الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكان حمزة قد أبلى بلاء عظيما في هذه المعركة، فقد قتل واحدا وثلاثين من الكفار (1).
(1) تهذيب الأسماء واللغات (1/ 169) والإصابة (2/ 37) وأسد الغابة (2/ 42).
2 -
الشهيد
قاتل حمزة حتى مر به سباع بن عبد العزى العبشاني، وكان يكنى بأبي نيار، فقال له حمزة:"هلم إلي يا ابن مقطعة البظور"، وكانت أمه أم أنمار مولاة شريق بن الأخنس بن شريق، وكانت ختانة بمكة، فلما التقيا ضربه حمزة فقتله.
قال وحشي غلام جبير بن مطعم: "والله إني لأنظر إلى حمزة يهد (1) الناس بسيفه ما يليق (2) به شيئا مثل الجمل الأورق (3) إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى، فقال له حمزة: هلم إلي يا ابن مقطعة البظور، فضربه ضربة، فكأنما أخطأ رأسه (4). وهززت حربتي، حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه، فوقعت في ثنته (5)، حتى خرجت من بين رجليه فأقبل نحوي، فقلب فوقع، وأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذت حربتي ثم تنحيت إلى العسكر، ولم يكن لي بشيء حاجة غيره"(6).
وكان وحشي غلاما لجبير بن مطعم وكان عمه طعيمة بن عدي قد أصيب يوم بدر، فلما سارت قريش إلى أحد، قال جبير لوحشي:"إن قتلت حمزة عم محمد فأنت عتيق"، فخرج وحشي مع الناس. وكان رجلا حبشيا يقذف بالحربة قذف الحبشة، قلما يخطئ، فلما التقى الجانبان خرج ينظر حمزة، فلما قتل حمزة عاد أدراجه إلى معسكر قريش وقعد فيه؛ إذ لم يكن له بغير حمزة حاجة، وإنما قتله ليعتق، فلما عاد إلى مكة أعتق (7).
(1) يهد: يهلكهم، ويروى: يهز في ابن الأثير (2/ 156) ومعناه: يسرع في قتلهم.
(2)
ما يليق: ما يبقي.
(3)
الأورق: الذي لونه بين الغبرة والسواد.
(4)
فكأنما أخطأ رأسه: هذا عند المبالغة في الإصابة، كذا في الزرقاني على المواهب.
(5)
الثنية. أسفل بطنه. والتة: أسفل البطن.
(6)
سيرة ابن هشام (3/ 15).
(7)
سيرة ابن هشام (3/ 17) والبداية والنهاية.
وقد استشهد حمزة يوم السبت النصف من شهر شوال (1) من سنة ثلاث من الهجرة (2)(624م).
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمس حمزة، فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده، ومثل به فجدع أنفه وأذناه، فحزن عليه النبي صلى الله عليه وسلم. فلما رأى المسلمون حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيظه على من فعل بعمه ما فعل قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر، لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب.
ولما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة قال: «لن أصاب بمثلك أبدا، ما وقفت موقفا أغيظ إلي من هذا (3)» .
وكفن حمزة في بردة (4) إذا غطي رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطيت رجلاه خرج رأسه، فغطي رأسه وجعل على رجليه إذخر (5).
(1) أسد الغابة (2/ 47).
(2)
تهذيب الأسماء واللغات (1/ 169).
(3)
سيرة ابن هشام (3/ 47).
(4)
البردة: كساء مخطط يلتحف به (ج) برد، وبرد.
(5)
إذخر: نبات فيه رائحة طيبة.
(6)
طبقات ابن سعد (3/ 15 - 16).
(7)
سيرة ابن هشام (3/ 48).
ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم منظرا أوجع لقلبه من منظر حمزة مقتولا ممثلا به، فقال:«رحمك الله أي عم- فلقد كنت وصولا للرحم، فعولا للخيرات، فوالله لئن أظفرني الله بالقوم لأمثلن بسبعين منهم (1)» فما برح حتى نزل قول الله في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول أصحابه: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} (2){وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} (3)، فعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبر، ونهى عن المثلة (4).
ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمزة فدفن في (أحد) ودفن معه ابن أخته عبد الله بن جحش وأمه أميمة بنت عبد المطلب، وكان قد مثل به أيضا (5).
وقبرهما معروف في (أحد) حتى اليوم.
«ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد، سمع نساء بني عبد الأشهل من الأنصار يبكين على شهدائهن، فقال: "لكن حمزة لا بواكي له" فاجتمع نساء وبكين حمزة، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بكاءهن، فقال: "من هؤلاء؟ " فقيل: نساء الأنصار، فخرج إليهن فقال: "ارجعن، لا بكاء بعد اليوم (6)» ودعا لهن ولأولادهن وأولاد أولادهن بالخير والبركة والرحمة (7).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد مر في طريق عودته من أحد إلى المدينة بامرأة من بني دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد، فلما نعوا لها قالت:"فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ "، قالوا: خيرا يا أم فلان! هو بحمد الله كما تحبين قالت: " أرونيه حتى أنظر إليه "، فأشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت:"كل مصيبة بعدك جلل "، تريد صغيرة (8).
(1) الاستيعاب (1/ 374).
(2)
سورة النحل الآية 126
(3)
سورة النحل الآية 127
(4)
سيرة ابن هشام (3/ 45 - 46).
(5)
البداية والنهاية (4/ 42).
(6)
طبقات ابن سعد (3/ 18).
(7)
طبقات ابن سعد (3/ 18) وسيرة ابن هشام (3/ 50).
(8)
سيرة ابن هشام (3/ 51).