرة النعيم 6/ 2287/ 2288 بتصرف).
والعفو والصفح فهو أقرب للتقوى {وأن تعفو أقرب للتقوى} وهو فضل ينبغي ألا ينس {ولا تنسوا الفضل بينكم} [البقرة: 237].
بل هي دعوة للتعامل مع غير المسلمين وإن أساءوا {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 109]. {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [الجاثية: 14، 15].
وفي الآية كما قال أهل التفسير أمر لعباده المؤمنين بحسن الخلق والصبر على أذية المشركين به، الذين لا يرجون أيام الله أي لا يرجون ثوابه، ولا يخافون وقائعه في العاصين، فإنه تعالى سيجزي كل قوم بما كانوا يكسبون (1).
أيها المؤمنون ديننا دين السماحة وهو أحب الأديان إلى الله، قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأديان أحب إلى الله؟ قال:«الحنيفية السمحة» (2).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله قوله: أحب الدين، أي خصال الدين؛ لأن خصال الدين كلها محبوبة، لكن ما كان منها سمحًا- أي سهلًا- فهو أحب إلى الله. اهـ.
السماحة في الدين لا تعني عدم طلب الأكمل .. ولا تعني التراخي المؤدي إلى الترخيص غير المشروع .. لكنها سماحة لا غلو، وترفق لا تشديد لاسيما في مواضع الرخص .. ولهذا علق ابن حجر على الحديث الصحيح الذي رواه
(1)(تفسير السعدي).
(2)
رواه أحمد 1/ 236 بإسناد حسن (الفتح 1/ 94) وأورده البخاري في صحيحه معلقًا، لكن وصله في الأدب المفرد بدون إسناد، باب الدين يسر (29).
البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا .. إلخ الحديث (رقم 29).
علق الحافظ بقوله: المعنى: لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية، ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب، قال ابن المنير: في هذا الحديث علم من أعلام النبوة فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة، بل (المقصود) منع الإفراط المؤدي إلى الملال، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل أو إخراج الفرض عن وقته كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فقام عن صلاة الصبح في الجماعة أو إلى أن خرج الوقت المختار، أو إلى أن طلعت الشمس فخرج الوقت.
ثم أورد الحافظ حديث محجن بن الأدرع عند أحمد، ولفظه «إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة وخير دينكم اليسرة» ثم قال ابن حجر: وقد يستفاد من هذا الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية، فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطع كمن يترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء فيفضي استعماله إلى حصول الضرر (1).
وهكذا فرق العلماء بين التشدد المحذور وبين الترخيص غير المقبول حتى توضع سماحة الإسلام في موضعها الصحيح.
إخوة الإسلام ومن هدي النبوة قبس يضيء في السماحة وأثرها حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «اسمح يسمح لك» (2).
(1)(الفتح: 1/ 94، 95).
(2)
رواه أحمد وصحح إسناده أحمد شاكر 4/ 54، وفي لفظ آخر مرسل:«اسمحوا يسمح لكم» وصححه الألباني في صحيح الجامع (1/ 330).
ترى من أفضل المؤمنين وهل له علاقة بالسماحة؟ أجل، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«أفضل المؤمنين رجل سمح البيع، سمح الشراء، سمح القضاء، سمح الاقتضاء» (1).
وعند البخاري: «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى» (2).
وفي حديث عمرو بن عنبسه رضي الله عنه قلت: ما الإيمان؟ قال: الصبر والسماحة (3).
لا إله إلا الله، كم في السماحة من خير .. وكم هي سبيل للنجاة في اليوم العصيب وإن كان صاحبها مفلسًا من عمل الخير .. قال صلى الله عليه وسلم:«حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان يخالط الناس، وكان موسرًا، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، فقال الله نحن أحق بذلك منه، تجاوزا عنه» (4).
أيها المؤمنون ومن حياة السلف دروس في السماحة والتجاوز استحقوا بها درجات الجنان، فقد ورد أن عثمان رضي الله عنه اشترى من رجل أرضًا فأبطأ عليه، فقال له ما منعك من قبض مالك؟ قال إنك غبتني فما ألقى من الناس أحدًا إلا وهو يلومني، قال: أو ذلك يمنعك؟ قال: نعم، قال: فاختر بين أرضك ومالك، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أدخل الله عز وجل الجنة رجلًا كان سهلًا مشتريًا وبائعًا وقاضيًا ومقتضيًا» (5).
(1) رواه الطبراني في الأوسط، وقال الهيثمي رجاله ثقات (مجمع الزوائد 4/ 75).
(2)
(الفتح 4/ 2076).
(3)
رواه أحمد 4/ 385. وانظر: نضرة النعيم 6/ 2296).
(4)
رواه مسلم (1561).
(5)
(رواه أحمد وصحح إسناده أحمد شاكر ورواه النسائي وحسنه الألباني (صحيح النسائي 4379).
ومن السماحة إقالة العثرة، يروى عن علي رضي الله عنه أنه قال:«أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم فما تعثر عاثر إلا ويده بيد الله يرفعه» (1) والسماحة من خلق الكرماء .. وأين هذا ممن يتتبعون العورات، أو يفرحون بالسقطات، دون مناصحة وتلطف في القول.
قيل: من عادته الكريم إذا قدر غفر، وإذا رأى زلة ستر (2).
ومن حكم الشعر قيل في السماحة:
وإني لأستحي وفي الحق مسمح
…
إذا جاء باغي العرف إن أتعذرا
وقال الشافعي رحمه الله:
وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى
…
ودافع ولكن بالتي هي أحسن.
وأبلغ من ذلك كله .. أن الله يجزي المتصدقين .. إن الله يحب المحسنين.
{خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} جعلنا الله من المحسنين والمتصدقين، ورزقنا السماحة في أقوالنا وأفعالنا، وهدانا سبل السلام. أقول ما تسمعون وأستغفر الله ..
(1)(المستطرف 1/ 272 عن نضرة النعيم 6/ 2299).
(2)
(السابق 6/ 2299).