الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[أرباب المعاني والبيان]
وأما أرباب المعاني والبيان، وهم خواص أهل العربية وأعيان من نظر منهم في أسرارها ونقّب عن تمام بدورها الكوامل وسرارها «1» ، وقليل ما هم ومن هم.
وقد تكلموا على المعاني والألفاظ، وسمّوا الأول المعاني والبيان. وسمّوا الثاني البديع.
وهو كاشف عن عجائب الكتاب والسنّة، ومخرج من خبايا معانيه غرائب الأجنّة. وقد ذكر ابن أبي الإصبع في كتابه، تحرير التحبير أن ابن المعتزّ وقدامة أول من اعتنى بعلم البديع، وقال ما معناه: أن ابن المعتز هو الذي سمّاه البديع واختصر في كتابه بهذه التسمية على خمسة أبواب، قد ذكرها في العيون ضمن المعاطلة؛ لأنه قال: ولا أرى المعاطلة إلّا ما حسن من الاستعارة سمّاه المعاطلة. والحسن منها سمّاه ابن المعتز بديعا. ولم يبوب قدامة في المحاسن.
وانفرد ابن المعتز بتبويبه غاية في البديع، التجنيس والطباق متواردا مع قدامة عليهما، وردّ الأعجاز على الصدور منفردا به وختمها بخامس عزا تسميته إلى الجاحظ، وهو المذهب الكلامي منفردا به. وإن كان ما قبله من الأسماء قد سبقت المغرب إلى وضعها؛ لكن لا على مراد ابن المعتز وربّما سبق ابن المعتزّ إلى نقلها عن مسمياتها إلّا وله إلى ما أراد.
وقال ابن المعتز في صدر كتابه: وما جمع قبلي فنون البديع أحد، ولا سبقني إلى تأليفه مؤلف، وألّفته سنة أربع وستين ومئتين. وأول من نسخه مني علي بن يحيى بن منصور المنجّم. ثم قال بعد سياقه الأبواب الخمسة: وهم الآن، نذكر محاسن الكلام والشعر؛ وإن كانت محاسنها كبيرة، لا للعاقل العالم أن يدعي الإحاطة بها حتى تبرأ من شذوذ بعضها عن عمله. واجبنا بذلك أن نذكر فوائد كتاب للمتأدّبين ويعلم الناظر فيه أنّا قد اقتصرنا بالبديع على الفنون الخمسة؛ اختيارا من غير جهل بالطريقة، ولا ضيق في المعرفة. فمن أحبّ أن يقتدي بنا، ويقتصر عن تلك الخمسة بالبديع فليفعل. ومن أضاف من هذه المحاسن أو غيرها شيئا إلى البديع وارثا غير رأينا فله اختياره، وهذا ذكر المحاسن «2» . ثم ذكر
الالتفات «1» . وقد توارد عليه هو وقدامة. وذكر اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه، ثم يعود المتكلم فيتمه في بيت واحد أو جملة واحدة. وسمّاه قدامة، التمام. وسمّاه الحاتمي في الحلية، التتميم «2» . وهو ممّا توارد عليه قدامة وابن المعتز، ثم ذكر من المحاسن الخروج من معنى إلى معنى، وسمّاه الحاتمي الاستطراد، ناقلا تسميته لا مخترعا، وهو إفراد ابن المعتز. ثم ذكر تأكيد المدح بما يشبه الذم منفردا وذكر تجاهل العارف، وهو الذي سمّاه المتأخرون الإغباب والتشكيك.
والتشكيك باب مفرد، أورده بعضهم، وبينه وبين تجاهل العارف فرق، وتجاهل العارف من إفراد ابن المعتز، ثم ذكر الهزل الذي يراد به الجدّ منفردا به. وذكر الكناية منفردا به، وذكر الإفراد في الصنعة متواردا عليها مع قدامة، وسمّاها قدامة المبالغة. وذكر التشبيه متواردا عليه مع قدامة. وذكر عتاب المرء نفسه منفردا به وذكر حسن الانتداب منفردا به، وسمّاه من بعد، براعة الاستهلال.
فهذه اثنا عشر بابا من المحاسن تضاف إلى أبواب البديع الخمسة، فيصير بها ما أخبر عنه ابن المعتز جميعه من ذلك سبعة عشر بابا، وهي: التشبيه، والتمام، والمبالغة، والالتفات، والطباق، والجناس متواردا هو وابن المعتز على جميع ذلك، وانفراد قدامة بالتكافؤ «3» . وإن كان هذا تداخل على قدامة في باب الطباق وصحة الأقسام وصحة المقلابلات، وصحة التفسير، وإسلاف اللفظ مع المعنى، وهو باب فرّع منه قدامة ستة أبواب، وهي: المساواة والإشارة والإرداف والتمثيل، ثم فرّع من ائتلاف اللفظ مع المعنى أيضا الطباق والجناس. وقد تقدّم ذكر توارده مع ابن المعتز عليهما. وذكر ائتلاف اللفظ مع الوزن. وجعل المتأخرون هذين البابين بابا واحدا، وسمّوه التهذيب والتأديب؛ لكنّ قدامة خصّ بهما الشعر، وربّما
من سمّاه تهذيبا لا يخصّ بهما الشعر دون النثر، ولا النثر دون الشعر. وذكر ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت، وسمّاه من بعده التمكين. وخصّ به الشعر أيضا وهو لا يخصّه. وفرّع قدامة من هذا بابي التوشيح والإيغال، وذكر الترصيع «1» في ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت في ضمن كلامه، ولم يفرده.
فهذه ثلاثة عشر بابا صحّت لقدامة بعد إسقاط ما تداخل عليه، وهو التكافؤ؛ فإذا أضيفت إلى ما انفرد به ابن المعتز من البديع، وأضافه إليه من المحاسن وتوارد عليه مع قدامة صارت هذه الأصول من كتابهما بعد حذف النوارد والتفاضل ثلاثين بابا سالمة من التداخل.
قال ابن أبي الإصبع: فهذه أصول ما ساقها الناس في كتبهم من البديع ثم اقتدى الناس بابن المعتز في قوله: فمن أحبّ أن يضيف فليفعل، فأضاف الناس المحاسن من البديع، وفرّعوا من الجميع أبوابا أخر، وركّبوا منها تراكيب شتّى، واستنبطوا غيرها بالاستقراء من الكلام والشعر؛ حتى كثرت الفوائد ورأو ابن المعتز قد غلّب اسم البديع على المحاسن، فسمى كتابه، البديع. وهو جامع لهما معا، فاقتدوا به؛ لانه المخترع الأول، فسمّوا أنواع كتبهم بالبديع؛ وإن سمّى كلّ منهم كتابه باسم مرجعه إلى معناه؛ إلّا أن يكون قد ألّف في مجموع البلاغة وكنه الفصاحة، فإن له أن يسميه بما شاء «2» . ثم إن ابن أبي الإصبع زاد في كتابه، تحرير التحبير، وجمع بعد ما تقدّم من أصول الأبواب ستين بابا من الفروع، وأضاف هذه الستين إلى الثلاثين الأصول، فصارت الفذلكة «3» تسعين بابا قال ابن أبي الإصبع: ثمّ عنّ لي استنباط أبواب تزيد بها الفوائد وتكبر بها الإمتاع، نسجا على منوال من تقدّمني، واتباعا لسنّة من سبقني ظني إلى شيء منها، اللهم إلّا أن يوجد في زوايا الكتب التي لم أقف عليها شيء مما اخترعته، فأكون أنا والسابق إليه متواردين عليه. وما أظنّ ذلك والله أعلم.
ثم قال: ولما انتهى استخراجي إلى هذا العدد أمسكت عن الفكر في ذلك، ليكون ما أتيت