الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فتنة السيف
(الفتنة والمخرج)
(1)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أيها المسلمون: خلق الإنسان في كبد، وما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة حتى يسير على الأرض وما عليه خطيئة- أين هو صبر واحتسب، وجاهد واجتهد-.
وعلى الدوام تحيط بالمسلم فتنة السراء ليمتحن على الشكر، وفتنة الضراء ليمحن على الصبر {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [سورة الأنبياء: 35].
والسعيد -في خبر الذي لا ينطق عن الهوى- من جنب الفتن، فقد روى أبو داود بإسناد صحيح- عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال:«أيم الله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر فواهًا» (2).
وثمة أمران يكرههما ابن آدم وفيهما خير له، قال عنهما صلى الله عليه وسلم:«اثنان يكرههما ابن آدم الموت، والموت خير للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب» (3).
(1) ألقيت هذه الخطبة في 11/ 3/ 1425 هـ.
(2)
(صحيح سنن أبي داود 3/ 108، نضرة النعيم 11/ 5205).
(3)
(رواه أحمد والبغوي في شرح السنة وذكره الألباني في الصحيحين 2/ 471، 813، السابق 5195).
إن من يتأمل في كتاب أو يقرأ في تاريخ الشعوب والأمم، يرى كيف تعرض الفتن، وكيف يفتن الناس بأنواع البلايا، ففتنة بالعذاب، وأخرى بالأموال والأولاد، وثالثة بالجوع والخوف ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، ورابعة بالامتثال، وخامسة بالشبهات أو بالشهوات، وسادسة وسابعة بالغلو أو بالجفاء، وثامنة وتاسعة بالصدود والضلالة، أو التسليط والقهر والإبادة، وهكذا تكون الفتن ويبتلى الناس، ويعرف حينها الصادق من الكاذب والذين يصبرون ومن يجزعون {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [سورة العنكبوت: 3].
وقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ} [سورة العنكبوت: 10].
بل لقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن كثرة الفتن حتى قال: «لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتنة فاعدوا للبلاء صبرًا» (1).
عباد الله: ومن البلايا والفتن التي امتحن بها المسلمون قديمًا ولا يزالون فتنة الاقتتال بين المسلمين، أو فتنة (السيف) وتلك التي حذر منها المصطفى صلى الله عليه وسلم فقال:«إذا التقى المسلمان بسفيهما فالقاتل والمقتول في النار» (2).
وعبد البخاري ومسلم والترمذي من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حمل علينا السلاح فليس منا» (3).
(1) رواه ابن ماجة بسند صحيح (انظر: نضرة النعيم 11/ 5197).
(2)
(متفق عليه/ جامع الأصول 10/ 65).
(3)
(انظر: جامع الأصول 10/ 65).
ولقد توقف العلماء عند هذه الفتن وحذروا منها غاية التحذير وأبانوا عن آثارها المرة ونتائجها السلبية على الإسلام والمسلمين، من أمثال وقعة الحرة، وفتنة ابن الأشعث التي قال عنها ابن كثير رحمه الله:«ولهذا لما كانت هذه زلة وفلتة نشأ بسببها شر كبير، هلك فيه خلق كثير، فإنا لله وإنا إليه راجعون» (1).
وتوقف الحافظ ابن حجر رحمه الله مشيرًا إلى مذهب السلف الذي استفزوا عليه بعدما حدث من الفتن والاقتتال مؤكدًا على عدم الخروج على الأئمة- وإن كانوا أئمة جور فقال: وقولهم كان يرى السيف، يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهب للسلف قديم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه، ففي وقعة الحرة ووقعة ابن الأشعث وغيرهما غطة لمن تدبر بمثل هذا الرأي .. » (2).
أما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ويكشف الحقيقة أكثر، ويفصل ويحذر من أسباب الفتن ويعزوها إلى أطراف ثلاثة:
1 -
فئة مذنبة.
2 -
وأخرى ساكتة عن أمرهم ونهيهم.
3 -
وثالثة منكرة لكن إنكارًا منهيًا عنه.
ويقول من تدبر الفتن الواقعة رأس سببها ذلك وهذا نص كلامه رحمه الله فتأملوه، بقوله: وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان، فقد يذنب الرجل أو الطائفة، ويسكت آخرون عن الأمر والنهي فيكون ذلك من ذنوبهم، وينكر عليهم آخرون إنكارًا منهيًا عنه فيكون ذلك من ذنوبهم فيحصل التفرق
(1)(البداية والنهاية 9/ 59 سنة: 84 هـ).
(2)
(تهذيب التهذيب 2/ 288).
والاختلاف والشر، وهذا من أعظم الفتن والشرور قديمًا وحديثًا إذ الإنسان ظلوم جهول، والظلم والجهل أنواع، فيكون ظلم الأول وجهله من نوع (يعني ارتكاب الذنب)، وظلم كل من الثاني والثالث وجهلهما من نوع آخر وآخر (يعني: السكوت عن الإنكار، أو الإنكار المنهي عنه) إلى أن قال الشيخ رحمه الله: ومن تدبر الفتن الواقعة رأى سببها ذلك، ورأى أن ما وقع بين أمراء الأمة وعلمائها ومن دخل في ذلك من ملوكها ومشايخها ومن تبعهم من العامة من الفتن هذا أصلها (1).
أيها المسلمون: إذًا علينا أن نحذر الفتن، وأن نحذر منها، وألا نسارع فيها، بل نفر منها وتلك أحد المخارج من الفتن، وطريق من طرق النجاة وإلى هذا أرشد المصطفى صلى الله عليه وسلم وأشهد الأمة على البلاغ فقال:«إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتنة القاعد فيها خير من الماشي فيها، والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه، قال: فقال رجل: يا رسول الله أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاء، اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ قال: فقال رجل: يا رسول الله أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين فضربني رجل بسيفه، أو يجيء سهم فيقتلني قال: يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار» (2).
ولقد فهم السلف هذه النصوص وحذروا من حمل السلاح في الفتن، وقال
(1)(الفتاوى 28/ 142، 143).
(2)
رواه مسلم وأبو داود - واللفظ لمسلم (2887) واللفظ لأبي داود برقم (4/ 4256)