المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الإسراء وفلسطينودولة اليهود - مجلة البحوث الإسلامية - جـ ٤

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المحتويات

- ‌الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة

- ‌ حكم الدعوة إلى الله عز وجل وبيان فضلها

- ‌فضل الدعوة

- ‌كيفية الدعوة

- ‌ المقصود من الدعوة والهدف منها

- ‌وعد بطائفة ناجية

- ‌حكمتشريح جثة المسلم

- ‌بيان حرمة المسلم ووجوب تكريمه حيا أو ميتاوعصمة دمه ووجوب حقنه حيا

- ‌بيان أقسام التشريح والضرورة الداعية إلى كل منهاوما يترتب على ذلك من مصالح

- ‌ذكر نقول عن علماء الإسلام فيها استثناء حالاتدعت الضرورة فيها إلى إباحة دم المسلم

- ‌تمهيد

- ‌المسألة الأولى: ضرب أو رمي من تترس به الكفار من أسارى المسلمين

- ‌المسألة الثانية: شق بطن امرأة ماتت وفي بطنها ولد علم أنه حي

- ‌المسألة الثالثة: أكل المضطر لحم آدمي إذا لم يجد شيئا غيره

- ‌المسألة الرابعة: إلقاء أحد ركاب سفينة خشي عليها العطبفيلقى أحدهم في البحر بقرعة لينجو الباقون

- ‌المسألة الخامسة: تبييت المشركين أو رميهم بالمنجنيق ونحوه مما يعم الهلاك به وفيهم النساء والأطفال

- ‌ فتوى في جواز نقل عيون الموتى لترقيع قرنية الأحياء

- ‌ أخذ جزء من جسد الإنسان وتركيبه في إنسان آخر مضطر إليه

- ‌القسامة عند الفقهاء

- ‌ بيان مستند من عمل بالقسامة ومستند من لم يعمل ومناقشة كل منهما

- ‌مستند القائلين بعدم العمل بالقسامة مع المناقشة

- ‌القائلون بعدم العمل بالقسامة

- ‌مستند القائلين بالعمل بالقسامة مع المناقشة

- ‌ ضابط اللوث وبيان صوره واختلاف العلماء فيهاومنشأ ذلك مع المناقشة

- ‌ ضابط اللوث في اللغة وعند الفقهاء

- ‌بيان صوره مفصلة واختلاف العلماء فيها مع المناقشة

- ‌الصورة الأولى: التدمية

- ‌الصورة الثانية: شهادة بينة غير قاطعة على معاينة القتل

- ‌الصورة الثالثة: شهادة عدلين بجرح وعدل بالقتل

- ‌الصورة الرابعة: وجود المتهم بقرب القتيل أو آتيا من جهته ومعه آلة القتل أو عليه أثره

- ‌الصورة الخامسة: قتيل الصفين

- ‌الصورة السادسة: قتيل الزحام

- ‌الصورة السابعة: وجود قتيل في محلة

- ‌تحرير محل النزاع في اللوث مع بيان منشأ الخلاف

- ‌ هل يتعين أن يكون المدعى عليه في القسامة واحدا أو يجوز أن يكون أكثر لو منبهما

- ‌ ذكر خلاف العلماء فيمن توجه إليه أيمان القسامة أولا من مدع ومدعى عليه

- ‌إذا كان في المدعين والمدعى عليهم نساء وصبيان فهل عليهم قسامة

- ‌هل ترد الأيمان إذا نقص العدد أم لا

- ‌ خلاف العلماء في الحكم على الناكل بمجرد النكول

- ‌ نكول المدعيين عن الأيمان أو نكول بعضهم

- ‌نكول المدعى عليهم

- ‌ ذكر خلاف العلماء فيما يثبت بالقسامة من قود أو دية

- ‌ خلاف العلماء فيمن يقتل بالقسامة إذا كان المدعى عليه أكثر من واحد

- ‌هدي التمتع والقران

- ‌أولا: ابتداء وقت الذبح

- ‌ثانيا انتهاء وقت ذبح الهدي

- ‌ثالثا: ذبح الهدي ليلا

- ‌رابعا: مكان ذبح الهدي

- ‌خامسا: حكم الاستعاضة عن ذبح الهدي بالتصدق

- ‌مصادر ومراجع هذا البحث

- ‌القراررقم 43 وتاريخ 13/ 4 / 1396ه

- ‌وجهة نظرلصاحب الفضيلة الشيخ عبد الله بن منيع

- ‌الفصل الأولمعنى التسعير وحكمه

- ‌المبحث الأولتعريف التسعير

- ‌المبحث الثانيحكم التسعير

- ‌المبحث الثالثرأي شيخ الإسلام ابن تيميةفي حكم التسعير

- ‌الفصل الثانيتسعير أجور الأشخاص والعقارات

- ‌المبحث الأولتسعير أجور الأشخاص

- ‌تحديد أجور العمال

- ‌ نظرية حد الكفاف أو الأجر الحدي

- ‌ نظرية إنتاجية العمل

- ‌ نظرية المساومة

- ‌بيان حكم ذلك في الشريعة الإسلامية

- ‌طريقة تحديد الأجور في الشريعة الإسلامية

- ‌المبحث الثانيتسعير أجور العقارات

- ‌طريقة تحديد الإيجارات

- ‌الفصل الثالثإلزام ولي الأمر بسعر السوق وعدم النقص عنه

- ‌الفصل الرابعتنظيم التسعير

- ‌المبحث الأولالحالات التي يجب فيها التسعير

- ‌ حاجة الناس إلى السلعة

- ‌ حالة الاحتكار

- ‌ حالة الحصر

- ‌ حالة التواطؤ

- ‌المبحث الثانيالاستعانة بأهل الخبرة في التسعير

- ‌المبحث الثالثمراقبة الأسعار

- ‌الفصل الخامسعقوبة مخالفة التسعير

- ‌عقوبة مخالفة التسعير في المملكة العربية السعودية

- ‌الخاتمة

- ‌مصادر ومراجع هذا البحث

- ‌الفهرس

- ‌الإسراء وفلسطينودولة اليهود

- ‌المرسل عند الإمام الشافعي

- ‌ المرسل قبل الشافعي

- ‌ مرسل الصحابي

- ‌ مرسل كبار التابعين

- ‌ حجية المرسل بعد الاعتضاد

- ‌ مرسل صغار التابعين

- ‌ مرسل سعيد بن المسيب

- ‌إيجاد جذر المعادلة بطريقة التوسطلابن الهيثم

- ‌طريقة التوسط

- ‌الواحد الصمد

- ‌البيان

- ‌وحدانية الخالق جل وعلا

- ‌الأدلة العقلية على استحالة الشريك

- ‌نكاح الشغار

- ‌في المواريث

- ‌من آثار عملية نقل الدم

- ‌في زكاة أموال جمعت للتجارة

- ‌في الزكاة

- ‌في الرضاعة

- ‌في إفطار رمضان والقضاء والكفارة

- ‌في الرضاعة

- ‌حكم الإحدادعلى الملوك والزعماءفي نظر الشريعة الإسلامية

- ‌من أخبار الرئاسةللأمانة العامة لهيئة كبار العلماء

- ‌تنبيه وتصحيح

الفصل: ‌الإسراء وفلسطينودولة اليهود

أسعد بيوض التميمي

‌الإسراء وفلسطين

ودولة اليهود

الإسراء وعلاقته بقضية المسلمين في الأرض المباركة

اشتد الصراع بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الكفار من قريش حيث خافت قريش على ما يوفره الكفر لها من امتيازات طبقية ودينية وامتيازات اقتصادية وأخذ الصراع بين الحق والباطل يتصاعد بين الدين الجديد وما يمثله من خير للإنسان وما يعطيه للبشرية من حياة كريمة يعبد فيها الإنسان ربه الذي خلقه، ويسجد لبارئه الذي أوجده، فلا يسجد لبشر، ولا ينحني أمام حجر أو شجر، ولا يعبد فلكا ولا مظهرا من مظاهر الكون، وإنما يستمد العزة لنفسه من عبادة الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.

ص: 277

اشتد الصراع بينه وبين الشرك وما يمثله من انحطاط في الفكر الإنساني والسلوك البشري الذي يظهر في السجود لحاكم أو رجل دين أو حجر أو شجر أو فلك، ذلك الانحطاط الذي ينتج عنه أن الغرائز في الإنسان تتحكم في مسيرته، لا مقياس عنده يقيس به الأمور ولا حلال ولا حرام، وإنما كل أمر مباح من قتل نفس أو ظلم إنسان أو أكل مال حرام، أو استعباد نفس وإذلال للخلق، فلا عجب أن ظهرت الطبقية العرقية الممثلة في السادة والعبيد والأشراف والسوقة، والطبقية الاقتصادية الممثلة في تجارة الربا وأكل أموال الناس بالباطل واستغلال حاجة الآخرين للإثراء غير المشروع، والطبقية الدينية بحيث يصبح الدين وفهمه احتكارا على طبقة معينة وناس مخصوصين يستغلون جهل الناس ويطلبون منهم أن يعبدوهم، ويطلبون منهم تقديم النذور والقرابين لهم ولما يمثلون.

* * *

ص: 278

وأخذ الكفر يقاتل عن مواقعه بشراسة حتى اضطر المسلمون إلى الهجرة مرتين فرارا بدينهم وحرصا على عقيدتهم، وحتى يأذن الله بالفرج.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم في مكة يقارع قومه الحجة، يبين باطل ما هم فيه وما عليه حياتهم ولكنهم أصابهم الكبر ولحق بهم العناد، وكان الله قد هيأ له زوجة صالحة تعتني بأمره وتدعمه بمالها، وتخفف عنه قسوة عناد قومه، وجهل عشيرته، وهيأ له كذلك عمه أبا طالب يحميه، ويمنعهم من قتله واغتياله، وإن لم يمنع عنه ما دون القتل والاغتيال من الأذى وهم مع ذلك يحسبون حساب عمه حين إيذائه، حتى إن بعضهم يطرح عليه سلى جزور وهو يصلي.

ثم إن خديجة رضي الله عنها وأبا طالب هلكا في عام واحد قبل هجرته بثلاث سنين، فعظمت المصيبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بهلاكهما وذلك أن قريشا وصلوا من أذاه بعد موت أبي طالب إلى ما لم يكونوا يصلون إليه في حياته منه، حتى نثروا التراب على رأسه الشريف صلى الله عليه وسلم فدخل الرسول بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته تغسل عنه التراب وهي تبكي ورسول الله يقول لها:

ص: 278

«يا بنية لا تبكي فإن الله مانع أباك» .

ولما استعصت قريش، وصمت آذانها وأغلقت قلوبها وعقولها، اتجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، فلما وصلها عمد إلى نفر من ثقيف وهم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم ثلاثة إخوة عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومسعود بن عمرو بن عمير، وحبيب بن عمرو بن عمير، فردوه ردا غير جميل، فقال أحدهم وهو يمرط ثياب الكعبة: إن كان الله قد أرسلك، وقال الآخر: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك، وقال الثالث: والله لا أكلمك كلمة أبدا، لئن كنت رسولا من الله كما تقول أنت أعظم خطرا من أن أرد عليك بالكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي أن أكلمك.

فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خبر ثقيف، وقد قال لهم فيما ذكره شيخ المؤرخين المسلمين الطبري وأنا أروي عنه:«إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني» . وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه عنه فيذئرهم ذلك عليه فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وألجئوه إلى بستان لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ يناجي ربه مناجاة الصابر المحتسب يطلب منه المدد والعون حيث قومه لا يستجيبون للنور ولا يلتقون على الخير، والطائف كانت أسوأ من مكة، وأقسى من قريش، فأخذ يقول كما يروي الطبري:«اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك» .

* * *

ص: 279

في هذا الجو القاتم الشرس كان الله بنبيه رءوفا رحيما، وكانت حادثة الإسراء من مكة إلى القدس، وكان المعراج من أرض المسجد الأقصى إلى السماوات العلا إلى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى، وكان في الإسراء أكثر من معنى، وأثره لا يزال على مر الأيام وكر السنين.

يكرم الله نبيه على صبره ويجازيه الجزاء الأوفى على تحمله فيستدعيه إليه ويقربه منه، ويرفعه إلى درجة لم يصلها أحد من خلقه حتى ولا الملائكة المقربون. ويقدم له أرض الشام، أرض فلسطين، أرض القدس، المسجد الأقصى هدية إيمان وجائزة رضوان، فيفتح النبي أرض الشام، ومنها أرض فلسطين فتحا ماديا بجسده الشريف، ويعلن الله للدنيا في ذلك الحين وللدنيا بعد هذا الحين وللدنيا في كل حين أن المسجد الأقصى أصبح مسجدا للمسلمين، فيصلي فيه النبي الصلاة الإسلامية الأولى إماما للأنبياء المرسلين حيث أحياهم الله له

ص: 279

ويصلي الصلاة الثانية بعده عمر وأبو عبيدة وكبار الصحابة والجنود المؤمنون يوم أن دخل عمر القدس، واستلمها من بطريركها صفرونيوس وأعطاه العهدة العمرية التي تنص فيما نصت عليه ألا يسكن إيليا (القدس) أحد من اللصوص واليهود، وذلك أن كبار أصحاب رسول الله كانوا على علم منه لا يعلمه بقية الناس، وهذا النص في الوثيقة يدل على مبلغ فهم عمر لخطر اليهود على هذه الأرض.

* * *

ص: 280

ويذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم هذا الخبر العظيم فيقول في أول سورة الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (1)

وسورة الإسراء تتحدث عن المسجد الأقصى وإسراء النبي إليه، وتقرر أن هذا المسجد الذي بني بعد البيت الحرام بأربعين سنة، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر قال:«سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع في الأرض قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثم الأرض لك مسجد فحيثما أدركتك الصلاة فصل (2)» . فعاد للمسجد بالإسراء قدسيته وطهره حيث كان المسجد خرابا يبابا لا يصلي فيه أحد إلى أن جاء النبي صلى الله عليه وسلم فتقررت مسجديته في القرآن، واستلمه عمر فكان ينظفه هو وأصحابه من الكناسة وطهروه وأصبح من يومها منارة علم، ودار إيمان، ومحجة زوار، ومحراب صلاة.

إذن سورة الإسراء تتحدث عن علاقة المسلمين بالمسجد، وأن المسجد للمسلمين حيث أسري بنبيهم إليه، وتقرر بركة أرض الشام أو أرض فلسطين، وتبدأ بعد ذلك في الحديث عن الفساد والعلو لليهود والتدمير الذي سيلحق بهم، وأنهم سينازعون المسلمين أرض الإسراء والمسجد الأقصى.

وهنا لا بد أن نقرر أن علماء التفسير اختلفوا اختلافا كبيرا في (العلوين والإفسادين) اللذين أشارت إليهما الآية وهي قوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} (3){فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا} (4). . فقال قوم هم أهل بابل، وكان عليهم بختنصر، قاله ابن عباس رضي الله عنهما. وقال قتادة: أرسل عليهم جالوت فقتلهم، فهو وقومه أولو بأس شديد. وقال مجاهد: جاءهم جند من فارس يتجسسون أخبارهم ومعهم بختنصر. وقال محمد بن إسحاق: إن المهزوم سنحاريب ملك بابل. وقيل: إنهم العمالقة، إلى غير ذلك من الأقوال المتضاربة، ونحن حين ننظر إلى الآيات نظرة موضوعية نجد الأشياء الآتية:

(1) سورة الإسراء الآية 1

(2)

صحيح البخاري أحاديث الأنبياء (3366)، صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (520)، سنن النسائي المساجد (690)، سنن ابن ماجه المساجد والجماعات (753)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 156).

(3)

سورة الإسراء الآية 4

(4)

سورة الإسراء الآية 5

ص: 280

أولا: الآيات مكية وتتحدث عن علوين وإفسادين لليهود فهل معنى هذا أن العلوين قبل نزول الآية أم أنهما آتيان؟

مما لا شك فيه أن اليهود دمروا أكثر من مرة قبل الإسلام، وقبل نزول الآيات فقد سباهم البابليون، ودمرهم الرومان، وذلك أنه منذ أن غضب الله عليهم نتيجة سوء تصرفهم وحقدهم على الله وأنبيائه غضب الله عليهم وجعلهم يتصرفون تصرفا يلجئ البشرية إلى إذلالهم وضربهم. يقول الله تعالى:{وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} (1)، ثم تقرر آية أخرى في سورة أخرى أن العذاب سيستمر في اليهود والتدمير لهم إلى يوم القيامة:{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} (2). .

إذن لا غرابة أن يكون إفساد اليهود وعلوهم ثم تدميرهم أكثر من مرة قبل الإسلام ولا غرابة أن يكون كذلك علوا وفسادا بعد الإسلام ثم تدميرهم.

وليس هناك ما يمنع أن يكون الفساد والعلو ثم التدمير لمرتين بعد نزول الآيات والواقع أن المتعمق في الآيات يجد المرتين في علو اليهود وإفسادهم ثم تدميرهم هما بعد نزول آيات الإسراء.

وذلك أن الله يقول: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} (3){فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا} (4)، وإذا ظرف لما يستقبل من الزمان ولا علاقة لما بعدها بما قبلها، فوجود كلمة " إذا " في الآية تدل على أن الفساد والعلو ثم التدمير الأول آت وأنه لم يمر، كما أن استعمال إذا للمرة الثانية يدل على أنها آتية لم تمر كذلك.

وقوله تعالى: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ} (5). .

إن الذين سيتولون تدمير اليهود هم من المؤمنين؛ إذ إن الله سبحانه وتعالى حين يضيف كلمة العباد لذاته تكون في موضع التشريف ويخص بها المؤمنين، يقول الله تعالى:{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} (6)، ويقول:{يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} (7)، ويقول:

(1) سورة البقرة الآية 61

(2)

سورة الأعراف الآية 167

(3)

سورة الإسراء الآية 4

(4)

سورة الإسراء الآية 5

(5)

سورة الإسراء الآية 5

(6)

سورة الفرقان الآية 63

(7)

سورة الزمر الآية 53

ص: 281

{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} (1). .

وأعظم منزلة للنبي صلى الله عليه وسلم أنه عبد الله ورسوله.

وفي التحيات: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (2)» .

وهذا التشريف والتكريم الإيماني لا ينطبق على البابليين ولا على الرومان؛ لأنهم جميعا من الوثنيين، إذن ينطبق هذا الوصف على رسول الله وأصحابه الذين جاءوا إلى المدينة ولليهود فيها نفوذ سياسي واقتصادي.

وكان من أول أعماله في المدينة إبرام المعاهدة السياسية بينه وبين اليهود، وأن اليهود جماعة مستقلة وأن المسلمين جماعة مستقلة، فلما غدر اليهود ونقضوا العهد كعادتهم ودأبهم سلط الله عليهم المسلمين فجاسوا خلال الديار اليهودية وتغلغلوا فيها وأزالوهم عن المدينة وخيبر وتيماء، وزال سلطانهم وتدمر علوهم، فكان ذلك من خلال معارك بني قريظة وبني النضير، ومعارك خيبر الشهيرة، وتأتي سورة الحشر لتؤكد هذا المعنى في قوله تعالى في وصف معارك المسلمين مع اليهود في المدينة:{هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} (3). .

إذن هو أخرجهم لأول الحشر، فخرج قسم منهم إلى أذرعات من أرض الشام حتى تبدأ المرة الثانية من علوهم وفسادهم، ويقول الله:{وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا} (4) يعني في عهد النبي والوحي ينزل، وأتمه أصحابه من بعده. وتبدأ الآيات بعد ذلك تتحدث عن المرة الثانية من العلو والفساد، فتخبر الآيات أن الله سيجعل لليهود الكرة عليهم، على من؟ على الذين جاسوا خلال الديار أول مرة، والكرة الدولة والسلطة. وحين أراد الله لليهود أن يكروا استعمل كلمة (ثم) وثم كما هو معروف معناها العطف مع التراخي أو المهلة فهل كر اليهود في التاريخ على البابليين وكانت لهم دولة وسلطة عليهم؟ لم يحدث ذلك في التاريخ ولن يحدث الآن، ولا في المستقبل؛ حيث إن البابليين قد انصرفوا من الدنيا كأمة وليس لهم مكان يعرفون فيه أو دولة يعيشون فيها، وحاشا لله ألا يصدق القرآن أو يكون خبره غير محقق، إذن لا بد أن تكون الكرة على أبناء الذين جاسوا خلال الديار وهم المسلمون أو العرب المسلمون فقد كر اليهود على ديار الشام وفلسطين منها وهذا هو الذي قد حدث ونعيشه الآن، ويعاني منه المسلمون كل المسلمين، وانظروا معي إلى بقية الآيات تمضي فتصف الواقع الذي نعيشه وتعيشه دولة اليهود إذ بعد أن جعل الله الكرة لليهود علينا يقول الله لليهود:{وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا} (5)، وهنا نسأل مرة أخرى، هل أمد الله اليهود في التاريخ بأموال وبنين غير هذه المرة؟ لم نعرف أن ذلك قد حدث، واليهود منذ أن غضب الله عليهم وهم في بلاء متصل وعذاب مستمر، فقبل الإسلام كان عذاب البابليين لهم والرومان، وبعد الإسلام أخرجهم المسلمون من الجزيرة ثم بدأت

(1) سورة الإسراء الآية 1

(2)

صحيح البخاري الأذان (831)، صحيح مسلم الصلاة (402)، سنن الترمذي النكاح (1105)، سنن النسائي السهو (1298)، سنن أبو داود الصلاة (968)، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (899)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 428)، سنن الدارمي الصلاة (1340).

(3)

سورة الحشر الآية 2

(4)

سورة الإسراء الآية 5

(5)

سورة الإسراء الآية 6

ص: 282

أوربا تعذبهم في إسبانيا حتى جاء المسلمون فأنقذوهم من الأسبان واستمر العذاب، واليهودي في كل الأرض يعتبر إنسانا شريرا متآمرا يستحق التعذيب والقتل، وآخر من عذبهم في حياتنا المعاصرة هو أدولف هتلر ومعه النازيون.

وحتى نرى مبلغ صدق الآية، ونرى إعجازها بأعيننا نجد دولة اليهود اليوم تعيش على البنين الذين يأتونها من أطراف الأرض ليمدوها بالجند، وفي هذه الفترة من روسيا بالذات، وترى الأموال من دول الغرب تأتيها بمساعدات مذهلة حتى تستمر في عدوانها وطغيانها وجبروتها، ثم يقول الله:{وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا} (1) ولذلك فإن أكبر قوة في الأرض أو أكبر دول الأرض تساند دولة اليهود في حال نفرتها وحربها.

* * *

(1) سورة الإسراء الآية 6

ص: 283

إذن هذه هي المرة الثانية من العلو فما بال الفساد؟ وحتى يتحقق الفساد فنرى اليهود في دولتهم يرتكبون أفظع الجرائم، بحيث فاقوا كل أنواع العذاب التي عانوا منها في زعمهم أو عاناه غيرهم، ولذلك يحذرهم الله، فيقول لهم:{إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} (1)، وهم قد أساءوا فقتلوا النفس الإنسانية وعذبوها، ويتموا الأطفال، وسجنوا النساء، وهدموا البيوت، واغتصبوا الأرض، وأقاموا المستعمرات، وحرقوا الأقصى في 21/ 8 / 1969. والأقصى عند الله عظيم ودنسوا مسجد الخليل عليه السلام، والخليل عند الله هو الخليل، وارتكبوا جريمة الجرائم في مسجد الخليل يوم أن عمدوا إلى كتاب الله القرآن العظيم فمزقوه وداسوه.

وهنا تأتي عقوبة الله على ما اقترفوا من الإثم والجرائم بتفسير من الآيات، إن دولتهم لن يطول فسادها ولا علوها فيقول الله:{فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} (2)، وهنا حين يخبر الله عن زوال دولتهم استعمل حرف الفاء للعطف، ولم يستعمل ثم، والفاء للعطف مع التعقيب، وتعقيب كل شيء بحسبه وما يناسبه وهو يدل على السرعة المناسبة في حصول المقصود، {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ} (3) أي لذهاب علوهم الثاني تصبح وجوه بني إسرائيل سيئة، ويبشرنا ربنا جلت قدرته أننا سندخل المسجد الأقصى كما دخلناه أول مرة، وفي هذه الآية إشارة لطيفة إلى دخولنا المسجد مرتين، والمرتان حدثتا بعد نزول الآية، المرة الأولى الفتح العمري للمسجد حين دخله باسم الله والإسلام، والمرة الثانية هذه التي نحن على أبوابها حيث سيدخل المسلمون المسجد فاتحين

(1) سورة الإسراء الآية 7

(2)

سورة الإسراء الآية 7

(3)

سورة الإسراء الآية 7

ص: 283

للمرة الثانية، ثم يقرر الله أننا سنتبر أي ندمر، ونهلك علو اليهود المادي والمعنوي. ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن فلسطين لم تعرف العمارات ذات الطوابق التي تزيد عن أربعة أو خمسة طوابق إلا في ظل اغتصاب اليهود لها، ولذلك فإن هذه العمارات الشاهقة التي يقيمونها على الأرض المباركة سيلحقها التدمير والخراب، ثم تمضي الآيات فتحذر اليهود من محاولة العودة للفساد والتعالي فيقول الله لهم:{وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} (1)، وتأتينا البشرى من الله بعد أن يفهمنا ربنا أن القرآن يهدي إلى الطريق السوي والحياة الصحيحة تأتينا البشرى بالنصر فيقول:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} (2)، وفي آخر السورة سورة الإسراء آية أخرى تتعلق بهذا الأمر، وهي قوله تعالى في آخر السورة:{وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} (3)، ولفيفا جماعات ملتفة وفي بقية الآية إنذار لليهود وبشرى لنا، فيقول الله:{وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} (4)، بشرى لنا وإنذار لهم، فإذا ربطنا هذه الآيات وتفسيرها بالحديث الذي يدلنا على صدق النبوة ومعجزة الرسول صلى الله عليه وسلم حين أخبرنا عن قتال اليهود فيما رواه الشيخان البخاري ومسلم، وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم:«لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود (5)» .

* * *

(1) سورة الإسراء الآية 8

(2)

سورة الإسراء الآية 9

(3)

سورة الإسراء الآية 104

(4)

سورة الإسراء الآية 105

(5)

صحيح البخاري الجهاد والسير (2926)، صحيح مسلم الفتن وأشراط الساعة (2922)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 417).

ص: 284

أيقنا بعد ذلك لماذا لم تنجح المحاولات لتثبيت دولة اليهود؟ وذلك أنه منذ سنة 1948، وكل محاولة للصلح وتثبيت دولة اليهود يفشلها اليهود أنفسهم، وذلك لأن الله يلهمهم الخطأ فيرفضون كل الحلول؛ لأن اليهود لا يعالجون أي أمر إلا بالحقد والتآمر والخديعة، ويقرر الله ألا عقل عندهم، فيقول:{لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} (1)، وذلك كله يجري حتى يأتي اليوم الموعود يوم تتخلص المعركة أو ديار المسلمين من الإيديولوجيات المنافية للإسلام، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبر في حديث قتال اليهود «أن الحجر والشجر سينطق ويقول: يا مسلم يا عبد الله خلفي يهودي فتعال فاقتله (2)»، إذن لن يكون قتال النصر في فلسطين قتالا يمينيا رجعيا،

(1) سورة الحشر الآية 14

(2)

صحيح البخاري المناقب (3593)، صحيح مسلم الفتن وأشراط الساعة (2921)، سنن الترمذي الفتن (2236)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 67).

ص: 284

ولا يساريا تقدميا، وإنما يكون قتالا إسلاميا في سبيل الله كما كان دائما قتال النصر للمسلمين:{وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا} (1)،

وبعد. . فإن الآية الأولى من سورة الإسراء نصت على بركة الأرض التي تحيط بالمسجد الأقصى وكذلك آيات أخرى نصت على هذه البركة مثل قوله تعالى في حق الخليل إبراهيم: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} (2)، وقوله {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ} (3)، والبركة الزيادة في كل شيء وليست بركة هذه الأرض مادية، وإنما بركتها بالإضافة إلى الأشياء المادية بركات معنوية، تتمثل في أنها عش الأنبياء، ولذلك فكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في دفنه في بيت المقدس عند وفاته باعتبارها عش الأنبياء وكانت لم تفتح بعد، وهي مهبط الوحي، وهي مسرى النبي ومعراجه منها صلى الله عليه وسلم، وهي القبلة الأولى، فقد صلى المسلمون إلى مسجدها ستة عشر شهرا، ومسجدها تشد إليه الرحال، كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم:«لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى (4)» .

ومن بركة هذه الأرض استقراء أنه حينما يبتعد المسلمون عن محور عزهم ومركز قوتهم وهو الإسلام يضعفون ويتمزقون وتكثر دولهم ودويلاتهم؛ فيسهل على العدو أن يتسرب من خلالهم، فيأخذ الأرض المباركة ويأخذ المسجد الأقصى، وعندها يتحرك المسلمون حركة حياة من جديد وينفضون غبار الهزيمة فيعملون لاستخلاص هذه الأرض فعن طريق استخلاصها يتم توحيد المسلمين من جديد. ألا ترون أنه بسبب حريق المسجد الأقصى كان مؤتمر القمة الإسلامي الأول في المغرب الذي انبثق عنه مؤتمر وزراء الخارجية المسلمين الذين كونوا الأمانة العامة الإسلامية في جدة، وهذا من بركة هذه الأرض التي باركها الله، ولذلك لن يصل أحد مع اليهود وأعوانهم إلى حل حتى يأتي أمر الله، ويتوحد المسلمون، ويعود الإسلام محركا للحياة في ديار الإسلام وفي العالم كله.

وقد ظهرت بركتها في الحروب الصليبية إذ بعد أن أخذها المسلمون، وظنوا أن الأمر قد استقر لهم كانت حروبهم سببا في توحيد المسلمين من جديد فكان نور الدين زنكي الذي وحد الأجزاء المبعثرة وأخذ الراية منه صلاح الدين، فكانت حطين النصر المبين، وكانت معركة القدس فيما بعد ودخلها رحمه الله فأعاد الأمن والأمان إليها وعاد مسجدها إلى قدسيته وطهره.

وقدر أهل الشام وفلسطين منها أنهم مرابطون إلى يوم القيامة حيث الكفار لا يتركون الأرض المباركة يستقر أهلها وهم يريدون مسجدها ليقيموا عليه الهيكل.

روى الطبراني عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن أهل الشام وأزواجهم وذراريهم وعبيدهم

(1) سورة الإسراء الآية 51

(2)

سورة الأنبياء الآية 71

(3)

سورة سبأ الآية 18

(4)

صحيح البخاري الجمعة (1189)، صحيح مسلم الحج (1397)، سنن النسائي المساجد (700)، سنن أبو داود المناسك (2033)، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1409)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 234)، سنن الدارمي الصلاة (1421).

ص: 285

وإماءهم إلى منتهى الجزيرة مرابطون ممن نزل مدينة وقرية من المدائن والقرى، فهو في رباط أو ثغر من الثغور فهو في جهاد».

وقدر أهل الشام كذلك أن ينتقم الله بهم من أعدائه فعن خريم بن فاتك: «أهل الشام سوط الله في أرضه ينتقم بهم ممن يشاء من عباده، وحرام على منافقيهم أن يظهروا على مؤمنيهم، وأن يموتوا إلا هما وغما وغيظا وحزنا» رواه الطبراني مرفوعا وأحمد موقوفا، ورجاله ثقات. وعن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمعه يقول:«الملحمة الكبرى بأرض يقال لها الغوطة، فيها مدينة يقال لها دمشق، خير منازل المسلمين يومئذ (1)» رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد. وقد روى أبو بكر بن شيبة عن أبي الزاهرية، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «معقل المسلمين من الملاحم دمشق، ومعقلهم من الدجال بيت المقدس، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج الطور» .

وعلى هذا فالأرض المباركة بركتها بالإضافة إلى الأشياء المادية التي ذكرها المفسرون من الثمار والأشجار والأنهار، والأرض المعطاء والسهل الخصيب والجبال العالية والأرض المنخفضة التي تجعلك تنتقل في ساعة من زمن أو أقل من مستوى سطح البحر إلى العلو الشاهق إلى الغور المنخفض، فهناك البركة المعنوية، والبركة المادية تتصاغر أمام البركة المعنوية والتي باركها الله فجعلها القبلة الأولى يصلي إليها المسلمون، وأسري بنبيه إليها، وعرج به من مسجدها إلى السماوات العلا، وجعل مسجدها الأقصى تشد إليه الرحال، وهي عش الأنبياء، وهذا مما جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأتي بنفسه لتسلم القدس.

(1) مسند أحمد بن حنبل (4/ 160).

ص: 286

ولذلك فحينما يتحدث اليهود وأعوانهم عن الوطن البديل للفلسطينيين يظنون أن أي أرض يمكن أن تستبدل بها الأرض المباركة، ويظنون أن الأمر أمر إسكان لاجئين أو استقرار مشردين، وما علموا أو هم يتجاهلون أن هذه الأرض لا تدانيها أرض أخرى، ولا يمكن أن يقوم مقامها وطن بديل في أي بقعة من بقاع الكرة الأرضية، ما عدا أرض الحرمين الشريفين فشرفها معروف؛ إذ إن هذه الأرض مرتبطة بعقيدة المسلمين سجلت في كتاب الله بوصفها القبلة الأولى، وبوصفها مسرى النبي، وبوصفها معراج الرسول، وبوصفها الأرض المباركة، ولذلك فهي لا تخص الفلسطينيين وحدهم، ولا تخص العرب وحدهم، بل تخص المسلمين أينما كانوا وحيثما وجدوا، وما دام كتاب الله القرآن موجودا على الأرض يتلى وفي الأرض مؤمنون، فليس هناك استقرار لدولة اليهود، وهي في طريقها لأن تصبح من مخلفات التاريخ، كما أصبحت دولة الصليبيين من قبلها من مخلفات التاريخ تؤلف الكتب عن أسباب زوالها ويكتب الباحثون أبحاثهم ويعطي العلماء آراءهم في ذلك، وكلهم أو جلهم ينسى أو يتناسى الحقيقة الأزلية وهي استحالة أن يملك هذه الأرض غير المسلمين ملكا مستقرا، وأن تبقى في حوزة أعدائهم؛ لأن هذه إرادة الله بينها ليلة الإسراء.

ص: 286

والواقع أن العالم كله لا يفقه القضية الفلسطينية أو القضية اليهودية، وإنما كل فئة تنظر إلى القضية من زاوية معينة تتفق مع مصلحتها، وهذه النظرة بالنسبة لمصالحها صحيحة، فالغرب ينظر إلى القضية على أنها امتداد للحروب الصليبية، وأن اليهود أداة في يديه لتمزيق الوطن الإسلامي والسيطرة على بلاد المسلمين وتهديدهم حتى لا يفيقوا مرة أخرى فيتعرضوا لقيادة الدنيا وإنقاذها مما تعانيه.

وروسيا تنظر إلى القضية على أن بقاء دولة اليهود في بلاد المسلمين أمر ضروري لإيجاد التناقض حسب الفكر المادي، ولذلك هي مع بقاء دولة اليهود، وتحارب الطبقة الحاكمة في إسرائيل حربا طبقية باعتبارها عميلة للغرب، ويهمها أن يبقى التناقض في المنطقة، وعدم الاستقرار؛ لأن ذلك حسب وجهة نظرها يغذي الحركة الشيوعية وينميها، وبعض الحكام في المنطقة يرون في دولة إسرائيل ضمانا لبقائهم فهم يريدون لها أن تبقى حتى يبقوا ولكن يريدون منها أن تتنازل عن بعض ما أخذته حتى يكون ذلك (انتصارا) ظاهريا يخدع به الشعب العربي والمسلمون من ورائهم، وأهل البلاد الذين أخرجوا من ديارهم (الفلسطينيون) ينظرون إلى القضية من زاوية أنهم شعب ظلم وشرد واضطهد، فهم يريدون حياة الاستقرار في الأرض التي ولدوا فيها أو نبت آباؤهم فيها أو دفن أجدادهم في ترابها فهم يحنون بفطرتهم إليها ولا يرون في الدنيا أرضا تكون بديلا لها وهذا صحيح، ولكن هذه النظرات المختلفة للقضية من زواياها المختلفة ليست هي القضية وإنما القضية تتعلق باليهود أو بغضب الله على اليهود المستمر عبر التاريخ بالعذاب الواقع بهم؛ نتيجة سوء تصرفهم وحقدهم على الإنسانية، فهذه حلقة من حلقات الغضب والسخط عليهم من الله، إن الله أخبر في القرآن في آيات الإسراء، كما أسلفت في أول البحث، وفي حديث البخاري ومسلم: إنه قبل قيام الساعة ستقوم لليهود دولة يتولى المسلمون تصفيتها، «حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله خلفي يهودي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود (1)».

* * *

(1) صحيح البخاري الجهاد والسير (2926)، صحيح مسلم الفتن وأشراط الساعة (2922)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 417).

ص: 287

ولقد حاول العالم منذ 1948 أو القوى الكبرى في العالم أو الغرب على وجه التخصيص أن يثبت إسرائيل دولة فوضع الحلول، وحاك المؤامرات، وخلق قيادات، وأوجد زعامات لتتعاون معه على تثبيت إسرائيل دولة، ولكن المؤامرات تفشل والطبخات تحترق، وذلك بفضل الله ثم بمعاونة اليهود أنفسهم حيث يرفضون كل ما يعرض عليهم حتى يأتي يومهم الموعود وقدرهم المرصود، فتزول دولتهم وآثامها وشرورها، وإن الغرب اليوم يحاول جاهدا إنقاذ دولة اليهود من مصيرها المحتوم وقدرها المرسوم رغم أنفها، ولكن اليهود يتمردون على من أوجدهم ذلك بأنهم قوم لا يعقلون، وصدق الله إذ يقول في حقهم:{لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} (1). .

(1) سورة الحشر الآية 14

ص: 287

وإن من بركة الأرض المباركة أن المسلمين يتوحدون دائما عن طريق استخلاصها من أيدي أعدائهم، وذلك أن الأمة الإسلامية حينما تبتعد عن محور قوتها - وهو الإسلام - يلحقها الضعف والتشتت، فتقام فيها دول ودويلات، حتى تصل في صغرها إلى مستوى الأحياء والحارات، فيأتي العدو ليتسلل عبر هذا الضعف فيأخذ الأرض المباركة وتسقط القدس ويسقط الأقصى في يديه، عند ذلك تبدأ الأمة في التحرك حركة الحياة من جديد حتى إذا وقفت على قدميها كرت على عدوها لتخلص الأرض المباركة منه فتتوحد من أجل ذلك أو بسبب ذلك، كان ذلك في الحروب الصليبية وكان ذلك في حروب التتر وهو الآن، ولذلك بسبب حريق الأقصى في 21/ 8 / 69 انعقد مؤتمر القمة الإسلامي الأول، وخرجت من ذلك المؤتمر منظمة الدول الإسلامية الممثلة في الأمانة العامة الإسلامية في جدة والتي بسببها يعقد وزراء خارجية الدول الإسلامية مؤتمرهم السنوي في إحدى العواصم الإسلامية، وسيستمر اللقاء والتقارب حتى يصل إلى حد التمازج والتلاحم، فيشترك المسلمون كل المسلمين في تحرير الأرض المباركة التي تكون سبب وحدتهم.

* * *

ص: 288

وبمناسبة انعقاد مؤتمر السيرة النبوية في إستانبول، عاصمة المسلمين لعدة قرون، ومركز الخلافة الإسلامية لمئات السنين لا بد من الإشارة إلى الدور الذي لعبته الدولة العثمانية في حماية المقدسات الإسلامية وخصوصا في فلسطين، ولا بد من الإشارة هنا إلى الخليفة العثماني، السلطان عبد الحميد رحمه الله حيث رفض أن يعطي اليهود امتيازات في الأرض المباركة، مما جعلهم يحنقون عليه ويشوهون سمعته ويعملون على عزله، متعاونين مع قوى الشر المختلفة من صليبية وماسونية ونعرات قومية، مما هيأ الظروف من بعده إلى التآمر على دولة الخلافة، ومن ثم ذهابها وقيام دولة اليهود في الأرض المباركة، ولكن هذه الدولة لا تدوم كما أسلفت، وكل الدلائل تشير إلى سرعة زوالها، وذلك حتى تتحقق الآيات والأحاديث في حقها {وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا} (1).

* * *

(1) سورة الإسراء الآية 51

ص: 288