الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَلَمَّا كَانَ الْأَصْلُ لَا يَتَحَقَّقُ أَدَاؤُهُ إلَّا بِتَعَيُّنِهِ وَلَا تَعْيِينَ إلَّا بِالتَّقْوِيمِ صَارَ التَّقْوِيمُ أَصْلًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَصَارَتْ الْقِيمَةُ مُزَاحِمَةً لِلْمُسَمَّى بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمُعَيَّنِ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِدُونِ التَّقْوِيمِ فَصَارَتْ قِيمَتُهُ قَضَاءً مَحْضًا فَلَمْ يُعْتَبَرْ عِنْدَ الْقُدْرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْ قَضِيَّةِ الشَّرْعِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ حُكْمَ الْأَمْرِ مَوْصُوفٌ بِالْحُسْنِ
ــ
[كشف الأسرار]
الثَّوْبَ أَوْ الدَّابَّةَ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِيهَا جَهَالَةُ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ وَمَعْنَى كُلِّ جِنْسٍ يُعْدَمُ فِي الْجِنْسِ الْآخَرِ فَلَا يَتَحَمَّلُ فَأَمَّا الْعَبْدُ هَهُنَا فَمَعْلُومُ الْجِنْسِ وَلَكِنَّهُ مَجْهُولُ الْوَصْفِ وَهِيَ جَهَالَةٌ يَسِيرَةٌ فَتَتَحَمَّلُ فِيمَا بُنِيَ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَهُوَ النِّكَاحُ دُونَ مَا بُنِيَ عَلَى الْمُضَايَقَةِ وَهُوَ الْبَيْعُ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْوَسَطُ فَإِذَا أَتَى بِهِ أُجْبِرَتْ عَلَى الْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى عَيْنَ الْوَاجِبِ، وَلَوْ أَتَى بِالْقِيمَةِ أُجْبِرَتْ عَلَى الْقَبُولِ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ تَسْلِيمُ قِيمَةِ الشَّيْءِ قَضَاءً لَهُ لَا مَحَالَةَ إذْ هُوَ تَسْلِيمُ مِثْلِ الْوَاجِبِ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ الْقِيمَةُ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِ الْأَصْلِ وَلَكِنَّ هَذَا الْأَصْلَ وَهُوَ الْمُسَمَّى لَمَّا كَانَ مَجْهُولًا بِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ وَمَعْلُومًا بِاعْتِبَارِ الْجِنْسِ صَحَّ تَسْلِيمُهُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مَعْلُومًا كَمَا لَوْ كَانَ عَبْدًا لَهُ بِعَيْنِهِ، وَاحْتَمَلَ الْعَجْزَ بِاعْتِبَارِ جَهَالَةِ الْوَصْفِ إذْ لَا يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُ الْمَجْهُولِ فَيَجِبُ الْقِيمَةُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ كَمَا إذَا سَمَّى عَبْدَ نَفْسِهِ فَأَبَقَ ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ وَهُوَ الْعَبْدُ الْمُسَمَّى لَا يَتَحَقَّقُ أَدَاؤُهُ لِجَهَالَةِ وَصْفِهِ، إلَّا بِتَعْيِينِهِ أَيْ بِتَعَيُّنِ الْأَصْلِ وَهُوَ الْمُسَمَّى وَهُوَ إضَافَةُ الْمَصْدَرِ إلَى الْمَفْعُولِ.
وَلَا تَعْيِينَ إلَّا بِالتَّقْوِيمِ، صَارَ التَّقْوِيمُ أَيْ الْقِيمَةُ أَصْلًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ إذْ هِيَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ قَبْلَ الْعَبْدِ الَّذِي يَقْضِي بِهِ فَكَانَ تَسْلِيمُهَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَدَاءً لَا قَضَاءً؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ خَلَفٌ عَنْ الْأَدَاءِ فَيَثْبُتُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْأَصْلِ لَا قَبْلَهُ، فَصَارَتْ الْقِيمَةُ مُزَاحِمَةً لِلْمُسَمَّى أَيْ مُسَاوِيَةً لَهُ فِي الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أَصْلًا فِي الْإِيفَاءِ اعْتِبَارًا وَالْعَبْدُ أَصْلُ تَسْمِيَةٍ فَكَأَنَّهُ وَجَبَ بِالْعَقْدِ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ فَلِهَذَا يُخَيَّرُ الزَّوْجُ، وَإِنَّمَا يُخَيَّرُ هُوَ دُونَ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْقِيمَةِ إنَّمَا وَجَبَ لِإِمْكَانِ التَّسْلِيمِ وَهُوَ عَلَيْهِ دُونَ الْمَرْأَةِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمُعَيَّنِ وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ الْمَوْصُوفِ؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى مَعْلُومٌ جِنْسًا وَوَصْفًا فَكَانَتْ قِيمَتُهُ قَضَاءً خَالِصًا فَلَا يُعْتَبَرُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ.
(فَإِنْ قِيلَ) فَعَلَى مَا ذَكَرْتُمْ يَصِيرُ كَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ أَوْ قِيمَتِهِ وَذَلِكَ يُوجِبُ فَسَادَ التَّسْمِيَةِ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ إذَا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ عَيَّنَ الْعَبْدَ فَقَالَ تَزَوَّجْتُك عَلَى هَذَا الْعَبْدِ أَوْ قِيمَتِهِ لَمْ تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ فَعِنْدَ جَهَالَةِ الْعَبْدِ أَوْلَى.
(قُلْنَا) إنَّمَا يُفْسِدُ التَّسْمِيَةَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ عَلَيَّ عَبْدٌ وَقِيمَتُهُ صَارَتْ الْقِيمَةُ وَاجِبَةً بِالتَّسْمِيَةِ ابْتِدَاءً وَهِيَ مَجْهُولَةٌ؛ لِأَنَّهَا دَرَاهِمُ مُخْتَلِفَةُ الْعَدَدِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اخْتِلَافٍ يَقَعُ بَيْنِ الْمُقَوِّمِينَ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ عَلَيَّ عَبْدٌ أَوْ دَرَاهِمُ فَيَفْسُدُ لِلْجَهَالَةِ، فَأَمَّا إذَا قَالَ عَلَيَّ عَبْدٌ فَقَدْ صَحَّتْ التَّسْمِيَةُ؛ لِأَنَّ جَهَالَتَهُ لَا تَمْنَعُ الصِّحَّةَ وَلَمْ تَجِبْ الْقِيمَةُ بِهَذَا الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ مَا سَمَّاهَا فِيهِ لَكِنَّهَا اُعْتُبِرَتْ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ تَسْلِيمِ الْمُسَمَّى لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ إلَّا بِمَعْرِفَتِهَا، وَلَمَّا كَانَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى تَسْمِيَةِ مُسَمًّى مَعْلُومٍ جَازَ أَنْ يَثْبُتَ كَمَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ بِعَيْنِهِ فَاسْتُحِقَّ أَوْ هَلَكَ فَإِنَّ الْقِيمَةَ تَجِبُ وَيَنْتَصِفُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِنَاءً عَلَى مُسَمًّى مَعْلُومٍ لَا ابْتِدَاءً كَذَا فِي الْأَسْرَارِ
[حُكْمَ الْأَمْرِ يُوصَفُ بِالْحُسْنِ]
قَوْلُهُ (وَمِنْ قَضِيَّةِ الشَّرْعِ) أَيْ وَمِنْ حُكْمِ الشَّرِيعَةِ، فِي هَذَا الْبَابِ أَيْ بَابِ الْأَمْرِ، أَنَّ حُكْمَ الْأَمْرِ أَيْ الْمَأْمُورِ بِهِ يُوصَفُ بِالْحُسْنِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ ثُبُوتَ الْحُسْنِ لِلْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ قَضَايَا الشَّرْع لَا مِنْ قَضَايَا اللُّغَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تَتَحَقَّقُ فِي الْقَبِيحِ كَالْكُفْرِ وَالسَّفَهِ وَالْعَبَثِ كَمَا يَتَحَقَّقُ فِي الْحُسْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّ السُّلْطَانَ الْجَائِرَ إذَا أَمَرَ إنْسَانًا بِالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ
عُرِفَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ لَا بِالْعَقْلِ نَفْسِهِ إذْ الْعَقْلُ غَيْرُ مُوجِبٍ بِحَالٍ وَهَذَا الْبَابُ لِتَقْسِيمِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ
ــ
[كشف الأسرار]
وَالْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ كَانَ أَمْرًا حَقِيقَةً حَتَّى إذَا خَالَفَهُ الْمَأْمُورُ وَلَمْ يَأْتِ بِمَا أَمَرَ بِهِ يُقَالُ خَالَفَ أَمْرَ السُّلْطَانِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ أَنَّ الْحُسْنَ مِنْ مُوجِبَاتِ الْأَمْرِ أَمْ مِنْ مَدْلُولَاتِهِ فَعِنْدَنَا هُوَ مِنْ مَدْلُولَاتِ الْأَمْرِ وَعِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ هُوَ مِنْ مُوجِبَاتِهِ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ فِي الْأَفْعَالِ الْخَارِجَةِ عَنْ الِاضْطِرَارِ هَلْ يُعْرَفُ بِالْعَقْلِ أَمْ لَا فَعِنْدَهُمْ لَا حَظَّ لَهُ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَيَكُونُ الْحُسْنُ ثَابِتًا بِنَفْسِ الْأَمْرِ لَا أَنَّ الْأَمْرَ دَلِيلٌ وَمَعْرُوفٌ عَلَى حُسْنِ سَبَقَ ثُبُوتُهُ بِالْعَقْلِ، وَعِنْدَنَا لَمَّا كَانَ لِلْعَقْلِ حَظٌّ فِي مَعْرِفَةِ حُسْنِ بَعْضِ الْمَشْرُوعَاتِ كَالْإِيمَانِ وَأَصْلِ الْعِبَادَاتِ وَالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ كَانَ الْأَمْرُ دَلِيلًا وَمَعْرُوفًا لِمَا ثَبَتَ حُسْنُهُ فِي الْعَقْلِ وَمُوجِبًا لِمَا لَمْ يُعْرَفْ بِهِ كَذَا فِي الْمِيزَانِ، وَذُكِرَ فِي الْقَوَاطِعِ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّ الْعَقْلَ بِذَاتِهِ لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى تَحْسِينِ شَيْءٍ وَلَا تَقْبِيحِهِ وَلَا يُعْرَفُ حُسْنُ الشَّيْءِ وَقُبْحُهُ حَتَّى يَرِدَ السَّمْعُ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا الْعَقْلُ آلَةٌ تُدْرَكُ بِهِ الْأَشْيَاءُ فَيُدْرَكُ بِهِ مَا حَسُنَ وَمَا قَبُحَ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالسَّمْعِ.
، وَذَهَبَ إلَى هَذَا كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمهم الله، قَالَ وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ ضَرْبَانِ، ضَرْبٌ عُلِمَ بِالْعَقْلِ كَحُسْنِ الْعَدْلِ وَالصِّدْقِ النَّافِعِ وَشُكْرِ النِّعْمَةِ وَقُبْحِ الظُّلْمِ وَالْكَذِبِ الضَّارِّ وَكُفْرَانِ النِّعْمَةِ، وَضَرْبٌ عُرِفَ بِالسَّمْعِ كَحُسْنِ مَقَادِيرِ الْعِبَادَاتِ وَهَيْئَاتِهَا وَقُبْحِ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ، قَالُوا وَسَبِيلُ السَّمْعِ إذَا وَرَدَ بِمُوجِبِ الْعَقْلِ أَنْ يَكُونَ وُرُودُهُ مُؤَكِّدًا لِمَا فِي الْعَقْلِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو بَكْرٍ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ وَالْحَلِيمِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ خُصُوصًا الْعِرَاقِيُّونَ مِنْهُمْ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ بِأَسْرِهِمْ.
، وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَنَقُولُ الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ عُرِفَ ذَلِكَ أَيْ كَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِالْحُسْنِ، بِكَوْنِهِ مَأْمُورًا لَا بِالْعَقْلِ نَفْسِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ مِنْ مُوجِبَاتِ الْأَمْرِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَعَامَّةُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ رحمه الله وَلَا نَقُولُ أَنَّهُ أَيْ حُسْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ ثَابِتٌ عَقْلًا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ مَشَايِخِنَا؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُوجِبٍ عِنْدَنَا، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ نَفْسَهُ إلَى أَنَّ الْعَقْلَ لَيْسَ بِمُهْدَرٍ أَصْلًا بَلْ هُوَ آلَةٌ يُعْرَفُ بِهِ الْحُسْنُ بَعْدَ مَا ثَبَتَ بِالْأَمْرِ كَالسِّرَاجِ لِلْأَبْصَارِ وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُوجِبٍ بِحَالٍ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا زَعَمَ الْخَصْمُ أَنَّهُ مُدْرَكٌ بِالْعَقْلِ قَبْلَ الشَّرْعِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَمَسْأَلَةُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ مَسْأَلَةٌ كَلَامِيَّةٌ عَظِيمَةٌ فَالْأَوْلَى أَنْ يُطْلَبَ تَحْقِيقُهَا مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ وَأَنْ يَقْتَصِرَ هَهُنَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَإِنَّمَا كَانَ الْحُسْنُ مِنْ مُوجِبَاتِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى طَلَبُ تَحْصِيلِ الْمَأْمُورِ بِأَبْلَغ الْجِهَاتِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا الطَّلَبُ إذَا كَانَ الْفِعْلُ حَسَنًا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى حَكِيمٌ لَا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ طَلَبُ مَا هُوَ قَبِيحٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، {قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} [الأعراف: 28] .
فَدَلَّ الْأَمْرُ عَلَى كَوْنِهِ حَسَنًا وَالْعَقْلُ إلَيْهِ هَادٍ لَا أَنَّهُ مُوجِبٌ بِنَفْسِهِ؛ إذْ لَوْ كَانَ حُسْنُ الْمَأْمُورِ بِهِ بِالْعَقْلِ لَمَا جَازَ وُرُودُ النَّسْخِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحُسْنَ الْعَقْلِيَّ حَقِيقِيٌّ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّبْدِيلُ فَثَبَتَ أَنَّ حُسْنَ الْمَشْرُوعَاتِ بِالْأَمْرِ، وَالْعَقْلُ يُدْرِكُ الْحُسْنَ فِي بَعْضِهَا فِي ذَاتِهِ وَفِي بَعْضِهَا فِي غَيْرِهِ كَذَا رَأَيْت بِخَطِّ شَيْخِي قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ (فَإِنْ قِيلَ) الْفِعْلُ عَرَضٌ وَأَنَّهُ صِفَةٌ وَالصِّفَةُ لَا تَقُومُ بِهَا الصِّفَةُ فَكَيْفَ يَصِحُّ وَصْفُهُ بِالْحُسْنِ