الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث السابع
عَنْ أَبي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلَى حُنَيْنٍ، وَذَكَر قِصَّةً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بينةٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ"، قالَها ثَلاثًا (1).
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (2973)، كتاب: الخمس، باب: من لم يخمس الأسلاب، و (4066 - 4067)، كتاب: المغازي، باب: قول الله تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} [التوبة: 25]، و (6749)، كتاب: الأحكام، باب: الشهادة تكون عند الحاكم في ولايته القضاء أو قبل ذلك للخصم، ومسلم (1751)، كتاب: الجهاد والسير، باب: استحقاق القاتل سلب القتيل، وأبو داود (2717)، كتاب: الجهاد، باب: في السلب يعطى القاتل، والترمذي (1562)، كتاب: السير، باب: ما جاء فيمن قتل قتيلًا فله سلبه، وابن ماجه (2837)، كتاب: الجهاد، باب: المبارزة والسلب.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"معالم السنن" للخطابي (2/ 301)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (5/ 59)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (6/ 60)، و"المفهم" للقرطبي (3/ 540)، و"شرح مسلم" للنووي (12/ 57)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 232)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1686)، و"فتح الباري" لابن حجر (6/ 247)، و"عمدة القاري" للعيني (15/ 68)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (8/ 90).
(عن أبي قتادةَ) الحارثِ بنِ رِبْعِيٍّ (الأنصاريِّ) السَّلَمِيِّ -بفتح السين المهملة-، وتقدمت ترجمته في باب: الاستطابة (رضي الله عنه، قال) أبو قتادة: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى) غزوة (حُنينٍ) -بحاء مهملة مضمومة ونونين بينهما مثناة تحتية مصغرًا-: هو وادٍ إلى جنب ذي المجاز قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعةَ عشرَ ميلًا.
قال أبو عُبيد البكري: سُمي باسمِ حنينِ بن قانية -ويقال: ابن قينانَ- بنِ آنوش بنِ شيثِ بنِ آدمَ عليه السلام.
والأغلبُ عليه التذكير؛ لأنه اسمُ ماء (1)، وربما أَنثته العربُ؛ لأنه اسمُ البقعة، فسميت الغزوةُ باسم مكانها.
وكان خروجُ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين من مكة المشرفة بعدَ الفتح الأعظم في السنة الثامنة لستٍّ خلت من شوال، وقيل: لليلتين بقيتا من رمضان، باثني عشرَ ألفًا من الصحابة رضي الله عنهم، وكان وصوله إليها في عاشر شوال (2).
(وذكر) أبو قتادة رضي الله عنه (قصةً)، وهي: أنه قال: لما التقينا، كافت للمسلمين جولةٌ، فرأيت رجلًا من المشركين قد علا رجلًا من المسلمين (3).
وفي لفظ: نظرت إلى رجل من المسلمين يُقاتل رجلًا من المشركين وآخَرَ من المشركين يختله (4)، فضربته من ورائه على حَبْل عاتقه بالسيف،
(1) انظر: "معجم ما استعجم" لأبي عبيد البكري (1/ 471).
(2)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (8/ 27).
(3)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (2973، 4066)، وعند مسلم برقم (1751).
(4)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (4067).
فقطعت الدرعَ، وأقبل عليَّ، فضمني ضمةً وجدتُ منها ريحَ الموت، ثم أدركه الموتُ، فأرسلني، فلحقتُ عمرَ بنَ الخطاب؛ أي: في الناس الذين انهزموا، فقلت: ما بال الناس؟
فقال: أمرُ الله، فرجعوا، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، (فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: من قتل قتيلًا) كافرًا، وفي لفظ:"من قتل كافرًا"(1) بشرط أن يكون (له)؛ أي: القاتل (عليه)؛ أي: على قتيله (بينة)، وهي رجلان، نص عليه الإمام أحمد (2).
ومعتمد المذهب: قبولُ رجل وامرأتين، ورجلٍ ويمينٍ كسائر الأموال (3).
(فله)؛ أي: للقاتل (سَلَبُه).
(قالها) صلى الله عليه وسلم؛ أي: قال هذه المقالة أو الكلمةَ مكررًا لها (ثلاثًا) من المرات؛ ليفهم أصحابه الحكم، ولأنه كان ذلك عادته.
والسَّلَبُ -بالتحريك-: ثيابه التي عليه، وكذا ما كان عليه من حُلِيٍّ وعِمامة وقَلَنْسُوَة، ومِنْطَقَة، ولو مذهبةً، ودرعٍ، ومغفرٍ، وبيضةٍ، وتاجٍ، وأَسورةٍ، ورانٍ، وخُفٍّ، بما في ذلك من حلية وسلاح؛ من سيفٍ ورمح ولتٍّ وقوسٍ ونُشَّابٍ ونحوِه، قلَّ أو كثر، وكذا دابته التي قاتل عليها بآلتها من السلب إذا قُتل وهو عليها.
(1) رواه أبو داود (2718)، كتاب: الجهاد، باب: في السلب يعطى القاتل، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(2)
انظر: "الإقناع" للحجاوي (2/ 89).
(3)
انظر: "كشاف القناع" للبهوتي (3/ 72).
بخلاف نفقتِه ورحلِه وخيمتِه وجَنيبه؛ فإن ذلك غنيمة (1).
ومثلُ القتل: ما لو أثخنَه، فصار في حكم المقتول؛ فإن له سلبه، وهو من أصل الغنيمة غير مخموس، ولو كان المسلم القاتل عبدًا بإذن سيده، أو امرأة، وكذا لو كان القاتل كافرًا بإذن، أو صبيًا، لا مُخَذِّلًا (2).
والحاصل: أنه إن كان ممن يُسْهم له، أو يُرضَخ له، استحقَّ السَّلَبَ، سواء كان قال ذلك الإمام، أو لم يقله، حيث قتله حال الحرب، لا قبلها ولا بعدها، منهمكًا على القتال؛ أي (3): مُجِدًّا فيه، مقبلًا عليه.
إلا إن رماه بسهم من صفِّ المسلمين، أو قتله مشتغلًا بنحوِ أكلٍ، أو منهزمًا.
لكن إن كانت الحرب قائمة، فانهزم أحدُهم متحيزًا، فقتله إنسان، فله سلبه، كان قتله اثنان فأكثر، فسلبُه غنيمةٌ (4)، وهذا مذهبنا كالشافعية في الجملة.
وقال أبو حنيفة: إنْ شرطَ الإمامُ السلبَ للقاتل، فهو له، وإلا، لم ينفرد به، بل يكون غنيمة.
وقال مالك: إن شرطه الإمام، كان له من خمس الخمس، وسهمُ النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كانت قيمته بقدر الخمس، استحق جميعه، وإن كانت قيمته
(1) انظر: "الإقناع" للحجاوي (2/ 89 - 90).
(2)
المرجع السابق، (2/ 88).
(3)
من قوله: "منهمكًا على القتال، أي" وحتى قوله: "وفي حديث مسلم: "فأتى جمله" من الحديث الثامن، سقط من الأصل المحفوظ في الظاهرية، والاستدراك من النسخة "ب".
(4)
انظر: "الإقناع" للحجاوي (2/ 88 - 89).
أكثر منه، استحق منه بقدر الخمس، ولا يستحقه من أصل الغنيمة، وإن لم يشترط الإمام، فلا حقَّ له فيه (1)؛ لما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"من قتل قتيلًا له عليه بينةٌ، فله سلبُه"، قال أبو قتادة: فقمتُ فقلتُ: مَنْ يشهدُ لي؟ ثم جلست، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلَه، فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله، فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مالكَ يا أبا قتادة؟ "، فأخبرته، فقال رجلٌ: صدقَ، سلبُه عندي، فأرضه مني، أو قال: منه (2).
ويروى: أنه شهد له بذلك الأسودُ بن خزاعي الأسلمي، وعبدُ الله بن أنيس، فقال أبو بكر رضي الله عنه: لا هااللهِ إذًا، لا يعمد أسدٌ من أسدِ الله (3)، وفي رواية: فقال أبو بكر: كلا لا يُعطيه أضيبعَ من قريش، ويدع أسدًا من أُسود الله تعالى يقاتلُ عن الله تعالى، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، فيعطيك سلبه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"صدق، فأعطه"، فأعطاني (4).
ويروى: أن عمر قال ذلك، وهو غريب، والمشهور أن قائل ذلك أبو بكر، كما في "الصحيحين"، و"السنن"، وغيرها.
قال الحافظ ابن حجر: الراجحُ أن الذي قال ذلك أبو بكر كما رواه أبو قتادة، وهو صاحب القصة، فهو أتقنُ لما وقع فيها من غيره، ويمكن أن يكون عمرُ قال ذلك أيضًا متابعةً لأبي بكر، ومساعدةً له وموافقةً (5).
(1) انظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 279 - 280).
(2)
تقدم تخريجه عند البخاري برقم (2973، 4066)، وعند مسلم برقم (1751).
(3)
انظر: ما تقدم آنفًا عند البخاري ومسلم.
(4)
تقدم تخريجه عند مسلم برقم (1751).
(5)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (8/ 40).
قال بعض العلماء: لو لم يكن من فضيلة الصدِّيقِ إلا هذا، لكفاه، فإنه بِثاقِب علمه، وشدةِ صرامته، وقوةِ إنصافه، في صحة توفيقه، وصدق تحقيقه، بادر إلى القول بالحق، فزجر وأفتى، وحكم فأمضى، وصدعَ بالحق المقطوعِ به في الشريعة الغراء عن النبي المصطفى بما صدقه صلى الله عليه وسلم فيه، وأجراه على ما بادر إليه.
قال أبو قتادة كما في "الصحيحين": فبعتُ الدرع، فابتعتُ به مخرفًا؛ أي: بستاتا من بني سلمة، فإنه لأولُ مَالٍ تَأَثَّلْتُه (1)؛ أي: أَصَّلْتُه في الإسلام.
وذكر الواقدي: أنه باعه بسبع أواقي، واسمُ المخرفِ الذي ابتاعه أبو قتادة الوديين كما في "مبهمات البلقيني على البخاري"، وأن الذي ابتاع السلاح حاطبُ بنُ أبي بلتعة رضي الله عنه (2) -، والله تعالى الموفق.
(1) تقدم تخريجه عند البخاري برقم (2973)، وعند مسلم برقم (1751).
(2)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (8/ 40 - 41).