الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب، ح.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو جعفر1 البغدادي قال: حدثنا محمد بن عمرو بن خالد قال: حدثنا أبي قال: حدثنا ابن لهيعة قال: حدثنا أبو الأسود عن عروة قالوا: "وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية راجعاً قال رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما هذا بفتح، لقد صددنا عن البيت وصد هدينا، وعكف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية، ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من المسلمين خرجا، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قول رجال من أصحابه إن هذا ليس بفتح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بئس الكلام، هذا أعظم الفتح، لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألونكم القضية، ويرغبون إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا وقد أظفركم الله عز وجل عليهم وردكم سالمين غانمين، مأجورين، فهذا أعظم الفتوح أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم؟ "أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا"؟ قال المسلمون: "صدق الله ورسوله هو أعظم الفتوح، والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه، ولأنت أعلم بالله عز وجل وبالأمور منا، وأنزل الله عز وجل سورة الفتح:{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} إلى قوله: {صِرَاطاً مُسْتَقِيماً} 2.
هذا الحديث مرسل، لكنه يرتفع إلى درجه الحسن لغيره لتعدد طرقه واختلاف مخرجه، لا سيما ولبعضه شاهد من الأحاديث السابقة.
1 هو: محمد بن محمد بن عبد الله.
2 دلائل النبوة 2، لوحة:238.
المبحث الثاني: نتائج غزوة الحديبية:
لقد تمخضت هذه الغزوة عن نتائج عظيمة لم تتوافر في غزوة قبلها أو بعدها فيما أعلم، وأهمها ما يلي:
أولاً: ترتبت على الصلح آثار إيجابية ضخمة منها ما يلي:
أ - اعترفت قريش في هذه المعاهدة بكيان المسلمين، فالمعاهدة دائماً لا تكون إلا بين ندين، وكان لهذا الاعتراف أثره في نفوس القبائل المتأثرة بموقف قريش الجحودي، حيث كانوا يرون أنها الإمام والقدوة.
ب - دخلت المهابة في قلوب المشركين والمنافقين وتيقن الكثير منهم بغلبة الإسلام، وقد تجلت بعض مظاهر ذلك في مبادرة كثير من صناديد قريش إلى الإسلام، مثل خالد بن الوليد وعمرو بن العاص1، كما تجلت في مسارعة الأعراب المجاورين للمدينة إلى الاعتذار عن تخلفهم بعد أن خابت ظنونهم إذ كانوا يتوقعون أنها القاضية على المسلمين، كما أخبر الله بذلك عنهم2.
جـ - أعطت الهدنة فرصة لنشر الإسلام، وتعريف الناس به، مما أدى إلى دخول كثير من القبائل فيه.
يقول الزهري: "فما فتح في الإسلام فتح قبله، كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضاً، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئاً إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك"3 اهـ.
وعقب عليه ابن هشام4 بقوله: "والدليل على قول الزهري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة في قول جابر بن عبد الله، ثم خرج في عام الفتح بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف"5 اهـ.
د - أمن المسلمون جانب قريش فحولوا ثقلهم على اليهود ومن كان يناوئهم من القبائل الأخرى6.
ثانياً: كسب المسلمون الذين شهدوا هذه الغزوة بسببها فوائد كثيرة - أخروية ودنيوية - وأهمها ما يلي:
1 كان إسلامهما عقب صلح الحديبية، انظر سيرة ابن هشام 3/276.
3 سيرة ابن هشام 3/322.
4 سيرة ابن هشام 3/322.
5 جاء هذا العدد في حديث ابن عباس، صحيح البخاري مع الفتح كتاب المغازي: 4276، وقد روي أنهم أكثر من ذلك، انظر مرويات غزوة فتح مكة لمحسن الدوم ص 56 وما بعدها.
6 أخذت بعض المعاني السابقة عن كتاب "سيرة الرسول" لمحمد عزة دروزة 2/292 - 293، وكتاب "موسوعة التاريخ الإسلامي" لأحمد شلبي 1/330 - 331، وكتاب "السيرة النبوية" لأبي شهبة:282.
أ - فازوا برضى الله عز وجل عنهم.
قال الله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ
…
} الآية1.
ب - أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم: "أن الله قد غفر لهم".
ففي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر" 2.
جـ - شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم خير أهل الأرض.
ففي صحيح البخاري من حديث جابر قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض
…
" 3.
د - بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم: بالنجاة من النار.
ففي صحيح مسلم من حديث أم مبشر أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها
…
" 4.
هـ - قسمت عليهم غنائم خيبر، ففي حديث مجمع بن جارية الأنصاري:"فقسمت خيبر على أهل الحديبية، فقسمها النبي صلى الله عليه وسلم على ثمانية عشر سهماًَ، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة فيهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهماً"5.
ثالثاً: شرعت في هذه الغزوة كثير من الأحكام والرخص التي كان لها أثر كبير في حياة المسلمين ومن أهمها ما يلي:
أ - شرعت فيها صلاة الخوف على الصحيح6.
1 سورة الفتح آية: 18.
2 تقدم برقم (52) .
3 تقدم برقم (20) .
4 تقدم برقم (91) .
5 تقدم برقم (158) .
6 انظر الكلام على ذلك ص: 143.
ب - شرعت فيها الفدية لمن ارتكب شيئاً من محظورات الإحرام1.
جـ - شرع فيها الصلح مدة معلومة عند حاجة المسلمين إليه2.
د - شرع فيها التحلل للمحصر، وأنه لا يلزمه القضاء.
هـ - شرعت فيها رخصة الصلاة في الرحال في حال المطر3.
و شرع فيها قضاء الصلاة الفائتة بالنوم أو النسيان عند ذكرها4.
ز - نزل في هذه الغزوة تحريم نكاح الكفار من المسلمات، وذلك في قوله تعالى:{فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} 5.
قال ابن كثير: "هذه الآية هي التي حرمت المسلمات على المشركين، وقد كان جائزاً في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة
…
" 6.
ح - نزل فيها أيضاً الأمر بفسخ نكاح المشركات وعدم الاستمرار عليه، وذلك في قوله تعالى: {وَلَاتُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ
…
} 7 الآية.
وقد اشتملت مرويات هذه الغزوة على أحكام كثيرة غير هذه وسوف يأتي ذكر بعضها مع شيء من التفصيل في الباب الأخير إن شاء الله.
1 انظر الحديث رقم (125) .
2 انظر الكلام على هذه المسألة ص: 525.
3 وردت الإشارة إلى أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالصلاة في الرحال في حديث ابن عمر في صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الأذان: 632، وفي صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين: 22 - 24، وفي حديث جابر، صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين:25.
وأشار إليه حديث ابن عباس في المصدر السابق حديث رقم 26 - 30، ولم يعين في شيء من تلك الأحاديث الزمن الذي فعل النبي صلى الله عليه وسلم فيه ذلك، وإنما ورد التعيين في حديث أبي المليح، فقد ذكر أنه وقع في الحديبية، وقد تقدم الحديث برقم (128)، وقد ورد في حديث أبي المليح أيضاً أنها حصلت لهم القصة في حنين وسبقت الإشارة إلى ذلك في ص: 394، وغزوة الحديبية كانت قبل غزوة حنين، كما هو معلوم فابتداء مشروعية الصلاة فيها ظاهر، والله أعلم.
4 انظر حديث رقم (151) .
5 انظر حديث رقم (115) .
6 تفسير ابن كثير 4/351.
7 انظر الحديث رقم (115) .