الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخطبة الثانية
إخوة الإسلام ولم ينته الفكر الاعتزالي بموت أساطينه الأول، ولم تنته العقلية الاعتزالية المعظمة للعقل حتى جعلته ندًا أو معارضًا للنقل الصحيح .. وكما ظل أهل الاعتزال الأول وجاروا لأنهم تاهوا في تخبطات عقولهم، بل عبر بعض من رجع منهم أن أرواحهم في وحشة من أجسادهم وقال نادمًا متحسرًا تائبًا:
نهاية أقدام العقول عقال
…
وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا
…
وغاية أمرنا أذى ووبال
إلى أن قال:
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا
…
سوى أن جمعنا قيل وقالوا
كما يظل هؤلاء اليوم أصحاب مدرسة الاعتزال الجديدة .. حين يحملون العقل ما لا يحتمل وحين يقحمون العقل في مجالات لا مكان له فيها، ولذا تظل الحيرة والتشكك تلاحق هؤلاء، ويظل الإنكار للمعلوم من الدين بالضرورة سمة لهؤلاء، كما أن من سماتهم التنقل والتلون، فمرة تراهم في أقصى اليمين، وحينًا تراهم في أقصى الشمال، يصاحبون الأخيار فترة، ويكونون أخلاء للأشرار فترة أخرى وهكذا وآخرون منهم مغموسون في حياتهم كلها .. شغلهم الشاغل طرح الشبهات وديدنهم الطعن على أحكام الشريعة وتجريح علماء الأمة- إنهم قوم مفتونون سلم الأعداء من سهامهم، وأذوا المسلمين بطروحاتهم وتشكيكاتهم.
إن الحقيقة تقول: ليس هناك تعارض بين العقل الصحيح، والنفل الصريح، وما من دين احتفى بالعقل كما احتفى به الإسلام ولقد ألف شيخ الإسلام
ابن تيمية رحمه الله سفرًا عظيمًا رد فيها على أصحاب المدرسة العقلية المتشنجة وأسماه (درء تعارض العقل والنقل) وانتهى في كتابه إلى تعظيم النص الشرعي وعدم تعارضه مع العقل الصحيح.
ومما قاله الشيخ في كتابه بهذا الصدد «إن النصوص الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعارضها قط صريح معقول فضلًا عن أن يكون مقدمًا عليها، وإنما الذي يعارضها شبه وخيالات مبناها على معان متشابهة وألفاظ مجملة، فمتى وقع الاستفسار والبيان ظهر أن ما عارضها شبه سفسطائية لا براهين عقلية» (1/ 155، 156).
ويقول: «إن كل ما عار من الشرع من العقليات فالعقل يعلم فساده» (1).
ويقول: والمقصود هنا التنبيه على أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق الموافق لصريح المعقول (2).
وكما انحرف الخوارج والمعتزلة وأصحاب المدارس العقلية، انحرف أهل الإرجاء الذين يقولون إن مجرد الإيمان كاف، ولا تضر مع الإيمان معصية، وتنازل المرجئة المعاصرون عن كثير من أمور الدين، وسهلوا على العوام اقتحام الموبقات فهلكوا وأهلكوا.
أيها المسلمون .. لا بد للعلماء وأهل الفكر السليم من التسليط وأشعة النقد على كل فكر ملوث وكشف تناقضاته الفجة، لاتفاق مفعول شحنته السلبية .. حتى لا تعاق المسيرة، ولا تتاح فرص للمعوقين والمرجفين في الأمة، في زمن باتت الأخطار تحدق بالأمة من كل جانب وأصبحت قصعة المسلمين محط أنظار الخصوم وأعداء الأمة من كل جانب، وما بالأمة حاجة أن تلتفت للوراء أو تشغل عن خصومها ببعض أبنائها.
(1)(درء تعارض العقل 1/ 194).
(2)
(3/ 87 السابق).
إن ثمة حقيقة تقول إن الإسلام بمدن بات يحيف الأعداء، والمسلمون لصحوتهم أصبحوا شغلًا شاغلًا لهم وما عاد جافيًا على دوائرهم الرسمية تغلغل الإسلام في كل مكان وانتشار المسلمين في كل موقع .. حتى زوايا الغرب ومواقعه تلك حقيقة ملقلقة حتى أطلق قادتهم السياسيون والعسكريون هل قتل (المسلمين) واعتقالهم، أسرع من تكاثرهم وتأثيرهم؟ وأجاب قادة مفكريهم وصحفيهم (جون ليهمان) عن السؤال بـ لا.
واقرؤوا إن شئتم مقالًا رائعًا في مجلة البيان بعنوان: منطقة الخليج بن خطرين تدركوا شيئًا من المخاطر والمخططات التي تحاك لنا ولبلادنا حمانا الله والمسلمين الشرور والفتن، وكان الأعداء في نحورهم اللهم انصر الحق وأهله، وأبطل الباطل وامكر بأهله يا سميع الدعاء ولا بد مع هذا كله أن يقال إن في الأمة خيرًا كثيرًا، وهناك إقبال من العامة على الإسلام، وهناك خاصة من علماء وطلبة علماء منحهم الله علمًا ورسوخًا وثباتًا على الحق، زادهم الله من فضله، ورد من انحرف إلى صراط مستقيم.