الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإمام العالم العباد عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما
(1)
الخطبة الأولى
الحمد لله خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا، وقضى ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رفع شأن العلم، وعظم منزلة العلماء فقال:{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (9)} وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام العلماء وقدوة العابدين وسيد المرسلين صلى الله عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين ورضي الله عن الصحابة أجمعين ..
أخوة الإسلام، ما أجمل العلم، وما أزكى العبادة، فكيف إذا اجتمعتا في شخص؟ وما أروع البر والتقدير للآباء ولاسيما إذا كان امتثالًا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وطاعة لأمره ..
كم نحتاج إلى أن تصرف همم الشباب فيما ينفعهم في دينهم ودنياهم وكم نحتاج إلى الاعتدال ولزوم السنة في كل شيء، حتى ولو كان زهدًا في متاع الدنيا، وتفرغًا للعبادة ..
هذه المعاني وغيرها نجدها ظاهرة- لمن تأمل- في حياة صحابي جليل، وعاء من أوعية العلم، ونموذج لهمة الشباب العالية، أنه الإمام الحبر العابد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن صاحبه، عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. يقال أنه أسلم قبل أبيه، ويقال أنه لا فرق في السن بينه وبين أبيه إلا بإحدى عشرة أو اثنتي عشرة سنة أو نحوهما (الذهبي/ سير أعلام النبلاء 3/ 80) كان عبد الله بن
(1) ألقيت هذه الخطبة في 17/ 7/ 1425 هـ.
عمرو نموذجًا لهمة الشباب في صرف طاقتهم للعبادة فقد حدث عن نفسه فقال: جمعت القرآن فقرأته كله في ليلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأه في شهر، قلت: يا رسول الله دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: اقرأه في عشرين، قلت: دعني أستمتع، قال: أقرأه في سبع ليال، قلت: دعني يا رسول الله أستمتع، قال: فأبى» (1).
ولم تكن همة ابن عمرو في تلاوة القرآن، بل كانت له همة في الصيام والقيام، وما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم ينازله في تخفيف ذلك كله حتى تمنى في آخر حياته أنه قبل رخصة النبي صلى الله عليه وسلم له. فقد روى مسلم في صحيحه من طريق أبي سلمة أن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: حدثنا عبد الله بن محمد الرومي. حدثنا النضر بن محمد. حدثنا عكرمة (وهو ابن عمار) حدثنا يحيى قال: انطلقت أنا وعبد الله بن يزيد حتى نأتي أبا سلمة. فأرسلنا إليه رسولًا. فخرج علينا. وإذا عند باب داره مسجد. قال: فكنا في المسجد حتى خرج إلينا. فقال: إن تشاؤا، أن تدخلوا، وإن تشاؤا، أن تقعدوا هاهنا. قال فقلنا: لا. بل نقعد هاهنا. فحدثنا. قال أبو سلمة: حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. قال: كنت أصوم الدهر وأقرأ القرآن كل ليلة. قال: فإما ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم، وإما أرسل إلي فأتيته. فقال لي:«ألم أخبر أنك تصوم الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة؟ » فقلت: بلى. يا نبي الله! ولم أرد بذلك إلا الخير. قال: «فإن بحسبك أن تصوم (1) من كل شهر ثلاثة أيام» قلت: يا نبي الله! إني أطيق أفضل من ذلك. قال: «فإن لزوجك عليك حقًا. ولزورك (2) عليك حقًا. ولجسدك عليك حقًا» قال: «كان
(1)(سير أعلام النبلاء 3/ 83).
(2)
(فإن بحسبك أن تصوم) الباء فيه زائدة. ومعناه أن صوم الثلاثة أيام من كل شهر كافيك.
(3)
(ولزورك) قال في النهاية: هو في الأصل مصدر وضع موضع الاسم. كصوم ونوم بمعنى صائم ونائم. وقد يكون الزور جمعًا لزائر، كركب في جمع راكب. أي لضيفك ولأصحابك الزائرين حق عليك. وأنت تعجز، بسبب توالي الصيام والقيام، عن القيام بحسن معاشرتهم.
يصوم يومًا ويفطر يومًا» قال: «وأقرأ القرآن في كل شهر» قال قلت: يا نبي الله! إني أطيق أفضل من ذلك. قال: «فأقرأه في كل عشرين» قال قلت: يا نبي الله! إني أطيق أفضل من ذلك.
قال: «فاقرأه في كل عشر» قال قلت: يا نبي الله! إني أطيق أفضل من ذلك. قال: «فاقرأه في كل سبع، ولا تزد على ذلك. فإن لزوجك عليك حقًا. ولزورك عليك حقًا. ولجسدك عليك حقًا» .
قال: فشددت. فشدد علي.
قال: وقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك لا تدري لعلك يطول بك عمر» .
قال: فصرت إلى الذي قال لي النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبي الله صلى الله عليه وسلم وفي هذا الحديث عدة فوائد ووقفات:
أولاها: همة هذا الشاب واستزادته من عمل الصالحات، وما زال يحاور النبي صلى الله عليه وسلم ويذكر من طاقته حتى أذنه له بما أذن فأين هذه الهمة من شبابنا .. ولكل واحد منهم أن يسأل نفسه ما هو ورده من القرآن في اليوم؟ وما هو نصيبه من الصوم؟ إننا نتألم حين نسمع عن شباب حفظة لكتاب الله .. ومع ذلك فقد يمر الشهر على أحدهم ولم يختم القرآن، ونتألم أكثر حين نسمع عن شباب أو كهول لا يختمون القرآن إلا من رمضان إلى رمضان ولكنهم ومن العدل أن نقول أن ثمة شبابًا وكهولًا يختمون القرآن في بضعة أيام.
ثانيًا: حرص هذا النبي على أمته، فهو بهم رءوف رحيم وما زال بابن عمرو ينازله ويحاوره في تخفيف الصيام والقيام وتلاوة القرآن تخفيفًا يستطيع
معه أن يداوم على العمل في كل حين فأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل .. ويستطيع معه أن يزاول أعمالًا وطاعات أخرى، فمن توفيق الله للعبد أن يكون له في كل ميدان من ميادين الخير نصيب، وله في كل قربة لله سهم، فالنفس تكل وتمل، وتضعف، والمراوحة بين أعمال الخير المختلفة ينشط النفس ويطرد عنها السآمة والملل والدين يسر، والله لا يمل حتى تملوا ..
ثالثًا: ومن سماحة الإسلام أن جعل للنفس حقًا، وللأهل حقًا، وللزور حقًا وعلى المسلم أن يوازن بين الحقوق، وعلى الشباب خاصة أن يوازنوا بين الأمور كلها، ويحافظوا على الحقوق والواجبات ما أمكنهم ذلك. رواه النسائي.
وكم هو جميل كلام الذهبي رحمه الله في تعليقه على قصة ابن عمرو، وتجزأة الواجبات، وتنويع الطاعات حيث قال: وصح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نازله إلى ثلاث ليال، ونهاه أن يقرأه في أقل من ثلاث (1) وهذا كان في الذي نزل من القرآن، ثم بعد هذا القول نزل ما بقي من القرآن. فأقل مراتب النهي أن تكره تلاوة القرآن كله في أقل من ثلاث، فما فقه ولا تدبر من تلى في أقل من ذلك. ولو تلا ورتل في أسبوع، ولازم ذلك، لكان عملًا فاضلًا، فالدين يسر، فوالله إن ترتيل سُبع القرآن في تهجد قيام الليل مع المحافظة على النوافل الراتبة، والضحى، وتحية المسجد، مع الأذكار المأثورة الثابتة، والقول عند النوم واليقظة، ودبر المكتوبة والسحر، مع النظر في العلم النافع والاشتغال به مخلصًا لله، مع الأمر بالمعروف، وإرشاد الجاهل وتفهيمه، وزجر الفاسق، ونحو ذلك، مع أداء الفرائض في جماعة بخشوع وطمأنينة وانكسار وإيمان، مع أداء الواجب،
(1) أخرجه أبو داود (1394) في الصلاة: باب تحزيب القرآن، والترمذي (2950).
واجتناب الكبائر، وكثرة الدعاء والاستغفار، والصدقة وصلة الرحم، والتواضع، والإخلاص في جميع ذلك، لشغل عظيم جسيم، ولمقام أصحاب اليمين وأولياء الله المتقين، فإن سائر ذلك مطلوب. فمتى تشاغل العابد بختمة في كل يوم، فقد خالف الحنيفية السمحة، ولم ينهض بأكثر ما ذكرناه ولا تدبر ما يتلوه.
هذا السيد العابد الصاحب كان يقول لما شاخ: ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك قال له عليه السلام في الصوم، ومازال يناقصه حتى قال:«صم يومًا وأفطر يومًا، صوم أخي داود عليه السلام» (1).
أيها المسلمون والزهد في الدنيا وإن كان مطلوبًا فله حدوده الشرعية ومهما زهد الزاهدون فلهم في رسول الله أسوة حسنة، وكان يصوم ويفطر، ويصلي وينام، ويتزوج النساء، وقد ندب الأمة إلى القصد في العبادة، وعلمهم كيف يكون الزهد، وهذا عبد الله بن عمرو يحدثنا عن موقف له في الزهد من متاع الدنيا، وكيف علمه النبي صلى الله عليه وسلم والأمة كلها معنى الزهد في الإسلام، يروي لنا الموقف ابن عمرو بنفسه ويقول: زوجني أبي امرأة من قريش، فلما دخلت علي جعلت لا أنحاش لها مما بي من القوة على العبادة، فجاء أبي إلي كنته (وهي زوجة الولد) فقال: كيف وجدت بعلك؟ قالت: خير رجل من رجل لم يفتش لنا كنفًا ولم يقرب لنا فراشًا، قال: فأقبل علي (أبي) وعضني بلسانه ثم قال: أنكحتك امرأة ذات حسب فعضلتها وفعلت، ثم انطلق فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فطلبني فأتيته، فقال لي: أتصوم النهار وتقوم الليل؟ قلت: نعم، قال: لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأمس النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني.
(1)(سير أعلام النبلاء 3/ 84).
رواه أحمد بسند رجاله ثقات، وأخرجه البخاري بأخصر من هذا (1).
(1)(سير أعلام النبلاء 3/ 90).