الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخطبة الثانية
إخوة الإيمان لا حصر لمبادرات المسلمين على امتداد تاريخهم حتى أصبحت هذه المبادرات سمة لهم ولأجيالهم وما عادت المبادرات في زمن أسلافنا مبادرات فردية بل كانت صفة لازمة للمجتمع والأمة، ولذا برز العلماء في شتى الفنون واشتهر عدد من قادة الجهاد ولمعت أسماء لا تحصى في الفتوح والثغور، وكثر العباد والزهاد، وانتشر المحتسبون والوعاظ، وكان المنفقون والمحسنون، ورحل الدعاة إلى كل صقع يحتاج إلى الدعوة والبيان، وكان عز الإسلام همًا للصغير والكبير، والذكر والأنثى والأثير والمأثور.
إلى زماننا هذا ولا يزال في الأمة خير كثير، ورغم الحصار والتضييق فلا تزال المبادرات تترى، وكلما خيل للأعداء أنهم ضيقوا الخناق على الإسلام والمسلمين وإذا يخالقهم يجعل لهم من الضيق مخرجًا ومن المحن منحًا إلا أن ثمة نفرًا من المسلمين خيل لهم أن فرص الخير قلت وأن مساحة المبادرات قلت وخوفهم الشيطان من مكر الأعداء، وأوهمهم أن الجولة لغيرهم، والله يقول:{إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} .
وآخرون من المسلمين ظنوا أنهم يكفيهم أن يعيشوا على مبادرات سلفت لغيرهم، ونسي هؤلاء أن الزمان يتجدد، وأن الجديد يعتق، وأن الدعوة تحتاج على الدوام إلى متابعة وتجديد، وأن المبادرات إلى الخيرات لم تتوقف في التاريخ ولا ينبغي أن تتوقف.
إن قيم الإسلام الأساسية، وأصوله الثابتة، لا مجالًا للمزايدة والتطوير .. ولكن الوسائل التي تبلغ بها هذه الثوابت قابلة للتجديد- حسب ما تقتضيه ظروف الزمان والمكان- وما لم يمس أصل من أصول الإسلام فالتحدي قائم
في تطوير الأداء .. وتجديد ما أعتق من الوسائل، وإذا كنا نرفض منهج الذين يزعمون الإصلاح ويرون أن كل شيء قابل للتجديد- حتى وإن خالف نصوص الوحيين- فنحن كذلك نرفض منهج الجمود على القديم حتى وإن كان تحديثًا في الوسائل وتطويرًا في الأداء، ومسايرة للواقع بما لا يعارض ثابتًا في الدين أو نصًا من نصوص الشريعة.
إن الجمود وعدم فقه الواقع معوق عن المبادرات التي تحتاجها الأمة وأن معرفة الواقع وفقهه سبيل معين على المبادرات الخيرة وأن الجهل بتاريخ الأمم وتجاربهم معوق عن التجديد والمبادرة.
ومعرفة هذه التجارب وتقويمها والإفادة من الصالح منها سبيل ومعين على المبادرات النافعة ..
إن من يستقرأ تاريخ المسلمين- في عصور العزة والتمكين- يرى أن هؤلاء تمكنوا من الإفادة من تجارب من سبقهم، لكنهم احتفظوا بأصالتهم وعزتهم، فاستفادوا من النظم، ولم يخضعوا أو بذلوا أو يضعفوا أمام أصحاب هذه النظم إلا حينما ضعفت الأمة ووقع الخلل في رجالها.
واليوم يعيش المسلمون مأزقًا صعبًا، حيث يريد لهم أعداؤهم أن يصلحوا أوضاعهم لكن على منهج لا يستقيم مع إسلامهم .. ويراد لهم أن يتحضروا ولكن الثمن فقد هويتهم، ويراد لهم أن يغيروا نمط حياتهم ولكن البديل نمط وسلوكيات أعدائهم .. أنه تحدٍ لا بد أن ندرك مخاطرة وهو يسير باتجاه العولمة الغازية .. ويهيء السبيل لاستعمار العقول والأفكار بعد استعمار البلاد ونهب الثروات ..
ليس يهم أن يفرض الإصلاح من الخارج أو من الداخل، ولكن المهم هو مدى قرب هذا الإصلاح أو بعده من شريعة الإسلام وليس يعنينا أن يتم التغيير
في حياتنا على يد (جورج) أو بإسم (عبد الله ومحمد) ولكن الذي يعنينا ألا تستهدف القيم بالتغيير .. وألا يتعرض للثوابت بالنقض والإبرام وأن يصير المنكر معروفًا، والباطل حقًا .. فذلك فهم منكوس للإصلاح ..
إن رياحًا عاتية تهب على منطقتنا .. بل وعلى عالمنا الإسلامي ولم يعد خافيًا أن ثمة مخططات تطبخ في دهاليز الغرب ويراد لها أن تطبق على دولنا ومجتمعاتنا .. بل عادت قضايانا مجالًا لمزايدة الناخبين في الغرب، ولم يخف الساسة هناك تعاطفهم مع الصهاينة اليهود لأن هذا التعاطف مؤثر على أصوات الناخبين، وسواء كان المرشح يهوديًا صرفًا أو متهودًا.
وبإزاء هذه الأوضاع المتردية والتحالفات المريبة، والمخططات الظاهرة والخفية على المسلمين أن يدركوا حجم الخطر وأن يستعدوا لهذه النوازل، وأن يتعاونوا على البر والتقوى وأن يتشاوروا في أمرهم، وألا تكون الشقة بين الحاكم والمحكوم والعالم والعاصي، وأن يحذروا من يعيشون بين أظهرهم وهواهم مع أسيادهم، وإذا كان الهجوم على المسلمين كاسحًا .. فنصيب أهل السنة منه كبيرًا .. وقد أحاطت بهم المخاطر من كل صوب، وهم مستهدفون من أكثر من عدو .. وعليهم أن يستعينوا بالله وحده فهو فارج الكربات .. وعليهم أن يراجعوا أنفسهم، فما أصابهم من مصيبة فبما كسبت أيديهم .. وعليهم أن يركنوا إلى الله فهو ركن شديد وأن يبادروا بالأعمال الصالحة، وأن يفكروا على الدوام بالمبادرات النافعة فالماء يئس إذا ركد، والقافلة تسير، وعالم اليوم يقدر الأقوياء ويسحق الضعفاء، وإذا كان الإسلام قويًا في نظمه وتشريعاته فعلى المسلمين أن يكون على مستوى إسلامهم، وألا يهنوا ويحزنوا وهم الأعلون إن كانوا مؤمنين.
نعم نحن أمة لا ترفض الاستفادة من تجارب وحضارة الأمم الأخرى،
ولكنها تأبى على الذوبان والتأثر، وكلما كانت الأمة قوية كلما كانت كذلك، وأمامنا في التاريخ تجربتان حريتان بالتأمل والدراسة، كانت الأولى في زمن النبوة والخلافة الراشدة، حيث حفر الخندق، ودونت الدواوين، وبقيت الأمة محافظة على سمتها متميزة في منهجها، مستفيدة من تجارب غيرها.
ثم كانت التجربة الثانية في زمن المأمون العباسي حيث حركة الترجمة ونقل علوم الآخرين .. وحين لم تكن الأمة على مستوى التحدي ولكن التجربة هذه المرة أصابت الأمة بلوثات فكرية وانحرافات سلوكية حيث بزغ فجر الكلام، ونجم التشيع والاعتزال، واتسع نطاق أهل الأهواء، ونشأ للناس-كما يقول الذهبي- علم جديد فرد مهلك لا يلائم علم النبوة ولا يوافق توحيد المؤمنين، وكانت الأمة في عافية منه .. وامتحن الناس على دينهم (1).
(1)(تذكرة الحفاظ 1/ 328).