الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الجزء السابع]
مقدمة
لا يغمض لأرباب الأقلام جفن، ولا يهدأ لهم بال، ولا يسلك لهم بصر ما لم يروا أن نتاجهم قد اصفرّ سنبله، وآتى أكله، وردّدت الأروقة رجع صدى نتاجه من طالب العلم فيما كتبه.
ولعمري إنّ هذا الطموح لهو أحقّ بما هو مخطوط من تراث الأمم من غيره؛ لأنّ جهد العلوم لا ينمو غرسه إلّا فيما هو موروث من مداد أولئك الأئمة الأعلام الذين ذابت أفئدتهم، وتقرّحت أجفانهم بين المحابر والمنابر، ولم تثن عزيمتهم عوادي الزمن، أو غضب الأيام؛ وإنّما كسروا قيود المحال، وشمّروا عن سواعد الجدّ، فجادت نفوسهم بزاد المعاد الذي ما فتئت الأمم تتبارى متفاخرة به في ميدان سباق العلوم والآداب.
لقد حقّ ل (شهاب الدين أبو العبّاس، أحمد بن يحيى بن فضل الله بن مجلّي القرشي العمري الشافعي القاضي الكبير، الإمام الأديب البارع)(700- 749 هـ) أن تبصر جهوده النور، كما كان يطمح إليها، وعلى وفق مراده، لكنّما ذلك لم يكن بالأمر اليسير، فالنسخة التي قام عليها التحقيق تناءت عن زمنة، لما خالطها من جهالة لا يمكن أن تكون إلا من فعل النسّاخ المتكسبين في تحرير المخطوطات، ممّا وقعوا فيه من هنات، لا يقوى أحد على أن ينسبها إلى مؤلفها الذي يشهد له ببراعة الخط، وجودة الأسلوب، والتصرّف الرفيع في صياغة العبارة (المسجوعة) الموشّاة بأبهى الصور البلاغية التي عهدت في قلم ابن فضل الله؛ لأنه كان وزيرا للإنشاء، خلفا لأبيه، وزير الإنشاء عند حكام مصر آنذاك؛ لذا عجّت المخطوطة بالكثير من اللحن والخطأ الإملائي، وإهمال النقاط، وإضافة الهمزة إلى كلمة (ابن) الواقعة بين اسم الابن وأبيه، والاستعاضة بالمدّة الخنجرية عن الألف في مفردات، وعدم استعمالها في مفردات أخر، ممّا يدلّ على أن أقلاما عديدة تعاورت على نسخ المخطوطة؛ إذ وردت بعض الحروف معجمة تارة، وغير معجمة تارة أخرى، كالباء والياء والنون والغين؛ وإن كانوا قد توحّدوا في قلب الهمزة ياء، في مثل: فوايد، ومسائل والسايل.
إن استخلاص المفردات وتحقيقها من قلم ناسخ التوت حروفه، وتعثّرت نقطه بعد أن عفت الأيام رسومها، وحارت أنامله بعد أن زاغت عيناه في فكّ طلاسم نسخة اعتمدها لأمر بالغ الصعوبة، بل هو أصعب من خلع ضرس غير مرّة وإنما هو عند كل مفردة وفي صفحات عديدة؛ لأنّ الناسخ- كما هو ماثل في المخطوطة- كان ينقل كثيرا من المفردات رسما من نسخته المعتمدة، ولهذا جاءت كثرة من الأبيات الشعرية، فيما استشهد له ابن فضل الله غير موزونة أحيانا ومبتورة، أو مسطورة من غير تشطير؛ فضلا عن أنّ النتف والمقطوعات الشعرية الواردة في ثنايا المخطوطة لم ينسب الكثير منها إلى قائليها، ممّا جعلني أجهد في ردّها إلى أصحابها، ممّن عرفوا بالشهرة وذيوع الصيت. أما الآيات القرآنية الكريمة فجاءت مبثوثة في ثنايا السطور من دون إسنادها إلى سورها، الأمر الذي حدابي إلى وضعها بين قوسين صغيرين، مع بيان رقم السورة والآية، وبالنسبة إلى المفردات التي توجّب إضافتها في التحقيق عضدناها بين عضادتين، فضلا عن الاهتمام بالشكل والترقيم، مع ضبط القصائد وزنا وشكلا وإسنادها إلى بحورها.
اختص السفر السابع من «مسالك الأبصار» الذي وقفت على تحقيق نسخته بتراجم أهل النحو وأرباب المعاني والبيان من الجانب الشرقي (العراق) ، والجانب الغربي (الأندلس) ، ثم مصر، حيث بدأها ابن فضل الله ب (النّضر بن شميل)(- 204 هـ) ، وختمها ب (ابن أبي الإصبع)(- 624 هـ) ، وإن كان قد أفاض في ترجمة بعض أعلامها، وأوجز (مقلّا) عند بعضهم، كما هو الحال فيما ذكره عن السكّاكي (- 626 هـ) ، حيث لم يتجاوز فيه خمسة الأسطر من دون أن يذكر له مؤلّفا، أو إبداعا واحدا.
لقد أفاض ابن فضل الله في ترجمة (أبو حيان الأندلسي)(- 745 هـ) ، وأطنب كثيرا في تدوين قصائده التي كان أغلبها مناجاة ومساجلات بينهما؛ ناهيك عن الإطراء والمديح الذي أثنى فيه عليه؛ بوصفه شيخا من شيوخه الذين درس عليهم، وأتقن صنعة الكتابة بهم. كما أفاض كثيرا في ترجمة ابن المعتز (- 247 هـ) سالكا درب المؤرخين فيه، ومعرّجا على ريادته لفنّ البديع، واصفا إياه- بحقّ- رائدا لهذا اللون من فنون البلاغة، مع عدم
تقصيره فيما دوّن له من قصائد شعرية عصماء، جادت بأبهى الصور البديعية، ذاكرا له بعض القصائد والمقطوعات الشعرية التي لم يحفل بها محقق ديوانه، الدكتور يونس أحمد السامرائي. ولعلّ إفاضته في حياة ابن المعتز وشعره له ما ينصفه ويثني عليه؛ وذلك لأنه (ابن المعتز) علم البديع، ومصنّف أبوابه وأشكاله، وصاحب أفضل القرائح نظما واتّساق أسلوب، وأمهر الشعراء في خلق الصورة البديعية، الأمر الذي دفع ابن فضل الله إلى أن يفتي بنزاهة ابن المعتز، وإبعاد كلّ ما لا يليق بشخصه، على الرغم ممّا ورد في قصائده التي تعبّر عن حاله وحياته التي تعجّ بما يناقض ذلك.
لقد اعتمد ابن فضل الله في تراجمه على مصادر جعلها موردا ينهل منه تاريخ مولدهم ووفاتهم، وما يؤثر عنهم بعد أن يفيض بسجعه عليهم؛ فكان (وفيات الأعيان وأنباء أنباء الزمان) لابن خلكان (- 681 هـ) المصدر الأول له، واعتمد أيضا على (تاريخ إربل) لابن المستوفي (- 637 هـ) ، لكنّ إشارات ابن فضل الله لهذا الكتاب فيما حققه الدكتور سامي الصقّار غير واردة، وربّما يكون لما ورد ذكره من مدوّنات ابن المستوفي التي ولمّا تزل تئنّ من وطأة تراكم غبار السنين ترقب أكفّ المحققين في إنقاذها. وهو الحال نفسه مع كتاب (بغية الألبّاء) الذي ورد ذكره كثيرا، وكان من المكانة في الاعتماد عليه، ممّا يجعله بعد كتاب وفيات الأعيان، إلّا أن هذا الكتاب مفقود هو الآخر. كذلك اعتمد ابن فضل الله على كتاب (خريدة القصر وجريدة العصر) لعماد الدين الأصبهاني (- 597 هـ) ، الذي حقّقه الأستاذ محمد بهجت الأثري.
جاءت المخطوطة التي عني بإحياء إصدارها الأستاذ فؤاد سزكين، من معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية في جامعة فرانكفورت- ألمانيا الاتحادية-، وقد بدأت بعبارة:(وأمّا من حفظ ألسنة العرب، وسعى في تحصيل لغاتها، وانتهت بعجز بيت مقطوعة شعرية: (ولكنّه من مقتلي سرق المعنى) لابن أبي الإصبع، ولم يرد فيها من البياض إلا القليل، ولم يكن فيها من (خرم) الصفحات، وكان تعداد صفحاتها ثلاثمئة وأربعا وخمسين صفحة. في كل صفحة عشرون سطرا، وفي كل سطر عشر كلمات، قياس كل صفحة ثمانية عشر سنتمترا
طولا، وأحد عشر سنتمترا عرضا، ربط فيها ابن فضل الله بين تراجمه بكلمة (ومنهم)، مع الإشارة إلى ما نقله كثيرا بكلمة: قال ابن خلكان، وقال ابن المستوفي، وجاء في بغية الألبّاء.
لقد حرصت كثيرا على إنعام النظر وإمعانه في كل مفردة، عصيّة كانت أم يسيرة في أثناء التحقيق لهذه المخطوطة؛ لكنّما لا أبرئ نفسي من الوقوف عند فهم بعضها، ممّا كان لا يقصده ابن فضل الله، وهذا أمر غير غريب على المحققين كافة، ولا سيّما في كلامه المسجوع الذي بدأ به ترجماته إلّا أنّ ذلك لا يضاهي النهوض بالكشف عنه وتحريره، مما يدعو الباحث والقارئ على حدّ سواء إلى إسداء الشكر والعرفان للجهود القيّمة التي عني بها المجمع الثقافي في أبو ظبي، لحرصه واهتمامه بإحياء التراث العربي والسعي الحثيث لدى القائمين عليه في البحث عن مكنونات كنوز التراث العربي الإسلامي لتبصر النور ثانية، ولتأخذ دورها في تبصرة الجيل القادم بما له من أهمية في إنهاض أسباب المعرفة.
ولا يفوتني أن أثني على جهود ذلكم الفريق الذي ظل يؤازر أقلام التحقيق، ويمدها بالعون على الوصول إلى أمهات الكتب ومصادرها من أجل التثبت والتوثيق.
والله أسأل التوفيق والسّداد، إنّه نعم المولى، ونعم النصير.
عبد العباس عبد الجاسم أبو ظبي 12/آب/ 2001
الورقة الأولى من المخطوطة
الورقة الأخيرة من المخطوطة