الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك
…
"1.
وقد روى ابن جرير عن عبد الله بن أبي بكر: "أن الحليس غضب عند ذلك، وقال: يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم أن تصدوا عن بيت الله من جاء معظماً له، والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد، قال: فقالوا: مه، كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به"2.
فهذا الموقف من رسل قريش معها - إلى جانب ما أحدثته البيعة في نفوسها من ذعر - كان السبب في انصياعها وقبولها الصلح.
1 مسند أحمد 4/324، وتقدم طرف من أوله مع سنده برقم (36) .
2 تاريخ ابن جرير الطبري 2/75، وتقدم سنده والكلام عليه برقم (72) .
المبحث الثاني: الشروط التي تم عليها الصلح:
كانت قريش قد ألجأت إلى الصلح إلجاء لأنها لا تريد أن تعترف بالمسلمين كندٍ لها يواقفونها جنباً إلى جنب، فيتحدث الناس بذلك عنها.
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يهدف من وراء الصلح إلى تحقيق مصالح للدعوة بعيداً عن السمعة والأغراض الشخصية.
وما كانت تلك الشروط التي وقع عليها الصلح إلا صورة عاكسة لذينك الموقفين.
فقد جاء في حديث المسور ومروان من طريق معمر ما نصه:
"فجاء سهيل بن عمرو فقال هات اكتب بيننا وبينكم كتاباً، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: أما (الرحمن) فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب (باسمك اللهم) كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا (بسم الله الرحمن الرحيم) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب (باسمك اللهم)، ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب: (محمد بن عبد الله)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني اكتب (محمد بن عبد الله) قال
الزهري: وذلك لقوله: "لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب إنا أخذنا ضغطة1، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف2 في قيوده وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نقض الكتاب بعد، فقال: والله إذا لم أصالحك على شيء أبداً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فأجزه3 لي، فقال: ما أنا بمجيزه لك، قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: بل قد أجزناه لك
…
" 4.
وفي حديثهما من طريق ابن إسحاق: بعد أن ذكر الخلاف حول كتابه "بسم الله الرحمن الرحيم" و "محمد رسول الله" قال: فقال سهيل: ولو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك ولكن اكتب هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه بغير إذن وليه رده عليهم، ومن أتى قريشاً ممن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يردوه عليه وأن بيننا عيبة مكفوفة5، وأنه لا إسلال ولا إغلال6، وكان في شرطهم حين كتبوا الكتاب أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن
1 ضغطه: أي عصراً وقهراً، يقال: أخذت فلاناً ضغطة بالضم إذا ضيقت عليه لتكرهه على الشي. النهاية 3/90.
2 يرسف: الرسف والرسيف، مشي المقيد إذا جاء يتحامل برجله مع القيد. النهاية 2/222.
3 أجزه لي: بصيغة الأمر من الإجازة أي أمض لي فعلي فيه، فلا أرده إليك أو استثنيه من القضية. فتح الباري 5/345.
4 صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط 2731 - 2732، وتقدم سنده وتخريجه حديث رقم (35) .
5 عيبة مكفوفة: العيبة مستودع الثياب، والمكفوفة: المشرجة المشدودة: أي بينهم صدر نقي من الغل والخداع مطوي على الوفاء بالصلح.
وقيل: أراد بينهم موادعة، ومكامة عن الحرب تجريان مجرى المودة التي تكون بين المتصافين الذين يثق بعضهم ببعض. النهاية 3/327.
6 لا إسلال ولا إغلال: الإسلال: السرقة الخفية، وقيل سل السيوف، والإغلال: الخيانة أو السرقة الخفية. وقيل لبس الدروع. النهاية 2/392، 3/380.
مع عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، وأنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها بأصحابك وأقمت فيهم ثلاثاً معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير السيوف في القرب1.2
وأخرجه أبو داود من طريق ابن إسحاق به مختصراً ذكر فيه بعض الشروط ولفظه: "أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيهن الناس، وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال3.
وفي مرسل عروة الذي أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي أسامة: ذكر نحو رواية ابن إسحاق وبين فيه أبو أسامه معنى العيبة المكفوفة، والإسلال والإغلال، فقد جاء فيه ما نصه: "وكان في شرطهم أن بيننا للعيبة المكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال، قال أبو أسامة: الإغلال الدروع، والإسلال السيوف، ويعني بالعيبة المكفوفة أصحابه يكفهم عنه - وأنه من أتاكم منا رددتموه علينا، ومن أتانا منكم لم نردده عليكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن دخل معي فله مثل شرطي، فقالت قريش، ومن معنا فهو منا له مثل شرطنا، فقالت بنو كعب: نحن معك يا رسول الله، وقالت بنو بكر: نحن مع قريش
…
"4.
وقد وردت أحاديث أخرى ببعض تلك الشروط:
فمنها حديث البراء رضي الله عنه:
(102)
قال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه قال: "اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام فلما كتبوا الكتاب، كتبوا هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لا نقر بها، فلو نعلم أنك رسول الله ما منعناك، لكن أنت محمد بن عبد الله ثم قال لعلي: امح رسول الله، قال: لا والله لا أمحوك أبداً، فأخذ رسول الله الكتاب، فكتب5، هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد
1 القرب: جمع قراب، وهو غمد السيف. ترتيب القاموي 3/529.
2 مسند أحمد 4/325، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (36) .
3 سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الجهاد:2766.
4 تاريخ ابن أبي شيبة، لوحة: 56، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (11) .
5 هل كتب النبي صلى الله عليه وسلم فعلاً أو هو من قبيل المجاز؟ انظر ص:
الله لا يدخل مكة سلاح إلا في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع أحداً من أصحابه أراد أن يقيم بها، فلما دخلها ومضى الأجل أتوا علياً فقالوا: قل لصاحبك أخرج عنا فقد مضى الأجل، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فتبعته ابنة حمزة
…
" 1.
وأخرجه في المغازي2 بنفس السند، وفي: "فأخذ الكتاب - وليس يحسن يكتب - فكتب:
…
".
ومنها حديث ابن عمر رضي الله عنهما:
(103)
قال البخاري: حدثنا محمد بن رافع حدثنا سريج بن النعمان حدثنا فليح عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمراً فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر من العام المقبل، ولا يحمل سلاحاً إلا سيوفاً ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل، فدخلها كما كان صالحهم، فلما أقام بها ثلاثاً أمروه أن يخرج، فخرج"3.
وأخرجه4 في المغازي عن محمد بن رافع بهذا السند وعن محمد بن الحسين بن إبراهيم عن أبيه عن فليح به.
ومنها أيضاً حديث أنس رضي الله عنه:
(104)
قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن قريشاً صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم فيهم سهيل بن عمرو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي:(اكتب بسم الله الرحمن الرحيم) قال سهيل: أما بسم الله فما ندري ما (بسم الله الرحمن الرحيم) ؟ ولكن اكتب ما نعرف باسمك اللهم، فقال: أكتب (محمد رسول الله) قالوا: لو نعلم أنك رسول الله لاتبعناك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب (من محمد بن عبد الله) فاشترطوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا.
1 صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح:2699.
2 صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغاوي: 4251، وتقدم تخريجة برقم (9) .
3 صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح:2701.
4 صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي:4252.
فقالوا: يا رسول الله تكتب هذا؟ قال: نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً" 1.
وأخرجه أحمد2 عن عفان به مثله، إلا أنه لم يذكر في آخره: "ومن جاءنا منهم
…
".
ملخص الشروط التي وقع عليها صلح الحديبية:
(1)
أن يرجع المسلمون ذلك العام ولا يصلوا إلى مكة.
(2)
يقضون عمرتهم من العام المقبل ويقيمون بمكة ثلاثة أيام.
(3)
لا يدخلون مكة بسلاح إلا سلاح الراكب، السيوف في القرب.
(4)
من جاء النبي صلى الله عليه وسلم من قريش بغير إذن وليه يرده عليهم، ومن جاء قريشاً من المسلمين لا ترده إليهم.
(5)
من أراد أن يدخل في عقد النبي صلى الله عليه وسلم وعهده دخل فيه، وله مثل شرطه، ومن أراد أن يدخل في عقد قريش وعهدها دخل فيه، وله مثل شرطها.
(6)
أن بينهم عيبة مكفوفة.
(7)
أنه لا إسلال ولا إغلال.
(8)
توضع الحرب بينهم عشر سنين.
وهذا التحديد بعشر سنين ورد في حديث المسور ومروان من طريق ابن إسحاق وإسناده حسن3.
وقد جاء في حديث ابن عمر عند ابن عدي وغيره أن مدة الهدنة كانت أربع سنين.
1 صحيح مسلم، كتاب الجهاد:93.
2 مسند أحمد 3/268.
3 انظر الكلام على سنده حديث رقم (36) .