الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أزمة دارفور .. وضرورة المقاومة الإسلامية
(1)
الخطبة الأولى
الحمد لله حكم بالعزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وكتب الصغار على من عاداه ورسوله والمؤمنين .. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له اقتضت حكمته أن الحق يكون الصراع بين الحق والباطل أزليًا ليميز الخبيث من الطيب وأن يمتحن أهل الإيمان بالفتن والمصائب ليعلم الصادقين من الكاذبين .. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
إخوة الإسلام قضية دارفور ليست قضية داخلية للسودان، وإنما هي اليوم قضية عالمية، فجأة تسارعت أخبارها ولأمر يراد صُعدت أحداثها، فلماذا؟ وما الموقف؟ إن مما يلفت نظر العامة- من الناس- فضلًا عن العالمين والساسة- أن الغرب بات يركز على قضايا المسلمين ويستهدف بلادهم، وتستهويه خيراتهم، ويتخوف لمستقبلهم .. وهو في كل مرة يتزرع بحيلة ويحتمي بغطاء موهوم، فهو حينًا يتدخل تحت مظلة محاربة الإرهاب، وأخرى بحجة نزع أسلحة الدمار الشامل وتأمين الحريات للشعوب، فإذا انكشفت سوءته في الأفغان أو تورط في مستنقع العراق، بات يبحث عن مخرج لتغطية هذه السوءات وتخفيف حدة النقد لهذه الورطات ..
فعاد يلوح بشعار النواحي الإنسانية، ويخادع بأزمة الكوارث وانتهاكات حقوق الإنسان، وكأنه المنقذ لها؟
(1) ألقيت هذه الخطبة في 27/ 6/ 1425 هـ.
والعالم كله يشهد أن الغرب وفي مقدمته أمريكا .. يقف وراء الكوارث العالمية، ويحمي أبشع جرائم العصر وانتهاكات حقوق الإنسان في فلسطين المحتلة.
أما سجون (غوانتاناموا) و (أبي غريب) و (باغرام) فهي نماذج لإفرازات حضارة الغرب، وهمجيته، وبؤر مظلمة في التاريخ المعاصر وقد شهد شاهد من أهلها في صحيفة الواشنطن بوست تقول: متعقلوا (غونتناموا) يحرمون من النوم ويستجوبون عراة؟ ونقلت الصحيفة نفسها أنه تمت موافقة البنتاجون ووزارة العدل الأمريكية على لائحة سرية تتضمن عشرين طريقة لاستجواب المعتقلين (1).
وإذا كان العالم كله يشهد هذه الانتهاكات، وهو قلق بل كاره للغرب إزاء هذه السياسات الظالمة ..
فما نسي المسلمون تتأسي الغرب لمآسيهم على أيدي الصرب النصارى في البوسنة والهرسك، وكوسوفا بل حين أحسوا بأن كفة المعركة تتجه لصالح المسلمين سارعوا بالتدخل ودعموا إخوانهم النصارى وضيقوا على المسلمين وفوتوا عليهم النصر ..
إنما مآسي لا تتعلق بجنس، ولا تقف عند حدود أهداف سياسية .. بل وراء ذلك أهداف أخرى حمية دينية، وانتصار للصليب، وتخوف من مستقبل الإسلام وفوق ما في بلاد البلقان من شواهد .. ففي تيمور، ونيجيريا ونحوها شواهد أخرى لتدخل الغرب لصالح إخوانهم النصارى بشكل ظاهر ومكشوف أو بدعم لوجستي وأجندة خفية؟
(1)(المجايد/ 5/ 6/ 125 هـ).
أيها المسلمون إن هذا التاريخ العدائي من الغرب للإسلام والمسلمين ليس وليد اليوم والأمس .. بل إنه تاريخ ممتد للصراع، وإذا تجاوزنا القرون الأولى لتاريخ المسلمين، والحروب الصليبية وويلاتها، وجدنا في تاريخ الاستعمار تجديدًا لما اندثر، ووجدنا في أهداف المستعمرين صراحة في الحديث تكشف عن تخوفهم من الإسلام والمسلمين ودونكم هذا النموذج الذي نشرته جريدة الأيام عام 1963 م، حيث ألقى أحد كبار المستشرقين محاضرة في مدريد- بعد استقلال الجزائر- وكان عنوانها: لماذا كنا نحاول البقاء في الجزائر؟
ثم أجاب على هذا السؤال بشرح مستفيض ملخصه:
إننا لم نكن نسخر النصف مليون جندي من أجل نبيذ الجزائر أو صحاريها، أو زيتونها .. إننا كنا نعتبر أنفسنا (سور)(أوربا) الذي يقف في وجه زحف إسلامي محتمل يقوم به الجزائريون وإخوانهم من المسلمين عبر المتوسط، ليستعيدوا الأندلس التي فقدوها وليدخلوا معنا في قلب فرنسا بمعركة (بواتيه) جديدة ينتصرون فيها ويكتسحون أوربا الواهنة، ويكملون ما كانوا قد عزموا عليه أثناء حلم الأمويين، بتحويل المتوسط إلى بحيرة إسلامية خالصة .. من أجل ذلك كنا نحارب في الجزائر (انظر: خلال العالم قادة الغرب يقولون: (دمروا الإسلام أيدوا أهله/ 42، 43).
عباد الله .. وإذا كان الغرب متخوفًا من المسلمين بشكل عام، فهو يبدي تخوفه من المسلمين في القارة الإفريقية (السوداء) ويقول أحد مفكريهم:«إن الإسلام يفزعنا عندما نراه ينتشر في القارة الأفريقية» (السابق/ 42).
معاشر المسلمين إننا حين ينصر هجمة الغرب اليوم على بلاد المسلمين، لا بد أن نقرأ التاريخ، ونعلم الأهداف، ونكشف الزيف الذي تنسج خيوطه في دهاليز الساسة وحين نعود إلى (دارفور) ومهما قيل عن أهداف استراتيجية
ومصالح اقتصادية للغرب في السودان، فلا بد أن نستحضر الأهداف الاستعمارية، والحرب العقدية، وصراع الحضارات الذي بات صوتًا معلنًا وقويًا في الغرب، وهو يركز بالدرجة الأولى على تدمير الحضارة الإسلامية، وإحياء ما ذيل من الحضارة الغربية.
إنها حرب لا تستهدف السودان وحده .. بل يريدونها مدخلًا للقارة الإفريقية - وليست نخوة غربية إنسانية- ولكنها ظل لتستهل دخول المنظمات والهيئات الغربية لتقوم بدورها في التنصير، أو على الأقل خلخلة عقائد المسلمين؟ وأخيرًا فهي ورقة في الانتخابات الأمريكية (1)؟ والسؤال المهم ما دور المسلمين في هذه الأزمة، وما نوع نصرة المسلمين لإخوانهم في السودان؟ وما هو واجب المسلمين في السودان للمساهمة في حل هذه الأزمة؟
إن مما يؤلم أن يسارع الغرب للتدخل في السودان، بل يهدد ويلوح بالتدخل العسكري، ويصدر من مجلس الأمن قرار فهمه السودانيون- ومن ورائهم المسلمون- أنه قرار حرب وأين ما يقابله من المسلمين في دوائرهم السياسية وهيئاتهم ومنظماتهم العالمية؟
ويؤلم كذلك أن تكون المنظمات والهيئات الغربية أول وأكثر الهيئات تواجهًا في (دارفور) ويعود السؤال مرة أخرى وأين الهيئات والمنظمات الإسلامية؟
وحين تتحرك رابطة العالم الإسلامي أو غيرها وتشكل وفدًا يزور السودان ويتواجد في دارفور .. فذلك جهد مشكور، وذلك وعي بالدور المطلوب .. لكنه ماذا عن بقية هيئات ومنظمات ولجان المسلمين؟
إن تدخل المسلمين وهيئاتهم مطلب لقطع الطريق على الآخرين وللإصلاح بين الإخوة المقتتلين، وهو استجابة ربانية حيث يقال للمسلمين {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} .
(1) ومؤلم أن تصبح قضايا المسلمين هدفًا للمزايدة في الانتخابات الغربية؟
وإذا كان الوضع الإنساني المتدهور في (دارفور) لا ينكر، فماذا صنع المسلمون بأثريائهم وعلمائهم وساستهم لإخوانهم المتضررين في السودان؟ وما دور الإعلام الإسلامي في تجلية الحقيقة، والمنافجة عن الحقوق المشروعة؟ وكشف اللعنة؟ إن ثمة تحركات تذكر فتشكر .. لكنها دون المستوى المطلوب فهل تتحرك الأطراف الجامدة .. قبل فوات الأوان، وهل ندرك أن في حماية دارفور حماية للسودان، وحماية السودان فيها حماية للمسلمين في أفريقيا .. بل وللمسلمين في كل مكان، لاسيما وأن من أهداف الغرب إيجاد قواعد له في كل مكان، وهذه القواعد ليست في صالح المسلمين بكل حال.
أما أهل السودان فيقال لهم اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وإياكم أن تتيحوا الفرصة للأجنبي ليتدخل في شئونكم، فهو صاحب سياسة (فرق تسد)، وهو لا يبكي على مآسيكم، ولكنه يتخذ من تناحركم فرصة لضربكم جميعًا وإضعافكم والسيطرة على بلادكم.
أين دور علماء السودان وأين جهود ساسته .. وأين المثقفون الواعون لما يراد لبلادهم أين زعماء القبائل هذا أوان التحرك والإصلاح حتى لا يحل ببلادكم ما حل بغيرها .. ومرة أخرى فلا تنكر الجهود المبذولة .. ولكن الأمر يتطلب أكثر وأكثر وبشكل سريع أما حكومة السودان فرغم ما تبذله من جهود لحل الأزمة، فلا بد من المزيد، ولا بد من إعادة النظر في سياسة العدل وتوزيع الثروة، والتكافئ في الفرص وعدم التهميش .. ولا بد من التنبه للمناطق الأخرى حتى لا تتكرر المأساة في الشرق أو الشمال، كما اشتعلت في الغرب وقبلها الجنوب.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10].