الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وما ذكره من الاحتمال لا ينفي اللوث، فإن اللوث لا يشترط فيه يقين القتل من المدعى عليه، ولا ينافيه الاحتمال، ولو تيقن القتل من المدعى عليه لما احتيج إلى الأيمان، ولو اشترط نفي الاحتمال لما صحت الدعوى على واحد من جماعة؛ لأنه يحتمل أن القاتل غيره، ولا على الجماعة؛ لأنه يحتمل ألا يشترك الجميع في قتله.
والرواية الثانية عن أحمد: أن اللوث ما يغلب على الظن صدق المدعي، وذلك من وجوه إحداها: العداوة المذكورة (1) وسنذكر البقية موزعة في مواضعها.
* * *
(1) المغني ج8 ص487 - 489.
تحرير محل النزاع في اللوث مع بيان منشأ الخلاف
اتفق من يقولون بالقسامة على أنها لا تثبت بمجرد دعوى أولياء الدم، واتفقوا على أنها تثبت بالدعوى إذا اقترن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بمقتضاها، ثم اختلفوا في الصور التي تتحقق فيها هذه الشبهة، ومنشأ الخلاف في ذلك اختلافهم في تطبيق ضابط هذه الشبهة المسماة لوثا على هذه الصور، فمن رآها متحققة في صورة من الصور السبع المذكورة أو نحوها أثبت بها القسامة، ومن لم يجد في نفسه غلبة الظن توجب الحكم بها في صورة لم يثبت الحكم بها في تلك الصورة. اهـ ابن حجر بتصرف (1)
(1) فتح الباري ج12 ص197. .
الرابع:
هل يتعين أن يكون المدعى عليه في القسامة واحدا أو يجوز أن يكون أكثر لو منبهما
مع ذكر الدليل والمناقشة
لقد سبق الكلام على معنى اللوث وخلاف العلماء في صوره، وكان مما تقدم أن القسامة عند الحنفية لا تكون إلا في صورة واحدة من الصور التي سبق الكلام عليها وهي الواقعة بين
الأنصار واليهود في خيبر، وتقدم النقل عنهم في هذه الصورة مستوفيا أدلتهم من السنة والآثار، ومما تقدم يتبين أن أبا حنيفة رحمه الله يرى أن الدعوى في القتل تكون على مبهم، فتركنا إعادة ذلك النقل اكتفاء بما سبق ذكره، ومعلوم أن هذا الرأي يخالف قوله صلى الله عليه وسلم:«يقسم خمسون منكم على رجل منهم (1)» .
وأما المذاهب الثلاثة ففيما يلي تفصيل أقوالهم، وما استدلوا إليه، ومعلوم أن الأصل في هذا الباب هو قصة خيبر، وقد جاء في بعض الروايات الصحيحة «يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته (2)» .
1 -
قال مالك: " وإذا كانت القسامة لم تكن إلا على رجل واحد ولم يقتل غيره ولم نعلم قسامة كانت قط إلا على رجل واحد، قال الباجي: هذا قول مالك وأكثر أصحابه، وقال أشهب: إن شاءوا أقسموا على واحد أو على اثنين أو على جميعهم، ثم لا يقتلون إلا واحدا ممن أدخلوه في القسامة، كان ذلك لقول الميت: دمي عند فلان، أو فلان، أو لشهادة شاهد على القتل، أو شاهدين على الضرب ثم عاش أياما.
وجه قول مالك: أنه لا يقتل في القسامة إلا واحد، فلا معنى للقسامة على غيره. ووجه قول أشهب: أن القتيل إذا ادعى قتل جماعة له فيجب أن تكون القسامة على قدر ذلك؛ لأن الأيمان لا تكون إلا موافقة للدعوى (3) وقال الباجي في الكلام على من يستحق القتل بالقسامة، قال: وإذا قلنا لا يقتل إلا واحد فهل يقسم على واحد أو على جماعة؟ ففي المجموعة من رواية ابن القاسم عن مالك: لا يقسم إلا على واحد، سواء ثبتت القسامة بدعوى الميت أو بلوث، أو بينة على القتل، أو بينة على الضرب ثم عاش أياما، وقال أشهب: إن شاءوا أقسموا على واحد أو على اثنين أو على أكثر أو على جميعهم، ثم لا يقتلون إلا واحدا ممن أدخلوه في قسامتهم، وجه القول الأول أن القسامة فائدتها القصاص من المدعى عليه القتل، فلا معنى للقسامة على من لا يقتل، ولا تؤثر فيه القسامة حكما.
ووجه القول الثاني أن القسامة إنما هي على قدر الدعوى محققة لها، ولا يجوز أن يكون في بعضه، فإذا وجب لهم القصاص بالقسامة المطابقة لدعواهم كان لهم حينئذ تعيين من يقتص منه؛ لأن القسامة قد تناولته.
وقال سحنون فيما جاء في القسامة على الجماعة في العموم قال: قلت أرأيت إن ادعوا الدم على جماعة رجال ونساء، قال: قال مالك: إذا ادعوا الدم على جماعة أقسموا على واحد منهم وقتلوا إذا كان لهم لوث من بينة، أو تكلم بذلك المقتول، أو قامت البينة على أنهم ضربوه ثم عاش بعد ذلك ثم مات، قلت: فللورثة أن يقسموا على أيهم شاءوا ويقتلوه؟ قال: نعم؛ عند مالك، قلت: فإن ادعوا الخطأ وجاءوا بلوث من بينة على جماعة أقسم الورثة عليهم كلهم بالله الذي لا إله إلا هو أنهم قتلوه ثم تفرق الدية على قبائلهم في ثلاث سنين؟ قال: نعم؛ وكذلك سألت مالكا فقال لي مثلما قلت، وقال لي مالك: ولا يشبه هذا العمد (4).
وقال ابن رشد:
(1) صحيح البخاري الأحكام (7192)، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669)، سنن الترمذي الديات (1422)، سنن النسائي القسامة (4711)، سنن أبو داود الديات (4520)، سنن ابن ماجه الديات (2677)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 3)، موطأ مالك القسامة (1630)، سنن الدارمي الديات (2353).
(2)
صحيح البخاري الأحكام (7192)، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669)، سنن الترمذي الديات (1422)، سنن النسائي القسامة (4711)، سنن أبو داود الديات (4520)، سنن ابن ماجه الديات (2677)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 3)، موطأ مالك القسامة (1630)، سنن الدارمي الديات (2353).
(3)
الموطأ بشرح المنتقى ج7 ص62. .
(4)
المدونة الكبرى ج16 ص224.
واختلف الذين أوجبوا القود بالقسامة هل يقتل بها أكثر من واحد؟ فقال مالك: لا تكون القسامة إلا على واحد وبه قال أحمد بن حنبل، وقال أشهب: يقسم على الجماعة ويقتل منها واحد يعينه الأولياء، وهو ضعيف، وقال المغيرة المخزومي: كل من أقسم عليه قتل، وقال مالك والليث: إذا شهد اثنان عدلان أن إنسانا ضرب آخر وبقي المضروب أياما بعد الضرب ثم مات أقسم أولياء المضروب أنه مات من ذلك الضرب وقيد به، وهذا كله ضعيف (1).
قال الشافعي في باب القسامة: ولهم - أي ولاة الدم - إذا كان ما يوجب القسامة على أهل البيت أو القرية أو الجماعة أن يحلفوا على واحد منهم أو أكثر، فإذا أمكن في المدعى عليه أن يكون في جملة القتلة جاز أن يقسم عليه وحده وعلى غيره ممن أمكن أن يكون في جملتهم (2).
وقال أيضا في اختلاف المدعى عليه في الدم قال: فإن ادعى أولياؤه " أي القتيل" على أهل المحلة لم يحلف لهم منهم إلا من أثبتوا بعينه فقالوا: نحن ندعي أنه قتله، فإن أثبتوهم كلهم وادعوا عليهم، وهم مائة أو أكثر، وفيهم نساء ورجال وعبيد، مسلمون كلهم، أو مشركون كلهم، أو فيهم مسلم ومشرك، أحلفوا كلهم يمينا يمينا؛ لأنهم يزيدون على خمسين.
وإن كانوا أقل من خمسين ردت الأيمان عليهم، فإن كانوا خمسة وعشرين حلفوا يمينين يمينين، وإن كانوا ثلاثين حلفوا يمينين يمينين؛ لأن على كل واحد منهم يمينا وكسر يمين ومن كان عليه كسر يمين حلف يمينا تامة، وليس الأحرار المسلمون أحق بالأيمان من العبيد، ولا العبيد من الأحرار، ولا الرجال من النساء، ولا النساء من الرجال، كل بالغ فيها سواء.
وإن كان فيهم صبي ادعوا عليه لم يحلف، وإذا بلغ حلف، فإن مات قبل البلوغ فلا شيء عليه، ولا يحلف واحد منهم إلا واحدا ادعوا عليه بنفسه، فإذا حلفوا برئوا.
وقال الشافعي: بيان ما يحلف عليه في القسامة قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: وينبغي للحاكم أن يسأل من وجبت له القسامة: من صاحبك؟ فإذا قال: فلان، قال: فلان وحده؟ فإن قال: نعم، قال عمدا أو خطأ؟ فإن قال: عمدا، سأله: ما العمد؟ فإن وصف ما يجب بمثله قصاص، ولو قامت بينة أحلفه على ذلك، وإن وصف من العمد ما لا يجب فيه القصاص وإنما يكون فيه العقل أحلفه على ذلك بعد إثباته، وإن قال: قتله فلان ونفر معه لم يحلفه حتى يسمي النفر، فإن قال: لا أعرفهم وأنا أحلف على هذا أنه فيمن قتله لم يحلفه حتى يسمي عدد النفر معه، فإن كانوا ثلاثة أحلفه على الذي أثبته وكان له عليه ثلث الدية، أو على عاقلته، وإن كانوا أربعة نفر فربعها، وإن لم يثبت عددهم لم يحلف؛ لأنه لا يدري كم يلزم هذا الذي يثبت ولا عاقلته من الدية لو حلف عليه.
ولو عجل الحاكم فأحلفه قبل أن يسأله عن هذا كان عليه أن يعيد عليه اليمين إذا أثبت كم عدد من قتل معه، ولو عجل الحاكم فأحلفه لقتل فلان فلانا ولم يقل عمدا ولا خطأ أعاد عليه عدد ما يلزمه من الأيمان؛ لأن حكم الدية في العمد أنها في ماله، وفي الخطأ أنها على عاقلته، ولو عجله فأحلفه لقتله مع غيره عمدا ولم يقل قتله وحده أعاد عليه اليمين لقتله وحده، ولو عجل فأحلفه لقتله من غيره ولم يسم عدد الذين قتلوه معه أعاد عليه الأيمان إذا عرف العدد.
ولو أحلفه لقتله وثلاثة معه ولم يسمهم قضى عليه بربع الدية، أو على عاقلته، فإن جاء بواحد من الثلاثة فقال: قد أثبت هذا أحلفه أيضا عليه عدة ما يلزمه من الأيمان، فإن كان هذا الوارث وحده أحلفه خمسين يمينا لقتله مع هؤلاء الثلاثة، فإن كان يرث النصف فنصف الأيمان، ولم تعد عليه الأيمان الأولى، ثم كلما أثبت
(1) بداية المجتهد ج2 ص432. .
(2)
الأم ج6 ص75. .
واحدا معه أعاد عليه ما يلزمه من الأيمان، كما يبتدئ استحلافه على واحد لو كانت دعواه عليه منفردة، وإن كان له وارثان فأغفل الحاكم بعض ما وصفت أنه عليه أن يحلفه عليه وأحلفه مغفلا خمسين يمينا، ثم جاء الوارث الآخر فحلف خمسا وعشرين يمينا أعاد على الأول خمسا وعشرين يمينا؛ لأنها هي التي تلزمه مع الوارث معه، وإنما أحلفه أولا خمسا وعشرين يمينا؛ لأنه لا يستحق نصيبه من الدية إلا بها إذا لم تتم أيمان الورثة معه خمسين يمينا (1).
3 -
قال ابن قدامة: ذكر الخرقي من شروط القسامة أن تكون الدعوى عمدا، فوجب القصاص إذا ثبت القتل، وأن تكون الدعوى على واحد، وقال غيره: ليس بشرط، لكن إن كانت الدعوى عمدا محضا لم يقسموا إلا على واحد معين، ويستحقون دمه، وإن كانت خطأ أو شبه عمد فلهم القسامة على جماعة معينين ويستحقون الدية (2).
وقال في حاشية المقنع: قوله: وأن تكون الدعوى على واحد إذا كانت الدعوى عمدا محضا لم يقسموا إلا على واحد معين يستحقون دمه وهذا بلا نزاع، قال الشارح: لا يختلف المذهب أنه لا يستحق بالقسامة أكثر من قتل واحد، وبهذا قال الزهري ومالك وبعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم: يستحق بها قتل جماعة؛ لأنها بينة موجبة للقود، فاستوى فيها الواحد والجماعة كالبينة، وقول أبي ثور نحو هذا.
ولنا قوله صلى الله عليه وسلم: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته (3)» فخص بها الواحد.
ولأنها بينة ضعيفة خولف بها الأصل في قتل الواحد فيقتصر عليه وتبقى على الأصل.
وأما إن كانت الدعوى خطأ أو شبه عمد فقال في الإنصاف: فالصحيح من المذهب والروايتين ليس لهم قسامة ولا تشرع على أكثر من واحد، وعليه جماهير الأصحاب، منهم الخرقي والقاضي وجماعة من أصحابه كالشريف وأبي الخطاب والشيرازي وابن البنا وابن عقيل وغيرهم، وجزم به في الوجيز والمنور ومنتخب الآدمي وغيرهم، وقدمه في المحرر والنظم والحاوي الصغير والفروع وغيرهم.
وعنه لهم القسامة على جماعة معينين ويستحقون الدية، وهو الذي قاله المصنف هنا، وجزم به في الهداية والمذهب والمستوعب والخلاصة، وقدمه في الرعايتين، وظاهر كلام المصنف هنا أن غير الخرقي ما قال ذلك، وتابعه الشارح وابن منجا، وليس الأمر كذلك، فقد ذكرنا عن غير الخرقي من اختار ذلك. انتهى.
قلت: والذي جزم به في الإقناع أن لهم القسامة في الخطأ كالعمد؛ لأن الخطأ أحد القتلين أشبه العمد، ويقسمون على واحد معين كالعمد، وهو معنى ما جزم به في الإنصاف (4)
(1) الأم ج6 ص81. .
(2)
المقنع ج3 ص432 - 433. .
(3)
صحيح البخاري الأحكام (7192)، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669)، سنن الترمذي الديات (1422)، سنن النسائي القسامة (4711)، سنن أبو داود الديات (4520)، سنن ابن ماجه الديات (2677)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 3)، موطأ مالك القسامة (1630)، سنن الدارمي الديات (2353).
(4)
حاشية المقنع ج3 ص433 - 443. .