المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الحديث الرابع وعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: - كشف اللثام شرح عمدة الأحكام - جـ ٧

[السفاريني]

الفصل: ‌ ‌الحديث الرابع وعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:

‌الحديث الرابع

وعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللهِ إلَّا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَكلْمُهُ [يَدْمَى] (1)، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ"(2).

(1) وقع عند الشارح رحمه الله: "ينبع" بدل "يدمى"، والصواب ما أثبت، وكأن الشارح رحمه الله نقله من نسخة غير معتمدة للعمدة كما أشار إلى ذلك.

(2)

* تَخْرِيج الحَدِيث:

رواه البخاري (235)، كتاب: الوضوء، باب: ما يقع من النجاسات في السمن والماء، و (2649)، كتاب: الجهاد والسير، باب: من ينكب في سبيل الله، و (5213)، كتاب: الذبائح والصيد، باب: المسك، واللفظ له، ومسلم (1876/ 105)، كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، والنسائي (3147)، كتاب: الجهاد، باب: من كلم في سبيل الله عز وجل، والترمذي (1656)، كتاب: فضائل الجهاد، باب: ما جاء فيمن يكلم في سبيل الله.

* مصَادر شرح الحَدِيث:

"الاستذكار" لابن عبد البر (5/ 97)، و"عارضة الأحوذي" لابن العربي (7/ 157)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (6/ 294)، و"شرح مسلم" للنووي (13/ 21)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 230)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1684)، و"فتح الباري" لابن حجر (6/ 20)، و"عمدة القاري" للعيني (21/ 135)، و"إرشاد الساري" للقسطلاني (5/ 43).

ص: 171

(وعنه)؛ أي: عن أبي هريرة رضي الله عنه، (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مكلوم)؛ أي: مجروح (يُكْلَمُ) -بضم التحتانية وسكون الكاف وفتح اللام على صيغة المجهول من الكَلْم -بفتح الكاف وإسكان اللام-.

وفي الحديث: إنا نقوم على المرضى، ونداوي الكَلْمى (1)، هي جمع كليم، وهو الجريح، فَعيل بمعنى مفعول (2).

وصدر الحديث كما في "الصحيحين": "والذي نفسُ محمدٍ بيده! ما من مكلومٍ يُكْلَم (في سبيل الله) "(3).

زاد في البخاري وغيرُه: "واللهُ أعلمُ بمن يُكلم في سبيله"(4)، وهي جملة معترضة أشار بها إلى التنبيه على شرطية الإخلاص في نيل هذا الثواب (5).

(إلا جاء) ذلك المكلومُ الذي كُلِمَ في سبيل الله (يومَ القيامة) ونشرِ العبادِ من قبورهم للحساب والجزاء من الكريم الوهاب، (وكَلْمُهُ)، أي: جرحُه (ينبع)؛ أي: يخرج ويشخب (دمًا) من نبعَ الماءُ ينبع -مثلثة- نبعًا ونُبوعًا: خرج من العين، والينبوع: العينُ والجدول الكثير الماء (6).

وفي نسخة معتمدة من نسخ "العمدة": "وكلمه يَدمَى"، (لونه) من ذلك

(1) تقدم تخريجه عند البخاري برقم (318)، من حديث حفصة رضي الله عنها.

(2)

انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (4/ 199).

(3)

هو لفظ البخاري فقط كما تقدم برقم (5213).

(4)

تقدم تخريجه عند البخاري برقم (2649)، وعند مسلم برقم (1876/ 105).

(5)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (6/ 20).

(6)

انظر: "القاموس المحيط" للفيروزأبادي (ص: 988)، (مادة: نبع).

ص: 172

الخارج من الجرح (لونُ دَمٍ) من كونه أحمرَ، (والريح) الذي يفوح من ذلك الكلم والخارج منه (ريحُ مسك) أَذْفَرَ.

وفي رواية: "كلُّ كَلْمٍ يُكْلَم في سبيل الله، تكونُ يومَ القيامةِ كهيئتها يومَ طُعنت تفجر دمًا، اللونُ لونُ دم، والعَرْفُ عَرْفُ مِسْكٍ"(1).

قال المنذري وغيُره: العَرْفُ -بفتح العين المهملة وإسكان الراء-: هو الرائحة (2).

وفي هذا دليل على أن الشهيد يُبعث في حالته وهيئته التي قُبض عليها.

والحكمة فيه: أن يكون معه شاهد فضيلة ببذل نفسه في طاعة الله (3).

وفيه: أن الشهيد يُدفن بدمائه وثيابه، ولا يُزال عنه الدمُ بغسلٍ ولا غيره؛ ليجيء يوم القيامة كما وصف النبيُّ صلى الله عليه وسلم.

قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": وفيه نظر؛ لأنه لا يلزمُ من غسل الدم في الدنيا أَلَّا يُبعث كذلك (4).

واعترضه العيني بما حاصله: أنه ما ادعى القائل ذلك بالملازمة، بل المراد: لا تتغير هيئته التي مات عليها، انتهى (5).

وقال في "الفتح": الحكمةُ في كون الدم يأتي يوم القيامة على هيئته ولونه: أنه يشهد لصاحبه بفضله، وعلى ظالمه بفعله.

(1) تقدم تخريجه عند البخاري برقم (235)، ورواه مسلم (1876/ 106).

(2)

انظر: "الترغيب والترهيب" للمنذري (2/ 192) عقب حديث (2066).

(3)

انظر: "فتح الباري" لابن حجر (6/ 20).

(4)

المرجع السابق، الموضع نفسه.

(5)

انظر: "عمدة القاري" للعيني (14/ 100).

ص: 173

وفائدة رائحته الطيبة: أن ينشر في أهل الموقف إظهارًا لفضيلته أيضًا (1).

تنبيهات:

الأول: يجب بقاءُ دم الشهيد عليه باتفاق الأئمة الأربعة، واتفقوا على غسل نجاسة عليه، فلو لم تزل النجاسة إلا بغسل الدم، غُسلا.

وقال أبو المعالي من علمائنا: لا، والمعتمد الأول (2).

والثاني: شهيد المعركة -ولو غير مكلف؛ خلافًا لأبي حنيفة- لا يُغَسَّلُ، فيحرم غسلُه على معتمد المذهب، وفاقًا لأبي حنيفة، والشافعي، لأنه أثر الشهادة والعبادة وهو حَيّ.

وفي "التبصرة": لا يجوز غسله، وهو المقتول بأيدي العدو، ولو غالا، رجلًا أو امرأة، إلا أن يكون جُنُبًا أو حائِضًا أو نُفَساء، طَهُرتا أو لا، فيغسل غُسلًا واحدًا، أو إن أسلم فاستُشهد قبل غُسل الإسلام، لم يغسل، وإن قُتل وعليه حدث أصغرُ، لم يُوَضَّأْ (3).

الثالث: يجب دفنُه في ثيابه التي قُتل فيها، ولو كانت حريرًا؛ خلافًا للشافعي، فلا يزاد عليها، خلافًا لمالك، وأبي حنيفة، ولا ينقص منها؛ خلافًا لأبي حنيفة، وتنزع عنه لأْمَةُ الحرب، ونحوُ فَروٍ وخُفٍّ، نص عليه الإمام أحمد؛ خلافًا لمالك (4).

(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (1/ 345).

(2)

انظر: "الفروع" لابن مفلح (2/ 166).

(3)

المرجع السابق، الموضع نفسه.

(4)

المرجع السابق، (2/ 167).

ص: 174

فإن سُلب الثيابَ التي قتل وهي عليه، كُفِّن بغيرها (1).

الرابع: المقتولُ ظلمًا، حتى من قتله الكفارُ صبرًا في غير حرب، يُلحق بشهيد المعركة على معتمد المذهب (2).

وأما إذا قتله الكفار، ولو صبرًا، فباتفاق الأئمة (3)، والله أعلم.

(1) انظر: "الإقناع" للحجاوي (1/ 341).

(2)

المرجع السابق، الموضع نفسه.

(3)

انظر: "الفروع" لابن مفلح (2/ 167).

ص: 175