الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومنهم:
38- أبو الحرم
«13»
مكي بن ريّان بن شيبة بن صالح الماكسيني صائن الدين. لسان من ألسنة العرب، وإنسان لا يقاومه نبع ولا غرب. لا يكون البدر التمام إلا نحوه «1» ، ولا يسلك الصباح المعرب إلا نحوه «2» . انتفع به الخلق، وارتقع به من كلام العرب الخرق. وكان في بلده يستسقى صيّبه «3» ويستدنى أدبه. ولم يكن من أنباتها الطلبة، ورؤسائها أهل المرتبة إلا من ينظر حيث السهى، وترى أنه إذا بدا بالأخذ عنه انتهى.
قال ابن المستوفي: هو شيخنا جامع فنون الأدب، وحجة كلام العرب. واحد القصر وفريد الدهر، المجمع على دينه وعقله، والمتفّق على علمه وفضله.
ولد بماكسين من ولاية سنجار، ونزل الموصل بعد أن رحل في طلب العلم إلى بغداد، ولقي بها مشايخ النحو واللغة والحديث. وكان واسع الرواية، شائع الدراية.
أخبرني لما رحلت إليه الرحلة الثانية بالموصل سنة سبع وثمانين وخمسمئة أنه ورد إربل، وأقام بمسجد قريب من باب القلعة الغربي بعد أن أضرّ وكان سبب عماه جدريا لحقه، وهو ابن ثمان أو تسع سنين. وكان يقول: أعرف من الألوان الأحمر. وكان على غاية الذكاء والفطنة. فكنت أقرأ عليه كتاب المجمل، لأبي الحسين أحمد بن فارس معارضا بأصل، وهي من كتابة في وسطه. فلمّا انتهت بي القراءة إلى أول تلك الورقة، قال لي: هذه الورقة بغير خطّ الأصل؛ فتأنّ في القراءة ليصلحها المعارض «4» لك. وأحكم القراءات كلّها، الأصول
منها والشواذ. وكان يقرأ عليه القرآن في كل يوم تلقينا وتحريرا جماعة تزيد على الخمسين، ونصّب نفسه للانتفاع عليه بالقرآن العزيز، وجميع ضروب الأدب. فكان لا يتفرّغ إلا للصلاة المكتوبة أو لما لا بدّ منه. ويخرج عليه جماعة من أصحابه شهّروابه سوى من تردّد إليه، فلم يظفر بمطلبه.
أخذ النحو عن أبي البركات الأنباري، وأبي محمد ابن الدهّان، واتصل أبو الحرم بالملك الظاهر غازي، وأقام بحلب مدّة، وهمت عليه سحب إكرامه واتصلت به ضروب إنعامه.
وكان حيث خرج من الموصل لم يمكّنه سلطانها من السفر، حتى ضمن على نفسه بالعود إليها، وكفله أبو السعادات ابن الجزري. وكان قد جعل سبب سفره زيارة بيت المقدس، فأقام بحلب. فلمّا بلغ تأخره صاحب الموصل، قال: ما يضرّ الموصل ألا يكون فيها أبو الحرم، فأحسن المحدّث له الاعتذار عنه، ثم وصل إلى الموصل عائدا من حلب في رمضان سنة ثلاث وستمئة، وأقام بها مريضا مدّة يسيرة، ثم توفي بها ليلة السبت سادس شوال منها، وخلّف ولدا صغيرا.
قال أبو المعالي ظافر بن الوهاب الموصلي: كان رحمه الله ربّما فرض في بعض الأوقات الأبيات من الشعر. ولم يكن شعره على قدر فضله؛ إذ هو فلك النكت والعيون، وأنا أورد من مختاره وجيّده، فمن ذلك قوله:[الوافر]
سئمت من الحياة فلم أردها
…
تسالمني وتشجيني بريقي
عدوّي لا يقصّر في أذاتي
…
وتفعل مثل ذلك في صديقي
وقد أضحت لي الحدباء دارا
…
وأهل مودتي بلوى العقيق
قال: ومن جيّد قوله: [الطويل]
على الباب عبد يسأل الإذن طالبا
…
به أدب لا أنّ نعماك تحجب
فإن كان إذن فهو كالخير داخل
…
عليك وإلا فهو كالشرّ يذهب
وكان أبدا يتعصب لأبي العلاء المعرّي، ويطرب إذا قرئ عليه شعره للجامع بينهما من
العمى والأدب، فسلك مسلكه في أبيات تائيته، أولها:[البسيط]
هات الحديث عن الخابور لا هيتا «1»
…
ولا المحلّين بغداد وتكريتا
قومي وأين كقومي في الورى بشر
…
يأتون في كل حال شئت ما شيتا
ومنها:
فيا أخلاي هنّيتم به قطنا
…
وأنت أيضا بذاك السكن هنيّتا
إن فاتني فيكم عيش ألذّ به
…
فإنّ شوقي إليكم قطّ ما فيتا
ويا منبّئي الأنباء عن بلدي
…
إن كنت حيّيتهم عني تحيّيتا
هناهم بي في الآفاق طيب بنا
…
يفوّق العرف عرف المسك مفتوتا
وقائل قال تسلاه فقلت له
…
حبّ المواطن فرض كان موقوتا
وذكر بعد ذلك أسماء مواضع من بلد ماكسين ينفر عنها الطبع، ويمجها لغلظها السمع.
وقال يخاطب البرق المومض من نواحيها، ويأمره سقيا أماكن عدّدها فيها:
واذكر مغاني من أرض الحصين ومن
…
تحناس والمنحنى إن كنت أنسيتا
وغير ناس إذا لم تنس جلدتها
…
العليا وأوسعها هاميك نبيّتا
وأختهن عرايانا «2» ومجد لها
…
ودامسا وصحاريها الأماريتا «3»
فإن فعلت وإلا كنت معتمرا
…
أتى المقام ولم يأت المواقيتا
هم المعاشر لا مجد كمجدهم
…
وأبعد الناس ما بين الورى صيتا
والقوم في الأمن أملاك مسالمة
…
وفي الهياج يخالون العفاريتا
وفي الرّحال إذا صاحبتهم خدموا
…
وفي المجالس توقيرا وتثبيتا
ويتلوه منها ما أغمض معناه وأبعد مغزاه قوله:
لم يمس قوت امرئ من غيرهم نشبا
…
إلا وأمسى لهم إعطاؤه قوتا
وطالما قلت والأشواق تلعب بي
…
إليهم ويريني الناس مسبوتا
لو أنهم وصلوا حبلي بحبلهم
…
جعلته من جميع الناس مبتوتا
قال ابن المستوفي: كتب إليّ أبو الحرم رحمه الله بخط أبي الحسن علي بن أبي بكر الصفّار يتنجّز فيه إعادة كتاب الهمز، وهو قصائد مهموزة بخط أبي منصور ابن الجواليقي، قرأتها عليه واستعرتها منه ونسختها. ولم يقع له بقية بعدها على يديه، فتأخّر ردّها، أو خشي فراق فلان، بلّغه الله أنفس الأعمار وأبلغ الأمد، وقربه من أبعد الأماني بعد بعد المدد، وأنجز أمل غايته وغاية أمله، وجمل غاية أمله بفسحة أجله؛ حتى يحوز من المراتب أسناها وتقتني من المعاني والمعالي منتهاها. ويشعره أن الحاجة داعية في هذا الوقت إلى كتاب الهمز، وقد تكررت كتبي في هذا المعنى، وما عرّفني سبب تعويقه وفي ذلك أقول:
[الطويل]
متى أنا راء نسخة الهمز في يدي
…
وقلبي خلاء من مساورة الهمز
فإن يد الإنسان أهون عارضا
…
من القلب يرمي بالوساوس والوخز
أفي خيمكم أني أعرّض للأذى
…
وأنتم أولو الإحسان في اليأس والمزّ «1»
وقد كنت أرضى دفعكم عن حقيقتي
…
إذا ما سواكم رام منّي ما يجزي
لك الله لا تذعر خليلا بشيء
…
ولا تجزه إلّا جزاه الذي يجزي
فإن لم تعجّل لي جواب رسالتي
…
شكوت إلى كافي الكفاة أبي العزّ
أبو العزّ، هو المظفر بن أحمد بن المبارك بن موهوب. وكنيته اسمه، إلا أنّ بعض الناس كان يسميه المظفر. وتوفي له ابن كان سمّاه محمدا، فكتب إليه أبو عبد الله البحراني كتابا يعزيه. أوّله:[الكامل]
لا زالت الأيّام واهية القوى
…
تشكو مضاجعها جفاء العوّد
وتبدّلت أيامهنّ لياليا
…
إذ كان فيها مثل يوم محمّد