المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الحديث السابع عشر - كشف اللثام شرح عمدة الأحكام - جـ ٧

[السفاريني]

الفصل: ‌الحديث السابع عشر

‌الحديث السابع عشر

وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خاصَّةً سِوَى قَسْمِ عامَّةِ الجَيْشِ (1).

* * *

ما أشار إليه بقوله: (وعنه)؛ أي: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفِّلُ) هذه تقتضي كثرةَ وقوع ذلك منه صلى الله عليه وسلم (بعض من يبعث) لجهاد أعداء الله تعالى (من السرايا) جمعُ سرية.

وتقدَّم أنها اسمٌ لطائفة من الجيش تُبعث إلى العدو (لأنفسهم) متعلِّق بـ: ينفل (خاصَّة) يختصون به (سوى) سهامهم التي يستحقونها كـ (قسم)

(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:

رواه البخاري (2966)، كتاب: الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، ومسلم (1750/ 40)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الأنفال، وأبو داود (2746)، كتاب: الجهاد، باب: في نفل السرية تخرج من العسكر.

* مصَادر شرح الحَدِيث:

"معالم السنن" للخطابي (2/ 310)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (6/ 58)، و"شرح مسلم" للنووي (12/ 56)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 243)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1713)، و"فتح الباري" لابن حجر (6/ 239)، و"عمدة القاري" للعيني (15/ 60)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (8/ 108).

ص: 245

غيرهم من (عامة الجيش) بل كل واحد منهم يساوي كل واحد من الجيش، ويُزادون على غيرهم بالنفل الذي كان ينفِّلُهم به النبيُّ صلى الله عليه وسلم.

والنَّفْل -بالسكون، وقد يحرك-: الزيادة على السهم يعطيه الإمام أو نائبه لمصلحة.

قال علماؤنا: يجوز أن ينفل سرية من جيشه تُغير أمامه بالربع فأقلَّ بعد الخمس، أو خلفه إذا قفل بالثلث فأقل بعده؛ أي: بعد الخمس (1).

قال في "الفروع": ولا يعدل شيءٌ عند الإمام أحمد الخروجَ في السرية مع غلبة السلامة؛ لأنه أنكى، وأن يجعل لمن عمل ما فيه غَناء جُعلًا كمن نقب، أو صعد هذا المكان، أو جاء بكذا، فله من الغنيمة، أو منه كذا، ما لم يجاوز ثلث الغنيمة بعدَ الخمس، نص عليه الإمام أحمد (2).

وروى الإمام أحمد، وأبو داود عن حبيب بن سلمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نفل الربعَ بعدَ الخمس في بدأته، ونفل الثلث بعد الخمس في رجعته (3).

وروى الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل في البدأة الربعَ، وفي الرجعة الثلثَ (4).

وفي رواية عند الإمام أحمد: كان إذا أغار في أرض العدو، نفل الربعَ،

(1) انظر: "الفروع" لابن مفلح (6/ 212).

(2)

المرجع السابق، (6/ 212 - 213).

(3)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(4/ 160)، وأبو داود (2750)، كتاب: الجهاد، باب: فيمن قال: الخمس قبل النفل.

(4)

رواه الإمام أحمد في "المسند"(5/ 319)، والترمذي (1561)، كتاب: السير، باب: في النفل، وابن ماجه (2852)، كتاب: الجهاد، باب: النفل.

ص: 246

وإذا أقبل راجعًا وكُلَّ الناسِ نفل الثلثَ. وكان يكره الأنفال، ويقول:"ليردَّ قويُّ المؤمنين على ضعيفهم"(1).

وقيل: إن النفل من خمس الخمس، وهذا مقتضى كلام الفقهاء غيرِ أصحابنا.

والأحاديث مصرِّحة بأن النفلَ من أصل الغنيمة بعدَ الخمس الذي لله ورسوله ولذي القربى؛ كما في الآية الكريمة.

قال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "السياسة الشرعية": للإمام أن ينفِّل من ظَهَرَ منه زيادةُ نكاية؛ كـ: سريةٍ سرت من الجيش، أو رجلٍ صَعِد على حصن ففتحه، أو حمل على مقدَّم العدو فقتله، فهزم العدو، ونحو ذلك؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءَه كانوا ينفِّلون لذلك، وكان صلى الله عليه وسلم ينفل السرية في البدأة الربعَ بعدَ الخمس، وفي الرجعة الثلثَ بعدَ الخمس.

قال: وهذا النفل قال بعض العلماء: إنه يكون من الخمس.

وقال بعضهم: إنه يكون من خمس الخمس؛ لئلا يفضل بعض الغانمين على بعض.

قال: والصحيح: أنَّه يجوز من أربعة أخماس الغنيمة، وإن كان فيه تفضيل بعضهم على بعض لمصلحة دينية، لا لهوى النفس؛ كما فعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم غيرَ مرةٍ.

قال: وهذا قول فقهاء الثغر، وأبي حنيفة، وأحمد، وغيرهم، وعلى هذا فقد قيل: له أن ينفل الربعَ والثلثَ بشرطٍ وغيرِ شرطٍ، وينفل الزيادة على ذلك بالشرط؛ بأن يقول: من دَلَّني على قلعة، فله كذا، وقيل:

(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(5/ 323).

ص: 247

لا ينفل زيادةً على الثلث، ولا ينفِّلُه إلا بالشرط.

قال: وهذان قولان للإمام أحمد وغيرِه.

قال: وكذلك على القول الصحيح للإمام أن يقول: من أخذ شيئًا، فهو له (1)، انتهى.

قال الإمام صدرُ الوزراء ابنُ هبيرة: إذا قال الإمام: من أخذ شيئًا، فهو له، فأبو حنيفة يقول: هو شرط صحيح يجوز للإمام أن يشرطه، إلا أن الأولى أَلَّا يفعل.

وقال مالك: يكره له ذلك.

وقال الشافعي: ليس بشرط لازم، في أظهر القولين عنه.

وقال أحمد: هو شرط صحيح، وهو من الخُمس، لا من أصل الغنيمة (2)، انتهى.

قلت: الذي استقر عليه مذهب الإمام أحمد رضي الله عنه: أنَّه يحرم قول الإمام: من أخذ شيئًا، فهو له، ولا يستحقه، وقيل: يجوز لمصلحة، ويجوز تفضيل بعض الغانمين على بعض؛ لغَناء فيه؛ كشجاعة ونحوها، وإلا حرم (3)، والله تعالى الموفق.

(1) انظر: "السياسة الشرعية" لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص: 31 - 32).

(2)

انظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (2/ 281).

(3)

انظر: "الإقناع" للحجاوي (2/ 103).

ص: 248