الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: نزول المسلمين الحديبية ومعجزة النبي صلى الله عليه وسلم في تكثير ماء البئر:
لقد تحمل المسلمون صنوفاً من الأذى والتعب بسبب وعورة الطريق لكنهم نالوا جزاء ذلك - مغفرة الله تعالى - وهي غايتهم المنشودة، بل وغاية كل مسلم.
وبعد أن جازوا الثنية - وكان آخر الليل1 - هبطوا على الحديبية فلم يجدوا بها إلا ماء منقطعاً لم يقم شيئاً لعطشهم - وكانوا قد نزلوا في شدة الحر - فهرعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون قلة الماء، وعندها ظهرت معجزة النبي صلى الله عليه وسلم التي أكرمه الله بها حيث استحالت تلك البئر - التي قد نضب ماؤها أو كاد - عيوناً متدفقة:
ففي حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم من طريق معمر: بعد أن ذكر الثنية وبروك ناقة الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "ثم زجرها2 فوثبت، قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد3 قليل الماء يتبرضه4 الناس تبرضاً فلم يلبث الناس حتى نزحوه، وشكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهماً من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجش بالري حتى صدروا عنه"5.
وفي حديثهما من طريق ابن إسحاق: "ثم قال للناس انزلوا فقالوا: يا رسول الله ما بالوادي ماء ينزل عليه الناس، فأخرج سهماً من كنانته، فأعطاه رجلاً من أصحابه فنزل قليب6 من تلك القلب، فغرزه في جوفه فجاش الماء بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن7.8
وفي من حديث البراء رضي الله عنه:
1 انظر حديث رقم (51) رواية ابن مردويه.
2 زجرها: حثها وحملها على السرعة. النهاية 2/296.
3 الثمد: الماء القليل. النهاية 1/221.
4 يتبرضه الناس: يأخذونه قليلاً قليلاً، والبرض الشيء القليل. النهاية 1/119.
5 صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: 2731، 2732، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (35) .
6 القليب: البئر التي تُطوَ. النهاية 4/98.
7 بعطن: العطن مبرك الإبل حول الماء، يقال عطنت الإبل فهي عاطنة، وعواطن إذا سقيت وبركت عند الحياض لتعاد إلى الشرب مرة أخرى. النهاية 3/258.
8 مسند أحمد 4/323، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (36) .
(53)
قال البخاري: حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه قال: "كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة، والحديبية بئر فنزحناها حتى لم نترك فيها قطرة، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم على شفير1 البئر، فدعا بماء فمضمض ومج في البئر فمكثنا غير بعيد ثم استقينا حتى روينا وروت - أو صدرت - ركائبنا"2.
وأخرجه3 عن عبيد الله بن موسى بن إسرائيل به، وزاد في أوله:"تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية".
وأخرجه4 من طريق زهير عن أبي إسحاق عن البراء فذكر نحوه، قال في أوله:"كانوا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة"، الحديث.
وأخرجه أحمد5 عن أبي أحمد ووكيع، كلاهما عن إسرائيل به نحوه.
وأخرجه ابن جرير6 من طريق وكيع عن إسرائيل به مختصراً.
وأخرجه البيهقي7 من طريق عبد الله بن رجاء وعبيد الله بن موسى، كلاهما عن إسرائيل به نحوه.
وفيه من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه:
(54)
قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا هاشم بن القاسم ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا أبو عامر العقدي، كلاهما عن عكرمة بن عمار ح.
وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وهذا حديثه أخبرنا أبو علي الحنفي عن عبيد الله بن عبد المجيد حدثنا عكرمة (وهو ابن عمار) حدثني إياس بن سلمة حدثني أبي قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أربعة عشرة مائة وعليها
1 شفير البئر: حافتها وحرفها، وشفير كل شيء حرفه. النهاية 2/485.
2 صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المناقب:3577.
3 صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي:4150.
4 صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي:4151.
5 مسند أحمد 4/290، 301.
6 تفسير ابن جرير 26/71.
7 دلائل النبوة 2، لوحة:219.
وخمسون شاة لا ترويها قال: فقعد رسول الله على جبا1 الركيه2، فإما دعا وإما بسق فيها قال: فجاشت فسقينا واستقينا"3 الحديث.
وأخرجه أحمد4 عن عبد الصمد عن عكرمة بن عمار به نحوه.
وأخرجه البيهقي5 من طريق عبد الله بن رجاء وموسى بن إسماعيل كلاهما عن عكرمة بن عمار به مختصراً وعنده "بزق فيها".
تنبيه:
جاء في حديث المسور ومروان: أن تكثير الماء كان بسبب وضع سهم النبي صلى الله عليه وسلم في البئر، وفي حديث البراء وحديث سلمة أن ذلك بسبب مج النبي صلى الله عليه وسلم أو بصاقه في البئر ودعائه.
والتحقيق أنه لا خلاف بين تلك الأحاديث لحصول ذلك كله من النبي صلى الله عليه وسلم، فقد وردت روايات جمعت بين ذلك كله، وهي:
ما أخرجه الطبراني من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وفيه: "فأخذتهم في طريق قد كان بها حزناً فدافد، وعقاب، فاستوت بنا الأرض حتى أنزله على الحديبية، وهي نزح، فألقى فيها سهما أو سهمين من كنانته ثم بصق فيها ثم دعا ففارت عيونها حتى إنني لأقول أو نقول لو شئنا لاغترفنا بأيدينا"6.
وما أخرجه البيهقي من طريق أبي الأسود عن عروة:
(55)
قال: أخبرنا أبو عبد الله7 الحافظ قال أخبرنا أبو جعفر8 البغدادي
1 الجبا: بالفتح والقصر: ما حول البئر. النهاية 1/237.
2 الركية: البئر. النهاية: 2/261.
3 صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير:132.
4 مسند أحمد 4/48.
5 دلائل النبوة 2، لوحة:219.
6 المعجم الكبير 2/194، وتقدم الحديث برقم (50) .
7 هو: محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم الضبي الطهماني المعروف بابن البيع، صاحب التصانيف، قال الخطيب أبو بكر: أبو عبد الله الحاكم كان ثقة يميل إلى التشيع، مات في صفر سنة خمس وأربعمائة رحمه الله. تذكرة الحفاظ 3/1039.
8 محمد بن محمد بن عبد الله بن حمزة بن جميل أبو جعفر البغدادي، سكن سمرقند وكان ثبتاً صحيح السماع حسن الأصول، سافر الكثير وكتب بالشام ومصر والحجاز واليمن، وليس للبغداديين عنه رواية؛ لأنه خرج من بغداد قديماً، وحصل حديثه عند الخراسانيين، وأهل ما وراء النهر، قال أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد الإدريسي: كتبنا عنه وكان ثقة في الحديث فاضلاً انتخب عليه أبو علي الحافظ النيسابوري، وكتب عنه الحفاظ، مات سنة خمس وأربعين وثلاثمائة. تاريخ بغداد 3/217.