الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصورة السابعة: وجود قتيل في محلة
1 -
قال شمس الدين السرخسي -رحمه الله تعالى-: وإذا وجد الرجل قتيلا في محلة قوم فعليهم أن يقسم منهم خمسون رجلا بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا، ثم يغرمون الدية، بلغنا هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي هذا أحاديث مشهورة:
وذكر الزهري عن سعيد بن المسيب: أن القسامة كانت من أحكام الجاهلية فقررها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتيل من الأنصار وجد في حي ليهود، وذكر الحديث إلى أن قال: فألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود الدية والقسامة.
وفي رواية فكتب إليهم: «إما أن يدوه أو يؤذنوا بحرب من الله ورسوله (2)» . وذكر الكلبي عن ابن صالح عن ابن عباس رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل خيبر: "أن هذا قتيل وجد بين أظهركم فما الذي يخرجه عنكم "؟ فكتبوا إليه أن مثل هذه الحادثة وقعت في بني إسرائيل فأنزل الله على موسى عليه السلام أمرا فإن كنت نبيا فاسأل الله مثل ذلك فكتب إليهم: إن الله أراني أن أختار منكم خمسين رجلا فيحلفون بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا، ثم يغرمون الدية " قالوا: لقد قضيت فينا بالناموس، يعني الوحي» .
وروى حنيف عن زياد بن أبي مريم قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني وجدت أخي قتيلا في بني فلان، فقال: " اختر من شيوخهم خمسين رجلا فيحلفون بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا " قال: وليس لي من أخي إلا هذا، قال: " نعم ومائة من الإبل (3)» .
(1) صحيح البخاري الأدب (6142)، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669)، سنن الترمذي الديات (1422)، سنن النسائي القسامة (4714)، سنن أبو داود الديات (4521)، سنن ابن ماجه الديات (2677)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 3)، موطأ مالك القسامة (1630)، سنن الدارمي الديات (2353).
(2)
صحيح البخاري الأحكام (7192)، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669)، سنن الترمذي الديات (1422)، سنن النسائي القسامة (4715)، سنن أبو داود الديات (4521)، سنن ابن ماجه الديات (2677).
(3)
صحيح البخاري الأحكام (7192)، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1669)، سنن الترمذي الديات (1422)، سنن النسائي القسامة (4711)، سنن أبو داود الديات (4523)، سنن ابن ماجه الديات (2677)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 3)، موطأ مالك القسامة (1630)، سنن الدارمي الديات (2353).
وفي الحديث: أن رجلا وجد بين وادعة وأرحب وكان إلى وادعة أقرب فقضى عليهم عمر رضي الله عنه بالقسامة والدية، فقال الحارث بن الأصبغ الوادعي: يا أمير المؤمنين، لا أيماننا تدفع عن أموالنا، ولا أموالنا تدفع عن أيماننا، فقال: حقنتم دماءكم بأيمانكم، وأغرمتم الدية لوجود القتيل بين أظهركم.
فهذه الآثار تدل على ثبوت حكم القسامة والدية في القتيل الموجود في المحلة على أهلها، ونوع من المعنى يدل عليه أيضا؛ وهو أن الظاهر أن القاتل منهم؛ لأن الإنسان قلما يأتي من محلة إلى محلة ليقتل مختارا فيها، وإنما تمكن القاتل منهم من هذا الفعل بقوتهم ونصرتهم، فكانوا كالعاقلة، فأوجب الشرع الدية عليهم صيانة لدم المقتول عن الهدر، وأوجب القسامة عليهم لرجاء أن يظهر القاتل بهذه الطريق فيتخلص غير الجاني إذا ظهر الجاني، ولهذا يستحلفون بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا، ثم على أهل كل محلة حفظ محلتهم عن مثل هذه الفتنة؛ لأن التدبير في محلتهم إليهم، فإنما وقعت هذه الحادثة لتفريط كان منهم في الحفظ حين تغافلوا عن الأخذ على أيدي السفهاء منهم ومن غيرهم، فأوجب الشرع القسامة والدية عليهم لذلك، ووجوب القسامة والدية على أهل المحلة مذهب علمائنا. اهـ (1).
2 -
قال الأبي "ع": الصورة السابعة: القتيل يوجد بمحلة قوم أو قبيلتهم أو مسجدهم، فقال مالك والشافعي: دمه هدر؛ لأنه قد يقتل الرجل الرجل ويلقيه في محلة قوم ليلطخهم به، قال الشافعي: إلا أن يكون مثل قضية الأنصار الذي حكم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم للعداوة الظاهرة بين الأنصار واليهود، وخيبر مختصة باليهود ليس فيها غيرهم، وخرج عبد الله بعد العصر فوجد مقتولا قبل الليل، وقال أحمد نحوه، وتأوله النسائي على مذهب مالك.
وذهب أبو حنيفة ومعظم الكوفيين إلى أن للقتيل يوجد في القرية والمحلة: القسامة، ولا سبب عندهم من الوجوه السبعة للقسامة سواه؛ لأنها الصورة التي حكم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحلف خمسون رجلا خمسين يمينا ويستحقون الدية على ما تقدم من مذهبهم في العمل بها، وذلك إذا وجد القتيل وبه أثر، وإلا فلا قسامة فيه، وإن وجد القتيل في مسجد أهل المحلة فالدية في بيت المال إذا ادعوا بذلك على أهل المحلة.
وقال الأوزاعي: وجود القتيل في المحلة يوجب القسامة وإن لم يكن فيه أثر على ما تقدم من مذهب، وقال داود: لا قسامة إلا في العمد دون الخطأ على أهل القرية الكبيرة والمدينة وهم أعداء المقتول، قلت: في المدونة: وإن وجد قتيل في قرية قوم أو دارهم لا يدرى من قتله فدمه هدر، ولا دية في بيت المال ولا في غيره.
ابن يونس: يريد إن لم يوجد معه أحد، وإن وجد معه رجل عليه أثر قتله قتل به مع القسامة، ابن رشد: ولو وقع مثل قضية الأنصاري في زماننا الواجب الحكم به، ولم يصح أن يتعدى إلى غيره (2) وقال ابن حزم: واعترض المالكيون ومن لا يرى القسامة في هذا بأن قالوا: والقتيل قد يقتل ثم يحمله قاتله فيلقيه على باب إنسان، أو في دار قوم.
فجوابنا -وبالله تعالى التوفيق-: أن هذا ممكن ولكن لا يعترض على حكم الله تعالى، وحكم رسول الله عليه السلام بأنه يمكن أمر كذا، وبيقين يدري كل مسلم أنه قد يمكن أن يكذب الشاهد، ويكذب الحالف، ويكذب المدعي
(1) دل المبسوط ج26 ص106 - 108 مطبعة السعادة بجوار محافظة مصر.
(2)
إكمال إكمال المعلم ج4 ص401 - 402 ويرجع أيضا إلى المنتقى ج7 ص52 ج7/ 114.
أن فلانا قتله هذا أمر لا يقدر أحد على دفعه، ومضى إلى أن أيد ذلك بقصة عبد الله بن سهل. (1).
3 -
وقال النووي والرملي: واللوث قرينة حالية أو مقالية مؤيدة تصدق المدعي بأن توقع في القلب صدقه في دعواه، ولا بد من ثبوت هذه القرينة، إذ القرائن لم تنحصر فيما ذكره وجد قتيل أو بعضه وتحقق موته في محلة منفصلة عن بلد كبير أو في قرية صغيرة لأعدائه أو أعداء قبيلته دينا أو دنيا حيث كانت العداوة تحمله على الانتقام بالقتل ولم يساكنهم غيره كما صححه في الروضة وهو المعتمد، والمراد بغيرهم من لم تعلم صداقته للقتيل، ولا كونه من أهله، أي ولا عداوة بينهما، كما هو واضح، وإلا فاللوث موجود فلا تمتنع القسامة، قاله ابن أبي عصرون وغيره وهو ظاهر.
قال الأسنوي تبعا لابن الرفعة: ويدل له قصة خيبر، فإن إخوة القتيل كانوا معه، ومن ذلك شرعت القسامة، قال العمراني وغيره: ولو لم يدخل ذلك المكان غير أهله لم تعتبر العداوة، قال الأذرعي: ويشبه اشتراط ألا يكون هنا طريق جادة كثيرة الطارقين، وخرج بالصغيرة الكبيرة، فلا لوث، بل وجد فيها قتيل فيما يظهر إذ المراد بها من أهله غير محصورين، وعند انتفاء حصرهم لا تتحقق العداوة بينهم فتنتفي القرينة (2) 4 - وقال ابن قدامة: واختلفت الرواية فيه -أي في اللوث المشترط في القسامة - فروي عنه أن اللوث هو العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعى عليه، كنحو ما بين الأنصار ويهود خيبر، وما بين القبائل والأحياء وأهل القرى الذين بينهم الدماء والحروب، وما بين أهل العدل وما بين الشرطة واللصوص، كل من بينه وبين المقتول ضغن يغلب على الظن أنه قتله.
نقل مهنا عن أحمد فيمن وجد قتيلا في المسجد الحرام ينظر من بينه وبينه في حياته شيء -يعني ضغنا- يؤخذون به، ولم يذكر القاضي في اللوث غير العداوة، إلا أنه قال في الفريقين يقتتلان فينكشفون عن قتيل فاللوث على الطائفة الأخرى، ولا لوث على طائفة القتيل، إذا ثبت هذا فإنه لا يشترط مع العداوة ألا يكون في الموضع الذي به القتيل غير العدو، نص عليه أحمد في رواية مهنا التي ذكرناها، وكلام الخرقي يدل عليه أيضا.
واشترط القاضي ألا يوجد القتيل في موضع عدو لا يختلط بهم غيرهم، وهذا مذهب الشافعي؛ لأن الأنصاري قتل في خيبر، ولم يكن فيها إلا اليهود، وجميعهم أعداء؛ لأنه متى اختلط بهم غيرهم احتمل أن يكون القاتل ذلك الغير.
ثم ناقض القاضي قوله، فقال في قوم ازدحموا في مضيق فافترقوا عن قتيل: إن كان في القوم من بينهم وبينه عداوة وأمكن أن يكون هو قتله لكونه بقربه فهو لوث، فجعل العداوة لوثا مع وجود غير العدو، ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل الأنصار هل كان بخيبر غير اليهود أم لا، مع أن الظاهر وجود غيرهم فيها؛ لأنها كانت أملاكا للمسلمين يقصدونها لأخذ غلات أملاكهم منها وعمارتها، والاطلاع عليها، والامتيار منها، ويبعد أن تكون مدينة على جادة تخلو من غير أهلها.
وقول الأنصار ليس لنا بخيبر عدو إلا يهود يدل على أنه قد كان بها غيرهم من ليس بعدو، ولأن اشتراكهم في العداوة لا يمنع من وجود اللوث في حق واحد، وتخصيصه بالدعوى مع مشاركة غيره في احتمال قتله، فلأن يمنع ذلك وجود من يبعد منه القتل أولى.
(1) المحلى ج11 ص82 - 83. .
(2)
المنهاج وشرح نهاية المحتاج ج7 ص 389 - 390. .