المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌المحتويات الافتتاحية وجوب التوبة إلى الله سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد - مجلة البحوث الإسلامية - جـ ١١

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المحتويات

- ‌ كلام بعض علماء التفسير وشراح الحديث على نصوص من الكتاب والسنة

- ‌ نقول عن بعض علماء التفسير:

- ‌ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري:

- ‌ أبو بكر الجصاص

- ‌ أبو بكر بن العربي

- ‌أقوال فقهاء الإسلام في تحديد المراد بجريمة الحرابة والإفساد في الأرض

- ‌ مذهب الحنفية

- ‌ مذهب المالكية

- ‌مذهب الشافعية

- ‌مذهب الحنابلة

- ‌ تعريف الخمرة وبيان الفرق بين المسكر والمخدر والمفتر

- ‌ عمل المسلم المستخدم في مصانع لا يصنع فيها إلا عصير الخمر والمسكرات

- ‌ إكرام الرفقاء غير المسلمين

- ‌ حكم النفس التي كادت أن تهلك ولا يمكن استشفاؤها بشيء سوى الخمر

- ‌ أكل لحم الدجاج المثلج المستورد من الخارج

- ‌ أكل الضفدع:

- ‌ شرب الدخان وأكل الضبع

- ‌ الذبائح التي تباع في الأسواق من البلاد التي لا يسلم أهلها من الشرك

- ‌ المسلم الذي يشرب الخمر ولا يقبل النصح

- ‌ ذبح الإنسان شاة أو نحوها لغيره

- ‌تعريف الربا لغة وشرعا

- ‌ الربا في الكتاب العزيز

- ‌ الربا في السنة النبوية)

- ‌ حكم الربا في الإسلام

- ‌مضار الربا وحكمة تحريمه

- ‌أنوع الربا وحكم كل نوع

- ‌نوعية الربا كما أوضحها ابن القيم

- ‌التعامل مع البنوك

- ‌تحريم الربا الاستهلاكي والإنتاجي

- ‌وسائل القضاء على الربا

- ‌ القرض الحسن:

- ‌ إنظار المعسر ريثما يزول إعساره والترغيب في إبراء ذمته من الدين

- ‌ التعاون في مختلف دروبه وبكل وسائله

- ‌خاتمة البحث

- ‌ثبت المراجع والمصادر

- ‌كلمة لا بد منها

- ‌المعجم

- ‌تعليل تسمية حروف العربية بحروف المعجم:

- ‌تاريخ استخدام اللفظ وشيوعه:

- ‌جمع اللفظ والخلاف فيه:

- ‌مرادفه (القاموس):

- ‌الحروف العربية من الأبجدية إلى الهجائية إلى المخارج

- ‌نشوء المعاجم اللغوية

- ‌البحث عن الألفاظ في المعاجم العربية

- ‌مدارس المعاجم العربية

- ‌ مدرسة العين:

- ‌ مدرسة الجمهرة:

- ‌ مدرسة المقاييس:

- ‌ مدرسة الصحاح:

- ‌ مدرسة الأساس:

- ‌المصادر والمراجع

- ‌حمزة بن عبد المطلبأسد اللهوأسد رسوله

- ‌نسبة وأيامه قبل الإسلام

- ‌إسلام حمزة

- ‌في شعب أبي طالب

- ‌الهجرة العامة

- ‌أول لواء في الإسلام

- ‌في غزوة بدر الكبرى

- ‌في غزوة بني قينقاع

- ‌في غزوة أحد

- ‌ في المعركة

- ‌ الشهيد

- ‌رثاؤه

- ‌الإنسان

- ‌القائد

- ‌حمزة في التاريخ

- ‌منقبةللملك فيصل

- ‌نداء وتذكير

- ‌حديث شريف

الفصل: ‌ ‌المحتويات الافتتاحية وجوب التوبة إلى الله سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد

‌المحتويات

الافتتاحية

وجوب التوبة إلى الله سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز 7

موضوع العدد

بحث .. الحكم في السطو والاختطاف والمسكرات .. القسم الأول إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 13

الفتاوى

الفتاوى إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 145

الموضوعات

منهج السلف في العقيدة وأثره في وحدة المسلمين للشيخ صالح بن سعد السحيمي 171

ص: 4

الربا في ضوء الكتاب والسنة للشيخ عبد الله بن الغني خياط 193

المعاجم العربية وكيفية الإفادة منها للدكتور محمد جابر الفياض 227

حكم لعب الأطفال للشيخ عبد الله بن حمد العبودي 263

حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله اللواء الركن محمود شيت خطاب 285

منقبة للملك فيصل للدكتور محمد تقي الدين الهلالي 313

نداء وتذكير للتبرع للمجاهدين الأفغان سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز 319

ص: 5

صفحة فارغة

ص: 6

الافتتاحية

وجوب التوبة إلى الله والضراعة إليه عند نزول المصائب

لسماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز

من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يطلع عليه من المسلمين، وفقني الله وإياكم للتذكر والاعتبار والاتعاظ بما تجري به الأقدار. والمبادرة بالتوبة النصوح من جميع الذنوب والأوزار آمين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:

فإن الله عز وجل بحكمته البالغة وحجته القاطعة، وعلمه المحيط بكل شيء، يبتلي عباده بالسراء والضراء، والشدة والرخاء، وبالنعم والنقم؛ ليمتحن صبرهم وشكرهم؛ فمن صبر عند البلاء، وشكر عند الرخاء، وضرع إلى الله سبحانه عند حصول المصائب، يشكو إليه ذنوبه وتقصيره، ويسأله رحمته وعفوه؛ أفلح كل الفلاح، وفاز بالعاقبة الحميدة، قال الله - جل وعلا - في كتابه العظيم {الم} (1){أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} (2){وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (3).

والمقصود بالفتنة في هذه الآية الاختبار والامتحان، حتى يتبين الصادق من الكاذب، والصابر والشاكر. كما قال تعالى:{وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} (4)

(1) سورة العنكبوت الآية 1

(2)

سورة العنكبوت الآية 2

(3)

سورة العنكبوت الآية 3

(4)

سورة الفرقان الآية 20

ص: 7

وقال عز وجل: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (1)، وقال سبحانه:{وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (2)، والحسنات هنا هي النعم من الخصب والرخاء، والصحة والعزة، والنصر على الأعداء ونحو ذلك، والسيئات هنا هي المصائب. كالأمراض وتسليط الأعداء والزلازل والرياح العاصفة، والسيول الجارفة المدمرة، ونحو ذلك وقال عز وجل:{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (3)، والمعنى أنه سبحانه قدر ما قدر من الحسنات والسيئات، وما ظهر من الفساد ليرجع الناس إلى الحق، ويبادروا بالتوبة مما حرم الله عليهم، ويسارعوا إلى طاعة الله ورسوله؛ لأن الكفر والمعاصي هما سبب كل بلاء وشر في الدنيا والآخرة، وأما توحيد الله والإيمان به وبرسله وطاعته وطاعة رسله، والتمسك بشريعته والدعوة إليها والإنكار على من خالفها؛ فذلك هو سبب كل خير في الدنيا والآخرة، وفي الثبات على ذلك، والتواصي به، والتعاون عليه عز الدنيا والآخرة، والنجاة من كل مكروه، والعافية من كل فتنة، كما قال سبحانه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (4)، وقال سبحانه:{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (5){الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} (6)، وقال تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (7)، وقال سبحانه:{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (8).

(1) سورة الأنبياء الآية 35

(2)

سورة الأعراف الآية 168

(3)

سورة الروم الآية 41

(4)

سورة محمد الآية 7

(5)

سورة الحج الآية 40

(6)

سورة الحج الآية 41

(7)

سورة النور الآية 55

(8)

سورة الأعراف الآية 96

ص: 8

وقد بين سبحانه في آيات كثيرات أن الذي أصاب الأمم السابقة من العذاب والنكال بالطوفان والريح العقيم والصيحة والغرق والخسف، وغير ذلك كله بأسباب كفرهم وذنوبهم، كما قال عز وجل:{فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (1)، وقال سبحانه وتعالى:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} (2)، وأمر عباده بالتوبة إليه، والضراعة إليه عند المصائب؛ فقال سبحانه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} (3)، وقال سبحانه:{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (4)، وقال سبحانه:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} (5){فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (6)، وفي هذه الآية الكريمة حث من الله سبحانه لعباده وترغيب لهم إذا حلت بهم المصائب من الأمراض والجراح والقتال والزلازل والريح العاصفة، وغير ذلك من المصائب، أن يتضرعوا إليه ويفتقروا إليه فيسألوه العون، وهذا هو معنى قوله سبحانه:{فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} (7)، والمعنى: هلا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا. ثم بين سبحانه أن قسوة قلوبهم، وتزيين الشيطان لهم أعمالهم السيئة، كل ذلك صدهم عن التوبة والضراعة والاستغفار، فقال عز وجل:{وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (8).

(1) سورة العنكبوت الآية 40

(2)

سورة الشورى الآية 30

(3)

سورة التحريم الآية 8

(4)

سورة النور الآية 31

(5)

سورة الأنعام الآية 42

(6)

سورة الأنعام الآية 43

(7)

سورة الأنعام الآية 43

(8)

سورة الأنعام الآية 43

ص: 9

وقد ثبت عن الخليفة الراشد رحمه الله أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، أنه لما وقع الزلزال في زمانه كتب إلى عماله في البلدان، وأمرهم أن يأمروا المسلمين بالتوبة إلى الله والضراعة إليه والاستغفار من ذنوبهم، وقد علمتم أيها المسلمون، ما وقع في عصرنا هذا من أنواع الفتن والمصائب، ومن ذلك تسليط الكفار على المسلمين في أفغانستان والفلبين والهند وفلسطين ولبنان وأثيوبيا وغيرها، ومن ذلك ما وقع من الزلازل في اليمن وبلدان كثيرة، ومن ذلك ما وقع من فيضانات مدمرة والريح العاصفة المدمرة لكثير من الأموال والأشجار والمراكب البحرية وغير ذلك، وأنواع الثلوج التي حصل بها ما لا يحصى من الضرر، ومن ذلك المجاعة والجدب والقحط في كثير من البلدان كل هذا وأشباهه من أنواع العقوبات والمصائب التي ابتلى الله بها العباد بأسباب الكفر والمعاصي والانحراف عن طاعته سبحانه، والإقبال على الدنيا وشهواتها العاجلة، والإعراض عن الآخرة وعدم الإعداد لها، إلا من رحم الله من عباده.

ولا شك أن هذه المصائب وغيرها توجب على العباد البدار بالتوبة إلى الله سبحانه من جميع ما حرم عليهم، والبدار إلى طاعته وتحكيم شريعته، والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر عليه، ومتى تاب العباد إلى ربهم وتضرعوا إليه، وسارعوا إلى ما يرضيه، وتعاونوا على البر والتقوى، وتآمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، أصلح الله أحوالهم، وكفاهم شر أعدائهم، ومكن لهم في الأرض ونصرهم على عدوهم، وأسبغ عليهم نعمه، وصرف عنهم نقمه، كما قال سبحانه، وهو أصدق القائلين:{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} (1)، وقال عز وجل:{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (2){وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} (3)، وقال عز وجل:{وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} (4)، وقال سبحانه:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} (5) الآية.

(1) سورة الروم الآية 47

(2)

سورة الأعراف الآية 55

(3)

سورة الأعراف الآية 56

(4)

سورة هود الآية 3

(5)

سورة النور الآية 55

ص: 10

وقال عز وجل: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (1).

فأوضح عز وجل في هذه الآيات أن رحمته وإحسانه وأمنه وسائر أنواع نعمه إنما تحصل على الكمال الموصول بنعيم الآخرة لمن اتقاه وآمن به وأطاع رسله، واستقام على شرعه وتاب إليه من ذنوبه.

أما من أعرض عن طاعته وتكبر عن أداء حقه، وأصر على كفره وعصيانه، فقد توعده سبحانه بأنواع العقوبات في الدنيا والآخرة، وعجل له من ذلك ما اقتضته حكمته ليكون عبرة وعظة لغيره كما قال سبحانه:{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} (2){فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (3).

فيا معشر المسلمين، حاسبوا أنفسكم وتوبوا إلى ربكم، واستغفروه وبادروا إلى طاعته، واحذروا معصيته، وتعاونوا على البر والتقوى، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين، وأقسطوا إن الله يحب المقسطين، وأعدوا العدة الصالحة قبل نزول الموت، وارحموا ضعفاءكم، وواسوا فقراءكم، وأكثروا من ذكر الله واستغفاره، وتآمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر لعلكم ترحمون، واعتبروا بما أصاب غيركم من المصائب بأسباب الذنوب والمعاصي، والله يتوب على التائبين ويرحم المحسنين ويحسن العاقبة للمتقين، كما قال سبحانه:{فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} (4)، وقال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} (5).

والله المسئول بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، أن يرحم عباده المسلمين، وأن يفقههم في الدين، وينصرهم على أعدائه وأعدائهم

(1) سورة التوبة الآية 71

(2)

سورة الأنعام الآية 44

(3)

سورة الأنعام الآية 45

(4)

سورة هود الآية 49

(5)

سورة النحل الآية 128

ص: 11

من الكفار والمنافقين، وأن ينزل بأسه بهم الذي لا يرد عن القوم المجرمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الرئيس العام

لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

ص: 12

موضوع العدد

الحكم في

السطو

والاختطاف

والمسكرات

إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد:

فبناء على ما ورد من جلالة الملك خالد - رحمه الله تعالى - برقم 5934/ 2 وتاريخ 17/ 6 / 1401هـ من رغبته الملحة في دراسة موضوع تهريب المخدرات وترويجها وتعاطيها، وموضوع خطف بعض المجرمين أشخاصا للاعتداء كل أعراضهم أو أنفسهم أو أموالهم. وبيان الحكم الشرعي فيمن يرتكب هذه الجرائم ليطبق عليهم تحقيقا للأمن وحماية للأمة من شرهم.

وبناء على ما اقترحه مجلس هيئة كبار العلماء في الدورة السابعة عشرة المنعقدة بالرياض في رجب عام 1401 هـ بعد مناقشة

ص: 13

الموضوع من ضرورة إعداد بحث في تفاصيل أحكام السطو والخطف والمخدرات ليعرض في الدورة الثامنة عشرة - إن شاء الله - وعهد بذلك إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بناء؛ على ذلك أعدت الدائمة بحثا في الموضوع يتضمن ما يلي:

1 -

مقدمة في وجوب حفظ الأمن تحقيقا لطمأنينة الأمة وسلامتها في دينها ونفسها وعرضها ومالها، وموقف ولاة الأمور من ذلك.

2 -

كلام بعض علماء التفسير وشراح الحديث على نصوص من الكتاب والسنة تتعلق بعقوبة الحرابة والإفساد في الأرض مع مناقشتها.

3 -

أقوال فقهاء الإسلام في تحديد المراد بجريمة الحرابة والإفساد في الأرض، وفي عقوبتها مع مناقشتها.

4 -

تعريف الخمرة وبيان الفرق بين المسكر والمخدر والمفتر. وذكر أقوال الفقهاء في حكم تعاطيها وعقوبة من يتعاطاها ومن يساعد على ذلك.

5 -

تعليقا على ما تقدم يتضمن مدى انطباق حكم جريمة الحرابة والإفساد في الأرض على الجزئيات التي اقترح المجلس بيان حكم الشرع فيها.

وفيما يلي ذكر ذلك بتوفيق الله تعالى:

أولا: مقدمة في وجوب حفظ الأمن تحقيقا لطمأنينة الأمة وسلامتها في دينها ونفسها وعرضها ومالها، وموقف ولاة الأمور من ذلك.

استقرأ علماء الإسلام نصوص التشريع الإسلامي وتتبعوا أدلته واستخلصوا منها كليات عليا ومقاصد عامة إليها يرجع جميع أنواع التشريع الإسلامي وجزئياته، اندراجا تحتها وتحقيقا لها، ومحافظة عليها، وقسموا هذه الأصول ثلاثة أقسام: ضروريات، وحاجيات، وتحسينيات.

1 -

فالمقاصد الضرورية هي التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، وبدونها

ص: 14

تتفشى الفوضى ويعم الاضطراب والهرج والقتل في الدنيا. ويفوت الفوز والنعيم في الآخرة.

وهي خمسة أنواع: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العرض والنسل، وحفظ المال، وحفظ العقل.

وللمحافظة عليها شرع الله تعالى أصول العبادات. وأحكاما في العبادات والمعاملات والجنايات. وفرض أنواعا من الحدود والعقوبات يطبقها ولاة أمور المؤمنين على من ثبت لديهم أنهم تجاوزوا حدود الشريعة فاعتدوا على حق الله، أو حق أنفسهم، أو حقوق العباد. صيانة لهذه المقاصد ومحافظة على كيان الأمة، رعاتها ورعيتها، وخشية أن تذهب ريحهم وتدول دولتهم.

فشرع سبحانه أصول العبادات والجهاد في سبيله وقتل المرتدين، وعقوبة المبتدعين محافظة على الدين، وشرع القصاص والديات محافظة على النفس والأعضاء، وشرع النكاح وحرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن من الزنا واللواط، وفرض على ولاة الأمور إقامة حد الجلد والرجم على من ثبت لديهم أنه ارتكب هذه الفاحشة محافظة على النسل والأعراض، وحرم الخمر اتقاء لمضارها، وأوجب حد شاربها محافظة على العقل، وحرم الاعتداء على الأموال، وأوجب في السرقة حد القطع حفظا للأموال وتطهيرا للمجتمع الإسلامي من التلصص، ودفعا له إلى الكسب من طرقه المشروعة. وحرم الحرابة والإفساد في الأرض؛ صيانة لكيان الأمة ومحافظة على أمنها وسلامتها، وقضاء على الفوضى وأسباب الانهيار.

2 -

والحاجيات هي التي شرعت للتوسعة على الأمة ورفع الضيق ودفع المشقة والحرج عند المكلفين؛ فشرع رخص السفر والمرض في العبادات، وشرع عقود تبادل المنافع بيعا وشراء وإجارة وكراء ونحو ذلك في المعاملات، وأباح الصيد بالجوارح والأسلحة، والتمتع بالطيبات مأكلا ومشربا ومسكنا ونحو ذلك، مما لو لم يشرع لأصاب الناس ضيق، ووقعوا في مشقة وحرج.

3 -

التحسينيات: هي ما شرع من محاسن العادات والمعاملات ومكارم الأخلاق

ص: 15

والترفع عن الدنيات وكل ما تأباه الفطر السليمة والعقول الرشيدة. كالتقرب إلى الله بنوافل الخيرات، وكمراعاة الآداب في الأكل والشرب والمجالس، والتجمل بالملابس وإزالة النجاسة، وترك قتل النساء والصبيان والرهبان في جهاد الكفار، ونحو ذلك مما هو أدب وكمال وزينة وجمال.

وأعلى هذه المقاصد رتبة وأرسخها في حفظ كيان هذا العالم وتقويمه وسيره على سنن مستقيمة وأشدها خطرا عند الإخلال بها هو المقاصد الضرورية. وتليها الحاجيات ثم التحسينيات، بل هما مع اعتبارهما في أنفسهما من الأصول العليا مكملان للمقاصد الضرورية، ولهذا لم يشرع الله تعالى قتلا ولا حدا إلا في الإخلال بالضروريات كلا أو بعضا. أما الحاجيات والتحسينيات فشرع في الإخلال بهما كلا أو بعضا - التعزيرات، والتعزير يرجع في تقديره إلى ولاة الأمور. ومن ولوه شأنا من شئونهم، وذلك على قدر ما يرونه من خطر الإخلال والظروف المحيطة بالمسيء وبجريمته.

هذا وإن المسئولية الكبرى في رعاية هذه المقاصد والمحافظة على كيان الأمة الإسلامية وعلى أمنها وسلامتها علما وعملا لملقاة على عاتق ولاة الأمور من العلماء والحكام عملا بقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} (1)، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم:«الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله، قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين - وعامتهم (2)» .

فعلى علماء الإسلام بيان أحكام الشرع للناس راعيها ورعيتها؛ إنارة للبصائر، وإقامة للحجة عليهم، وإعذارا إليهم، فمن اهتدى بهدي الإسلام فاز، ومن ضل وركب رأسه وجب على الحكام الأخذ على يديه؛ وقاية للأمة من شره، وتطهيرا للمجتمع من خبثه.

والذي يعنينا هنا بيان حكم ما فشا بين الناس اليوم من السطو على البيوت ونحوها، وخطف الصبيان والنساء والتغرير بهم، وتناول المسكرات والمخدرات وبيان جزاء من يفعل ذلك من المجرمين ليرتدع من أراد الله به الخير، وليقوم الحكام بعقوبة من أخذته العزة بالإثم ولج في طغيانه بما يناسب جريمته جزاء وفاقا بما كسبت يداه.

(1) سورة المائدة الآية 2

(2)

رواه البخاري ـ في كتاب الإيمان ص20 (حاشية السندي)، ورواه مسلم في كتاب الإيمان ص37 - مسلم بشرح النووي ـ ورواه غيرهم

ص: 16