الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخطبة الثانية
إخوة الإسلام وحين تضطرب الموازين ينبغي أن يعلم أن السماحة المنضبطة بضوابط الشرع قوة لا ضعف، وأن السمح عظيم وليس بالرجل البسيط .. فليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.
والأسباب الجالبة لضدها.
ومن أسباب اكتساب السماحة:
1 -
التأمل في الترغيبات التي رغب الله بها من يتحلى بالسماحة، والفوائد التي يجنبها أصحاب السماحة في الدنيا والآخرة فهم أسعد الناس في الدنيا لذكرهم الحسن وهم أصحاب حظ كبير في الآخرة.
2 -
التأمل في المضار والمحاذير التي يقع فيها يكد النفس فهو قلق ضجر متعب لنفسه وللآخرين .. هذا فضلًا عن إفلاسه يوم القيامة حين يأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا .. فأولئك خصوم ودائنون صعب الخلاص منهم.
3 -
الإيمان بالقضاء والقدر والرضاء بما قسم الله للإنسان وما قدره عليه كل ذلك يمنح لمسلم رضًا وتسليمًا وطيب نفس وسماحة، وطمأنينة.
4 -
ترويض النفس على خلق السماحة والعفو والصفح والكرم حتى تستأنس بهذه الأخلاق العالية وتألفها .. فالمجاهدة طريق لتربية النفوس على المكارم.
5 -
الاقتداء والاعتبار بأهل السماحة وفي مقدمتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما أسباب الجفاء والشدة والبخل وضيق العطن- وهي ضد السماحة-، فمنها:
1 -
تغليب طبيعة النفس الرديئة، والاستسلام لإغواء الشيطان ونزغاته، وعدم الاستعاذة من شره وكيده.
2 -
التعلق بالدنيا واعتيازها كل شيء فلها يحب ولا يبغض من أجلها ينافح .. فصاحبها لا يهمه ما حل أو حرم .. أو أبيح أو نهى عنه، بل الحلال ما وقع بيده .. إنها أنانية تجعل المرء لا يفكر إلا بنفسه ولا يستشعر مشاعر الآخرين أو يقدر أحاسيسهم، ولذا فهو تظلمه ومسيء اللهو.
3 -
ومن أسباب الشدة والجفاء ضعف الإيمان بالقضاء والقدر، والتحسر على كل فائت والحرص على كل محبوب للنفس وإن كان فيه حتفها أو كان سببًا لهلاكها.
الحرص والمسابقة والعزيمة ينبغي أن تكون لأعمال الآخرة .. والسماحة والسهولة والقناعة والزهد ينبغي أن تكون للدنيا .. هكذا علمنا ديننا وأرشدنا نبينا صلى الله عليه وسلم.
يا عبد الله روض نفسك على السماحة وطيب المعشر مع الآخرين، دون أن يكون ذلك على حساب الدين، فالسماحة والبشر، وأنصاف الناس شيء، والمداهنة في الدين شيء آخر.
يا مسلم تخلق بأخلاق الكرام، وخذ بنفسك إلى جميل المروءات، واصبر على ما أصابك فإن ذلك من عزم الأمور، ومهما كان فينا من نوازع الشر وهينات الأخلاق، فلا بد من الحديث مع النفس وترويضها على جميل الأخلاق.
أذكر نفسي وإياكم بآثار الأخلاق الفاضلة في الدنيا والآخرة.
أن صاحب الخلق محبوب مرموق عند الناس، وهو عند الله يوم القيامة بمكان يبلغ درجة الصائم القائم الذي لا يفتر.
أيها المسلمون بالأخلاق الفاضلة تدعوا الآخرين للإسلام، وبالسماحة واليسر تظهر الجانب المشرق من أخلاقنا وقيمنا ومكنوز حضارتنا.
تعود الحياة صفوًا لا كدرًا حين يفيء الناس للأخلاق الفاضلة- ومنها السماحة واليسر- تتقلص مساحة الشحناء، وتردم هوة المنازعة والبغضاء .. بالالتزام الأخلاق بأخلاقيات الإسلام يأمن الناس على حقوقهم، ويطمئنون إلى معاملة إخوانهم، فلا غش ولا ظغينة ولا احتيال ولا نصب .. ويتعلم غير المسلمين من المسلمين كيف تكون المعاملة بالحسنى وكيف يكون العدل مع البر والفاجر والصديق والعدو.
إننا بحاجة إلى خلق السماحة تطهر بها أنفسنا من الغل والبخل .. وترسم في مجتمعاتنا شعار المحبة والإخاء .. حتى إذا أصرت فئة أو طائفة على خلاف ذلك وجدت في مجتمع المؤمنين رفضًا عمليًا لأخلاق الجفاء، واستنكارًا جماعيًا لموارد الهلكة والشحناء.
اللهم كما أحسنت خلْقنا فأحسن خلُقنا، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرفنا عن سيئها لا يصرف عن سيئها إلا أنت.
اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل ..