الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلى الموت أو لا، والله أعلم"1 ا. هـ
قلت: ويؤيد توجيه ابن حجر ما ورد في مرسل الشعبي الآتي في قصة أبي سنان وفيه: "قال يا رسول الله بايعني على ما في نفسك قال: ما في نفسي؟ قال: الفتح أو الشهادة، قال: فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء الناس فجعلوا يقولون نبايعك على بيعة أبي سنان"2.
1 فتح الباري 6/118.
2 سيأتي في المبحث التالي.
المبحث الرابع: من هو أول من بايع بيعة الرضوان:
ورد في بعض الروايات أن أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان هو أبو سنان الأسدي، إلا أنه قد عرف بهذه الكنية اثنان من بني أسد أحدهما: أبو سنان محصن أخو عكاشة بن محصن، والآخر أبو سنان بن وهب، ولذلك وقع خلاف أيهما المراد هنا، وقد ذكر بعضهم في ذلك غير أبي سنان الأسدي، وسوف يأتي بيان ذلك كله إن شاء الله.
(87)
قال ابن سعد: أخبرنا وكيع بن الجراح وعبد الله1 بن نمير عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر2 قال: إن أول من بايع النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي3.
وقد أخرجه ابن هشام4 عن وكيع به بمثله.
وأخرجه البيهقي من طريق سفيان5 بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: "لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة، كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي فقال: أبسط يدك أبايعك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "علام تبايعني"؟ فقال أبو سنان رضي الله عنه: على ما في نفسك " هذا أبو سنان الأسدي.
وأورده ابن سيد الناس من طريق عاصم الأحول:
قال ابن سيد الناس: وروينا عن أبي عروبة6 ثنا علي7 بن المنذر ثنا محمد8 ابن فضيل عن عاصم9 عن عامر10 قال: كان أول من بايع بيعة الرضوان أبو سنان
1 عبد الله بن نمير - بنون مصغراً - الهمداني أبو هشام الكوفي، ثقة صاحب حديث، من أهل السنة، مات سنة تسع وتسعين ومائة، وله أربع وثمانون سنة: ع. تقريب: 192.
2 عامر بن شراحبيل الشعبي - بفتح المعجمة - أبو عمرو، ثقة مشهور فقيه، فاضل، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المائة وله نحو من ثمانين سنة: ع. تقريب: 161.
3 الطبقات الكبرى 2/100.
4 سيرة ابن هشام 3/316.
5 سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ، فقيه إمام حجة إلا أنه تغير حفظه بآخره وكان ربما دلس، لكن عن الثقات، وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار، مات في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة، وله إحدى وتسعين سنة: ع. تقريب: 128.
6 الحسين بن محمد بن أبي معشر، مودود السلمي الحراني صاحب التاريخ، كان أول طلبه لهذا الشأن سنة ست وثلاثين ومائتين، قال ابن عدي: كان عارفاً بالرجال وبالحديث وكان مع ذلك مفتي أهل حران، شفاني حين سألته عن قوم من المحدثين، وقال الذهبي: كان من نبلاء الثقات، توفي سنة ثماني عشرة وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ 2/774.
7 علي بن المنذر الطريقي - بفتح المهملة وكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة ثم قاف - الكوفي، صدوق يتشيع، مات سنة ست وخمسين ومائتين: ت، س، ق. تقريب:249.
8 محمد بن فضيل بن غزوان - بفتح المعجمة وسكون الزاي - الضبي مولاهم أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق، عارف، رمي بالتشيع، مات سنة خمس وتسعين ومائتين: ع. تقريب: 315، تذكرة الحفاظ 1/315.
9 عاصم بن سليمان الأحول أبو عبد الرحمن البصري، ثقة، لم يتكلم فيه إلا القطان، وكان بسبب دخوله في الولاية، مات بعد سنة أربعين ومائة: ع. تقريب: 159.
10 هو: الشعبي.
الأسدي، قال:"يا رسول الله بايعني على ما في نفسك قال: ما في نفسي؟ قال: الفتح أو الشهادة، فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء الناس فجعلوا يقولون: نبايعك على بيعة أبي سنان"1.
هذا الأثر صحيح بمجموع طرقه إلى الشعبي وهو مرسل.
وجاء في حديث ابن عمر عند الطبراني "أبو سنان بن محصن":
(88)
قال الطبراني: حدثنا أحمد2 ثنا محمد3 بن عبد الله بن عبيد ابن
1 عيون الأثر في المغازي والسير 2/125.
2 أحمد بن يحيى بن زهير أبو جعفر التستري، قال عنه الذهبي الحافظ الحجة، وقال الحافظ بن منده: "ما رأيت في الدنيا أحفظ من أبي إسحاق بن حمزة وسمعته يقول: ما رأيت في الدنيا أحفظ من أبي جعفر التستري، وقال الحاكم: سمعت جعفر بن أحمد المراغي يقول: أنكر عبدان الأهوازي حديثاً مما عرض عليه لابن زهير، فدخل عليه وقال: هذا أصلي ولكن من أين لك ابن عون (لعله ابن عوف كما في هذه الرواية) عن الزهري عن سالم؟ فما زال عبدان يعتذر إليه ويقول: يا أبا جعفر إنما استغربت حديثك، مات سنة عشرة وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ 2/757 - 758.
3 محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل - بفتح العين - الهلالي أبو مسعود البصري، صدوق، من الحادية عشرة: د، س، ق. تقريب:305.
عقيل ثنا يعقوب1 بن محمد الزهري ثنا عبد العزيز2 بن عمران عن محمد3 بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن الزهري عن سالم4 عن أبيه5 قال: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية الناس للبيعة، فقام أبو سنان بن محصن فقال: يا رسول الله أبايعك على ما في نفسك، قال: وما في نفسي؟ قال: أضرب بالسيف بين يديك حتى يظهرك الله أو أقتل، فبايعه وبايع الناس على بيعة أبي سنان6.
قال الطبراني: "لم يروه عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز ولا عنه إلا عبد العزيز بن عمران، تفرد به يعقوب"7.
وأورده الهيثمي ثم قال: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد العزيز ابن عمران، وهو متروك"8.
قلت: وفيه أيضاً محمد بن عبد العزيز شيخ عبد العزيز بن عمران، قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك9.
وقد عد ابن رجب10 بيتهم في البيوت التي اشتهرت بالضعف.3
1 يعقوب بن محمد بن عيسى بن عبد الملك بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، نزيل بغداد، صدوق كثير الوهم والرواية عن الضعفاء، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين: خت، ق. تقريب:387.
2 عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني الأعرج يعرف بابن أبي ثابت، متروك، احترقت كتبه فحدث من حفظه فاشتد غلطه، وكان عارفاً بالأنساب، مات سنة سبع وتسعين ومائة: ت. تقريب: 215.
3 محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري، روى عن أبيه والزهري وغيرهما، ولي القضاء بالمدينة، قال البخاري: محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عوف القاضي، منكر الحديث، وقال النسائي: متروك، وقال في التمييز: منكر الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال أبو حاتم ثلاثة أخوة محمد وعبد الله وعمران ليس لهم حديث مستقيم. لسان الميزان 5/259 - 260.
4 سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أبو عمر أو أبو عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، وكان ثبتاً عابداً فاضلاً، كان يشبه بأبيه في الهدى والسمت، مات في آخر سنة ست ومائة على الصحيح: ع. تقريب: 115.
5 عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي أبو عبد الرحمن، ولد بعد المبعث بيسير، استصغر يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، وهو أحد المكثرين من الصحابة والعبادلة، وكان أشد الناس اتباعاً للأثر، مات سنة ثلاث وسبعين في آخرها أو أول التي تليها: ع. تقريب: 182.
6 مجمع البحرين بزوائد المعجمين 1/2، لوحة:240.
7 مجمع البحرين بزوائد المعجمين 1/2/لوحة: 141.
8 مجمع الزوائد 6/146.
9 لسان الميزان 5/260.
10 شرح علل الترمذي: 527.
وهذا الحديث مع ضعف سنده في متنه نكارة أيضاً، ففيه أن أول من بايع أبو سنان بن محصن، وأبو سنان بن محصن مات قبل ذلك في حصار بني قريظة1.
وقد ظن الواقدي أن المشار إليه في الروايات السابقة هو هذا فوهّم قائله، وقال2: إن أول من بايع بيعة الرضوان هو سنان بن أبي سنان وتبعه على ذلك أبو هلال العسكري3 وابن سيد الناس4، وكأنه لم تبلغهم الراويات التي وردت عن الشعبي وغيره تصرح بأن المذكور في البيعة هنا هو أبو سنان بن وهب، والروايات هي:
(89)
قال ابن عبد البر: ذكر الحلواني5 عن أبي أسامة6 عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: أول من بايع تحت الشجرة أبو سنان بن وهب الأسدي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: علام تبايع؟ قال: على ما في نفسك فبايعه وتتابع الناس فبايعوه7.
(90)
وقال أيضاً: ذكر أبو العباس8 محمد بن إسحاق السراج قال: حدثنا هناد بن السري9 قال حدثنا أبو بكر10 بن عياش عن عاصم عن زر11 قال: أول من بايع تحت الشجرة أبو سنان بن وهب12.
1 الإصابة 11/181.
2 مغازي الواقدي 2/603، الطبقات الكبرى لابن سعد 2/100.
3 كتاب الأوائل: 170.
4 عيون الأثر 2/125.
5 الحسن بن علي بن محمد الهذلي أبو علي الخلال الحلواني.
6 هو: حماد بن سلمة.
7 الاستيعاب 11/313 مع الإصابة.
8 أبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران الثقفي مولاهم النيسابوري السراج، صاحب المسند والتاريخ، قال عنه الذهبي: الحافظ الإمام الثقة شيخ خراسان، مات في ربيع الآخرة سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ 2/731.
9 هناد بن السري - بكسر الراء الخفيفة - ابن مصعب التميمي أبو السري الكوفي، ثقة، مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين وله إحدى وتسعون سنة: عخ، م، الأربعة. تقريب:365.
10 أبو بكر بن عياش الأسدي.
11 زر: بكسر أوله وتشديد الراء - ابن حبيش - بمهملة وموحدة ومعجمة مصغراً - ابن حباشة - بضم المهملة بعدها موحدة ثم معجمة - الأسدي الكوفي، أبو مريم، ثقة جليل مخضرم، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وثمانين وهو ابن مائة وسبع وعشرين سنة: ع. تقريب: 106.
12 الاستيعاب 11/314.
قال ابن حجر: وأخرجه ابن منده من طريق عاصم عن زر بن حبيش فذكر مثله1.
وذكر ابن حجر أن طريق زر بن حبيش وطريق الشعبي كلاهما صحيح2.
فهذا الحديث حسن لغيره وإن كان مرسلاً إلا أنه قد اختلف مخرجه فدل على أن له أصلاً وقد أشار إلى هذه القاعدة ابن الصلاح بقوله: "ثم اعلم أن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف، إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر3.
وهنا قد صح مخرجه من وجهين فارتفع إلى درجة الحسن لغيره، والله أعلم.
وبهذا نكون قد وصلنا إلى نتيجة وهي: رجحان القول بأن أول من بايع هو أبو سنان بن وهب الأسدي، وليس أبو سنان بن محصن لهذا الحديث ولأن حديث ابن عمر الذي ذكر فيه أبو سنان بن محصن ضعيف جداً لا يقوى على المعارضة والروايات التي قالت: أبو سنان الأسدي تفسرها هذه الرواية، والله أعلم.
ذكر ابن حجر: أن البغوي أخرج في ترجمة أبي سفيان بن الحارث من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم قال: "أول من بايع تحت الشجرة أبو سفيان بن الحارث"4.
وقد تعقبه ابن حجر بقوله: "ولم يصب في ذلك، فقد أخرجه غيره من هذا الوجه فقال: أبو سنان بن وهب وهو الصواب وهو المستفيض عند أهل المغازي كلهم، واسم أبي سنان: عبد الله" 5 ا. هـ
وقد أورد السفاريني على قصة أبي سنان بن وهب - من كونه أول من بايع - ما روى مسلم في حديث سلمة أنه أول من بايع: ثم أجاب عن ذكل بقوله: "والجمع بينهما: بأن أبا سنان أول من بايع مطلقاً، وأن سلمة أول من بايع من الأنصار فأوليته بالإضافة إلى ما دون أبي سنان"6.
1 الإصابة 11/181.
2 الإصابة 4/264.
3 علوم الحديث لابن الصلاح: 49.
4 الإصابة 11/171.
5 الإصابة: 11/171.
6 شرح ثلاثيات مسند أحمد 2/733.