الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بقدر ما تستدعيه الضرورة، يعلم أنه لا يجوز أن يكون ذلك بقانون عام يخضع له جميع الموتى على السواء؛ لأن ذلك فضلا عن أنه لا تقتضيه الضرورة كما هو ظاهر مفض إلى مفسدة عامة لا وزن بجانبها لمصلحة علاج مريض أو مرضى، مظهرها ثورة أولياء الموتى وأهليهم إذا أريد انتزاع عيون موتاهم قهرا، ثورة جامحة عامة، فيجب أن يقتصر في ذلك على عيون بعض الموتى ممن ليس لهم أولياء ولا يعرف لهم أهل، ومن الجناة الذين يحكم عليهم بالإعدام قصاصا والتحديد بهذا واف بالغرض دون اعتراض أحد أو مساس بحقه. والله أعلم.
ولفضيلة الشيخ عبد الرحمن الناصر السعدي فتوى تتعلق بالموضوع رأينا إثباتها وفيما يلي نصها:
سؤال: هل يجوز
أخذ جزء من جسد الإنسان وتركيبه في إنسان آخر مضطر إليه
برضاء من أخذ منه؟
ج: جميع المسائل التي تحدث في كل وقت سواء حدثت أجناسها أو أفرادها يجب أن تتصور قبل كل شيء، فإذا عرفت حقيقتها وشخصت صفاتها وتصورها الإنسان تصورا تاما بذاتها ومقدماتها ونتائجها طبقت على نصوص الشرع وأصوله الكلية فإن الشرع يحل جميع المشكلات، مشكلات الجماعات والأفراد ويحل المسائل الكلية والجزئية، يحلها حلا مرضيا للعقول الصحيحة والفطر المستقيمة ويشترط أن ينظر فيه البصير من جميع نواحيه وجوانبه الواقعية والشرعية، فنحن في هذه المسألة قبل كل شيء نقف على الحياد حتى يتضح لنا اتضاحا تاما للجزم بأحد القولين، فنقول: من الناس من يقول هذه الأشياء لا تجوز لأن الأصل أن الإنسان ليس له التصرف في بدنه بإتلاف أو قطع شيء منه أو التمثيل به؛ لأنه أمانة عنده لله ولهذا قال تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (1).
والمسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه، أما المال فإنه يباح بإباحة صاحبه وبالأسباب التي جعلها الشارع وسيلة لإباحة التملكات، وأما الدم فلا يباح لوجه من الوجوه ولو أباحه صاحبه لغيره سواء كان نفسا أو عضوا أو دما أو غيره إلا على وجه القصاص بشروط، أو في الحالة التي أباحها الشارع وهي أمور معروفة ليس منها هذا المسئول عنه، ثم إن ما زعموه من المصالح للغير معارض بالمضرة اللاحقة لمن قطع منه ذلك الجزء، فكم من إنسان تلف أو مرض بهذا العمل، ويؤيد هذا قول الفقهاء: من ماتت وهي حامل بحمل حي لم يحل شق بطنها لإخراجه ولو غلب الظن، أو لو تيقنا خروجه حيا إلا إذا خرج بعضه حيا فيشق للباقي، فإذا كان هذا في الميتة فكيف حال الحي، فالمؤمن بدنه محترم حيا وميتا ويؤخذ من هذا أيضا أن الدم نجس خبيث، وكل نجس خبيث لا يحل التداوي به مع ما يخشى عند أخذ دم إنسان من هلاك أو مرض، فهذا من
(1) سورة البقرة الآية 195
حجج هذا القول. ومن الناس من يقول لا بأس بذلك؛ لأننا إذا طبقنا هذه المسألة على الأصل العظيم للمحيط الشرعي صارت من أوائل ما يدخل فيه، وأن ذلك مباح بل ربما يكون مستحبا، وذلك أن الأصل إذا تعارضت المصالح والمفاسد والمنافع والمضار، فإن رجحت المفاسد أو تكافأت منع منه وصار درء المفاسد في هذه الحال أولى من جلب المنافع، وإن رجحت المصالح والمنافع على المفاسد والمضار اتبعت المصالح الراجحة، وهذه المذكورات مصالحها عظيمة معروفة ومضارها إذا قدرت فهي جزئية يسيرة منغمرة في المصالح المتنوعة، ويؤيد هذا أن حجة القول الأول وهي أن الأصل أن بدن الإنسان محترم لا يباح بالإباحة متى اعتبرنا فيه هذا الأصل، فإنه يباح كثير من ذلك للمصلحة الكثيرة المنغمرة في المفسدة بفقد ذلك العضو أو التمثيل به.
فإنه يباح لمن وقعت فيه الأكلة التي يخشى أن ترعى بقية بدنه، قطع العضو المتآكل لسلامة الباقي، وكذلك يجوز قطع الضلع التي لا خطر في قطعها، ويجوز التمثيل في البدن بشق البطن أو غيره للتمكن من علاج المرض ويجوز قلع الضرس ونحوه عند التألم الكثير وأمور كثيرة من هذا النوع أبيحت لما يترتب عليها من حصول مصلحة أو دفع مضرة.
وأيضا فإن كثيرا من هذه الأمور المسئول عنها يترتب عليها المصالح من دون ضرر يحدث فما كان كذلك فإن الشارع لا يحرمه، وقد نبه الله تعالى على هذا الأصل في عدة مواضع من كتابه ومنه قوله عن الخمر والميسر:{قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} (1) فمفهوم الآية أن ما كانت منافعه ومصالحه أكثر من مفاسده وإثمه فإن الله لا يحرمه، ولا يمنعه، وأيضا فإن مهرة الأطباء المعتبرين متى قرروا تقريرا متفقا عليه أنه لا ضرر على المأخوذ من جسده ذلك الجزء وعرفنا ما يحصل من ذلك من مصلحة الغير، كانت مصلحة محضة خالية من المفسدة، وإن كان كثير من أهل العلم يجوزون بل يستحسنون إيثار الإنسان غيره على نفسه بطعام أو شراب هو أحق به منه، ولو تضمن ذلك تلفه أو مرضه ونحو ذلك، فكيف بالإيثار بجزء من بدنه لنفع أخيه النفع العظيم من غير خطر تلف بل ولا مرض وربما كان في ذلك نفع له إذا كان المؤثر قريبا أو صديقا خاصا أو صاحب حق كبير أو أخذ عليه نفع دنيوي ينفعه أو ينفع من بعده.
ويؤيد هذا أن كثيرا من الفتاوى تتغير بتغير الأزمان والأحوال والتطورات وخصوصا الأمور التي ترجع إلى المنافع والمضار ومن المعلوم أن ترقي الطب الحديث له أثره الأكبر في هذه الأمور كما هو معلوم مشاهد، والشارع أخبر بأنه ما من داء إلا وله شفاء، وأمر بالتداوي خصوصا وعموما، فإذا تعين الدواء وحصول المنفعة بأخذ جزء من هذا ووضعه في الآخر من غير ضرر يلحق المأخوذ منه فهو داخل فيما أباحه الشارع، وإن كان قبل ذلك وقبل ارتقاء الطب فيه ضرر أو خطر، فيراعى كل وقت بحسبه، ولهذا نجيب عن كلام أهل العلم القائلين بأن الأصل في أجزاء الآدمي تحريم أخذها وتحريم التمثيل بها، فيقال: هذا يوم كان ذلك خطرا أو ضررا أو ربما أدى إلى الهلاك، وذلك أيضا في الحالة التي ينتهك فيها بدن الآدمي وتنتهك حرمته.
(1) سورة البقرة الآية 219
فأما في هذا الوقت فالأمران مفقودان، الضرر مفقود وانتهاك الحرمة مفقودة، فإن الإنسان قد رضي كل الرضا بذلك واختاره مطمئنا مختارا لا ضرر عليه ولا يسقط شيء من حرمته، والشارع إنما أمر باحترام الآدمي تشريفا له وتكريما، والحالة الحاضرة غير الحالة الغابرة، ونحن إنما أجزنا ذلك إذا كان المتولي طبيبا ماهرا، وقد وجدت تجارب عديدة للنفع وعدم الضرر، فبهذا يزول المحذور.
ومما يؤيد ذلك ما قاله غير واحد من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم أنه إذا أشكل عليك شيء هل هو حلال أو حرام، أو مأمور به أو منهي عنه؛ فانظر إلى أسبابه الموجبة وآثاره ونتائجه الحاصلة، فإذا كانت منافع ومصالح وخيرات وثمراتها طيبة، كان من قسم المباح أو المأمور به، وإذا كان بالعكس، كانت بعكس ذلك، طبق هذه المسألة على هذا الأصل، وانظر أسبابها وثمراتها تجدها أسبابا لا محذور فيها، وثمراتها خير الثمرات، وإذا قال الأولون: أما ثمراتها فنحن نوافق عليها ولا يمكننا إلا الاعتراف بها، ولكن الأسباب محرمة كما ذكرنا في أن الأصل في أجزاء الآدمي التحريم، وأن استعمال الدم استعمال للدواء الخبيث، فقد أجبنا عن ذلك بأن العلة في تحريم الأجزاء إقامة حرمة الآدمي ودفع الانتهاك الفظيع، وهذا مفقود هنا، وأما الدم فليس عنه جواب إلا أن نقول: إن مفسدته تنغمر في مصالحه الكثيرة وأيضا ربما ندعي أن هذا الدم الذي ينقل من بدن إلى آخر، ليس من جنس الدم الخارج الخبيث المطلوب اجتنابه والبعد عنه وإنما هذا الدم هو روح الإنسان وقوته وغذائه فهو بمنزلة الأجزاء أو دونها، ولم يخرجه الإنسان رغبة عنه وإنما هو إيثار لغيره، وبذل من قوته لقوة غيره وبهذا يخف خبثه في ذاته وتلطفه في آثاره الحميدة، ولهذا حرم الله الدم المسفوح وجعله خبيثا، فيدل على أن الدماء في اللحم والعروق وفي معدتها قبل بروزها ليست محكوما عليها بالتحريم والخبث، فقال الأولون: هذا من الدم المسفوح فإنه لا فرق بين استخراجه بسكين أو إبرة أو غيرها، أو ينجرح الجسد من نفسه فيخرج الدم فكل ذلك دم مسفوح محرم خبيث، فكيف تجيزونه؟ ولا فرق بين سفحه لقتل الإنسان أو الحيوان أو سفحه لأكل أو سفحه للتداوي به، فمن فرق بين هذه الأمور فعليه الدليل.
فقال هؤلاء المجيزون: هب أنا عجزنا عن الجواب عن حل الدم المذكور فقد ذكرنا لكم عن أصول الشريعة ومصالحها ما يدل على إباحة أخذ جزء من أجزاء الإنسان لإصلاح غيره إذا لم يكن فيه ضرر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا (1)» ، «ومثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كالجسد الواحد (2)» فعموم هذا يدل على هذه المسألة وأن ذلك جائز، فإذا قلتم: إن هذا في التواد والتراحم والتعاطف كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لا في وصل أعضائه بأعضائه، قلنا: إذا لم يكن ضرر ولأخيه فيه نفع فما الذي يخرجه من هذا؟ وهل هذا إلا فرد من أفراده؟ كما أنه داخل في الإيثار، وإذا كان من أعظم خصال العبد الحميدة مدافعته عن نفس أخيه وماله ولو حصل عليه ضرر في بدنه أو ماله فهذه المسألة من باب أولى وأحرى، وكذلك من فضائله تحصيل مصالح أخيه، وإن طالت المشقة وعظمت الشقة فهذه كذلك وأولى.
(1) صحيح البخاري الصلاة (481)، صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2585)، سنن الترمذي البر والصلة (1928)، سنن النسائي الزكاة (2560)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 405).
(2)
صحيح البخاري الأدب (6011)، صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2586)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 270).
ونهاية الأمر أن هذا الضرر غير موجود في هذا الزمن، فحيث انتقلت الحال إلى ضدها وزال الضرر والخطر فلم لا يجوز ويختلف الحكم فيه لاختلاف العلة، ويلاحظ أيضا في هذه الأوقات التسهيل ومجاراة الأحوال إذا لم تخالف نصا شرعيا؛ لأن أكثر الناس لا يستفتون ولا يبالون وكثير ممن يستفتي إذا أفتي بخلاف رغبته وهواه تركه ولم يلتزمه، فالتسهيل عند تكافؤ الأقوال يخفف الشر ويوجب أن يتماسك الناس بعض التماسك لضعف الإيمان وعدم الرغبة في الخير، كما يلاحظ أيضا أن العرف عند الناس أن الدين الإسلامي لا يقف حاجزا دون المصالح الخالصة أو الراجحة بل يجاري الأحوال والأزمان ويتتبع المنافع والمصالح الكلية والجزئية، فإن الملحدين يموهون على الجهال أن الدين الإسلامي لا يصلح لمجاراة الأحوال والتطورات الحديثة، وهم في ذلك مفترون، فإن الدين الإسلامي به الصلاح المطلق من كل وجه، الكلي والجزئي، وهو حلال لكل مشكلة خاصة أو عامة وغير قاصر من جميع الوجوه.
رابعا: المقارنة بين المصالح التي بني عليها تشريح جثث الآدمي والمصالح التي بنى عليها فقهاء الإسلام الاستثناء من قاعدة عصمة دماء بني آدم ووجوب تكريمهم ورعاية حرمتهم.
إن شريعة الإسلام تنزيل من حكيم حميد، عليم بما كان وما سيكون، أنزلها على خير الخلق وخاتم الأنبياء والمرسلين، وجعلها قواعد كلية ومقاصد سامية شاملة، فكانت تشريعا عاما خالدا صالحا لجميع طبقات الخلق في كل زمان ومكان.
إن كثيرا من الجزئيات والوقائع التي حدثت لا نجدها منصوصا عليها نفسها في الكتاب أو السنة، وربما لم تكن وقعت من قبل فلا يعرف لسلفنا الصالح فيها حكم، لكن يتبين لبحث علماء الإسلام عنها أنها مندرجة في قاعدة شرعية عامة، ومن ثم يعرف حكمها، ومسألة تشريح جثث موتى بني آدم لا تعدو أن تكون جزئية من هذه الجزئيات التي لم ينص عليها في نص خاص فشأنها شأن الوقائع التي جدت، لا بد أن تكون مشمولة بقاعدة كلية من قواعد الشريعة، وراجعة لمقصد عام من مقاصدها العالية، ضرورة كمال الشريعة وشمولها، وصلاحيتها لجميع الخلق، وختمها بمن أرسل رحمة للعالمين، قال تعالى {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} (1)، وقال:{رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} (2)، وقال {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (3) وثبت في الحديث «لا أحد أحب إليه العذر من الله (4)» من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، وبالبحث عن مسألة التشريح تبين أنها مندرجة تحت قواعد الشريعة العامة وراجعة إلى المصالح المعتبرة شرعا وأن لها نظائر من المسائل التي حكم فيها الفقهاء مع اختلاف نظرهم واجتهادهم فيها، وهذا مما ينير الطريق، ويهدي الباحث في مسألة التشريح ويساعد علة الوصول إلى ما قد يكون صوابا إن شاء الله.
(1) سورة مريم الآية 64
(2)
سورة النساء الآية 165
(3)
سورة المائدة الآية 3
(4)
صحيح البخاري التوحيد (7416)، صحيح مسلم اللعان (1499)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 248)، سنن الدارمي النكاح (2227).
إن من قواعد الشريعة الكلية ومقاصدها العامة أنه إذا تعارضت مصلحتان قدم أقواهما، وإذا تعارضت مفسدتان ارتكب أخفهما تفاديا لأشدهما، ومسألة التشريح داخلة في هذه القاعدة على كل حال، فإن مصلحة حرمة الميت مسلما كان أو ذميا تعارضت مع مصلحة أولياء الميت والأمة والمتهم عند الاشتباه فقد ينتهي الأمر بالتشريح والتحقيق مع المتهم إلى إثبات الجناية عليه، وفي ذلك حفظ لحق أولياء الميت وإعانة لولي الأمر على ضبط الأمن وردع من تسول له نفسه ارتكاب مثل هذه الجريمة خفية، وقد ينتهي الأمر بثبوت موته موتا عاديا، وفي ذلك براءة المتهم، كما أن التشريح المرضي معرفة ما إذا كان هناك وباء ومعرفة نوعه فيتقى شره بوسائل الوقاية المناسبة، وفي هذا المحافظة على نفوس الأحياء والحد من أسباب الأمراض، وقد حثت الشريعة على الوقاية من الأمراض وعلى التداوي مما أصابها، وفي هذا مصلحة للأمة ومحافظة على سلامتها وإنقاذها مما يخشى أن يصيبها جريا على ما اقتضت به سنة الله شرعا وقدرا.
وفي تعريف الطلاب تركيب الجسم وأعضائه الظاهرة والأجهزة الباطنة ومواضعها وحجمها صحيحة ومريضة وتدريبهم على ذلك عمليا وتعريفهم بإصاباتها وطرق علاجها، في هذا وغيره مما تقدم بيانه في الموضوع الثاني، وما ذكر في فتوى الشيخ حسنين محمد مخلوف وما ذكره الأطباء. . . مصالح كثيرة تعود على الأمة بالخير العميم، فإذا تعارضت مصلحة المحافظة على حرمة الميت مع هذه المصالح نظر العلماء أي المصلحتين أرجح فبني عليها الحكم منعا أو إباحة، وقد يقال: إن مصلحة الأمة في مسألتنا أرجح لكونها كلية عامة، ولكونها قطعية كما دل على ذلك الواقع والتجربة، وهي عائدة إلى حفظ نفوس الناس، وحفظها من الضرورات التي جاءت بمراعاتها وصيانتها جميع شرائع الأنبياء، وقد وجدت نظائر لمسألة التشريح بحثها فقهاء الإسلام، منها المسائل الخمس التي تقدم ذكرها فقد بحثوها وبينوا الحكم فيها على ما ظهر لهم، فمسألة تترس الكفار بأسرى المسلمين ونحوهم في الحرب رجح كثير منهم رمي الترس إيثارا للمصلحة العامة، وكذا رجح كثير منهم شق بطن من ماتت وفي بطنها جنين حي، وأكل المضطر لحم آدمي ميت، إبقاء على حياته، وإيثار الجانب الحي على جانب الميت، وإلقاء أحد ركاب سفينة خيف عليهم الغرق ولا نجاة لهم إلا بإلقاء واحد منهم، إيثارا لمصلحة الجماعة على مصلحة الواحد، وقد سبق تفصيل ذلك، فلا يبعد أن يقال: يجوز التشريح إلحاقا بهذه النظائر في الحكم.
وقد يقال: إن الحوادث كانت منذ كان الناس، والطب قديم، والحاجة إلى تشخيص الأمراض ومعرفة أسبابها وطرق علاجها كان في العهود الأولى، ولم يتوقف شيء من ذلك على التشريح، ولهذا لم يقدم الأطباء قديما على التشريح، فلم نقدم عليه اليوم؟ وقد أورد فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف هذا السؤال على نفسه وأوضحه، ثم أجاب عنه في فتواه التي سبق ذكرها، وقد يقال أيضا: إن اقتضت المصلحة - ولا بد - تشريح إنسان ميت فليقتصر على تشريح المحاربين فإن دمهم هدر، ويستثنى منهم من نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلهم كنسائهم وصبيانهم، ولا ينافي ذلك ما ورد عنه من النهي عن التمثيل بقتلاهم، فإن نهيه عنه مقيد بما إذا لم يوجد ما يقتضي التمثيل بهم، وهنا قد وجدت الضرورة، وبهذا يجمع بين مصلحة حرمة الميت المسلم والذمي ومصلحة الخدمات الطبية، وربما نوقش ذلك باحتمال عدم الكفاية بتشريح المحاربين أو عدم تيسر الحصول عليهم فيعود الأمر إلى البحث في تشريح جثث موتى المسلمين ومن في حكمهم، قد
يقال: لا ضرورة تلجئ إلى تشريح جثث الموتى مطلقا؛ إذ يمكن أن يستغنى عن ذلك بتشريح الحيوانات بعد ذبح ما يذبح منها ذبحا شرعيا محافظة على المال.
ففي ذلك غنية عن تشريح جثث بني آدم وجمع بين مصلحة موتى الآدميين ومصلحة الخدمات الطبية، فإن لم يتيسر الاكتفاء بتشريحها فلا أقل من أن لا تشرح جثث بني آدم إلا فيما لا يمكن الاكتفاء فيه بتشريح جثث الحيوانات، تقليلا للمفسدة ومحافظة على حرمة الموتى بقدر الإمكان.
وللدكتور محمد عبد الفتاح هدارة كلمة بين فيها أوجه الشبه والخلاف بين جسم الإنسان وجسم الحيوانات الأخرى القريبة الشبه به قد تعتبر جوابا عن ذلك من مختص في علم التشريح المقارن وفيما يلي نصها.
أوجه الشبه والخلاف بين جسم الإنسان
يستلزم تدريب الطبيب للممارسة الصحيحة للطب والجراحة أن يعرف حجم وشكل ومكان وتركيب كل عضو وما يجاوره من الأعضاء الأخرى في الجسم السليم، إذا يمكنه بعدئذ أن يعرف ما قد يطرأ من تغييرات على حجم وشكل ومكان وتركيب أي من هذه الأعضاء بسبب المرض.
فالمعرفة المذكورة المطلوبة معرفة تفصيلية دقيقة يصعب تصورها أو الحصول عليها دون تشريح الأجسام البشرية، ولا يمكن الاستعاضة في هذا المضمار عن الجسم البشري بجسم حيوان آخر.
فأقرب الحيوانات إلى شكل الإنسان هي مجموعة الأنواع التي تعرف بذوات الثدي أو الثدييات وهي التي تلد وترضع أولادها، والشبه بينها وبين الإنسان عام، ولكن هناك الاختلافات الكثيرة ولا تفيد دراسة تفاصيل جسم حيوان ثديي في فهم تفاصيل الجسم البشري التي تعين على تشخيص الأمراض في أحوال كثيرة.
فالاعتماد على تشريح الحيوانات الثديية وحدها، حتى أقربها إلى الإنسان شكلا لا يعطي فكرة صادقة عن تفاصيل الجسم البشري وقد يزرع في ذهن الأطباء عامة صورة غير صادقة عن تركيب الجسم البشري تكون سببا في ارتكاب الأطباء للأخطاء الفنية.
وخير ما يدل هو إبراز بعض أوجه الخلاف.
الهيكل العظمي وما يتصل به من مفاصل وعضلات
يختلف هيكل الإنسان عن هيكل الثدييات الأخرى في مقاييس العظام المكونة له واعتداله، وتقوسات العمود الفقري، وشكل الحوض والقفص الصدري، كما تختلف نسب وأشكال عظام الأطراف والمفاصل التي بينها وخاصة اليد والقدم وعظام العضوين المذكورين تختلف في عددها وطرق تفصلها والعضلات المتصلة بها، وأما اليد فعضو إنساني بلغ في الإنسان مبلغا من الدقة لا يوجد في سائر الثدييات.
أما الرأس فنسب الأعضاء فيه مختلفة اختلافا كبيرا في سائر الثدييات فهيكل الفكين في الثدييات يكون جزءا كبيرا من الجمجمة في حين أن صندوق الدماغ فيها صغير نسبيا ووضع تجاويف الأنف وحجاج العين يختلف في الثدييات عن الإنسان.
الأحشاء الداخلية
والأحشاء الداخلية سواء كانت في الصدر أم في البطن تختلف في نسبها وشكلها العام في الإنسان عن سائر الثدييات فمعدة الإنسان بسيطة وقد تكون متعددة الأجزاء في الحيوانات المجترة، وأمعاؤه تخالف في الطول وفي الوضع أمعاء الثدييات الأخرى.
ورحم الإنسان بسيط وقد يكون ذا قرنين معقدين في كثير من الثدييات.
وكلية الإنسان ذات سطح ناعم لا أخاديد به رغم تعدد ما به من الفصوص وكلى الثدييات تختلف فبعضها ذات فص واحد وبعضها متعدد الفصوص ولكن يفصل بين فصوصها أخاديد تبدو على سطحها، ودماغ الإنسان أكبر بكثير من أدمغة الحيوانات الثديية التي تماثله حجما بل والتي تكبره بكثير بل مع اختلاف شكل دماغ الإنسان ونسب أجزائه عن أدمغة الثدييات الأخرى.
وهناك فروق كثيرة في التركيب الميكروسكوبي لأعضاء الإنسان وأعضاء الثدييات وإن كان الشبه بين أعضاء الثدييات عاما بالإضافة إلى أن هناك فروقا في التركيب الميكروسكوبي للأعضاء السليمة والأعضاء المريضة في جسم الإنسان لا بد من معرفتها حتى يعرف طبيعة المرض. هذا ما تيسر إعداده، والله الموفق وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.
حرر في 21/ 7 / 96 هـ
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
قرار رقم 47 وتاريخ 20/ 8 / 1396 هـ
الحمد لله وحده وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه وبعد:
ففي الدورة التاسعة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في مدينة الطائف في شهر شعبان عام 1396 هـ جرى الاطلاع على خطاب معالي وزير العدل رقم 3231/ 2 / خ المبني على خطاب وكيل وزارة الخارجية رقم 34/ 1 / 2/ 13446 / 3 وتاريخ 6/ 8 / 1395 هـ المشفوع به صورة مذكرة السفارة الماليزية بجدة المتضمنة استفسارها عن رأي وموقف المملكة العربية السعودية من إجراء عملية جراحية طبية على ميت مسلم وذلك لأغراض مصالح الخدمات الطبية.
كما جرى استعراض البحث المقدم في ذلك من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وظهر أن الموضوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: التشريح لغرض التحقق عن دعوى جنائية.
الثاني: التشريح لغرض التحقق عن أمراض وبائية لتتخذ على ضوئه الاحتياطات الكفيلة بالوقاية منها.
الثالث: التشريح للغرض العلمي تعلما وتعليما.
وبعد تداول الرأي والمناقشة ودراسة البحث المقدم من اللجنة المشار إليه أعلاه قرر المجلس ما يلي:
بالنسبة للقسمين الأول والثاني فإن المجلس يرى أن في إجازتهما تحقيقا لمصالح كثيرة في مجالات الأمن والعدل ووقاية المجتمع من الأمراض الوبائية، ومفسدة انتهاك كرامة الجثة المشرحة مغمورة في جنب المصالح الكثيرة والعامة المتحققة بذلك وإن المجلس لهذا يقرر بالإجماع إجازة التشريح لهذين الغرضين سواء كانت الجثة المشرحة جثة معصوم أم لا.
وأما بالنسبة للقسم الثالث وهو التشريح للغرض التعليمي فنظرا إلى أن الشريعة الإسلامية قد جاءت بتحصيل المصالح وتكثيرها، وبدرء المفاسد وتقليلها، وبارتكاب أدنى الضررين لتفويت أشدهما وأنه إذا تعارضت المصالح أخذ بأرجحها، وحيث إن تشريح غير الإنسان من الحيوانات لا يغني عن تشريح الإنسان، وحيث إن في التشريح مصالح كثيرة ظهرت في التقدم العلمي في مجالات الطب المختلفة، فإن المجلس يرى جواز تشريح جثة الآدمي في الجملة، إلا أنه نظرا إلى عناية الشريعة الإسلامية بكرامة المسلم ميتا كعنايتها بكرامته حيا، وذلك لما روى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«كسر عظم الميت ككسره حيا (1)» ونظرا إلى أن التشريح فيه امتهان لكرامته، وحيث إن الضرورة إلى ذلك منتفية بتيسر الحصول على جثث أموات غير معصومة، فإن المجلس يرى الاكتفاء بتشريح مثل هذه الجثث وعدم التعرض لجثث أموات معصومين والحال ما ذكر. والله الموفق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
(1) سنن أبو داود الجنائز (3207)، سنن ابن ماجه ما جاء في الجنائز (1616)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 105).
من روائع الفن الإسلامي
مجلة البحوث الإسلامية
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
القسامة
هيئة كبار العلماء
الحمد لله وحده وبعد:
فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الثامنة المنعقدة في مدينة الرياض في النصف الأول من شهر ربيع الثاني عام 1396هـ موضوع (القسامة: هل الورثة هم الذين يحلفون أيمان القسامة، أو أن العصبة بالنفس هم الذين يحلفون، ولو كانوا غير وارثين إذا كانوا ذكورا بالغين؟) مشفوعا بالبحث المعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ورغبة في إطلاع قراء (مجلة البحوث الإسلامية) على هذا البحث القيم ننشره بنصه:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فبناء على ما تقرر في الدورة الرابعة لهيئة كبار العلماء من أن يدرج موضوع القسامة ضمن المواضيع التي اتفق المجلس على إعداد بحوث فيها فقد أعدت اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء بحثا في ذلك يشتمل على العناصر التالية:
1 -
بيان اشتقاق القسامة، وتحديد معناها في اللغة، والمراد بها عند الفقهاء.
2 -
بيان مستند من عمل بالقسامة، ومستند من لم يعمل بها ومناقشة كل منها.
3 -
ضابط اللوث وبيان صوره، واختلاف العلماء فيها، ومنشأ ذلك مع المناقشة.
4 -
هل يتعين أن يكون المدعى عليه في القسامة واحدا، أو يجوز أن يكون أكثر ولو مبهما مع ذكر الدليل والمناقشة.
5 -
ذكر اختلاف العلماء فيمن توجه إليه أيمان القسامة أولا، من مدع ومدعى عليه ومستند كل مع المناقشة.
6 -
ذكر خلاف العلماء فيمن يحلف أيمان القسامة، وبيان ذلك ومستند كل مع المناقشة، وهل ترد الأيمان إذا نقص العدد أو لا.
7 -
خلاف العلماء في الحكم على الناكل بمجرد النكول مع الأدلة والمناقشة.
8 -
ذكر خلاف العلماء فيما يثبت بالقسامة من قود أو دية، وذكر مستند كل مع المناقشة.
9 -
خلاف العلماء فيمن يقتل بالقسامة إذا كان المدعى عليهم أكثر من واحد، وفي العدول عن القتل إلى دفع الدية مع الأدلة والمناقشة.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القسامة
أ - قال أحمد بن فارس: " قسم " القاف، والسين، والميم، أصلان صحيحان يدل أحدهما على جمال وحسن؛ والآخر على تجزئة شيء - وبعد كلامه على الأصل الأول قال: والأصل الآخر القسم: مصدر قسمت الشيء قسما، والنصيب قسم بكسر القاف، فأما اليمين فالقسم، قال أهل اللغة: أصل ذلك من القسامة وهي الأيمان تقسم على أولياء المقتول إذا ادعوا دم مقتولهم على ناس اتهموهم به (1). .
ب - وقال ابن منظور نقلا عن ابن سيده: والقسامة الجماعة يقسمون على الشيء، أو يشهدون ويمين القسامة منسوبة إليهم، وفي حديث «الأيمان تقسم على أولياء الدم» وقال أيضا نقلا عن ابن زيد: جاءت قسامة الرجل سمي بالمصدر وقتل فلان فلانا بالقسامة أي باليمين، وجاءت قسامة من بني فلان وأصله اليمين ثم جعل قوما.
وقال أيضا نقلا عن الأزهري: القسامة اسم من الإقسام؛ وضع موضع المصدر، ثم يقال للذين يقسمون قسامة (2).
(1) معجم مقاييس اللغة ج5 ص86 ويرجع أيضا إلى اللسان ج15 ص 381 والصحاح ج5 ص 210
(2)
لسان العرب ج15 ص381 - 382.