الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثالث
عَنِ البَرَاءَ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما، قَالَ: مَا رأيت مِنْ ذِي لِمَّةٍ، فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، لَهُ شَعْرٌ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ، بَعِيدُ ما بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ، لَيْسَ بِالقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ (1).
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البُخاري (3358)، كتاب: المناقب، باب: صفة النَّبي صلى الله عليه وسلم، و (5510)، كتاب: اللباس، باب: الثوب الأحمر، و (5561)، باب: الجعد، ومسلم (2337/ 91 - 93)، كتاب: الفضائل، باب: في صفة النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأبو داود (4072)، كتاب: اللباس، باب: في الرخصة في ذلك، و (4183 - 4184)، كتاب: الترجل، باب: ما جاء في الشعر، والنَّسائيُّ (5060، 5062)، كتاب: الزينة، باب: اتخاذ الشعر، و (5232 - 5233)، باب: اتخاذ الجمة، و (5314)، باب: لبس الحلل، والترمذي (1724)، كتاب: اللباس، باب: ما جاء في الرخصة في الثوب الأحمر للرجال، و (3635)، كتاب: المناقب، باب: ما جاء في صفة النَّبي صلى الله عليه وسلم، وابن ماجه (3599)، كتاب: اللباس، باب: لبس الأحمر للرجال.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"معالم السنن" للخطابي (4/ 193)، و"عارضة الأحوذي" لابن العربي (7/ 227)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (7/ 304)، و"شرح مسلم" للنووي (15/ 91)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 216)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1656)، و"فتح الباري" لابن حجر (10/ 305)، و"عمدة القاري" للعيني (16/ 107)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (2/ 90).
(عن) أبي عمارة (البَراءِ) -بفتح الموحدة وتخفيف الراء والمد على المشهور- (بنِ عازبٍ) -بالعين المهملة، والزاي المكسورة- الأنصاريّ، الأوسيِّ (رضي الله عنهما، قال: ما رأيت من ذي)؛ أي: صاحب (لِمَّة) وهو -باللام المكسورة والميم المشددة- من شعر الرأس دون الجمة، سميت بذلك؛ لأنها ألمَّتْ بالمنكِبين، فإذا زادت، فهي الجُمَّةُ، ومنه حديث أبي رمثة: فإذا رجلٌ له لِمَّة (1)؛ يعني: النبيَّ صلى الله عليه وسلم (2).
وفي "القاموس": اللِّمة -بالكسر-: ما تشعَّب من رأس المولود بالقهر، والشعرُ المجاوز شحمةَ الأذن، والجمعُ لِمَم، ولِمام (3)، (في حلة)، وهي ثوبان أحدُهما فوق الآخر، وقيل: إزار ورداء، وهو الأشهر (4).
وفي "المطالع": الحُلَّة: ثوبان غير لِفْقَين، رداء وإزار، سميا بذلك؛ لأنَّ كل واحد منهما يحل على الآخر.
قال الخليل: ولا يقال حلة لثوب واحد (5).
وقال أبو عبيد: الحُلَل: برود اليمن (6).
وقال بعضهم: لا يقال له حلة حتَّى تكون جديدة، لحلها عن طَيِّها (7)(حمراء).
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(4/ 163)، والطبراني في "المعجم الكبير"(22/ 280).
(2)
انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (4/ 273).
(3)
انظر: "القاموس المحيط" للفيروزأبادي (ص: 1496)، (مادة: لمم).
(4)
انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (1/ 432).
(5)
انظر: "العين" للخليل (3/ 28).
(6)
انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (1/ 228).
(7)
وانظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (1/ 196).
وفي لفظ من ألفاظ حديث البراء: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مربوعًا، ورأيته في حُلَّة حمراءَ ما رأيت (أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم)(1).
ولأبي داود من حديث هلال بن عامر عن أبيه: رأيت النبيَّ صلى الله عليه وسلم يخطب بمنًى على بعير، وعليه بُرْدٌ أحمرُ (2)، وإسناده حسن.
وللطبراني بسند حسن عن طارق المحاربي، نحوُه (3)، لكن قال: بسوق ذي المجاز (4).
والذي تلخص من أقوال السلف في لبس الثوب الأحمر سبعة أقوال كما في "الفتح".
الأول: الجواز مطلقًا.
جاء عن عليّ، وطلحة، وعبد الله بن جعفر، والبراء، وغيرِ واحد من الصحابة، وعن سعيد بن المسيب، والنخعي، والشعبي، وأبي قِلابة، وأبي وائل، وطائفة من التابعين.
الثاني: المنع مطلقًا.
وفي حديث ابن عمر عند ابن ماجه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المفدم، وهو -بالفاء وتشديد الدال المهملة-: المشبع بالعصفر كما فسره في الحديث (5).
وعن عمر رضي الله عنه: أنه كان إذا رأى على الرجل ثوبًا معصفرًا،
(1) تقدم تخريجه عند البُخاريّ برقم (3358).
(2)
رواه أبو داود (4073)، كتاب: اللباس، باب: في الرخصة في ذلك.
(3)
رواه الطّبراني في "المعجم الكبير"(8175).
(4)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (10/ 305).
(5)
رواه ابن ماجه (3601)، كتاب: اللباس، باب: كراهية المعصفر للرجال.
ضربه، وقال: دعوا هذا للنساء. أخرجه الطبري.
وأخرج ابن أبي شيبة من مرسل الحسن: "الحمرةُ من زينة الشيطان، والشيطان يحب الحمرة"(1)، ووصله أبو علي بنُ السكن، وأبو أحمد بنُ عدي، ومن طريقه البيهقي في "الشعب" من رواية أبي بكر الهذلي، وهو ضعيف، عن الحسن، عن رافع بن يزيد الثقفي، رفعه:"إن الشيطان يحب الحمرةَ، فإياكم والحمرةَ، وكلَّ ثوب ذي شهرة"، وأخرجه ابن منده (2).
وأخرج أبو داود، والترمذي، وحسنه عن عبد الله بن عمرو، قال: مَرَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ وعليه ثوبان أحمران، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم (3).
وعن رافع بن خديج، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فرأى على رواحلنا أكسيةً فيها خيوط عِهْنٍ حمر، فقال:"ألا أرى هذه الحمرةَ قد غلبتكم"، قال: فقمنا سراعًا، فنزعناها حتى نفر بعضُ إبلنا. أخرجه أبو داود (4)، وفي سنده راوٍ لم يُسم.
وعن امرأة من بني أسد، قالت: كنت عند زينبَ أمِّ المؤمنين رضي الله عنها، ونحن نصنع ثيابًا لها بمغرة، إذ طلع النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فلما رأى المغرة،
(1) لم أقف عليه في "المصنف" لابن أبي شيبة. وقد رواه عبد الرزاق في "مصنفه"(19975).
(2)
رواه ابن عدي في "الكامل في الضعفاء"(3/ 325)، ومن طريقه: البيهقي في "شعب الإيمان"(6327).
(3)
رواه أبو داود (4069)، كتاب: اللباس، باب: في الحمرة، والترمذي (2807)، كتاب: الأدب، باب: ما جاء في كراهية لبس المعصفر للرجل والقسي.
(4)
رواه أبو داود (4070)، كتاب: اللباس، باب: في الحمرة.
رجعَ، فلما رأت ذلك زينب، غسلت ثيابها، ووارت كلَّ حمرة، فجاء فدخل. أخرجه أبو داود (1)، وفي سنده ضعف.
الثالث: يكره الثوب المشبع بالحمرة، دون ما كان صبغه خفيفًا، جاء ذلك عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، وكأنّ الحجة فيه حديثُ ابن عمر في المُفَدَّم.
الرابع: يكره لبسُ الأحمر مطلقًا لقصد الزينة والشهرة، ويجوز في البيوت والمهنة. جاء ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه.
الخامس: يجوز لبسُ ما كان صُبغ غزلُه ثم نسج، ويُمنع ما صُبغ بعد النسج. جنح إلى ذلك الخطابي، واحتج بأن الحلَّة الواردةَ في الأخبار في لبسه صلى الله عليه وسلم إحدى حلل اليمن، وكذلك البرد الأحمر، وبرود اليمن يصبغ غزلها، ثم ينسج.
السادس: اختصاصُ النهي بما يُصبغ بالعصفر؛ لورود النهي عنه، لا ما صبغ بغيره من الأصباغ؛ ويعكِّر عليه حديثُ المغيرة.
السابع: تخصيصُ المنع بالثوب الذي يُصبغ كلُّه، وأما ما فيه لون آخرُ غيرُ الأحمر من بياض وسواد وغيرها، فلا، وعلى ذلك تحمل الأحاديث الواردة في الحلة الحمراء؛ فإن الحلل اليمانية غالبًا تكون ذا [ت] خطوط حمر وغيرها.
قال الإمام ابن القيم: كان بعض العلماء يلبس ثوبًا مصبغًا بالحمرة، ويزعم أنه يتبع السنة، وهو غلط؛ فإن الحلَّة الحمراء من برود اليمن، والبردُ لا يُصبغ أحمرَ صرفًا (2).
(1) رواه أبو داود (4071)، كتاب: اللباس، باب: في الحمرة.
(2)
انظر: "زاد المعاد" لابن القيم (1/ 137).
وقال في محل آخر: غلط من ظن أن الحلة كانت حمراء بحتًا لا يخالطها غيرُها، وإنما الحلة الحمراء بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود كسائر البرود اليمنية، وهي معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من المخطوط، وإلا فالأحمر البحتُ نُهي عنه أشدَّ النهي (1).
وقال الطبري بعد ذكره لغالب الأقوال التي حكيناها: الذي أراه: جواز لبس الثياب المصبغة بكل لون، إلا أني لا أحب لبسَ ما كان مشبعًا بالحمرة، ولا لبسَ الأحمر مطلقا ظاهرًا فوق الثياب؛ لكونه ليس من لباس أهل المروءة في زماننا، فإن مراعاة زي الزمان من المروءة، ما لم يكن إثمًا، وفي مخالفة الزي ضربٌ من الشهرة، وهذا يمكن أن يخلص منه قولٌ، فيضمَّ للسبعةِ أقوالٍ المتقدمةِ، فيكون ثامنًا (2).
(1) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(2)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (10/ 305 - 306).